محمد الأدرعي أمير الجبل وحارس الثغور وباني الشرعية العلوية في جبال الساحل السوري
سيمون خالد علي
شخصية تاريخية محورية في ذاكرة العلويين في بلاد الشام، اذ كان اميرا محليا تولى حكم مناطق في حماة وقلعة مصياف خلال القرن 11–12 م. ينتمي الادرعي الى عشيرة بني محرز المحارزة، وهي اسرة عربية تولت ادارة عدد من القلاع الجبلية في الساحل السوري. كان الامير محمد ابنا للامير سيف الدين الادرعي الذي سبقه في زعامة العشيرة، ووالدا للامير فضل الدين حاكم مصياف الذي ورث امارة القلعة من بعده. جاء حكمه بين نهاية العهد الزنكي وبداية العهد الايوبي، اي بالتزامن مع اشتداد هجمات الغزو الصليبي من جهة، وبدايات تغلغل الدعوة الاسماعيلية النزارية في جبال الساحل من جهة اخرى. هذا الموقع الزمني جعله حلقة وصل سياسية وعقائدية بالغة الاهمية في تاريخ الجبل العلوي، فبينما تتجاهله المصادر الاسماعيلية والسنية المعاصرة او تذكره بصفات عامة مثل شيخ الجبل او رئيس النصيرية دون ذكر اسمه، تحتفي به المصادر العلوية كقائد مقاوم وبطل مؤسس للتقاليد العلوية المحلية.
شهدت منطقة بلاد الشام في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي فراغا سياسيا كبيرا اثر تراجع نفوذ الدولة الفاطمية. فمع احتدام الصراعات الداخلية في بلاط القاهرة وتنامي قوة السلاجقة في الشام والضغط البيزنطي من الشمال تراجع حكم الفاطميين سريعا عن سوريا. اتاح هذا التراجع ظهور قوى محلية تملأ الفراغ الامني والاداري ففي المناطق الجبلية المعزولة نسبيا غرب نهر العاصي قامت زعامات عشائرية محلية باستغلال تضاريس تلك الجبال الوعرة لاقامة كيانات شبه مستقلة بعيدة عن متناول السلطتين العباسية والفاطمية.
جبال العلويين كانت ملاذا للاقليات الدينية وللحركات المتمردة حيث وفرت طبيعة الجبال الدفاعية حماية لمن لجأ اليها. ضمن هذا المناخ ظهرت عشيرة بني محرز كقوة محلية منظمة تمتعت بنفوذ واسع اذ تولت ادارة القلاع وحماية القرى وجباية الضرائب في نطاق سيطرتها. ويذكر كتاب تاريخ العلويين ان ثلاث عائلات محلية كبيرة لعبت دورا مهما في رعاية الدعوة العلوية في الجبال خلال القرن 11م. فقد كان بنو محرز اسيادا لقلعة المرقب الساحلية وقلاع داخلية اخرى واسهموا في حماية ونشر المعتقد العلوي حتى ان بعض افراد هذه العشيرة وصفوا في التراث العلوي بانهم علماء. هذا الدور الديني والسياسي المزدوج للعشيرة اكسبها مكانة خاصة في الذاكرة العلوية حيث تصور الروايات المحلية الامير محمد الادرعي كجد مؤسس لكثير من البيوتات العلوية التقليدية في جبال الساحل.
يقتضي التدقيق التاريخي والمنهجي التفريق الواضح بين مسارين نسبيين وجغرافيين حملا اسما متشابها في الذاكرة المحلية هما بني محرز والمحارزة دون دمجهما في اصل واحد جامع. فبنو محرز يشيرون الى اسرة عربية شامية محلية قديمة ارتبط اسمها بمحرز بن عكار وبرزت في فضاء سوريا الكبرى منذ القرن الحادي عشر الميلادي على الاقل حيث استوطنت مناطق الساحل السوري وفلسطين وحوران ولم تكن محصورة جغرافيا بجبال الساحل وحدها. وقد حكمت هذه الاسرة عددا من القلاع الاستراتيجية مثل المرقب والكهف والقدموس وشاركت في ادارة المجال الجبلي والساحلي قبل الغزو الصليبي وفي اثنائه. ولا يستبعد ان يكون بعض احفاد بني محرز قد تحولوا مذهبيا في فترات لاحقة بفعل الضغوط السياسية والادارية خاصة في العهد العثماني في فلسطين وحوران بينما لجأت فروع اخرى الى جبال العلويين وحافظت على انتمائها المذهبي او تعرضت للقتل او التهجير وهو ما يفسر التباين المذهبي المعاصر داخل اسر تحمل الاسم نفسه.
