بمناسبة ذكرى منح عقود تشغيل الهاتف الخليوي في سوريا لشركتي «سيريتل» و«إنفستكوم»

علاء الدين تلجبيني

حدث في سوريا
متل اليوم في 18 كانون الثاني/يناير 2001
مُنحت عقود تشغيل الهاتف الخليوي في سوريا لشركتين:
«سيريتل» المملوكة لرامي مخلوف،
و«إنفستكوم» اللبنانية التابعة لمجموعة ميقاتي.
كان حدث إدخال خدمة الهاتف المحمول حدث تحوّلًا اقتصاديًا جديدًا في بلد كان من أواخر دول المنطقة التي تسمح بدخول هذا القطاع الحيوي. أما الصفقة نفسها، فسرعان ما تبيّن أنها واحدة من أخطر الصفقات الاقتصادية – السياسية في تاريخ سوريا الحديث، لما حملته من أبعاد سيادية ومالية عميقة.
حصل الامتياز في جوهره على أساس سياسي واضح؛ إذ مُنح لرامي مخلوف، ابن محمد مخلوف شقيق زوجة حافظ الأسد وابن خال رئيس البلاد، إلى جانب مجموعة ميقاتي اللبنانية التي كان احد شركائها الوزير اللبناني وقتها نجيب ميقاتي
قبل شهور من منح التراخيص بدأ مهندسو شركة «أوراسكوم» المصرية التي يرأسها رجل الأعمال الشهير نجيب سايروس يتوافدون إلى سوريا لتجهيز البنية التحتية لأول شبكة محمول في البلاد تحت الاسم التجاري «سيريتل»، وخلالشهور باتت الشبكة جاهزة للعمل. غير أن هذه الشراكة لم تستمر طويلًا؛ فقبل أن يجني نجيب سايروس ، المموّل الأساسي للمشروع، أي أرباح، نشب نزاع تجاري افتعله رامي مخلوف، ورفعت دعوى أمام محكمة البداية الأولى في دمشق، جرى تبليغها رسميًا عبر السفارة المصرية ما أدى الى تفرد مخلوف بملكية الشركة بصورة حصرية
لاحقًا، صرح سايروس إن مخلوف استولى على الشركة بعد بدء تحقيق الأرباح عام 2001، وطرد الموظفين، ودخل الطرفان في نزاعات قضائية ربحها ساويرس قانونيًا، لكنه لم يحصل على كامل أمواله أو أرباحه، وانتهى الأمر بإخراجه من الشركة ومن البلاد، في تجربة قال لاحقًا إنها كانت استثمارًا فُرضت عليه شراكته السياسية قسرًا اشارة الى تدخل حسني مبارك شخصيا بناء على طلب من ال الاسد لاقناع سايروس الذي يمتلك خبرة بهذا القطاع لتأسيس الشركة في سوريا بالشراكة مع مخلوف
العقد الذي وقّعته وزارة الاتصالات مع الشركتين كان وفق صيغة BOT (البناء – التشغيل – التحويل) ولمدة 15 عامًا، مع نسب تصاعدية لحصة الخزينة العامة: 30% في السنوات الثلاث الأولى، و40% في السنوات الثلاث التالية، و50% في السنوات التسع الأخيرة. والأهم أن العقد نص صراحة على نقل ملكية المشروع كاملًا إلى الدولة السورية عند انتهاء المدة عام 2015، بكل أصوله التشغيلية، بوصفه أصلًا سياديًا جاهزًا للعمل.
في 23 أيار/مايو 2001، فتح النائب رياض سيف ملف الهاتف الخليوي تحت قبة مجلس الشعب، وقدّم دراسة مفصلة بعنوان «صفقة عقود الخليوي»، أكد فيها أن الصفقة تُكبّد الدولة خسائر تقارب 346 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 7 مليارات دولار آنذاك. لم يكن الثمن سياسيًا فحسب، بل شخصيًا؛ إذ أُثيرت ضده قضايا، واعتُقل لاحقًا بتهم ضريبية، ليقضي سنوات في السجن.
ومع اقتراب نهاية مدة العقد عام 2014، كان من المفترض أن تعود شبكة الهاتف الخليوي إلى ملكية الدولة. غير أن ما جرى لاحقًا شكّل منعطفًا جديدًا؛ ففي عام 2015 جرى تحويل عقد «سيريتل» من صيغة BOT إلى ترخيص تشغيل جديد بالتعاقد مع «الهيئة العامة للاتصالات»، استنادًا إلى قانون الاتصالات رقم 18 لعام 2010. وبموجب هذا الإطار القانوني، مُنحت «سيريتل» رخصة تشغيل لمدة 20 عامًا إضافية، من دون استعادة الدولة ملكيتها التشغيلية الكاملة للشبكة.
نقلت وسائل إعلام، بينها «روسيا اليوم»، عن باحثين اقتصاديين أن تعديل صيغة العقود فوّت على الخزينة السورية أكثر من 338 مليار ليرة إضافية. وبذلك تحوّل المشروع من «أمانة مؤقتة» يفترض إعادتها إلى الدولة، إلى احتكار طويل الأمد مُغلّف بإطار قانوني، بدا شكليًا إجراءً تنظيميًا، لكنه في جوهره غطاء قانوني لقرار سياسي سابق.
خلال تلك السنوات، عملت شركتا الخليوي الوحيدتان في السوق بتناغم شبه كامل؛ إطلاق متزامن للخدمات، تسعير متقارب، وعروض متطابقة، ما خلق واقعًا احتكاريًا أتاح تحقيق أرباح قياسية خلال فترة قصيرة. وفي عام 2006، باعت عائلة ميقاتي شركة «إنفستكوم» إلى مجموعة MTN الجنوب أفريقية مقابل نحو 5 مليارات دولار.
وفي صيف 2020، انفجر الخلاف داخل بيت السلطة نفسه، فصدر قرار قضائي بتعيين رئيس الشركة السورية للاتصالات حارسًا قضائيًا على «سيريتل» بأجر شهري قدره 10 ملايين ليرة، على خلفية نزاع مع وزارة الاتصالات بسبب امتناع الشركة عن دفع مستحقات قُدرت بـ233 مليار ليرة، موزعة بين «سيريتل» وMTN. وافقت MTN على الدفع، فيما رفض رامي مخلوف المبلغ المطلوب منه، معلنًا أن ما يُطالب به يقارب نصف القيمة الإجمالية.
وهكذا اثبتت تجربة عقود «الهاتف الخليوي» عمق الفساد البنيوي في إدارة الموارد العامة، وكيف تحوّلت قطاعات استراتيجية إلى مجال لاحتكار عائلي وصراع داخلي بين أجنحة السلطة نفسها. فمنذ قصّ الشريط الحريري لأول شبكة محمول في سوريا، مرورًا بإقصاء الشريك الأجنبي، ثم الالتفاف على عقد BOT، وصولًا إلى الصراع داخل أركان العائلة الحاكمة، تكشف قصة الهاتف الخليوي مسارًا واحدًا متكررًا: احتكار للموارد الأساسية، تفريط بالأصول العامة للدولة، قرارات سياسية تُغلَّف بأطر قانونية مرنة، وثمن اقتصادي باهظ دفعته الدولة والمجتمع معًا.