"دير ماما" الدير الغائب وذاكرة القديس في جبال مصياف
2026.06.18
سيمون خالد علي
اسم يحفظ ما لم تحفظه الحجارة
على السفح الشرقي من الجبال الساحلية السورية، على نحو اثني عشر كيلومترا شمال غرب مدينة مصياف في محافظة حماة، تقع قرية دير ماما، وهو اسم مركب من كلمتين: دير، واسم منسوب إلى شخصية مقدسة تدعى ماما. والاسم وحده، أول شاهد على ذاكرة المكان، فهو يروي قصة دير سبق القرية أو منحها هويتها، ثم غاب بناء وظل حاضرا ذاكرة.
تقع القرية في بيئة جبلية ينابيع قبل كل شيء، أبرزها عين الكنة وقريبين والقبلي والحداد والشمالي والوادي والشقفين وقلعة الجري. وهذا الماء الوفير يفسر قدم الاستيطان، فحيث الماء يكون السكن، وحيث السكن تنشأ المؤسسة الدينية. وكلمة دير علامة شبه ثابتة في جغرافية بلاد الشام على موضع مسيحي قديم، وكثيرا ما اختفت أبنية الأديرة وبقيت أسماؤها على القرى التي خلفتها، وهو ما ينطبق على دير ماما انطباقا شديدا.
ماما القديس الذي حمى الموضع باسمه
ينقل الباحث نبيل عجمية، باسم دير القديسة ماما، وتسمى القرية إلى دير قديم يعود إلى العصر الروماني. ويرتبط الاسم في التاريخ المسيحي الشرقي بالقديس ماما أو ماماس (Mamas/Mammas)، شهيد من القرون الأولى يرتبط بآسيا الصغرى وتضعه السير الكنسية في القرن الثالث الميلادي، وانتشر تكريمه في الشرق المسيحي وقبرص وبلاد الشام.
ويميز عبدالله الحلو، في كتابه تحقيقات تاريخية لغوية في الأسماء الجغرافية السورية (ص 140)، بين بيت ماما الفلسطينية الآرامية الأصل وبين دير ماما الشامية، فيذكر أربعة مواضع باسم دير ماما أو دير مار ماما في جبلة والحفة ومصياف وجنوب لبنان، ويرجعها إلى أسماء القديسين السريان .
يظهر اسم ماما (ܡܐܡܐ) في الفهارس السريانية شهيدا من قيصرية كبادوكيا، له ذكر في حياة القديسين تذكره مع ثاوذوتا وروفينا. ويظهر في التاريخ الأرمني بصيغة Սուրբ Մամաս، وتحمل بعض الأديرة الأرمنية اسمه، كدير سورب ماماس.
وتضيف مقالة الدكتور جوزيف زيتون عن دير ماما (8 آذار 2023) شاهدا على الرواية الكنسية الحديثة التي تربط البلدة بالقديس الشهيد ماما شفيعا للدير المندثر، وتذهب إلى أن الدير كان رهبانيا عامرا نشأ في العصر الرومي والقرون المسيحية الأولى، واندثر مع تحولات أواخر العهد الصليبي والمملوكي.
الدير القديم في الوادي
على أهمية الدير في اسم القرية، لا يوجد له حتى الآن مخطط أثري منشور أو نقش تأسيسي مؤكد. والمعروف هو موضع يعرف بالدير القديم في الوادي، وبيئة أثرية رومانية بيزنطية محيطة. ولعل أهم مفتاح شعبي لمصيره مقام الشيخ صبح أو صبيح العجمي، من أبرز مزارات القرية، يتداخل ذكره مع ذكر مار ماما، فالعلويون يعرفون الموضع بمقام الشيخ صبح، ويربطه بعض المسيحيين باسم القديس ماما، في ظاهرة معروفة من انتقال القداسة من اسم مسيحي قديم إلى ولي محلي لاحق.
