معركة فـي دمـشـق أدت الى اعتقال الشيخ مروان حديد

خالد مجمد جزماتي

"الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".. هذا الشعار الذي انطلق منه مؤسس الاخوان المسلمين الشيخ حسن البنا، وآمن به أنصاره، وكان الشيخ مروان حديد من أشد شباب الاخوان تمسكا به، ودوما كان يبيّن للجميع أن سبب خلافه الرئيسي مع القيادات الاخوانية في حماة وحلب وأيضا في دمشق هو البعد عن الجهاد الحقيقي في سبيل الله....
أما دولة حافظ أسد وأجهزته المخابراتية، فقد استمرت في مراقبة جميع نشاطات التيارات السياسية، ونجحت في اختراق تنظيماتها ومنها تنظيم الطليعة المقاتلة.. فكيف حدث ذلك؟..
بعد رصد نشاطات المعسكرات التدريبية الذي أقامها الشيخ مروان حديد في الساحل السوري وجباله، قامت الأجهزة الأمنية بتكثيف الجهود لاختراق الطليعة عن طريق زرع أشخاص في التنظيم، ولكن كان اختراق تنظيم الطليعة وهو الأشد صعوبة...
وفي هذا السياق من المفيد ذكره أن التنظيمات السياسية المختلفة كانت أيضا تعمل على اختراق تنظيمات الدولة الأسدية وبقية التجمعات المدنية الاجتماعية مع فارق الإمكانيات والظروف، وأكبر مثال على ذلك قيام الشهيد الملازم المهندس سعيد الشيخ سعيد وهو من جماعة الطليعة المقاتلة بالانضمام الى تنظيمنا في القوى البحرية عام 1979 عن طريق ابن خالته الشهيد الرائد عبد الرزاق كبيسي (وقد حدثني الشهيد سعيد في السجن (قبل اعدامه) أنه أثناء دراسته في مدينة لينينغراد بالاتحاد السوفياتي السابق انضم الى تنظيم بعثي معارض ويساري بتوجيهات من قيادة الطليعة المقاتلة التابع لها أساسا)..
وفي مرحلة من المراحل بعد حوادث الدستور عام 1973 اشتدت المراقبة والملاحقات والاعتقالات وخاصة بعد اعتقال الشيخ سعيد حوى والشيخ مشعل، أصر الأخوة على وجوب مغادرة الشيخ مروان لمدينته حماة، وبعد كثير من الجدل وافق الشيخ مروان على السفر الى دمشق مع كثير من الحذر، وكان حسب من يعرفه جيدا لا تفارقه أسلحته (رشاش بورسعيد وعدد من القنابل اليدوية)....
وفي دمشق كان حذرا جدا فكان دائم التنقل من بيت لاّخر، وكان تنظيمه في دمشق قد بلغ من القوة ما يطمئن بها قلبه.... وأخيراً استقر في شقة جيدة في حي "العدوي" بدمشق، يملكها آل البرازي من أهالي حماة، وأعتقد إن لم تخونني الذاكرة أن الذي أعطاه مفتاح الشقة هو الشاب ("شـهــم عـبـد الـرزاق حـمـو البرازي وأخوته بسام وغياث ومنقذ، وخالهم هو المرحوم العقيد أديب الشيشكلي الرئيس السوري الأسبق).
استمر نشاط جماعة الطليعة وبينهم شيخهم في دمشق وبلغوا شأواً من القوة تسبب بإحساس خفي لدى الأجهزة الاستخباراتية السورية [ان الشيخ مروان في دمشق ـ فأسرعوا الى تكثيف نشاط مخبريهم في جميع أوساط العاصمة دمشق فكانت النتيجة أن استطاع الرقيب الأول:
"مـصـطـفـى جــيــرو" من مدينة اللاذقية اختراق التنظيم والانتساب الى الطليعة، والأكثر من ذلك أصبح يزور الشيخ مروان في شقة "العدوي".
وتابعت المخابرات السورية تحركات الشيخ مروان وجماعته بتشديد المراقبة على شقة العدوي، وقررت صباح يوم الاثنين 30/ حزيران 1974 اعتقال الشيخ مروان، فقامت بتطويق البيت بشكل سري ومدروس واستخدمت مئات العناصر المدربة، وأرسلت المخبر مصطفى جيرو ليقوم بزيارة أخوية للشيخ مروان والذي كان يتحلى بصفات جميلة أهمها التواضع... وبعد كثير من الأحاديث الودية وخاصة الشرعية منها، استأذن المخبر الشيخ للمغادرة، ولما رافقه الى باب الشقة مودعا مد يده مصافحا، فجذبه مصطفى بقوة الى خارج الشقة، وكان رجال المخابرات ينتظرون، فلم يفلح الشيخ بالإفلات منهم، فنادى "الـلـه أكـبـر"، فهب من في الشقة بأسلحتهم يشتبكون مع العناصر المداهمة، ولكن الشيخ مروان تم اعتقاله، مع استمرار المعركة عشر ساعات، والتي انتهت بعد استشهاد الطليعي زكي الصفدي من دمشق، واعتقال زوجة الشيخ مروان، وفريد قداح من بانياس ومأمون كاخي من حماة.
بعد انتهاء المعركة قامت الأجهزة الأمنية وبسرعة عجيبة بإزالة كل الاّثار التي خلفتها المعركة ورتبت كمائن احترافية وجعلت المنطقة وكأن شيئا لم يحدث فيها... وتشاء الأقدار أن يأتي بعض أخوة الشيخ مروان في التنظيم لزيارته في شقة العدوي وهم على غير علم بما جرى، فكانت الكمائن لهم بالمرصاد، فتم اعتقالهم بكل بساطة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: محمد جوهر من دمشق وعدنان الرز أيضا من دمشق... وبدأت رحلة التعذيب التي لا مثيل لها في التاريخ.. رحلة تعذيب الشهيد الشيخ مروان حديد... وكنت أسمع من بعض أصدقائي في طرطوس ما ينقله بعض المسؤولين الطراطسة عن شدة تعذيب الشيخ ضمن مجالسهم الخاصة، ومنهم وزير الداخلية الأسبق العقيد علي الظاظا ووزير الأوقاف عبد الستار السيد واللواء مصطفى طيارة والمحامي محمود منصور... وكان بعض مواطني طرطوس يتداولون بعض التفاصيل عن شدة التعذيب المتطور للشيخ مروان....
قامت سلطات حافظ الأسد بنشر ما حدث مع اتهام السلطات العراقية بالمسؤولية المطلقة عن ذلك محاولة بذلك التقليل من غضب التيارات الاسلامية لما حدث...
تابعت السلطات المخابراتية تعذيب الشيخ مروان سنة كاملة ولم تستطع الحصول منه على أية معلومات تفيدها، فقررت التخلص منه بعد أن أصبح وزنه قرابة 35 كغ، بعد أن كان حوالي 110كغ.
أخيرا أقول إن أهل حماة وأنا منهم نكره الطائفة الأسدية أكثر من كرهنا للنجاسة وللحم الخنازير، تلك الطائفة التي تضم مجرمي العلويين وأراذل السنة وحثالات المكونات الأخرى في بلاد الشام، ونحن نرفض كل نتائج ومخرجات اتفاقية سايكس- بيكو.
المصادر
- مغلومات شخصية
كتاب على ثرى دمشق لأيمن أحمد الشوربجي
طبعة أولى - عام 2017