كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

غسان كنفاني.. المبدع والمناضل والشهيد.. مقتطفات من كتاب "مطار الثورة"

ينشر فينكس, أدناه, مقتطفات من كتاب: "مطار الثورة في ظل غسان كنفاني" لمؤلّفه الصحفي والمناضل عدنان بدر حلو الذي كان صديقاً و رفيقاً للشهيد كنفاني ونائباً له في شؤون تحرير مجلة "الهدف" التي أصرّ القيادي الدكتور وديع حداد على إطلاقها بعد ظهور أوّل انشقاق في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".

المقتطفات أدناه, تسلّط بعض الضوء على جوانب من شخصيّة الشهيد والمبدع غسان كنفاني..

 

 

... في تلك اللحظة بالذات بادرني بالقول (وكأنّه هو الآخر يقرأ أفكاري):

اسمع.. دعنا ننسى موضوع الاعتداء!! فهناك أمور كبيرة سوف تحصل اليوم.. عندنا عملية خطف طائرات (وشدد على كلمة طائرات بالجمع) لم يسبق لها مثيل, وسوف تهزّ العالم بأسره.. يجب أن نتهيأ لإدارتها إعلامياً.. فالإعلام في مثل هذه الحالات لا يقلّ أهمية عن العملية ذاتها, بل ربما يتوقف عليه موضوع نجاحها أو فشلها.. فكل الجهود الأخرى يمكن أن تضيع هباء, أو تعطي مردوداً عكسياً إذا لم ينجح الإعلام في التعامل مع الموضوع..

وهنا توقف قليلاً عن الحديث ثم قال:

-هل تعرف من الذي كان وراء شراء "الهدف" وإصدارها؟

-كلا...

-وديع.. وديع حداد.. إنّه هو الذي أصرّ على وجوب أن تكون لـ"الجبهة" مجلة, بعد الانشقاق وسيطرة الفريق الآخر على "الحرية".. لقد جاءني إلى "الأنوار" وقال سوف تترك "دار الصياد" وتتولى إصدار مجلة جديدة للجبهة.. وهكذا كان..

ثم أردف قائلاً: لقد علمتُ فيما بعد أن أبا هاني قد خاض معركة حقيقية مع الآخرين في القيادة لإقناعهم بضرورة إصدار المجلة, وضمان موافقتهم على دفع مبلغ تسعين ألف ليرة لبنانية لصاحبها السابق الصحافي زهير عسيران ثمناً للامتياز.. يبدو أن لدى وديع.. هذا الشخص الغارق في المسائل العملية.. حسّاً إعلامياً مرهفاً, على خلاف الصورة الشائعة عنه!!

وعاد من جديد للحديث عن عملية الطائرات فقال:

يجب أن نكون غداً في "الهدف" من الساعة الواحدة ظهراً.. وعندها يبدأ توقع اتصالات وكالات الأنباء بمجرد حصول أي عملية خطف.. إنما يجب أن يردّ واحد منّا فقط على الهاتف قبل معرفتنا بحصول العملية.. لأنّ وجودنا معاً في المكتب يوم الأحد قد يلفت الانتباه, وأنت تعرف حساسية المراسلين الموجودين في بيروت هذه الأيام.. في حين يستطيع واحدنا أن يبرر وجوده لوحده بأنه يكتب مقالاً ويستعين ببعض المراجع المتوفرة في المكتب..

المهم ألّا نثير الانتباه قبل حصول العملية.. أو أول عملية على الأقل.

سألته بدهشة:

ماذا تقصد بـ"أول عملية"؟

فأجاب:

-نعم إنها سلسلة من العمليات المتلاحقة.. سوف يتمّ خطف ثلاث طائرات في وقت واحد..