وتبقى أسئلة ميدانية مفتوحة: موضع وادي الدير وعلاقته بمقام الشيخ صبح، ومواضع العيون القديمة، وموقع الطاحونة المائية، وما إن كانت هناك أرض تحمل اسما كأرض الدير أو بستان الدير. والأرجح أن الدير كان من الأديرة الريفية الصغيرة أو كنيسة بغرف قليلة قرب نبع أو واد، ما يفسر سهولة اندثاره.
بيئة أثرية تطوق القرية
تحيط بالقرية بيئة أثرية غنية: منطقة الجليلين المنحوتة في الصخر الكلسي، تضم كتابات إغريقية ونواويس صخرية، وشير الطاقة وهو جرف صخري بارتفاع يقارب أربعين مترا فيه مغارة طبيعية، إلى جانب كهوف ومدينة بيزنطية وأطلال مساكن ولقى فخارية رومانية، و ذكر بقايا بناء ضخم يسمى القصر. القرية تقع على طريق مصياف-اللقبة على ارتفاع نحو 550 مترا، وتحدها اللقبة شمالا والحيلونة غربا والمحروسة شرقا والحريف جنوبا.
ويورد المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري مشتى دير ماما تابعا لناحية مصياف، يطل على وادي الشقيف وسهل الغاب، ويصف بيوته القديمة بالحجارة والطين والخشب واعتماد أهله على تربية الماعز والأبقار وزراعة الحبوب والكروم بعلا. وهذه الشواهد تثبت أن المجال كان مأهولا نشطا في العصرين الروماني والبيزنطي.
دير ماما في دفتر التحرير العثماني سنة 1536
في دفتر التحرير المفصل للواء حلب رقم 397، المؤرخ سنة 943 هجرية (1536م)، يرد اسم القرية بصيغة دير ماما (Deyr-Mama/Deyr-Mamma) ضمن ناحية شيزر، مسجلة بعشرين خانة وتسعة مجردين وإمام واحد، مع محاصيل من القمح والشعير وخراج أشجار التوت والتين. وهذا الخراج يمنح الحرير الديرمامي عمقا زراعيا سابقا بكثير على التاريخ الحديث. ويذكر الدفتر أيضا مزرعة قورية (Kurye) يزرعها أهل القرية.
دير ماما في المجال العلوي المبكر وحادثة 1744
تضع قراءة ستيفان وينتر لتاريخ العلويين دير ماما، مع بعرين ودير شميل ووادي العيون، ضمن مناطق التركز الريفي العلوي المبكر في الداخل الحموي. وفي القرن الثامن عشر، اتهمت سجلات المهمة والفرمانات العثمانية لسنة 1744 جماعات من قرى علوية، منها دير ماما وعين الكروم وعناب.
ذكرت دير ماما في طبوغرافية سورية لرينيه دوسو (René Dussaud)، و في دليل غيد بلو (Guide Bleu) عن دير مكرس للقديس ماما مع قبور صخرية، أو نقش يوناني على قاعدة عمود ينسب إلى الباحث عدنان البني في حوليات الآثار السورية، و ورود القرية في الأطلس الأثري لمحافظة حماة.
دير ماما السورية ودير ميماس اللبنانية
يجب التمييز بين دير ماما، قرية في منطقة مصياف بمحافظة حماة ذات حضور علوي غالب مع وجود مسيحي قديم، وبين دير ميماس، بلدة لبنانية في قضاء مرجعيون بمحافظة النبطية قرب نهر الليطاني وقلعة الشقيف، أهلها أغلبهم من الروم الأرثوذكس.
قرية المقامات والمشيخات
دير ماما مجالا كثيفا للمقامات العلوية، منها مقام الشيخ صبح أو صبيح العجمي، ومقام الشيخ أحمد القاضي، ومقام الشيخ علي الناعم، ومقام الشيخ علي العشير، ومقام الشيخ عباس الأسمر، ومقام الشيخ محمد ذي الفتايا، ومقام الشيخ مسلم، ومقام الشيخ يوسف العدة، ومقام النبي أيلول، ومقام السبع سلاطين، إلى جانب الشيخ سلمان والشيخ يوسف.
