إلى أبناء الشتات وأيتام سوريا
ريتا خير بك
هذا قد يكون آخر منشورٍ لي في الشأن العلوي ، أكتبه للشباب، لأبناء الشتات وأيتام سوريا، لأطفال الساحل والغاب وحمص، وأرجو من القارئ العلوي ألّا يتعب من القراءة. أكتبه بكلّ حبّي ووجداني ، وبكلّ علويّتي التي لن أتخلّى عنها، وبكلّ ما أراه واجبًا عليّ كامرأةٍ علويّة شهدت المجازر بعد آذار، والقتل اليومي، والاختطاف، والتمزّق.
جوهر ما نعيشه اليوم يمكن تسميته: “العلويّ يتيمُ دولةِ المواطنة السورية”. ليس لأنّ فكرة المواطنة شرٌّ بذاتها، بل لأنّ الصيغة التي عشناها كانت “وهمَ مواطنة”: عقدًا رمزيًّا نال فيه العلويّ لقب “المواطن” بينما ظلّ “النصيريّ” كامنًا تحت الجلد، ينتظر لحظة الانكشاف. في ثانيةٍ واحدة، عاد العلوي ليُدرك ــ كما أدرك آباؤه وأجداده ــ معنى أن تكون “نصيريًّا” في فضاءٍ إسلاميٍّ بلا ظَهر: المعنى القديم نفسه من دمٍ واضطهادٍ وعزلةٍ طويلة.
بعد الاستقلال ثم في جمهوريات ما بعده، رأى العلويّ في الدولة ملاذًا من الإبادة الرمزية والماديّة. تشكّل “هابيتوس” المواطنة لديه (بلغة بورديو): عاداتُ نفسٍ واجتماعٍ وسياسةٍ تنشأ عبر المدرسة والثكنة والمؤسسة. صار كثيرٌ من مثقّفينا وسياسيّينا “أبناء الدولة” قبل أن يكونوا أبناء قضيّةٍ علويّةٍ محدّدة المعالم. دخل بعضهم السجون شيوعيين ويساريين وقوميين وبعثيين ــ لا لأنهم حملوا مشروعًا علويًّا مُعلَنًا. وحين وقع الانهيار، تبيّن أن قاموسهم السياسي لا يمتلك لغةً لإعلان الذات، ولا أدواتٍ لتخيّل “نحن” خارج سردية الدولة.
تفسير هذا الاستعصاء السياسي لا يكفيه التخوين أو التطييب. نحتاج عدّةَ فهمٍ أوسع. بعد الحرب العالمية الثانية، كتبت حنّة أرندت عن “الحقّ في أن يكون لك حقوق”: حين تسقط الدولة، تسقط معها جنسيةٌ ظنّ حاملُها أنّها أصلُ هويّته، فيكتشف أنّ “الانتماء إلى مجتمعٍ يحميك” هو الحقّ الأوّل الذي تهاوى. ما وُعِدنا به بوصفه مواطنةً تحوّل، عند لحظة الحقيقة، إلى “حالة استثناء” (بلغة أغامبن): حياةٌ عاريةٌ تُنزع عنها حماية القانون بمجرد إعادة تسميتها: “نصيريّ”. هنا يتولّد “شللٌ سياسيّ”: عالمُ المسلّمات النفسيّة والاجتماعية ينهار (Janoff-Bulman)، فتعمل النفسُ آليّاتِ إنكارٍ وتجميدٍ واتّقاءٍ بدلاً من الفعل. جماعيًّا، يتجسّد ذلك في “لولب الصمت” (Noelle-Neumann): يخشى الناسُ كلفةَ الكلام باسم الذات، فيلوذون بقاموسٍ قديمٍ يعِد بالأمان إن نحن امتثلنا.
لهذا تبدو نخبُنا اليوم قاسيةَ القلب لا لأنّها شرّيرة، بل لأنّها أسيرةُ بنيةٍ رمزيةٍ تتكلّم بلسان الدولة حتى حين تغيب الدولة. تصرّ على حلّ كلّ شيء تحت شعار “سوريا أو لا شيء”، كأنّ الاعتراف بالذات العلويّة خيانةٌ للوطن، وكأنّ الوطنَ نفسه لا يتجدّد إلا بالاعتراف المتبادل بين جماعاته. هنا تنفعنا أدبيّات “سياسة الاعتراف” (تشارلز تايلور): الانتماء العام لا يثبت بنفي الخصوصيّة، بل بتسميتها، وببناء عقدٍ يضمن لها الأمان والكرامة. ومن دون هذا الاعتراف تتدحرج الجماعة إلى “هوية دفاعيّة” محض: تعيش على حدود النجاة اليومية، عاجزةً عن تخيّل مؤسّساتها الثقافية والحقوقية والتمثيلية في الوطن والشتات.