كان مثل هذا الأمر في ذلك الحين مفاجأة لا تخطر على بال.. فقد أصبح خطف طائرة واحدة مستحيلاً بعد الإجراءات الأمنية المتطورة التي اتخذت في مطارات العالم المختلفة, وأكثر من ذلك بعد خضوع معظم الدول –بما فيها "الثورية"- للضغوط الدولية وامتناعها عن استقبال أي طائرة مخطوفة في مطاراتها أو تقديم أية تسهيلات لخاطفيها.. هذا إذا لم تقم باعتقالهم وتسليمهم.

استأنف أبو فائز الكلام وقال:

-المفاجأة الأكبر ستكون في المكان الذي ستتوجّه إليه الطائرات.. لقد خطط أبو هاني لحدث لا تستطيع توقعه كل كمبيواترات العالم.. لقد اخترع مطاراً!!

-ماذا؟

-اخترع مطاراً بالفعل.. مطاراً خاصاً بـ"الجبهة الشعبية".. سوف يجنّون.. سيجن العالم بأسره.. سيدركون أن في أيدي الضعفاء أسلحة لا يمكن تصنيفها في حسابات موازين القوى التقليدية!!

وفجأة ظهرت على محياه ابتسامة من نوع خاص يختلط فيها الجد مع الدعابة.. وقال:

تعرف؟ إنني زعلان.. زعلان على صاحبنا آغوب..

-من؟

آغوب الأرمني المصور في وكالة (أ. ب) الذي يزورنا في المكتب باستمرار.. كم مرة طلب أن نتيح له فرصة الوجود كمسافر على متن طائرة مخطوفة!! كان يقول "خذوا أي شيء.. خذوا عائلتي كرهينة لتضمنوا أمن معرفتي المسبقة بالعملية".. وقد عرض أكثر من مرة أن نطلب منه السفر مرات عديدة خلال سنة, ولو على عشرين رحلة لتكون واحدة من بينها هي المستهدفة.

كان بودي أن أمنحه هذه الفرصة الآن.. لقد اتصلتُ به قبل أسبوع من أجل ذلك.. لكنه كان غائباً.. إنه مسافر يمضي إجازته السنوية في كندا.. لقد ضاعت عليه فرصة كان يعتبرها فرصة العمر.

-سألته مستغرباً:

-هل أنت جادّ؟ هل كنت فعلاً ستطلعه على سرّ عملية من هذا النوع؟!

-نعم..

-أتثق به إلى هذا الحد وهو الذي يعمل في مؤسسة أمريكية؟ أليس في الأمر مجازفة أمنية؟

-المجازفة واردة دائماً.. لكنني أثق بمستواه المهني وإخلاصه لعمله.. وتقديره لحجم الفرصة التي أوفرها له.. إن صحافياً محترفاً على هذا المستوى لا يمكن أن يغدر بمن يوفر له مثل هذه الفرصة, ولا يمكن أن يخسرنا كنافذة لمثل هذه الفرص مهما كان حجم الفوائد التي سيجنيها من الغدر مضحياً بحياته المهنية كلها, وواضعاً نفسه في قائمة أهداف منظمة مثل منظمتنا!!

كم مرة أعطينا صحافيين كباراً, بمن فيهم أمريكيون, بعض الأنباء كخلفيات للموضوعات أو الأحداث, واتفقنا معهم على عدم نشرها أو على نشرها دون ذكر المصدر.. ولم يخلّ أي منهم بالاتفاق؟!

فقاطعته قائلاً:

-بل حدث الخلل مرة أو مرتين!

-أذكر.. لقد حدث مرتين. إنما مع صحافيين مغمورين.. أحدهما كان طارئاً على صحيفة "النهار" وقد راعيته أنت لأنه ابن بلدك.. فاستغل تلك المراعاة, لكنه لم يخسر بذلك علاقته الطيبة معنا فحسب بل خسر عمله عندما تبيّن لمعلميه أنه خرج على قواعد المهنة وأخلاقياتها.

أما الثاني الذي كان يعمل في "الحوادث" فقد استغل ثقتنا بمهنية معلمه سليم اللوزي الذي يبقى –مهما اختلفنا معه- صحافياً من الدرجة الأولى.. وهو أيضاً لم يستمر طويلاً في عمله بعد تلك الحادثة, ولم يحصل مثل هذا الأمر مطلقاً مع أي صحافي جدي يحترم نفسه ومهنته.