اما المحارزة فتشير الروايات العلوية وشجرات النسب المحلية الى جماعات تنتسب الى محرز الجيشي الفاطمي الهاشمي القادم من مصر والمرتبط بالمؤسسة العسكرية الفاطمية. وقد وفدت هذه الجماعات الى بلاد الشام على دفعات متعددة وفي فترات زمنية مختلفة ولم تكن هجرتها محصورة بسقوط الخلافة الفاطمية سنة 1171م بل سبقتها وتلتها موجات انتقال واندماج شملت مصر وبلاد الشام ولبنان والساحل السوري. وفي هذا السياق لا يفهم مرور بعض فروع المحارزة بمحطات مثل عدرا في غوطة دمشق بوصفه اصلا نهائيا بل كمرحلة انتقال ضمن مسار جغرافي واسع انتهى باستقرارهم في المجال الجبلي الساحلي حيث اندمجوا تدريجيا في بنية محلية قائمة.
وتدعم المعطيات الجينية الحديثة هذا التفريق النسبي دون ان تلغيه او تختزله. فقد اظهرت نتائج تحليل الحمض النووي لعدد من العائلات المنتمية الى عشيرة المحرزيين في الساحل السوري ان جزءا منها يحمل بصمة سامية على الخط الابوي J1-L858 من السلالة J1 وهو خط شائع في البيئات العربية الشرقية ويرتبط في الذاكرة المحلية بالسلالة الفاطمية. ومن هذه العائلات ال الامير ابو عبد الله محمد بن محرز بن الامير جيش ناصح الدولة الملقب بالامير الجيشي الفاطمي المصري باعتباره الجد المؤسس للسلالة المحرزية التي انحدرت منها عائلات مثل ال عيد وال علي في قرية بشراغي ناحية القدموس ومنطقة بانياس وكذلك ال غانم في قرية قمصو ناحية القمصية في منطقة الشيخ بدر. وينحدر من هذا المسار النسبي ايضا الشيخ صالح علي سلمان المريقب قائد الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي في جبال اللاذقية الى جانب عائلات اخرى مثل ال الاعرج المعروفين بالعراجنة وال الخطيب ومنهم الشيخ يوسف علي الخطيب.
وفي المقابل تظهر نتائج جينية اخرى داخل العشيرة نفسها تنوعا في الخطوط الابوية مثل المجموعة E-L29 وهو ما يفسر في اطار التحالفات العسكرية والتداخل السكاني خلال العصور الوسطى ولا سيما تحالفات المحارزة مع المماليك الشركس في مواجهة الصليبيين وما نتج عنها من تخالط انساب دون ان يعني ذلك انقطاع النسب او نفيه. وتشير بعض الدراسات الجينية المقارنة الى ان هذه الخطوط تشكلت محليا في الساحل السوري مع جذور اقدم تعود الى شمال افريقيا او شرق المتوسط وهو ما ينسجم مع طبيعة الساحل بما انه مجالا مفتوحا للتفاعل السكاني عبر القرون.
وبناء على هذا التفريق لا يمثل وفود المحارزة من مصر بداية حضور بني محرز في الساحل السوري بل يشكل مرحلة لاحقة من التداخل النسبي والاجتماعي بين سلالات محلية راسخة ووافدين جدد حملوا شرعية نسب فاطمي هاشمي. وقد اسهم هذا التداخل في نشوء كيانات قيادية مثل اسرة الادرعي التي جمعت بين العصبية المحلية المتجذرة والشرعية الروحية الوافدة وهو ما يفسر التشابك اللاحق في الروايات النسبية والذاكرة الشعبية دون الوقوع في تناقض زمني او سياسي. كما تفرض كثرة ورود اسم محرز في سياقات زمنية وجغرافية متعددة من الساحل السوري الى فلسطين ومصر اعتماد فرضية تعدد الشخصيات والسلالات الحاملة لهذا الاسم باعتبارها الاقرب الى الواقع التاريخي والاقل افتعالا في تفسير المعطيات التاريخية والجينية المتاحة.
