من يُحَرِر لا يُقَرر!
أحمد الرمح
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية خسر "ونستون تشرشل" الانتخابات العامة في بريطانيا عام 1945، رغم أنه كان القائد الذي حقق النصر في الحرب.
لكن الجملة الشهيرة في علم الاجتماع (من يصلح للحرب؛ لا يصلح للسلام) ليست اقتباسًا تاريخيًا حرفيًا من أحد السياسيين أو الناخبين في ذلك الوقت. إنما هي تلخيص لثقافة واعية؛ شاعت بين البريطانيين للتعبير عن ضرورة فهم متطلبات المرحلة، وتقول باختصار: إن تشرشل كان قائدًا عظيمًا في الحرب، لكن الشعب أراد في فترة السلم حكومةً تهتم بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والحياة المعاشية، وهو ما مثّلته قيادة حزب العمال آنذاك ببرنامجها الانتخابي.
ما الذي حدث فعليًا في انتخابات 1945؟
تشرشل دخل الانتخابات وهو بطل الحرب، وتوقع كثيرون أن يفوز. لكن حزب العمال فاز بأغلبية كبيرة. والسبب أنّ حزب العمال ركز في برنامجه الانتخابي على الإصلاحات الاجتماعية، والرعاية الصحية، وتوفير السكن والعمل بعد حرب أنهكت المجتمع البريطاني؛ فكانت الأولوية للشعب واحتياجاته؛ لا مكافأة الثوار بالسلطة.
وعيُ الشعب البريطاني؛ جعله يشعر بأن "تشرشل" كان مناسباً للحرب، وقاد البلاد للنصر؛ لكن فترة ما بعد الحرب لا تحتاج للثورجية؛ والوطني لا ينتظر ثمناً على وطنيته، إنما تحتاج البلاد إلى قيادة مدنية؛ تعمل على إنهاء المعاناة التي أرهقتهم أثناء الحرب؛ كما تحتاج إلى برنامج اجتماعي قوي. يجعل المواطن يتنفس الصعداء بالحد الأدنى، وبالتالي أعطى الشعب البريطاني درساً للعالم كله؛ بأنّ من يحرر لا يقرر؛ أما الشعوب الغبية في شرقنا البائس؛ فترى بذاتها رهينة؛ يحق للثورجي أنْ يفعلوا بها ما يشاء.