قرار الحكومة السورية بإنشاء «شركة إنشاء واستثمار ميناء اللاذقية» كشركة مساهمة ذات منفعة عامة
علاء الدين تلجبيني
متل اليوم في 12 شباط/فبراير 1950 أصدرت الحكومة السورية برئاسة خالد العظم قرارًا بإنشاء «شركة إنشاء واستثمار ميناء اللاذقية» كشركة مساهمة ذات منفعة عامة، بالمرسوم التشريعي رقم 38.
يقول العظم في مذكراته: «بادرنا إلى تسمية رئيس وأعضاء مجلس إدارة مرفأ اللاذقية بعد انشاء الشركة فاخترنا السيد عزة الطرابلسي من خيرة الشبان الحائزين على الدكتوراه في العلوم المالية من فرنسا». شغل الطرابلسي هذا الموقع ما بين 20/4/1950 ولغاية 31/12/1950.
يذكر أكرم الحوراني أن رئيس الحكومة خالد العظم، وبعد إصداره هذا القرار، قام بزيارة للاذقية والساحل السوري حيث استُقبل استقبالًا شعبيًا كبيرًا. وكان ذلك الاستقبال بسبب مواقف العظم من العلاقة مع لبنان، وإنهاء الوحدة الاقتصادية والجمارك المشتركة التي تأسست خلال الانتداب الفرنسي. جاء هذا القرار نتيجة تباين السياسات الاقتصادية؛ إذ أرادت سوريا حماية صناعتها، بينما فضّل لبنان نظام التجارة الحرة.
أما عن الخلفية الاقتصادية لإنهاء فك الارتباط الاقتصادي مع لبنان
فمنذ زمن الانتداب، كانت سوريا ولبنان ضمن فضاء اقتصادي واحد تقريبًا:
عملة مشتركة (الليرة السورية–اللبنانية سابقًا) و جمارك شبه موحّدة
كانت بيروت بوابة الاستيراد الرئيسية لسوريا و تمركز المصارف والتجارة الخارجية في لبنان أي أن الاقتصاد السوري كان عمليًا تابعًا للواجهة اللبنانية.
جاء إنشاء الميناء إثر تفكيك الارتباط الجمركي مع لبنان، إذ كانت كل صادرات سوريا تمر عبر مرفأ بيروت، ما كان يجعل بلدًا بكامله تحت رحمة تجار بيروت، عدا عن ضياع ملايين الليرات السورية بسبب تحويلها إلى العملة اللبنانية، وهو ما وعته الحكومات السورية حين طُرح مشروع إنشاء الميناء.
كان الهدف من إنشاء الشركة بناء ميناء حديث على السواحل السورية لاستقبال السفن التجارية. تشرف وزارة النقل على الميناء، كما أُلحق به ثلاث شركات هي شركة التوكيلات الملاحية، والمديرية العامة للموانئ، والمؤسسة العامة للنقل البحري.
وترافق قرار إنشاء المرفأ مع تقوية المصرف المركزي وتنظيم الجمارك. ولم يكن القرار موجّهًا لمعاداة لبنان، بل لإعادة تعريف الدولة السورية ككيان اقتصادي مستقل، انطلاقًا من السيادة الاقتصادية، وحماية الإنتاج الوطني، وبناء مؤسسات الدولة الحديثة. فخيار لبنان في نهج الليبرالية الاقتصادية لم يتوافق مع السياسات في سوريا التي كانت تميل إلى دور أكبر للدولة في التخطيط والتنمية.
وقد أدى هذا الانفصال إلى خسارة لبنان جزءًا من تجارة الترانزيت السوري، إضافة إلى كونه أول تصدّع عملي في العلاقة الاقتصادية الخاصة بين البلدين.
التمويل والتنفيذ
جاءت شركة إنشاء واستثمار ميناء اللاذقية بالاشتراك بين الدولة والقطاع الخاص وحملة أسهم من الأفراد، وكان سعر السهم وقتها مئة ليرة سورية، كما تم الاستعانة بقرض سعودي قيمته أربعة ملايين دولار.
