جمال عبد الناصر يروي عن ليلة الثورة: نجحنا في خلع الملك قبل أن يقضي علينا
بشير الأسواني
في نحو الساعة العاشرة من مساء 22 يوليو.. جاء إلي بيتي ضابط المخابرات وعضو في جماعتنا.. وإن كنا لم نخطره بما اعتزمنا القيام به، يحذرني بأن القصر قد تسرب إليه نبأ استعداد الضباط الأحرار للتحرك.. وأن الملك اتصل برئيس أركان حرب الجيش الذي دعا إلي عقد اجتماع عاجل في الساعة الحادية عشرة لاتخاذ الإجراءات ضدنا..
وكان لابد من اتخاذ قرار فوري، فلو أننا تركنا كل شيء ليتم في ساعة الصفر المتفق عليها وهي الواحدة صباحا فقد يدركوننا قبل أن ندركهم ومن ناحية أخري كانت الأوامر قد وزعت وكان من أصعب الأمور الاتصال بكل من له صلة بالموضوع..
***
وانضم إلينا أيضا ضابط المخابرات، وخرجت مع عبدالحكيم عامر لنجمع بعض القوات من ثكنات العباسية ووصلنا متأخرين، فقد وجدنا أن البوليس الحربي قد أغلق الثكنات.. فمضينا إلي ثكنات الفرسان فوجدنا أيضا أنهم سبقونا، وكان البوليس الحربي يحرس كل المداخل وبدا للحظات أن خطتنا كلها في خطر ولم يبق علي ساعة الصفر إلا تسعون دقيقة، وبدا أن خطة الثورة كلها تدخل في مرحلة من تلك المراحل الخطيرة في التاريخ عندما تتدخل قوى أكبر منا لتوجيه الحوادث، ولقد تأكد لي من تطورات الأمور أن عناية الله كانت في تلك الليلة معنا..
فقد انطلقنا لنتوجه إلي ثكنات ألماظة كحل أخير، وكنت أسير بسيارتي الأوستين الصغيرة ومعي عبدالحكيم.. وفي طريقنا التقينا بطابور من الجنود قادمين من الطريق نفسه تحت الظلام، وخرج الجنود من السيارة وألقوا القبض علينا.. لكن الجنود كانوا في الحقيقة من قوات الثورة، وكانوا ينفذون أوامري بإلقاء القبض علي كل الضباط فوق رتبة القائمقام دون مناقشة، ولم يكن الجنود يعرفون من أكون، فتجاهلوا كل كلامنا لمدة عشرين دقيقة تقريبا.. كل دقيقة منها أثمن ما يكون، ولم تصدر الأوامر فورا بإطلاق سراحي وسراح عبدالحكيم عامر إلّا حين تقدم البكباشي يوسف صديق قائد المجموعة وأحد زملائي المقربين ليستطلع سر الضجة..
لم أسعد في رؤية أحد في حياتي كما سعدت حين رأيت يوسف صديق يخرج من الظلام، فقد تحرك قبل الوقت المحدد له، وكان ينتظر حتي تحل ساعة الصفر المعنية ليبدأ الهجوم، وانضممنا إلي الطابور، وقررت ألا ننتظر واتجهنا فورا إلي القيادة، وكانت قواتنا لا تزيد علي قوة سرية لكن عنصر المفاجأة كان في جانبنا..
لقد اعتقلنا في الطريق عددا من قادة الجيش الذين كانوا يحضرون الاجتماع في القيادة لتوجيه الضربة ضدنا..
وحدثت مقاومة قصيرة خارج القيادة، ثم اقتحمنا مبني القيادة نفسه ووجدنا رئيس هيئة أركان الحرب، وكان علي رأس المائدة يضع مع مساعديه خطة الإجراءات التي ستتخذ ضد الضباط الأحرار وقبضنا عليهم جميعا..
