ديناميات الحرية والتنظيم في سوريا الانتقالية.. قراءة في حادثة باب توما
مصطفى المقداد
تقدير موقف:
تقديم: تشهد سوريا اليوم تحولاً نوعياً في بنية المجال العام، لا يقل أهمية عن التحولات السياسية الكبرى التي مرت بها البلاد. فبعد عقود من الاستبداد الذي حصر الصراع في ثنائية السلطة والمعارضة، انتقل الصراع إلى قلب المجتمع نفسه، ليصبح صراعاً حول تعريف الحرية ذاتها، ودور الدولة في تنظيم الحياة اليومية، وحدود التعدد القيمي المقبول. تمثل الاحتجاجات التي شهدتها منطقة باب توما في دمشق حول قرار تنظيم بيع وتناول الكحول مؤشراً مبكراً على هذا التحول، وتكشف عن معضلة أعمق: كيف تدير دولة ناشئة من رماد الاستبداد التوتر بين ضرورة التنظيم ومخاطر التقييد، بين الانفتاح والاستقرار، بين الحرية الفردية والسياق الاجتماعي؟
ما حدث في باب توما ليس مجرد خلاف إداري حول قرار تنظيمي، بل هو اختبار وجودي لطبيعة العقد الاجتماعي الجديد الذي تحاول سوريا صياغته. فالقرار الذي بدا تقنياً في ظاهره، تحول بسرعة إلى ساحة صراع هوياتي وقيمي، كشف عن انقسامات مجتمعية واضحة بين تيارات مدنية ليبرالية ترى في القرار تقييداً للحريات الفردية، وتيارات محافظة ودينية تعتبره خطوة ضرورية للحفاظ على القيم الاجتماعية، فضلاً عن فئات براغماتية غير منحازة. إن ما يجعل هذه اللحظة حرجة، هو أن سوريا دخلت فعلياً مرحلة “تسييس الحياة اليومية”، حيث لم تعد القرارات الخدمية مجرد إجراءات إدارية، بل أصبحت ساحات للصراع السياسي والفكري. هذا التحول يحمل مخاطر جسيمة إذا لم يُدار بحكمة، أبرزها تحول العدالة الانتقالية من مسار للمساءلة القانونية إلى أداة للإقصاء الأخلاقي، واستدعاء الماضي كسلاح في معارك الحاضر.
التحليل:
أولاً: تحول طبيعة الصراع – من الثنائية السياسية إلى التعدد المجتمعي:
لعقود طويلة، كان الصراع في سوريا واضح المعالم: سلطة مستبدة تحتكر القرار، ومعارضة تسعى لإسقاطها أو إصلاحها. أما اليوم، فقد تحول الصراع إلى شكل أكثر تعقيداً: صراع داخل المجتمع نفسه، حول تعريف الدولة ووظيفتها، وحول طبيعة الحرية وحدودها. ما حدث في باب توما يكشف هذا التحول بوضوح. فالقرار الإداري تحول في السياق السوري إلى محك لتعريف الحرية نفسها: هل الحرية هي حق الفرد في اختيار نمط حياته دون تدخل الدولة؟ أم أن الحرية ممارسة اجتماعية يجب أن تأخذ في الاعتبار السياق الثقافي والقيمي للمجتمع؟
هذا الصراع ليس عرضياً، بل بنيوي. إنه نتيجة طبيعية لانفتاح المجال العام بعد عقود من الإغلاق، ولغياب المؤسسات القادرة على إدارة الاختلاف. في المجتمعات المستقرة، يتم حل مثل هذه التوترات عبر مؤسسات دستورية وقضائية راسخة. أما في سوريا اليوم، فإن غياب هذه المؤسسات يجعل من كل خلاف، مهما بدا صغيراً، اختباراً وجودياً لطبيعة الدولة نفسها.
ثانياً: الدولة بين التنظيم والشرعية:
تواجه السلطة الانتقالية معضلة مزدوجة: من جهة، الحاجة إلى فرض حد أدنى من التنظيم لضمان الاستقرار. من جهة أخرى، ضرورة الحفاظ على شرعية الانفتاح، وعدم الظهور كسلطة تقييدية. قرار تنظيم بيع الكحول يجسد هذه المعضلة بدقة. فمن منظور تنظيمي، تمارس الدولة دورها الطبيعي في ضبط نشاط له أبعاد صحية واجتماعية. لكن من منظور سياسي ورمزي، يُقرأ القرار كموقف من الحرية الفردية، وكإشارة إلى توجه الدولة نحو الانحياز لخطاب محافظ.