علقتُ على الموضوع قائلاً:

-غريب أمرك يا أبا فائز.. إن القاعدة التي كانت تحكم حياتنا الحزبية على الدوام هي "الشك حتى يثبت العكس".. في حين تتعامل أنت مع الناس مثل القضاة, وفق قاعدة "البراءة حتى تثبت الإدانة" أو "الثقة حتى يثبت العكس".. بكل ما يمكن أن ينجم عن ذلك من مخاطر أمنية!!

فردّ ضاحكاً:

-ومن قال لك إن حياتنا الحزبية هي النموذج الصالح!! لم يلحق بنا كل هذه الهزائم غير الخلل الفظيع في تلك الحياة الحزبية التي شرذمت الجميع وزرعت بذور الخلافات والفتن في مختلف الصفوف, لمجرد كونها قامت على الشكوك والتكتلات الشللية, والمخاوف, فتحولت إلى تنظيمات مغلقة تتعفن, وتعشش فيها أخلاقيات النفاق, والانتهازية, والوصولية.. وهذا مالا يتوفر إلا في مناخات النضال الطوعي والثقة والمصارحة والحوار الحر..

ثم توقف قليلاً ليستأنف متسائلاً:

كم عدد الحزبيين في شعبنا؟ وكم هي نسبتهم إلى المواطنين العاديين غير المنظمين في أحزاب؟ لا تتجاوز الواحد في الألف.. وربما في المليون!! ونتحدث عن الجماهير والتعبئة والقضية المركزية!! أليس هذا خللاً لا بد من استدراكه وعلاجه؟.. لا يمكن تحقيق ذلك إلّا بفتح الأبواب والنوافذ أمام حيوية الناس.. فهم الأصحاب الحقيقيون للقضية.. وقد تحولت الأشكال الحالية لتنظيماتنا السياسية إلى سدود فصل بين الناس وبين قضيتهم.

في تلك اللحظة تذكرت "أم سعد" الرواية, وأم سعد الحقيقية (الاسم الحقيقي هو أم حسين).. وكان قد عرّفنا عليها في بيته وقدّمها لنا باعتزاز على أنها ملهمته في تلك الرواية الرائعة.. بل "هي الرواية نفسها"- كما قال..

تذكرتُ كيف أنّ هذه المرأة العادية التي تعيش في مخيم برج البراجنة, كانت أقوى وأكثر صلابة في مواجهة كارثة الخامس من حزيران 1967 من معظم المثقفين و"الثوريين" الذين هزّت الخيبة قناعاتهم وتوازنهم النفسي, فراحوا يتأرجحون لفترة غير قصيرة تائهين من اليمين إلى اليسار.. ومن اليسار إلى اليمين.. ومن العدمية إلى الفوضوية إلى التطرف الديني.. وبالعكس..!!

ثم استدركتُ محدّثاً نفسي:

"أليس التقاط غسان لظاهرة أم سعد, وتسليطه الضوء على صلابتها, وثقتها بالشعب, هو بحد ذاته انحياز منه كمثقف إلى هذه القاعدة الاجتماعية الصلدة بعيداً عن هشاشة النخبة"؟

وأضفت –أيضاً بيني وبين نفسي- أن تلك الرواية كانت واحدة من أهم الوشائج (الكثيرة طبعاً) التي شدتني إلى غسان وخلقت بيننا ذلك الترابط القوي بسرعة فائقة (كانت مثار استغراب كثيرين ممن عرفونا في تلك الفترة!!), لقد أدهشتني تقدميته التي توصل إليها بالحياة, وعبّر عنها بالإبداع الفني والأدبي قبل أن يتوجها بوعي نظري ظهر على المستوى نفسه في كتابات لاحقة له كمحاضرته الشهيرة والمهمة "المقاومة ومعضلاتها" أو مقالاته المبكرة حول "الدولة الفلسطينية".. ثم بعد ذلك في معالجته –قبل استشهاده بقليل- لموضوع "أبو حميد" ذلك الفدائي الفلسطيني الذي أدانته قيادة منظمة التحرير بتهمة اغتصاب فتاة من الجنوب اللبناني ونفذت فيه حكم الإعدام.. فقد كانت مناقشته للموضوع وثيقة نظرية هامة ترقى إلى مصاف كلاسيكيات الفكر التقدمي العالمي.. (مع أنّ الأعمال المشار إليها أعلاه لم يسلط عليها ماكانت تستحقه من الضوء!).