وأوضحها أثرا مقام الشيخ أحمد القاضي، وهو أحمد بن الشيخ موسى بن الشيخ مبارك بن كوكب الكلبي، انتقل من أبي قبيس وتوطن في دير ماما، ومقامه قبة حجرية. و الشيخ حسن بن الشيخ موسى من أبي قبيس كان ساكنا في دير ماما أيضا، ما يؤكد حركة المشايخ بين الموضعين. وفي نسب الشيخ علي المران ترد سلسلة تمر باسم شمس الدين دير ماما، المتصل بآل حسن المكزون السنجاري، فتظهر القرية عقدة وسطى في شبكة مشيخية تمتد إلى القسطرون وجوبة الماء والمران. ويذكر أميل عباس آل معروف، في أخبار الأمير حسن المكزون السنجاري، مدفنا قرب قرية الزاوي بجانب دير ماما. وتذكر روايات الأنساب العلوية، في كتاب حقائق التبيين في نسب المسلمين العلويين، ارتحال جماعات من السليمانية والبياطرة والقرافة إلى دير ماما وراشيا (رشي، رشياء)، حيث تلقبوا برشاونة القرافة.
أعلام دير ماما
الفقيه العامل والشاعر والمترجم والشهيد
من أبرز أعلام القرية الشيخ علي الناعم، الجد الأكبر لعائلة الناعم في غلميسة بجبلة ودير ماما بمصياف، يوصف بالولي الذي نبغ في الفقه ولم ينفق إلا من عرق جبينه، وأتقن صناعتي البناء والصياغة تشجيعا على الاعتماد على النفس، كما ورد في كتاب العلويون بين الأسطورة والحقيقة. ويرد من بيت الناعم أيضا الشيخ سليمان محمود الناعم، الذي مدحه الشيخ شعبان العدة بقصيدة. ويذكر أيضا الشيخ عبد الله الداؤود دير ماما، من رجال القرن التاسع عشر ، صارمي النسب من بيت ممو.
دير ماما مذكورة في نشرة متخصصة بالحرير من نشرات ليون، بعبارة عن إنشاء مربى نموذجي (élevage modèle) للحرير.
ظلت دير ماما قرية مختلطة يسكنها مسيحيون ومسلمون يتشاركون الأرض والعمل، حتى يصعب التمييز بينهم. وترد القرية في كتاب مازن يوسف صباغ عن الوحدة الوطنية السورية وزيارة البابا يوحنا بولس الثاني، إلى جانب محردة والسقيلبية وغيرها، من قرى التداخل الإسلامي المسيحي.
واشتهرت القرية بصناعة الحرير الطبيعي وشالاتها المتقنة، اعتمادا على شجر التوت ودودة القز والنول الخشبي، حرفة تراجعت في العقدين الأخيرين مع ضعف التسويق وانقطاع استيراد بيوض دود الحرير من اليابان. ومن آخر حراسها الحرفي محمد سعود، الذي حول جزءا من منزله إلى متحف للحرير، ويحتفظ بنول عمره نحو مئة وثمانين عاما. وشملت حرف القرية أيضا الشعارة وصناعة البسط والكراسي الخشبية ودواليب الحرير.
وافتتحت المدارس في دير ماما نحو سنة 1930 مع بداية الاحتلال الفرنسي، بعد أن كانت هناك مراكز منزلية لتعليم القرآن. ومن القرية الدكتورة رئيسة عبد الله، أول طبيبة في منطقة مصياف، والكاتبات هدى حشمة وحسنة محمود وتوفيقة خضور. وهاجرت جماعات من أهلها إلى الأرجنتين منذ مطلع القرن العشرين، وتسارعت الهجرة في العشرينيات والثلاثينيات. ويرد اسم عباس محمود عباس من دير ماما، الذي اعتقل سنة 1987 وحكم عليه بالأشغال الشاقة خمس عشرة سنة قبل الإفراج عنه سنة 2000.