بعض شجرات النسب العلوية والاشعار الشعبية تحكي ان بني محرز يتصلون بسلالة الامراء العسكريين الفاطميين وتذكر اسماء اسلاف لهم مثل الامير جيش ناصح الدولة ومحرز الجيشي بن محمد معز الدولة وبذلك فان الامير محمد الادرعي يكون حلقة الوصل التي قادت تلك السلالة العسكرية من القاهرة الى قمم جبال الساحل. غير ان المصادر الاكاديمية الحديثة ترى بني محرز عربا محليين ينحدرون من قبائل قديمة استوطنت الساحل الشامي منذ الفتوحات مثل تنوخ او طيء. وتذهب تحليلات انثروبولوجية حديثة الى احتمال حدوث دمج قبلي بين العائلات الفاطمية الوافدة والقبائل العربية المحلية في الجبل. ووفق هذا التصور تزاوجت القيادات القادمة من مصر كاسرة الادرعي مع بيوتات تنوخية مستقرة في المنطقة فتشكل حلف المحارزة كيانا جديدا جمع شرعية النسب الشريف القادمة من ال البيت مع قوة العصبية القبلية المتجذرة محليا. هذه الفرضية تفسر كيف استطاعت عشيرة بني محرز التمتع بتماسك داخلي وقدرة صمود عالية في وجه التحديات الخارجية رغم قلة الدعم المركزي.
برزت عشيرة بني محرز كقوة اقليمية من خلال سيطرتها على شبكة من القلاع الاستراتيجية في جبال الساحل السوري ومحيطها خلال القرنين 11 و12م. وفرت هذه القلاع مواضع دفاعية حصينة ومراكز للادارة وقيادة العمليات العسكرية. من اهم القلاع التي كانت تحت نفوذ بني محرز في تلك الفترة
قلعة المرقب
تقع على ساحل البحر المتوسط قرب مدينة طرطوس وتعد من كبرى القلاع الساحلية. تؤكد المصادر ان بني محرز كانوا حكام قلعة المرقب حتى مطلع القرن الثاني عشر اذ استعصت القلعة على البيزنطيين لكنها واجهت لاحقا ضغط الفرنجة الصليبيين. في عام 1117م حاصر الصليبيون المرقب وطالبوا المحارزة بتسليمها مقابل عدم مهاجمة مدينة حماة فرفض بنو محرز التسليم. ادى ذلك الى اقتحام الفرنجة للقلعة وطرد بني محرز منها. وقد ذكر تاريخ العلويين ان خروج المحارزة من المرقب عام 1117م مثل نهاية سيطرتهم على هذه القلعة الساحلية الحصينة
قلعة الكهف
تقع في جبال البهرة جنوب شرق مدينة بانياس وكانت هي الاخرى ضمن نطاق نفوذ بني محرز. بقيت الكهف في ايديهم حتى ظهرت الدعوة الاسماعيلية النزارية في المنطقة فقد استولى الاسماعيليون على قلعة الكهف حوالي عام 1137–1138م وانتزعوها من المحارزة. شكلت هذه القلعة مركزا داخليا مهما بسبب موقعها المطل على طرق المواصلات بين الساحل والداخل
قلعة القدموس
تقع قرب بانياس ايضا. تشير الروايات المحلية الى ان بني محرز سيطروا على القدموس خلال القرن 11م واستضافوا فيها بعض الدعاة العلويين المبكرين مثل الشيخ ابي الخير احمد بن سلامة الحداد. لكن مصير القدموس لم يكن افضل من غيرها اذ تذكر المصادر انها سلمت مؤقتا للفرنجة عام 1129م ثم اشتراها الاسماعيليون عام 1136م لتكون احدى قواعدهم الرئيسية في الجبل. وفي حوالي عام 1592م هاجم الاسماعيليون القدموس مجددا وانتزعوها من ايدي فرع محلي من المحارزة وفي خضم ذلك استولوا على مقتنيات نفيسة للعائلة كما سيأتي تفصيله في سياق الصراع مع الاسماعيليين