نحن أبناء تجربةٍ خاصّة: ستّون سنةً من “تربية المواطن” أزاحت كلمة “نصيريّ” إلى الخلفيّة، ثم جاءت المجازر لتعيدها إلى الواجهة كوصمةٍ وتهديد. الفجوة بين “المواطن” المتخيَّل و”النصيريّ” المعاش تصنع الانشطار: عقلٌ سياسيّ يستحي من تسمية نفسه، ونفسٌ مجروحةٌ تطلب أمانًا فوريًّا بأي ثمن. هكذا يتشكّل الاستعصاء: لغةٌ عامّةٌ لا تعترف بنا، ولغةٌ خاصّةٌ نخجل من النطق بها. والنتيجة نخبٌ تتشدّق بالوحدة وهي عاجزةٌ عن تخيّل أي صيغةٍ واقعيةٍ للأمن والكرامة بعد الدم.
الدرس الذي تعلّمته أقليّاتٌ أُخرى بعد الكارثة واضحٌ: لا مواطنة بلا اعتراف، ولا اعتراف بلا قدرةٍ على تسمية الذات وتنظيمها. “الجماعة المتخيّلة” (أندرسون) ليست شتيمة؛ هي مشروعُ تعريفٍ إيجابيّ للذات عبر الذاكرة واللغة والمؤسّسة. من دون أرشفةٍ منظّمةٍ لآذار وما بعده، من دون حقلٍ معرفيّ حول تاريخنا وطقوسنا ولغتنا الرمزية، من دون منصّات تمثيلٍ قانونيّ وثقافيّ في الداخل والشتات، سنظلّ نتسوّل قواميس الآخرين. ومن دون تحويل حبّنا للناس والأرض إلى “رأسمالٍ رمزيّ” ــ تعليمًا، ومنحًا، ووسائطَ سردٍ وحقوقًا ــ سيبقى خطابنا أخلاقيًّا جميلًا وعاجزًا.
أكتب هذا نداءً صريحًا للشباب: لا تكرهوا كلمة “نصيريّ”؛ انتزعوها من أفواه قاتليكم وأعيدوا صوغها معرفةً وكرامة. قولوا: نحن علويّون مواطنون، لا مواطنون بشرط إنكار علويّتنا. ابنوا ذاتكم بحبّ لا بخوف، وبعقلٍ لا بردّ فعل. لا تسمحوا للنخبة أن تُدوّر الأزمة باللغة نفسها التي صنعتها. بدّلوا القاموس: من “أيتام الدولة” إلى “شركاءَ عقدٍ جديد”، من التذويب إلى الاعتراف، من النجاة الفرديّة إلى المؤسّسة.
وللنخب أقول بقسوة المحبّ: من تكلّم ستّين عامًا بلسان الدولة لا يُطالَب اليوم بأن يكتب بيان جماعةٍ حرّةٍ بين ليلةٍ وضحاها؛ لكن يُطالَب بأن يتعلّم الصمت قليلاً ليترك اللغةَ تولد عند الشباب. من لم يختبر أن تسمية الذات ليست تقوقعًا بل شرطُ العدالة، فليتنحَّ عن تصدير الخوف بوصفه حكمة. الحكمة اليوم أن نعترف بأنّ “المواطنة” التي لا تحميك حين تُعاد تسميتك ليست مواطنة، وأنّ “الهوية” التي لا تُترجم إلى مؤسّسةٍ ومعرفةٍ وقانونٍ ومكانٍ آمنٍ هي مجرّد حنين.
نعم، العلويّ يتيمُ دولةِ المواطنة السورية كما صيغت، لكنّه ليس يتيمَ التاريخ ولا يتيمَ المستقبل. المستقبل يُكتب حين نقول “نحن” بوضوح: نحن جماعةٌ لها ذاكرةٌ وحقوق، نطلب وطنًا يتّسع لنا مع غيرنا عبر عقد اعترافٍ متبادل، لا عبر إنكار أحدٍ لأحد. حينها فقط تتحوّل علويّتنا من هدفٍ سهلٍ للعنف إلى ذاتٍ سياسيّةٍ عاقلةٍ محميةٍ بمعرفتها وبشركائها.
هذا النصّ طويلٌ ومخصّصٌ للعلويّين. اقرأوه على مهل. إن كان لا بدّ من خاتمةٍ بعد هذا كلّه فهي: سمّوا أنفسكم قبل أن يسمِّيكم عدوّكم، وابنوا مؤسّستكم قبل أن تُعاد صياغتكم. كونوا رُعاةً لحقّكم في أن يكون لكم حقوق. ومن هنا يبدأ فكّ الاستعصاء.