وعرفت القرية زراعة متنوعة من الزيتون والعنب والتين والجوز والمشمش والرمان والتوت، واشتهر عرقها البلدي الديرمامي، ودبس رمانها، ومكدوس جوزها، وتينها اليابس. وعرف أهلها بثقافة سهرة المصالحة وخفة الظل. وتنسب الرواية الشعبية أغنية شفتك يا جفلة عالبيدر طالعة إلى الشاعر الشعبي محمد الأحمد، الذي نظمها لابنته جفلة في دير ماما، فانتشرت من القرية إلى الريف والمدينة.
دير ماما في الأدب و التاريخ
دخلت دير ماما الخيال الأدبي السوري عبر الشاعر ممدوح عدوان، ابن مجال قيرون القريب، الذي دفن فيها وكتب قصيدة بعنوان دير ماما، يتحول فيها المكان إلى كائن جماعي يشارك في الحزن، تتجاوب فيه الحجارة والسنديانة قرب المزار وماء الينابيع، ويختلط في طريق الجنازة العتابا بالدبكة. وتذكر بعض المصادر أنه أرسل قصيدة دير ماما إلى مجلة الآداب في بداياته فلم تنشر، وكانت أول قصيدة منشورة له بعنوان لقيطان. ويرد في تكملة معجم المؤلفين لمحمد خير رمضان يوسف أن ممدوح بن صبري عدوان ولد في دير ماما بوادي قيرون.
ويرد في المصدر نفسه عباس عباس، من مواليد دير ماما، خريج كلية الاقتصاد والتجارة بجامعة دمشق ومترجم لكتب فكرية وأدبية. ويذكر الشاعر محمد الماغوط، في خطاب موجه إلى ممدوح عدوان، جبال دير ماما مقترنة بقلعة مصياف رمزا للرسوخ والقدم. وتكتب سهام ترجمان عن زوجها الشهيد النقيب فؤاد محفوظ، ابن قرية دير ماما، في كتابيها يا مال الشام وجبل الشيخ في بيتي، وتصف قبره على حضن جبل مقابل قريته، والقرية أما أولى أنجبته للوطن.
الدير الغائب والحاضر في الاسم
تتلخص حكاية دير ماما في أنها موضع تراكم فيه التاريخ بشكل لا يلغي بعضه بعضا، طبقة مسيحية قديمة باسم القديس ماما أو ماماس، تسندها بيئة أثرية رومانية بيزنطية في الجليلين وشير الطاقة؛ وطبقة عثمانية تثبتها قيود دفتر 1536 وأخبار 1744؛ وطبقة مقامات ومشيخات علوية تتمثل في أحمد القاضي والشيخ علي الناعم وشبكة الأنساب؛ وطبقة وثائقية فرنسية وعالمية حديثة؛ وطبقة اجتماعية وأدبية معاصرة في الحرير والشعر والهجرة.
ويبقى محور هذه الطبقات جميعا الدير الأول، الذي حفظ اسمه القرية ثم غاب عمارة واضحة، ولم يوثق بعد بمخطط أو نقش منشور. ولذلك تقدم دير ماما حالة نادرة لموضع حفظ اسمه تاريخا أقدم من وثائقه، بينما أعادت القرون اللاحقة بناء قداسته بلغة جديدة من المقامات والأنساب والأدب. وحتى يظهر الدير في الحفر أو التصوير أو النقوش، يبقى السؤال مفتوحا: أين كان دير ماما الأول، وهل بقي منه شيء تحت الوادي أو قرب المقام أو في حجارة البيوت؟