قلعة المينقة
قلعة صغيرة تقع على مقربة من وادي القلع. تشير بعض المصادر الى ان الصليبيين بعد طردهم بني محرز من المرقب منحوا المحارزة قلعة منيقة كتعويض مؤقت. لكن منيقة لم تبق طويلا بايديهم فقد سقطت سريعا بسبب موقعها الاقل تحصينا وقربها من مناطق النفوذ الصليبي المباشر. مع ذلك يظهر اسم منيقة لاحقا في الصراعات بين المحارزة والاسماعيليين حيث يرد ان بني محرز حاولوا التمسك بها في وجه التوسع الاسماعيلي
حصن الكيمة
يقع شرقي صافيتا في منطقة وعرة وقد اصبح معقل فرع من بني محرز خلال الحروب الصليبية. لا تذكر المصادر الصليبية او الاسلامية الكلاسيكية اسم الكيمة كثيرا لكن التراث الشعبي العلوي يحتفي بهذه القلعة نظرا للدور البطولي الذي ارتبط بها عبر شخصية الامير حامد الكيمة المحرزي. وفق الروايات المحلية قاد حامد الكيمة حرب عصابات ضد الفرنجة انطلاقا من حصن الكيمة وتمكن من منعهم من احكام سيطرتهم على ريف صافيتا لمدة سبع سنوات متواصلة. وقد اكسبت هذه المقاومة الشرسة بني محرز سمعة حماة الثغور في الوعي الشعبي العلوي وارتقت بقصة حامد الكيمة الى مرتبة الملحمة المحلية حيث يزار قبره اليوم كمقام مقدس تكريما لجهاده. ورغم ان هذه التفاصيل وردت في الروايات الشفهية ولم تحظ بتوثيق محايد الا انها تكشف جانبا من مكانة المحارزة كحماة لحدود الجبل ضد الغزاة الفرنجة
امتد نفوذ بني محرز عبر هذه الشبكة من القلاع ليشكل ما يشبه الحزام الدفاعي حول مناطقهم. وتشير المرويات المحلية الى ان افرع العشيرة وزعت الادوار فيما بينها فرع يتولى حماية الساحل والثغور كالمرقب والكيمة وفرع اخر يركز على ادارة الداخل ومراكز النفوذ الاقتصادية مثل مصياف وجوارها. وهكذا استطاع المحارزة انشاء منظومة حكم مرنة تربط الساحل بالداخل تقوم على التحصينات القوية لحماية حدودهم وعلى ادارة الموارد وطرق التجارة لضمان تمويل امارتهم.
هذا النفوذ الواسع وضع بني محرز في موقع الندية واحيانا التصادم مع امراء المدن المجاورة خصوصا حكام حماة وشيزر ال منقذ الذين كانوا يسيطرون على السهول المجاورة. وتذكر حوليات حماة ان علاقة بني محرز بحكام حماة تراوحت بين التحالف التكتيكي لصد هجمات البيزنطيين او الصليبيين وبين الصراع على النفوذ وحقوق جباية الضرائب في القرى الحدودية.
ادرك حكام شيزر خطورة الاشتباك المباشر مع عشائر الجبل فتجنبوا شن حرب شاملة عليهم مفضلين اساليب الاحتواء او الاعتراف الضمني بهم كمنطقة عازلة بين السهل الساحلي ومناطق الاحتلال الفرنجي. هذا التوازن الهش بين بني محرز وامراء حماة استمر حتى تصاعدت متغيرات جديدة اكثر خطورة تمثلت بوصول الصليبيين الى ذروة تمددهم وبروز قوة الاسماعيليين النزاريين في الجبال.