وفي الساعة الثالثة صباحا كانوا قد التقوا قبل ذلك بعدة أيام من جديد، لكن التقاءهم هذه المرة كان في حجرة الاجتماعات بالقيادة العامة، وأوفدت من يجيء باللواء محمد نجيب الذي كنا قد فاتحناه قبلها بيومين في احتمال انضمامه إلينا إذا ما نجحت المحاولة، ولم نكن قد أطلعناه علي أحداث الليلة، ولكن تبين لنا أنه كان له علم مسبق بما حدث..
فقد اتصل به وزير داخلية الملك تليفونيا من الاسكندرية، قبل ذلك بنصف ساعة ليستفسر منه عما يجري، وأمكنه أن يجيبه بأنه لا علم له بشيء دون أن يكون كاذبا في كلامه..
كان نجاحنا تاما في الخطوات الأولي وبقي أن نستوثق تماما من أن الملك لن يتمكن من تنظيم هجوم مضاد..
وفي الصباح أجرينا اتصالا بالسفارة الأمريكية أولا ثم السفارة البريطانية لإبلاغها أن الضباط الأحرار استولوا علي السلطة.. وأن كل شيء يجري في نظام تام.. وأن حياة الأجانب وممتلكاتهم ستؤمن ما لم يحدث تدخل خارجي..
وفي الساعة السابعة صباحا، أعلنا علي الشعب المصري من محطة الإذاعة نبأ عزل الوزارة المصرية، وأن البلاد أصبحت أمانة في يد الجيش، وأن الجيش أصبح الآن تحت إشراف رجال يستطيع الشعب أن يثق ثقة تامة في كفاءتهم ونزاهتهم ووطنيتهم، وكان الملك قبل ذلك بنصف ساعة قد سأل قائد جيشه عما يجري من أمور مفاجئة، فأجابه قائلا: إنها مجرد عاصفة في فنجان يا صاحب الجلالة..
والآن واجهتنا مشكلة كيف سيتصرف الملك؟.. وكان من رأي بعضنا محاكمته وإعدامه، وكنت لا أزال علي تصميمي أن تكون الثورة بيضاء ما أمكن ذلك، وقد كنت أرى إخراج الملك علي وجه السرعة..
ولجأ الملك إلي السفير الأمريكي وطلب منه أن يتدخل مع الوزارة التي تألفت بعد الثورة لإنقاذ حياته. ولم نكن نريد حياته وإنما نريد خلعه من علي العرش.. ووقع الملك علي وثيقة التنازل عن العرش مرتين.. بعد أن قرأها وقعها أول مرة ويده ترتعش فاضطر إلي توقيعها من جديد. وكان في حالة شبه هيستيرية، وسمحنا له أن يأخذ معه ما بدا له، ولم نشترط إلا أن يكون علي ظهر اليخت الملكي في ميناء الاسكندرية قبل السادسة مساء، وقد سمح للملك برغم خوفه أن يجهز 273 حقيبة وصندوقا..
وأعلن نبأ تنازله عن العرش في السادسة مساء من محطة الإذاعة في الوقت نفسه الذي أبحر فيه الملك علي ظهر اليخت الملكي من ميناء الاسكندرية، وهو يلبس الزي الرسمي الأبيض، زي القائد الأعلي للبحرية.. وكان اللواء محمد نجيب يودعه علي ظهر اليخت، فكانت آخر كلمات الملك.. لقد كنت أستعد لأفعل بكم ما فعلتم بي..
لقد نجحت العملية الأولي للثورة، وبقي علينا أن نجعل المستقبل يستحق كل هذا العناء..
* ذلك ما رواه الرئيس جمال عبدالناصر.. عن ليلة ثورة 23 يوليو ..1952 بعد عشر سنوات كاملة من نجاحها.. في حديث صحفي لمجلة الصنداي تايمز البريطانية وهي كبري جرائد الأحد البريطانية.. أجراه معه الصحفي الانجليزي دافيد واين مورجان ونشر في 19 يونيو ..1962 في الاستعدادات لعيد الثورة العاشر..