كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الإخوان المسلمون.. الاستعداد لإنقاذ السلطة أم إعادة إنتاج أزمتها؟

أنس جودة

يبدو أن بيان الإخوان المسلمين الأخير في سوريا لم يأتِ من فراغ. فمن يقرأه بتمعّن يلمس فيه محاولة للتموضع في مرحلة قادمة، مرحلة قد تجد فيها السلطة نفسها مضطرة — شاءت أم أبت — إلى توسيع تحالفها الحاكم. فالتعثر بات واضحاً، والتخبط صار سمة ملازمة، والدعم الخارجي وحده لم يعد كافياً لمعالجة مشكلات الأداء السياسي والمؤسسي.

وربما تراهن الجماعة على أن ضعف أداء السلطة وخطابها سيدفع بعض داعميها، وعلى رأسهم تركيا، إلى البحث عن شركاء يمتلكون ما تفتقر إليه: خبرات تنظيمية، وشبكات اجتماعية أوسع، وقدرة على تحسين صورة الحكم ومنع انهياره. لكن هذا الرهان قد يصطدم بعقبة داخلية: السلطة قد تقبل استيعاب أفراد جدد، لكنها لا تقبل عادةً الاعتراف بقوى مستقلة تشاركها القرار والنفوذ.

غير أن التركيز على بيانات الجماعة ومواقفها قد يكون مضللاً. فالإخوان التقليديون لم يعودوا بالضرورة القوة الأساسية في الإسلام السياسي السوري. الحالة اليوم أوسع بكثير من التنظيم التاريخي، وأكثر تشتتاً أيضاً. إنها تمتد عبر شخصيات وشبكات اجتماعية في الداخل والخارج، ومؤسسات مدنية ومراكز بحثية، وصولاً إلى مواقع داخل مؤسسات الحكم نفسها. شبكات لا يجمعها بالضرورة تنظيم واحد ولا قيادة مشتركة، لكنها تتحرك في فضاء سياسي واجتماعي متداخل، يمتلك بعض فاعليه خبرات طويلة في العمل المؤسسي وبناء العلاقات وإدارة الموارد.

وتكمن أهمية هذه التيارات في قدرتها المحتملة على الاستمرار والعمل خارج الأطر التنظيمية التقليدية، والاستفادة من شبكات التمويل والعلاقات الاجتماعية والخبرة في مخاطبة المؤسسات الدولية بلغة الحوكمة والسياسة والاقتصاد، بعيداً عن المفردات الدينية المعتادة. وقد يمنح ذلك بعض شخصياتها قبولاً لدى أطراف دولية وإقليمية، وحتى لدى قطاعات سورية تبحث عن بدائل للأداء والخطاب الحاليين للسلطة. لكن انتشار هذه الشبكات لا يعني بالضرورة أنها تشكل قوة سياسية موحدة أو تمتلك مشروعاً مشتركاً للحكم.

ومن هنا، ربما يكون الصراع الأهم صراعاً صامتاً بين السلطة وهذه التيارات المرنة والممتدة، على المواقع والتأثير والقدرة على تشكيل المرحلة المقبلة، أكثر منه صراعاً مع الجماعة التقليدية التي قد تحتفظ قياداتها بمكانة رمزية وتاريخية داخل هذا المجال، دون أن تمتلك بالضرورة سلطة قيادية عليه. ويمكن قراءة السجال الإعلامي حول الإخوان باعتباره أحد المظاهر المعلنة لهذا التنافس الأوسع، الذي لم تتضح بعد حدوده التنظيمية والسياسية.

لكن المشكلة الأعمق تتجاوز التنظيمات والتحالفات، وتتعلق بطبيعة المشروع السياسي نفسه. فرغم اختلاف الأدوات والمفردات ووجود تباينات حقيقية بين تيارات الإسلام السياسي، تظل لدى تيارات مؤثرة فيه نزعة إلى اعتبار الأغلبية الدينية المفترضة صاحبة الحق في الحكم، ثم اختزال هذه الأغلبية في التنظيم أو القوة التي تدّعي تمثيلها. وعندما يُستدعى منطق الغلبة وذات الشوكة والولاء والبراء لتحديد شرعية السلطة وحدود الانتماء السياسي، يصبح الاختلاف مع الجماعة الحاكمة سبباً للإقصاء، حتى بالنسبة إلى من ينتمون إلى الأغلبية الدينية نفسها.

وهنا لا تكفي اللغة الواسعة عن التعددية والمواطنة والدولة المدنية، مهما بلغت براعة الخطاب السياسي والمؤسسي. فالاختبار الحقيقي هو الاعتراف بحق المختلف في الوصول إلى السلطة، وقبول تداول الحكم، واستقلال مؤسسات الدولة عن التنظيمات والهويات السياسية. كما أن امتلاك الخبرة في إدارة المؤسسات والموارد لا يعني بالضرورة امتلاك تصور مختلف للدولة أو استعداداً للتخلي عن احتكار السلطة.

وهذا هو الحد الفاصل بين محاولات إنقاذ السلطة ومشروع تحقيق الاستقرار في سوريا. فقد يساهم إدخال الإخوان أو شخصيات من تيارات الإسلام السياسي الأوسع في تحسين بعض جوانب الأداء الحكومي وتوسيع قاعدة الدعم، لكنه لن يعالج أزمة التمثيل ما لم تتغير قواعد الحكم نفسها. وقد نجد أنفسنا أمام تحالف أكثر اتساعاً وكفاءة في إدارة السلطة، لكنه يستمر في إعادة إنتاج الإقصاء السياسي.

أما الاستقرار الفعلي، فيتطلب تمثيلاً سياسياً واسعاً يعترف بتنوع المجتمع السوري، بما في ذلك التنوع السياسي داخل الأغلبية الدينية نفسها، ويؤسس للمنافسة على أساس البرامج والمصالح والخيارات المختلفة، بدلاً من احتكار تمثيل الهويات. كما يتطلب مؤسسات مستقلة، وتوزيعاً للسلطات، وضمانات للحقوق، ومعالجة جدية وشاملة للإرث التاريخي للانتهاكات من خلال العدالة الانتقالية وإصلاح المؤسسات الأمنية.

قد يكون الإخوان وغيرهم من محترفي العمل السياسي جزءاً من محاولة مقبلة لإنقاذ السلطة، وقد تنجح هذه المحاولة في تحسين أدائها وإطالة عمرها. لكن إنقاذ السلطة ليس بالضرورة إنقاذاً لسوريا ، وتوسيع التحالف الحاكم لا يعني توسيع التمثيل السياسي.

فالمشكلة السورية لا تُحل بتوسيع دائرة المشاركين في احتكار الحكم، وإنما بتغيير القواعد التي تسمح بهذا الاحتكار أصلاً.

*****

"في لوحة «اجتماع شركة الفلبين»، يرسم غويا ملكاً يترأس اجتماعاً رسمياً ضخماً، تحيط به النخب، لكن رغم كثرة الحاضرين، يحتل الفراغ معظم المشهد. إنها لوحة تتيح التأمل في المفارقة بين تعدد المشاركين ومحدودية الفعل المؤسسي، وبين اتساع دائرة السلطة وقدرتها الفعلية على الحكم"

La Junta de Filipinas | The Junta of the Philippines | اجتماع شركة الفلبين

Francisco de Goya y Lucientes | فرانسيسكو غويا

1815 | Oil on Canvas | زيت على قماش

Musée Goya, Castres, France | متحف غويا، كاستر، فرنسا