كانت التحديات الخارجية الكبرى التي واجهت امارة بني محرز خلال حياة محمد الادرعي تتمثل اولا في الغزو الفرنجي الصليبي القادم من الساحل الغربي. تؤكد المصادر بان المحارزة خاضوا مواجهة ضارية ضد الصليبيين في اوائل القرن الثاني عشر. وقد كانت خسارة قلعة المرقب 1117–1118م نقطة تحول مفصلية. فبعد سقوط المرقب بيد الفرنجة اضطر بني محرز للانسحاب نحو الداخل واعادة التمركز في معاقلهم الجبلية المتبقية. واصبحوا اثر ذلك في تماس مباشر ومستمر مع امارات الفرنجة في الساحل انطاكية وطرابلس على مدى عقود تالية.
تجمع الروايات على شراسة مقاومة المحارزة خلال هذه الفترة الحرجة اذ نفذوا عمليات كر وفر ضد المواقع الصليبية لمنع توغلها في عمق الجبل. وتبرز هنا مرة اخرى رواية الامير حامد الكيمة المحرزي الذي ينسب اليه فضل قيادة المقاومة الشعبية ضد حصون الفرنجة مثل قلعة صافيتا المشهورة بالبرج الابيض لعدة سنوات.
وتوضح هذه المقاومة الدور الذي رسمه الامير محمد الادرعي لعشيرته وهو استراتيجية الاستنزاف الاحتماء بالجبال الصعبة التضاريس واستدراج العدو الى حرب عصابات طويلة الامد تنهكه في السهل والجبل. وقد منحت هذه التكتيكات وفق الوعي العلوي الشعبي شرعية دينية ووطنية لبني محرز باعتبارهم حماة الثغور الاسلامية في الساحل. واستمرت عمليات المناوشة والتحصن تلك حتى تقلص خطر الفرنجة في اواخر القرن الثاني عشر مع نجاح الدول الاسلامية الايوبيين في استعادة معظم معاقل الصليبيين.
اما التحدي الثاني الاخطر فجاء من جهة الشرق والداخل مع ظهور الحشاشين في جبالالساحل منتصف القرن الثاني عشر. تبنى الاسماعيليون استراتيجية مختلفة تقوم على السيطرة على القلاع المنيعة لتاسيس دولة داخل الدولة تمتلك استقلالا فعليا. وكانت اعينهم على قلعة مصياف بالذات نظرا لموقعها الاستراتيجي المهم للتحكم بطرق المواصلات بين الساحل والداخل. في عام 1140م تقريبا نجح الاسماعيليون في الاستيلاء على مصياف لتنتهي بذلك امارة بني محرز المستقلة في تلك القلعة. تذكر الروايات السنية والاسماعيلية ان مصياف انذاك كانت في يد حاكم تابع لاسرة بني منقذ نائب حماة المملوكي سنقور فدبر الاسماعيليون اغتياله وتسلموا القلعة بالحيلة او بالشراء دون قتال مفتوح. وفي السنوات اللاحقة واصل الاسماعيليون بسط نفوذهم فسيطروا ايضا على قلاع مهمة اخرى كانت ضمن نطاق المحارزة مثل الكهف والخوابي والقدموس بحلول عام 1137–1140م مما اتاح لهم انشاء اقليم حصين مستقل يتوسط الاراضي الفرنجية والاسلامية.
غير ان الرواية العلوية المحلية التي تحفظ ذاكرة بني محرز تصور الاحداث بشكل مختلف. فهي تتحدث عن صراع عنيف وغدر تعرض له المحارزة على يد الاسماعيليين للاستيلاء على مصياف. وفق هذه الرواية كان الامير فضل الدين بن محمد الادرعي هو الحاكم المدافع عن القلعة وقد قاوم حصار الاسماعيليين وقاتل بشجاعة الا انه اضطر في النهاية للانسحاب حقنا للدماء بعد ان نفدت خياراته. وتعرف في التراث العلوي احداث تلك الفترة باسم حرب القلاع والتي تشير الى سلسلة مواجهات دامية بين بني محرز والاسماعيليين في منتصف القرن الثاني عشر. فبعد سقوط مصياف اضطر المحارزة الى الجلاء عن معاقلهم الكبرى مصياف والقدموس والكهف والتراجع نحو المناطق الاكثر وعورة في اعالي الجبال او الاقرب الى الساحل مثل منطقتي صافيتا وبشراغي. ولم يستسلم المحارزة لهذا الواقع بسهولة اذ تذكر المصادر العلوية انهم حاولوا عدة مرات على مدى القرون التالية استعادة قلاعهم المفقودة. من ابرز تلك المحاولات قيامهم بهجوم كبير سنة 977هـ حوالي 1569م في العصر العثماني لاستعادة بعض القلاع من الاسماعيليين. ورغم ان هذه المحاولة اللاحقة لم تغير الواقع السياسي فان مجرد استمرارها بعد قرون يدل على ان ذاكرة حقهم التاريخي في تلك القلاع ظلت حية ومتوارثة جيلا بعد جيل.