وفجأة انتبهت إلى أن غسان يهم بإضافة شيء ما على ما قاله:

-"الشك, ياعدنان, قد يجنبنا ضرر الآخرين.. لكنه قطعاً لا يكسبنا إياهم.. فالثقة هي وحدها الطريق إلى ذلك".

ألقى بهذه الكلمات الموجزة لتردد في خاطري, وانصرف إلى المطبخ لتحضير شيء ما للفطور.

****

... قبل أن تنتهي تلك المكالمة طلب غسان تفويضاً من القيادة بأن يكون هو المرجع الأول والأخير فيما يتعلق بالطائرة طالما هي على الأرض اللبنانية..

وذلك تجنباً لأية مشاكل أو إحراجات يمكن أن تنشأ عن تدخل جماعة "الساحة" ومزايدات بعض المسؤولين فيها.. خاصة إذا علموا أن هناك تعهداً منه لرئيس الجمهورية!!

فكما أشرنا سابقاً.. كان هناك مشكلة بينهم وبين غسان.. لقد كانا عقليتين ونموذجين متعارضين جذرياً.. إذ كان غسان, منذ أيام "الحركة" عاصياً على الانضباط الحزبي بمعناه التنظيمي الضيق.. كان يشعر –على مايبدو- أن حيويته الخلاقة تضيق بالضوابط المتكلسة.. وكان يغيظه جداً ضياع ساعات طويلة في اجتماعات دورية مملة وخالية من أي إبداع أو عطاء!

يضاف إلى ذلك ما كان يتمتع به من روح منفتحة على الآخرين ومهيأة للحوار, والتفاعل والعطاء.. وهي روح تتمرد بالضرورة على التزمت, والانغلاق, و"الطفولة اليسارية" التي كانت تحكم سلوك بعض قياديي "الجبهة" لا سيما أولئك الذين يشعرون بعقد نقص المؤهلات الفكرية, أو النضالية المناسبة للمواقع التي وجدوا أنفسهم يحتلونها بالمصادفة عندما جرت عملية إملاء الفجوات التي خلفها "الانشقاق".. فما عاد لديهم من مجال لإثبات الذات غير التمترس وراء التطرف والمزايدة والشعارات الرنانة!!

ولعل أدق ما يعبر عن هذه الحالة هو "نظرية السقف" التي رفعها بعضهم في تلك الفترة, وخلاصتها أن السقف الفكري لتنظيم "الجبهة" في ساحة لبنان منخفض!! وعليه لا يجوز ضم رفاق يحملون ثقافة ترتفع فوق مستوى ذلك "السقف" لأنهم سوف يرتقون بسرعة إلى المواقع القيادية, (أي بشكل صريح؛ يشكلون خطراً على مواقع القيادات التي كانت موجودة آنذاك!!).

كان غسان شديد السخرية من هذه النظرية.. ويعتبرها مادة للتندر ونموذجاً للاعقلانية التطرف, وفرسان الجملة "الثورية".. كان يروي في معرض ذلك حكاية رئيس الوزراء السوري الأسبق المرحوم فارس الخوري الذي كانت له جمجمة ضخمة.. وأوصى ذات يوم على طربوش جديد في القاهرة.. وعندما ذهب ليستلمه وجده صغيراً فاحتج لدى صانع الطرابيش الذي ردّ عليه باللوم لضخامة رأسه!! فسأله الخوري:

-وهل نصغّر الرأس أم نكبّر الطربوش؟

وقد حضرت مرة نقاشاً بينه وبين رفيق آخر كان غسان قد دبر له عملاً في السابق كحاجب في "الحرية".. ثم في "الهدف", قبل أن تنجح جماعة "الساحة" في "كسبه" إلى جانبها وتحريضه ضد غسان المتهم بالليبرالية.. (ربما لم يكونوا يعرفون من الكلمة سوى أن وقعها مشابه لوقع الإمبريالية)!

