عيد الغدير.. اليوم الذي بقي حيّاً في ذاكرة أتباع علي كرم الله وجهه
جورج برشيني
في الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، وأثناء عودة النبي محمد من حجة الوداع، توقّف عند موضع يُعرف بغدير خم بين مكة والمدينة، وألقى خطبة أصبحت لاحقاً واحدة من أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ الإسلامي. وتشير مصادر إسلامية عديدة إلى أن النبي قال في ذلك اليوم: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». وقد أصبح هذا الحدث أساساً لعيد الغدير الذي يحتفل به ملايين المسلمين من أتباع مدرسة أهل البيت حتى يومنا هذا.
وبغض النظر عن الخلافات التي ظهرت لاحقاً حول تفسير معنى كلمة “مولى”، فإن حادثة غدير خم بقيت من أكثر الوقائع حضوراً في الذاكرة الإسلامية، وارتبطت باسم علي بن أبي طالب ارتباطاً وثيقاً.
علي بن أبي طالب… الشخصية الأكثر تأثيراً في الوجدان العلوي
عندما يُذكر علي بن أبي طالب لا يُذكر مجرد خليفة أو صحابي أو قائد عسكري، فعلي أرقى وأسمى من كل هذه التوصيفات في الوجدان الإنساني وليس فقط العلوي ،بل تُذكر شخصية استثنائية تركت أثراً عميقاً في الفكر الإسلامي كله.
كان أول من آمن من الفتيان، وربيب النبي، وزوج فاطمة الزهراء، وأبا الحسنين، وأحد أبرز قادة الدولة الإسلامية في سنواتها الأولى. وقد أجمع المؤرخون على شجاعته وعلمه وفصاحته ومكانته الخاصة في حياة النبي. كما ارتبط اسمه بالعدالة والزهد والحكمة حتى أصبح رمزاً أخلاقياً وفكرياً تجاوز حدود المذاهب الإسلامية نفسها. (Encyclopedia Britannica)
ولذلك لم يكن غريباً أن يتحول علي عبر القرون إلى محور لمدارس فكرية وروحية وفلسفية متعددة، وأن تنظر إليه جماعات كثيرة باعتباره النموذج الأعلى للمعرفة والحكمة والولاية.
لماذا يحتل علي مكانة مركزية لدى العلويين؟
يرى العلويون أن علاقتهم بعلي بن أبي طالب ليست مجرد علاقة مذهبية أو فقهية، بل علاقة هوية روحية وتاريخية.
ففي الوعي العلوي التقليدي يمثل علي رمز الحكمة والمعرفة والعدل والنور الإلهي، ولذلك بقي حضوره في الثقافة العلوية أوسع من حدود الفقه والطقوس الدينية، ليتحول إلى مركز لمنظومة فكرية وروحية متكاملة.
ومن هنا يرفض كثير من العلويين اختزال تاريخهم ضمن التصنيفات المذهبية المتأخرة، ويعتبرون أنفسهم امتداداً لتراث روحي وفلسفي خاص تطور عبر قرون طويلة داخل المشرق.
عيد الغدير في الذاكرة العلوية
بالنسبة لكثير من العلويين، لا يمثل عيد الغدير مجرد ذكرى تاريخية، بل مناسبة مرتبطة بفكرة الوفاء لعلي ومبادئه.
إنه يوم يُستعاد فيه الحديث عن العدالة والمعرفة والشجاعة والكرامة الإنسانية، وهي القيم التي ارتبطت باسم علي في المخيال الشعبي والثقافي عبر أكثر من أربعة عشر قرناً.
ولهذا بقي الغدير حاضراً بقوة في الوجدان العلوي، باعتباره مناسبة تؤكد مكانة علي الاستثنائية في التاريخ الإسلامي، وتعبّر عن ارتباط أتباعه به بوصفه رمزاً للحكمة والحق والعدالة.
كل عيد غدير وأنتم بخير ونختمها بالقول :
«من كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصرْ من نصره، واخذُلْ من خذله».
أيّها الناس، إنَّ الحقَّ مع عليّ، وعليٌّ مع الحقّ، فهو بابُ الحكمةِ ومصباحُ الهداية.
مراجع تاريخية
* موسوعة بريتانيكا، مادة: Ali ibn Abi Talib. (Encyclopedia Britannica)
* الدراسات التاريخية الخاصة بواقعة غدير خم وتاريخها في 18 ذي الحجة سنة 10 هـ. (Al-Islam.org)
* المصادر الإسلامية التي وثقت خطبة غدير خم وانتشار رواياتها في التراث الإسلامي. (Encyclopaedia of Islam)