خلال صراعهم المرير مع الاسماعيليين فقد المحارزة مواقع واثارا ذات قيمة رمزية كبيرة بالنسبة لهم. وتبرز هنا قصة متداولة في الادبيات العلوية حول سيف الامام الحسين بن علي وكيف انتهى به المطاف في ايدي خصومهم. فبحسب الرواية احتفظ زعيم اسرة الادرعي المحارزة على مدى اجيال بسيف اثري يزعمون انه سيف الامام الحسين سبط النبي محمد وكان يعد ارثا مقدسا ورمزا لشرعية قيادتهم الدينية وانتمائهم لال البيت. لكن في الهجوم الذي شنه الاسماعيليون على قلعة القدموس استطاع المهاجمون الاستيلاء على ذلك السيف النفيس الى جانب كتاب دعوة فاطمي مقدس كان محفوظا لدى العائلة. شكل فقدان هذا الكنز الروحي صدمة كبيرة للمحارزة اذ اعتبروه برهانا تاريخيا على نسبهم الحسيني وانتمائهم العقائدي. ورغم صعوبة التحقق من صحة هذه القصة تاريخيا خاصة لورودها في المصادر العلوية الذاتية دون تاكيد من مصادر محايدة الا انها تعكس ايمان العلويين الراسخ بان دماء اهل البيت تسري في عروق قادتهم وبان تراثهم يحمل امتدادا مباشرا لتراث صدر الاسلام.
مع اواخر القرن الثاني عشر وبداية الثالث عشر الميلادي وبعد فقدان بني محرز لمعاقلهم العسكرية الكبرى لصالح الصليبيين ثم الاسماعيليين بدات عشيرة المحارزة تحولا بنيويا في دورها الاجتماعي. فبعد ان كانت امارة عسكرية تمتلك الارض والقلاع اعادت العشيرة تشكيل نفوذها ليصبح زعامة دينية واجتماعية ضمن المجتمع العلوي الناشئ. يصف المؤرخون هذا التحول بانه الية تكيف للحفاظ على تماسك الجماعة ووجاهتها فبدلا من فرض السلطة عبر السيف والحصن استمر نفوذ ال الادرعي من خلال الزعامة الروحية وحل النزاعات العشائرية داخل المجتمع العلوي. وتروي التقاليد العلوية ظهور شخصيات بارزة من سلالة الادرعي خلال القرون اللاحقة جمعت بين العلم الديني والمكانة الاجتماعية مثل الشيخ موسى الحكيم في العصر المملوكي. كان موسى الحكيم طبيبا وشيخا ذا كرامات وفقا للروايات الشعبية وقد لعب دور المرشد والمصلح القبلي في منطقته مما يدل على ان عائلة الادرعي احتفظت بدورها القيادي ولكن بصيغة جديدة تعتمد على الشرعية الدينية بدل السلطان السياسي. وهكذا تمكنت عشيرة المحارزة من البقاء كواحدة من العشائر العلوية المعتبرة التي يقصدها الناس طلبا للمشورة والعدل رغم زوال امارتها العسكرية.