في نهاية النقاش قال غسان لذلك الرفيق:

-دعنا نحتكم للوقائع.. وليس للشعارات. من منا, أنا أم أنت, تغيّر موقعه الطبقي نتيجة التزامه بـ"الجبهة"؟ وفي أي اتجاه؟ أنا كان راتبي في "الأنوار" ألفي ليرة لبنانية شهرياً, وكنا نقبض ثلاثة عشر شهراً في السنة.. يضاف إلى ذلك مزايا أخرى كثيرة.. منها أن يتبقى لدي الكثير من الوقت للكتابة والإبداع خارج العمل.. وعندما طلبت مني "الجبهة" أن أتفرغ لتأسيس "الهدف" تركتُ عملي متخلياً عن كل تعويضاتي, وجئت إلى هنا بمخصص مقداره سبعمائة ليرة شهرياً, أنفق منها على العلاج والأدوية ما بين مائة ومائتي ليرة.. ناهيك عما يحملني إياه موقعي وواجباتي من مصاريف كثيرة.. وعن حجم الوقت الإضافي الذي تستهلكه مهماتي المتعددة على حساب الكتابة الأدبية!

أما أنت فقد كان راتبك قبل التفرغ قرابة المائتي ليرة, وكنت تعيش في غرفة واحدة في مخيم برج البراجنة.. فإذا بالتفرغ في "الجبهة" يوفر لك مخصصات تتجاوز الثلاثمائة وخمسين ليرة شهرياً.. إضافة للعناية الطبية الكاملة.. وإضافة لمساعدتك من قبل الرفاق على بناء البيت الذي تسكنه حالياً في المخيم!! فمن منا الأكثر تضحية يا أخّ..؟ (وقد شدد غسان على كلمة أخّ لأن جماعة الساحة كانوا يعتبرون من يستخدمها, بدلاً من كلمة رفيق, يمينياً)!!

***

... حتى الملحقين الصحافيين في السفارات الغربية (العدوّة) كانوا يحرصون على زيارة غسان بين الفينة والأخرى.. بمن فيهم الملحق الصحافي في السفارة الأمريكية بولس مالك (المصري الأصل).. ولغسان معه قصة طريفة بعض الشيء.

في منتصف عام 1971 وصلتنا دعوة للمشاركة في المؤتمر السنوي لرابطة الطلاب العرب في الولايات المتحدة, وقد زودني غسان بكتاب منه إلى الملحق الصحافي في السفارة الأمريكية, حملته مع رسالة الدعوة, للحصول على تأشيرة للسفر من أجل تمثيل "الجبهة" في ذلك المؤتمر..

لم أجد السيد مالك, إذ كان غائباً في إجازته السنوية, فاستقبلني نائبه الأمريكي وزودني بتوصية للقنصل الذي استدعاني في اليوم التالي, عند ذهابي لاستلام الجواز والتأشيرة, ليسلمني الجواز يداً بيد وفيه تأشيرة مشطوب عليها ومختومة بكلمة "إلغاء" بخط أسود عريض على طول الصفحة.. ثم بدأ يطرح عليّ أسئلة شخصية حول أصلي, وفصلي, وحياتي السابقة مدعياً أنه سيسعى لدى وزارة الخارجية لتغيير قرار منعي من دخول الولايات المتحدة.. وبعد تكرار استدعائي ليومين متتاليين وطرح المزيد من الأسئلة اعتذر بأنه لم يفلح لأن الوزارة مصرة على أنني أشكّل "خطراً على أمن الولايات المتحدة الأمريكية"!! وقد "نصحني" في النهاية بتقديم طلب لرفع اسمي من تلك اللائحة السوداء.. فرفضت وقلت له: "إنه ليسعدني أن شخصي الضعيف يشكل خطراً على أمن دولة عظمى كالولايات المتحدة, ولن أتخلى عن هذه السعادة"..

