تاريخ فيضانات وطوفانات نهر العاصي في مدينة حماة
فراس حمدون
- ارتبط اسم نهر العاصي بصفة "العصيان" ليس فقط لاتجاه جريانه المعاكس من الجنوب إلى الشمال، بل لثورانه المفاجئ والعنيف في مواسم الأمطار الغزيرة وذوبان الثلوج،
ويمكن تقسيم تاريخ الطوفانات في المدينة إلى مرحلتين؛
الأولى هي مرحلة "ما قبل السدود" (الفيضانات المدمرة واجتياح الأحياء):
والتي تميزت بعدم وجود أي عوائق صناعية تحجم تدفق النهر، مما جعل الفيضانات عنيفة وتؤثر بشكل مباشر على البنية التحتية، حيث سجلت المدونات المحلية في طوفانات:
- أواخر العهد العثماني (1880م - 1894م) كوارث كبرى؛ ففي طوفان 1880م جرف التيار الجسور الخشبية القديمة وعزل أحياء المدينة عن بعضها،
وفي طوفان 1894م غمرت المياه الأسواق القريبة وتضررت أخشاب النواعير نتيجة ارتطام الأشجار المنجرفة بها،
تلاها طوفان عام 1929م الذي دمر البنية الاقتصادية واجتاحت فيه المياه الربيعية بساتين حماة الممتدة على سرير النهر (الزور) وجرفت المحاصيل،
وكان الضرر الأكبر في غرق وتدمير "الأرحاء" (المطاحن المائية الأثرية الملحقة بالنواعير) مما تسبب بأزمة دقيق في المدينة وتوقف حركة النواعير كلياً،
وصولاً إلى طوفان عام 1940م الذي يُعد الفيضان الأعنف في العصر الحديث والحدث الأقسى في القرن العشرين نتيجة ذوبان الثلوج المفاجئ؛
حيث لم يقتصر الفيضان على الضفاف بل اجتاح الأحياء السكنية المنخفضة (مثل حي الكيلانية وحي بين الحيرين) وغمر الطوابق الأرضية للمنازل واضطر الأهالي لاستخدام القوارب الصغيرة والتنقل عبر الأسطح لإنقاذ المحاصرين،
- المرحلة الثانية وهي مرحلة "ما بعد السدود" (الفيضانات المحصورة والموثقة صورياً):
فبعد تشغيل سد الرستن عام 1960م، دخل النهر مرحلة الضبط الهيدروليكي فاقتصرت الفيضانات على غمر المنخفضات والمقاهي دون اجتياح البيوت، وتميزت بتوثيقها الفوتوغرافي
- طوفان عام 1964م الذي شهد إرتفاعاً كبيراً في منسوب المياه غمر "مقهى فندق ابي الفداء القديم بساحة العاصي " والمقاهي العريقة المحيطة بنواعير المأمورية والبشرية،
وتحول هذا الفيضان إلى حدث اجتماعي وثقته عدسات الكاميرات حيث خرج الأهالي لالتقاط الصور التذكارية بجانب النواعير المغمورة،
- طوفان عام 1984م (اجتماع فيضان النهر مع جنون السيول الخارجية):
يُعد طوفان عام 1984م النموذج الأبرز لاجتماع خطرين مائيين في آنٍ واحد؛ حيث لم يقتصر الأمر على نهر العاصي فحسب، بل سانده انفجار السيول القادمة من الأودية المحيطة:
1. فيضان مجرى العاصي: تسببت الأمطار المتواصلة بامتلاء سد الرستن، مما اضطر الجهات الرسمية لفتح بوابات التصريف الاضطراري بكميات هائلة، ففاض النهر وغمر الجسور والحدائق العامة بمركز المدينة.
2. انفجار "در السيل" ومجرى الزيادة:
بالتزامن مع فيضان النهر، هطلت أمطار إعصارية على المرتفعات المحيطة بحماة، فتدفقت سيول جارفة عبر الأودية نحو قنوات "درء السيل ومجرى الزيادة"، ولأن غزارة المياه فاقت طاقتها الاستيعابية، فاضت هذه القنوات واجتاحت الشوارع والأسواق ( باتجاه شارع المرابط )من جهة اليابسة .
- طوفان عام 2003م الذي يُسجل كآخر طوفان حقيقي مرعب يشهده الجيل الحالي نتيجة ذوبان الثلوج الكثيفة في منبع النهر،
حيث غمرت المياه بالكامل الجلسات الصيفية للمقاهي واجتاحت "جسر السرايا" الأثري ودخلت بعض المحال التجارية ليتحول محيط النواعير إلى بحيرة مفتوحة حاصرت المعالم الأثرية لعدة أيام قبل أن ينحسر .
"وهم السد والأمان الخادع" وهو الاعتقاد الخاطئ بأن السدود روّضت الأنهار للأبد،
إذ تظهر الكارثة عند الهطولات المطرية الاستثنائية؛ حيث تضطر السدود لتفريغ كميات مياه هائلة عبر مفيضها الاضطراري فتصطدم بالتعرجات والانحناءات الحادة للنهر التي تعيق التدفق،
في مدينة حماة شكل التفاف نهر العاصي بزاوية قائمة (90 درجة) شمال شرق القلعة أسفل الجسر الرئيسي ( وفق الصورة المرفقة و المنعطف المحدد بدائرة حمراء ) عائقاً طبيعياً ضاعف ارتداد المياه وارتفاعها المفاجئ ضمن المدينة،
لذلك فإن مياه نهر العاصي في الحالة القصوى للجريان والتصريف الاضطراري قد ترتفع عمودياً إلى نحو 8 أمتار تقريباً،
تماماً كما حصل تاريخياً قبل بناء سد الرستن في طوفان عام 1940م حين اجتاحت المياه الأحياء السكنية المنخفضة كالكيلانية وبين الحيرين وغمرت الطوابق الارضية من المنازل،
وباختصار: فإن السد ينظّم النهر، لكن طبيعة التعرجات الهندسية وجنون المناخ لا يلغيان عنفوان الطبيعة،
تعقيب:
المصادر والمراجع المعتمدة (توثيق الأرقام والأحداث):
1. مشوح، الوليد. (1997). نواعير حماة: دراسة تاريخية وأثرية وفنية. وزارة الثقافة السورية (لتوثيق أضرار طوفانات 1880، 1894، و1929 على الأرحاء والأخشاب).
2. صابوني، أحمد. (2014). تاريخ حماة. دار طلاس (لتوثيق طوفانات العهد العثماني وأثرها الاقتصادي).
3. المديرية العامة للموارد المائية / حوض العاصي. التقارير الفنية السنوية وحجم التخزين الأعظمي لسد الرستن وسد محردة (لتوثيق فيضانات 1964، 1984، و2003 ومعدلات التصريف الاضطراري).
4. أرشيف بلدية حماة ومحافظتها. محاضر لجنة الطوارئ والدفاع المدني لعامي 1984 و2003 (لتوثيق منسوب الـ 8 أمتار، وأثر الانعطاف الحاد عند القلعة).