استمر حضور ارث محمد الادرعي ملموسا بين العلويين حتى العصور الحديثة بطرق مختلفة. فالمصادر العثمانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر اشارت الى ان اراض واسعة في ريف مصياف ظلت تعرف باسم ارض الادرعة نسبة الى ال الادرعي حتى ذلك الوقت. كما ذكر رحالة فرنسيون في القرن التاسع عشر ان احفاد المحارزة احتفظوا ببعض الحقوق العرفية في مناطقهم القديمة حتى بعد زوال حكمهم مثل حق التحكيم بين القرى والفصل في النزاعات وحماية المزارات الدينية المحلية. ويفهم من ذلك ان المكانة الاجتماعية لتلك الاسرة استمرت طويلا بعد افول سلطتهم السياسية حيث نظر اليهم السكان كمرجعية اجتماعية وروحية تستمد شرعيتها التاريخية من عصر الامير الادرعي.
ان التراث العلوي الحديث ينظر الى الشيخ صالح العلي 1884–1950م قائد الثورة الشهيرة ضد الفرنسيين في جبال اللاذقية 1919–1921 بوصفه سليلا مباشرا لعشيرة بني محرز. تؤكد المشجرات العائلية المحلية ان صالح العلي يتحدر من فرع المحارزة الذي استقر في منطقة الاندروسة الشيخ بدر وقرية بشراغي في الساحل السوري وان ثورته ضد الاحتلال الفرنسي كانت امتدادا لدور اجداده من ال الادرعي. ويذهب البعض الى القول ان شخصية صالح العلي وما وضعه من شروط صارمة خلال تفاوضه مع الفرنسيين تعكس عقلية امير القلعة التي رفضت الخضوع لقوة اجنبية. ففي اصراره على استقلال منطقته ووحدتها مع الداخل السوري ومطالبته ان يتم التفاوض معه في معقله الجبلي لا في مراكز السلطة الفرنسية نجد صدى لعقلية الامير محمد الادرعي الذي حكم مصياف والكيمة قبل ثمانية قرون وواجه الصليبيين والاسماعيليين بعزيمة استقلالية مماثلة. وعلى الرغم من ان الدراسات الاكاديمية عن الشيخ صالح العلي ركزت على بطولاته الوطنية ولم تتطرق كثيرا الى اصوله النسبية الا ان الذاكرة العلوية الشعبية تصر على هذا الربط كدليل على استمرارية روح المقاومة عبر الاجيال.
رغم اندثار الامارة المحرزية كقوة سياسية الا ان شخصية الامير محمد الادرعي وذكراه بقيت حية في التراث العلوي وفي بعض المصادر التاريخية اللاحقة. وهذا الارث يمكن تتبعه من خلال تقييم صورة الادرعي في طيف من الروايات العلوية والاسماعيلية والسنية
في المصادر العلوية والمحلية
حافظ العلويون عبر مخطوطاتهم وشجرات نسبهم على ذكرى الادرعي كحاكم عادل وبطل مقاوم. يذكر الشيخ عبد الرحمن الخير في مقدمة تحقيقه لكتاب تاريخ العلويين انه وجد في مخطوطات الانساب وصفا لمحمد الادرعي بانه كان حاكما عادلا احبته رعيته. كما يسرد المؤرخ ابراهيم الحرفوش في كتابه خير الصنيعة سلسلة نسب امراء العلويين في مصياف مبتدئا بالادرعي وذريته.و ان الشعر الشعبي في جبال الساحل تغنى بعدالة ايام الادرعي في مقابلة ظلم حكام اخرين اتوا بعده مما يدل على رسوخ صورته الايجابية في الذاكرة الجمعية. والى اليوم تطلق تسمية بيت الادرعي على احدى العائلات العلوية العريقة في منطقة مصياف والتي يزعم انها من نسل الامير وتحافظ على تقاليده. كذلك انتشر لقب الادرعي ككنية شرفية حملها بعض احفاد بني محرز الذين نزحوا الى مناطق ساحلية اخرى حتى القرن الثامن عشر على الاقل قبل ان تتفرع الاسرة الى اسماء عائلات مختلفة في العصور الحديثة
في المصادر الاسماعيلية
تتسم بقدر من الصمت او التحفظ حيال ذكر الادرعي واسرته. فالمؤرخون الاسماعيليون المتاخرون حين تناولوا تاريخ قلعة مصياف اما يغفلون ذكر اسماء الحكام السابقين للقلعة او يكتفون بوصفهم بعبارات عامة مثل الملاك المحليين او النصيريين القدماء. ويرى الباحثون ان هذا التجاهل المتعمد يخدم سردية الاسماعيليين التي تعتبر حقبة رشيد الدين سنان ورفاقه في مصياف نقطة البداية الحقيقية لتاريخ المنطقة وتختزل ما قبلها في صورة فوضى او جاهلية سياسية تم تجاوزها. اذ ان الاعتراف بوجود امارة منظمة بقيادة محمد الادرعي قبلهم قد يضعف شرعية الاستيلاء الاسماعيلي ويصوره كغزو لارض لها اهلها وحكامها. ومع ذلك نجد اشارات حديثة لدى بعض الباحثين المحايدين مثل ستيفن ونتر الى امراء ال الادرعي في مصياف وان اصولهم كانت مختلطة بين العلويين والاسماعيليين ما يدل على ان هناك ادراكا معاصرا وان كان محدودا لوجود تلك السلالة ودورها التاريخي.