وعند عودة السيد مالك من إجازته وإطلاعه على الموضوع اتصل بغسان وطلب موعداً لزيارته كي يعتذر له عما حصل في غيابه.. فما كان من غسان إلا أن طلب من الرفيق عبد الرؤوف تقديم القهوة للضيف على لوحة السفارة الأمريكية في عمان التي كان المتظاهرون ضد زيارة مساعد وزير الخارجية جوزيف سيسكو عام 1970 قد اقتلعوها عن مدخل السفارة, ثم أرسلها أنصار "الجبهة" لـ"الهدف" كهدية.. ولم يكتف غسان بهذه الإهانة للسيد مالك, بل أتبع ذلك بقوله:

"أنت تعرف, سيد مالك, أن لنا طرقاً خاصة نتمكن بواسطتها من دخول الولايات المتحدة بدون تأشيرة وبدون علم السلطات الرسمية.. وإذا كنا قد أرسلنا لكم كتاباً كي يسافر رفيقنا عدنان بشكل علني وشرعي كما سافر أكثر من مرة إلى بريطانيا في مهمات مماثلة, فإننا كنا في الوقت نفسه نعبر عن احترامنا لك شخصياً.. لكن المشكلة هي أن جماعتك لم يحترموك!! وهم لم يكتفوا برفض الطلب, بل تعمدوا الأذى بأن طبعوا على جواز سفره تأشيرة ملغاة.. إنما, لعلمك شخصياً, لقد سافر عدنان إلى الولايات المتحدة, بإحدى طرقنا الخاصة, وحضر المؤتمر كما قام بجولة واسعة في عدد من الولايات"!! (طبعاً لم أكن قد سافرت.. لكن غسان اخترع القصة لمجرد إغاظة الملحق الأمريكي)..

فدهش السيد مالك.. وكرر بارتباك شديد السؤال عما إذا كنت فعلاً قد سافرت إلى الولايات المتحدة.. كما كرر اعتذاره, مع التأكيد على أنه لو كان حاضراً لما كان قد حصل أي إشكال!!

***

... قلتُ إنني لم أفاجأ بعدم وجود سيارة غسان أمام مدخل "الهدف" في ذلك الصباح (الحادية عشرة من صباح السبت 8 تموز/يوليو 1972).. ولم أكن أقدر أن ثمة مفاجأة مذهلة تنتظرني في ذلك الزاروب!! فما كدتُ أترجل من سيارتي (التي اشتريتها بعد عملي في جريدة "بيروت") حتى فوجئت بالرفيق أبو العبد يونس هابطاً من درج البناية بسرعة شديدة وهو يصيح بي:

-غسان جريح.. غسان جريح ومخطر!!

-ماذا؟!

-لقد فجروا سيارته.. الآن أخبرونا من بيته, وقالوا إنه في حال خطرة..