هذه القراءة المزدوجة تكشف عن التحدي الأساسي: في مرحلة إعادة بناء الثقة، كل قرار يُقرأ ليس فقط بناءً على محتواه التقني، بل أيضاً بناءً على ما يرمز إليه سياسياً وثقافياً. وأي اختلال في هذا التوازن له تكلفة باهظة: إما فقدان الشرعية لدى قطاعات واسعة من المجتمع، أو فقدان القدرة على الحفاظ على التماسك الاجتماعي.
ثالثاً: انفجار المجال العام – الحرية غير المؤسسة:
يشهد المجال العام السوري اليوم توسعاً سريعاً في حرية التعبير، لم تشهده البلاد منذ عقود. لكن هذا التوسع يحدث في غياب شبه كامل للأطر الناظمة، ما يخلق ظاهرة “الحرية غير المؤسسة” استنادا الى قانون. في هذه المرحلة، تصبح الحرية فوضى منظمة: الناس يعبرون عن آرائهم بحرية، لكن دون قواعد واضحة لإدارة الخلاف، ودون مؤسسات قادرة على التحكيم وفي غياب كامل عن منظمات مجتمع مدني طبيعية . النتيجة هي ارتفاع حاد في الاستقطاب، وتحول كل خلاف إلى معركة وجودية.
ما حدث في باب توما يجسد هذه الظاهرة بوضوح. فالاحتجاجات تحولت بسرعة إلى تراشق اتهامات: من صمت خلال سنوات الاستبداد؟ من عارض ومن سكت؟ هذا الخطاب يحول النقاش من مستوى سياسي إلى مستوى أخلاقي، ما يجعل من المستحيل تقريباً بناء أرضية مشتركة.
رابعاً: العدالة الانتقالية في مواجهة الاستقطاب:
تواجه العدالة الانتقالية في سوريا تهديداً خطيراً: أن تتحول من مسار للمساءلة القانونية إلى أداة للإقصاء الأخلاقي. ما حدث في نقاشات باب توما يكشف هذا الخطر بوضوح، حيث لجأ البعض إلى استدعاء مواقف الماضي كوسيلة لتقويض مصداقية الخصم. هذا الخطاب يحول العدالة الانتقالية من أداة للمصالحة إلى أداة للانتقام، ويخلق تراتبية أخلاقية في المجتمع تعيد إنتاج الانقسامات، وتقوض إمكانية بناء ذاكرة وطنية جامعة.
نجاح العدالة الانتقالية لن يتحدد فقط عبر المساءلة القانونية، بل عبر قدرتها على إدارة الاختلافات الراهنة دون تحويلها إلى صراعات وجودية. وهذا يتطلب فصلاً واضحاً بين المساءلة القانونية (التي يجب أن تكون صارمة) والمحاسبة الأخلاقية (التي يجب أن تُترك للزمن والمجتمع).
الخلاصات والتوصيات:
– تكشف حادثة باب توما أن التحدي الحقيقي في سوريا اليوم لم يعد إسقاط نظام سابق، بل بناء دولة قادرة على إدارة الحرية دون أن تخاف منها، ومجتمع قادر على ممارسة الحرية دون أن يحولها إلى صراع دائم.
– الصراعات الحالية ليست عرضية بل بنيوية، وإدارة التعدد القيمي ستكون عاملاً حاسماً في استقرار المرحلة القادمة.
– العدالة الانتقالية مهددة بالانحراف إذا لم تُفصل عن الصراعات اليومية واستُدعي الماضي كسلاح في معارك الحاضر. مستقبل الاستقرار لن يتحدد فقط بالقرارات الكبرى، بل بكيفية إدارة تفاصيل الحياة اليومية، حيث تختبر الدولة والمجتمع معاً حدود العقد الاجتماعي الجديد.
التوصيات:
– للدولة والمؤسسات: صياغة إطار قانوني واضح للحريات يوازن بين الحقوق والسياق المجتمعي. وتجنب القرارات التي تُفسر كفرض نمط حياة. تعزيز قنوات مدنية للحوار المجتمعي وبناء مؤسسات تحكيم مستقلة.
– للنخب السياسية والمدنية: الفصل بين النقد السياسي والمحاسبة الأخلاقية. تجنب استدعاء الماضي كأداة إقصاء. المساهمة في بناء خطاب جامع يركز على المستقبل المشترك.
– للمجتمع ومؤسساته : ترسيخ التعدد كقيمة لا كتهديد. القبول بإدارة الاختلاف بدلاً من حسمه. بناء ثقافة سياسية ديمقراطية تقبل بالحوار والتسوية وترفض العنف والإقصاء.
مركز تقدّم للسياسات – دمشق