في المصادر السنية
لم تحظ شخصية الادرعي بتوثيق واف في كتب المؤرخين السنة المعاصرين له و يعود ذلك الى كونه خارج اطار السلطة المركزية والى نظرة الارتياب تجاه الحركات المحلية . فمثلا يشير المؤرخ ابن العديم المتوفى سنة 1262م الى اضطرابات في جبال حماة خلال القرن 12م والى حملة شنها حاكم حماة ضد عصاة الجبل دون ذكر الاسماء. وفي مواضع اخرى يصف بعض المؤرخين كابي الفداء جماعات العلويين المتمردة باوصاف مثل قرامطة او باطنية في سياق التنديد العام باي حركة لا تتبع السلطان. مثل هذه الاوصاف السلبية كانت شائعة للتشويه والتعميم لكنها في الوقت ذاته دليل غير مباشر على القوة العسكرية للمحارزة فلو لم يشكلوا تهديدا فعليا لما سيرت حماة حملات لقتالهم. ويستنتج من هذه المصادر ان حكام السهول نظروا الى الادرعي وبني محرز كعشيرة جبلية متمردة تقطع الطرق احيانا وتنافسهم على الجباية اكثر من كونها امارة منظمة ذات مشروع سياسي واضح.
الى جانب ذلك هناك مصادر متاخرة سلطت الضوء على سيرة الادرعي بعد قرون من زمانه. فقد المّح المطران يوسف الدبس في كتابه تاريخ سوريا الصادر سنة 1885م الى وجود امير نصيري في منطقة حماة خلال العهد الايوبي دون ان يسميه ويمكن اسقاط هذا الوصف على الامير محمد الادرعي نظرا لمكانته انذاك. وفي العصر الحديث تذكر موسوعة تاريخ العلويين وغيرها من الدراسات دور بني محرز كعائلة عربية حكمت قلعتي المرقب والكهف وقادت المقاومة ضد الصليبيين حتى سقوط تلك القلاع بايدي الفرنجة والاسماعيليين. وتؤكد هذه الدراسات ان العشيرة بعد فقدان مواقعها تحولت فعليا الى زعامة دينية حافظت على نفوذها عبر التقاليد الاجتماعية حتى العصر الحديث.
تدل كثرة ورود اسم محرز في سياقات جغرافية وزمنية متعددة من الساحل السوري الى فلسطين ومصر على ضرورة اعتماد فرضية تعدد الشخصيات والسلالات الحاملة لهذا الاسم وعدم اختزالها في اصل واحد جامع. وبناء عليه يفهم حضور بني محرز في الساحل خلال القرن الحادي عشر كسياق محلي قديم سابق على اي وفود لاحقة بينما تفسر روايات الهجرة بعد سقوط الدولة الفاطمية سنة 1171 كموجات اندماج وتعزيز داخل بنية قائمة و ليس كتفسير وحيد للاصل. ويظل الربط النسبي بين هذه الفروع مسالة بحث مفتوحة لا تحسم الا بتقاطع الادلة النصية والزمنية والجغرافية بعيدا عن الدمج القسري للروايات.
الصورة راية ورمح بدر الخفير بن شاكر حفيد الامير محمد الأدرعي