صعد أبو العبد وآخرون معي, وانطلقنا بسرعة جنونية نحو الحازمية.. كانت الأفكار تضجّ في رأسي بعنف فأكاد أفقد وعيي.. لأعود إلى التشبث بشريط الأمس عندما ودّعني وكان مدعواً إلى الغداء عند الرفيق أبي عيسى في بستان بالقرب من صيدا مع بعض قادة آخرين من "الجبهة", وقد عرض أن يمرّ عليّ بعد الظهر, فاعتذرت بسبب ارتباطي بموعد خاص.. فضحك ساخراً وقذفني بواحدة من نكاته الطريفة.. وأتذكر أنني اتصلت به قرابة التاسعة مساء من "الدولشي فيتا" عندما مرّ عليّ إلى هناك بسام وبعض الأصدقاء فاخترعنا واحدة من سهراتنا التي تحدث فجأة, وعرضنا عليه أن يلتحق بنا, لكنه اعتذر بسبب كونه متعباً من رحلة الغداء في صيدا, وكذلك لوجود شقيقته فائزة التي وصلت في ذلك اليوم من الكويت, ونعرف جميعاً مدى حبه لها وتعلقه بها بديلاً عن والدته التي توفيت في وقت مبكر وتركت العائلة لحنان الشقيقة.. وكانت مع فائزة في تلك الليلة ابنتها لميس التي صرعها الانفجار مع خالها غسان.. وكأنها أبت إلا أن ترافقه في رحلته الأخيرة إلى الأبدية.. أو أن فائزة أبت إلّا أن تودّع غسان بقطعة من كبدها!!

بين لحظة وأخرى, كنتُ أتوقف عن التفكير لأكرر السؤال على أبي العبد:

-ماذا قالوا بالضبط؟ هل درجة الخطر شديدة؟

-لا أدري.. قالوا إن سيارته انفجرت.. وهو جريح.. وقالوا إنه في حالة خطرة!!

وأخيراً, وصلنا إلى مدخل الحديقة التي يطل عليها بيت غسان من الطابق الأول من تلك البناية الرابضة على منحدر من الأراضي الزراعية.. كان الطابق الأرضي عبارة عن كاراج مفتوح يضع غسان سيارته فيه..

كان هناك سيارات وأناس كثيرون محتشدون قرب البوابة..

وما أن أوقفت السيارة وهممت بعبور ذلك الباب حتى فوجئت بالرفيق أبو الزيك (زكي هللو) صاعداً من مدرجات البستان وهو يصرخ كالملدوغ:

-عدنان.. عدنان.. هذا غسان!!

وتقدم نحوي رافعاً بيديه الجزء المتبقي من جسد أبي فائز: الرأس وجزء من الصدر.. أما ما تبقى فقد تمزق منتشراً في تلك الأرض..

لم أر.. ولم يخطر ببالي أبداً أنني سأرى في يوم من الأيام لحظة أقسى وأشد مرارة من تلك اللحظة.. (كنتُ طفلاً عندما سقطت شقيقتي عن السطح وتحطم رأسها أمام ناظري.. وكنتُ شاباً عندما رأيت جثة والدي بعد مصرعه بحادث سير.. لكن ذلك كله, على قسوته, ما كان ليقارن أبداً بما شعرت به يمزق أحشائي وروحي في تلك اللحظة التي دهمني بها الرفيق أبو الزيك)..

تفجير إرهابي مزدوج في السيدة زينب.. و"داعش" يتبنّى
حسن م. يوسف: أمريكا... إمبراطورية الشر
عبد الوهاب فقي: جذور العلاقات السعودية الإسرائيلية وآفاقها.. تاريخ من التواطؤ والعمل المشترك وصولا الى التحالف
غسان كنفاني.. المبدع والمناضل والشهيد.. مقتطفات من كتاب "مطار الثورة"
د. بهجت سليمان: الرئيس الأمريكي.. بطة عرجاء!!
د. بهجت سليمان: الأسد باقٍ باقٍ باقٍ.. رغماً عن جميع أعداء سورية
مصادرة سيارة محملة بألغام إسرائيلية الصنع وقذائف هاون و”ار بي جي” وقنابل يدوية في ريف السويداء
تحديات كبرى أمام «رؤية السعودية 2030»
اليمنيون يتفقون على إطار عام للمحادثات
جلسة صاخبة للبرلمان العراقي: رشق بالقناني.. وتعديل حكومي!
الحصن ذاكرة وتاريخ وحضارة
تركيا: رئيس البرلمان يدعو لاعتماد
د. بهجت سليمان: بين دواعش الداخل و دواعش الخارج
عشرات الشهداء والجرحى بتفجير انتحاري في ريف دمشق
في ذكرى رحيل الشاعر واللغوي حسن القطريب