وعلى الرغم من أن تكاليف إنشاء الميناء بلغت أضعاف التقديرات الأولية، فقد أُنجز المشروع قبل غيره، فتم إنشاؤه في عهد الرئيس الشيشكلي، وكان المرحوم توفيق هارون هو من وقّع عقد بنائه مع الشركة اليوغسلافية «بومو غراد» نيابةً عن الدولة السورية بصفته وزيرًا للأشغال العامة.
بدأت أعمال البناء والمنشآت اللازمة وتصوين المنطقة إثر مناقصات عديدة دخلتها شركات من دول مختلفة، ويمكن تلخيص تلك المناقصات بما يلي:
وقّعت الحكومة بتاريخ 30 تشرين الأول 1952 اتفاقًا مع الشركة اليوغسلافية عهدت بموجبه إلى الشركة المذكورة بتنفيذ الأشغال الآتية: بناء مكسر رئيسي بطول 1433 مترًا يحمي حوضًا مساحته 45 هكتارًا، وبناء رصيفين، وردم البحر في جزء من المرفأ، وتعميق بعض نواحي الأحواض وتعزيل المداخل. بدأت الشركة التنفيذ في نيسان 1953 وانتهت في 28 كانون الأول 1956.
تعهّدت الشركة البلغارية Metalimport في عام 1956 ببناء صوامع تتسع لـ 35,000 طن من الحبوب وتشحن 10,000 طن على الباخرة خلال 15 ساعة.
جرت مناقصات مختلفة تعهّدت بموجبها شركات عديدة من بلاد مختلفة بأعمال إضافية.
وفي عام 1960 نُفذت مشاريع فتح وإنشاء المنطقة الحرة، وإنشاء محطة للمسافرين على رصيف الركاب، وبناية لإدارة الشركة، ومشروعات أخرى.
تم تدشين المرفأ في عهد الوحدة مع مصر، وقام بتدشينه الرئيس جمال عبد الناصر خلال زيارته إلى مدينة اللاذقية برفقة الرئيس اليوغسلافي تيتو، في غمرة الأفراح بعيد الوحدة في مطلع آذار 1959.
يقول نزار أسعد هارون في كتابه سوريا التي عرفت: «لا شك أنه كان لمرفأ اللاذقية تأثير اقتصادي واجتماعي على المدينة، ناهيك عن دوره في خدمة الاقتصاد الوطني بشكل عام»، وينسب إلى خالد العظم قوله في الكلمة التي ألقاها في حفل بدء الأعمال بمشروع المرفأ: «هنيئًا لمن كان له شبر أرض في اللاذقية»، مستعيرًا العبارة الشهيرة «طوبى لمن كان له مرقد عنزة في جبل لبنان».
حتى خمسينيات القرن الماضي كان ميناء بيروت الميناء التجاري الأول لشرق المتوسط لخدمة سوريا ولبنان والأردن والعراق، وتمتع بشبكة وساطة مصرفية وتجارية قوية وبانفتاح اقتصادي جعله محطة عبور إقليمية، وظل مركزًا ماليًا وخدميًا حتى بعد ظهور منافسين، ومنهم ميناء اللاذقية الذي بدأ تطويره بشكل منظّم ليكون منفذ سوريا السيادي المباشر ونقطة تحول بارزة في خطوط التجارة السورية.
المصادر
محافظة اللاذقية ل جبرائيل سعادة
سوريا التي عرفت ل نزار اسعد هارون
مذكرات خالد العظم
مذكرات اكرم الحوراني
الصورة لوضع حجر الأساس لتوسعة مرفأ اللاذقية الاولى في 17 شباط 1950 حيث قام الرئيس العظم ايضا بتفقد العمل بإنجاز المشفى الوطني ودشن مدرسة عبد الرحمن الغافقي وسوق الهال وأدى صلاة الجمعة في جامع العجان.
مصدر الصورة أستاذ خلدون عجان