د. بهجت سليمان: "الدين و الدولة".. "الدستور" و "الدّستور" المعاصر- ح5
مقدّمة نظرية تاريخيّة ضروريّة:
إذا كانت النّظم السّياسيّة المختلفة قد ظهرت في التّاريخ عندما أصبحت قناعات الأفراد و الجماعات كافيةً للإقرار بضرورة السّعي إلى إحداث القواعد الاتّفاقيّة الّلازمة التي تقرّر السّلامة الاجتماعيّة الضّامنة للمواطنين، و عندما شعر "أولئك"- مُمَثَّلين بقوى "هؤلاء"- بالحاجة إلى إقرار قواعد للنّظام الذي يرون فيه الأفضلَ لضمان وجود "المجتمع" و "الدّولة" داخل "الحدود"، و الأقدرَ على "حضورها" في الحرب و السّلم،خارج الحدود؛ فإنّها أيضاً ظهرت، بالتّزامن مع ذلك، عندما كان لا بدّ أن تصطدم التّجربة الاجتماعيّة بالحاجة المسبقة إلى تنظيمها في "النّظريّة" السّياسيّة القابلة للتّطبيق.
كان ذلك شيئاً من قبيل تجاوز التلقائيّة الأوّليّة للتّنظيم الطّبيعيّ الذي غلبت عليه "الرّمزيّة" حتّى وقتٍ تاريخيّ متأخّر، نسبيّاً، في "القانون الرّومانيّ"- مثلاً- [الذي تجسّد، أوّلاً، في "الألواح الإثنيّ عشر"، أقدم تشريعٍ للقانون الرّومانيّ (451ق. م)، و الذي كان حدثاً بالغ الأهمّيّة في تاريخ (روما) و العالم كلّه]؛ حيث بقي مفهوم "الحيازة" أو "وضع اليدّ" يتطلّب سلوكاً مادّيّاً فعليّاً، مباشَراً و ملموساً، تشهد عليه حسّيّة "الواقعة" و إعلانها على العِيَان.
و لقد كان من الوجيه- ربّما!- أن يلاحظ (هيغل)، فيما بعد، أن "الحيازة" أو "المِلكيّة" هي أوّل علامات توضّع "الرّوح" (العقل) في "التّاريخ" (أو الطّبيعيّ في السّياسيّ)، مشيراً إلى بداياتٍ مبكّرة و أوّليّة لإدراكٍ "الاجتماعيّ" و "السياسيّ"، لطبيعة صَراحة العلاقة بين "الذّات" و "الموضوع" و أثرِها على إنتاج"الاجتماع" و ممارسته. ["الشّخص في حالة المِلكيّة ، إنّما يوجد لأوّل مرّة بوصفه عقلاً". هيغل- أصول فلسفة الحقّ].
هكذا، يبدو أنّ "الرّمزيّ" هو أكثرُ واقعيّة ممّا نُسرعُ فنقرّر!
الانتقال الطّويل من "الرّمزيّ" إلى المشخّص، كان يعني أنّه لا بُدّ منالحاجة المتعاظمة إلى تلبية متطلّبات التّنامي التي أحكمت على التّطوّر الأنثروبولوجيّ الذي تعاظم في فكرة "الدّولة" الحديثة فيما بعد. يعود الأمر إلى "جينالوجيا" فكرة "المركزيّة" في الحكم، هذه المركزيّة التي تعني تفوّق القوّة الحاكمة من منظورها إلى "العدالة". إذاً ليس ثمّة "عدالة" (حقيقيّة) في الأرض، في التّاريخ، ما لم تكن مقترنة بتصوّر و تفسير "الحاكم"، للعدالة.
يُعتبر تاريخ ( بريطانيا )، القديم و الوسيط، هنا، مُوحياً، من حيث تطوّر فكرة الممارسة المباشرة للسّياسة في "القانون"، في تطوّر فكرة "النّظام" السّياسيّ الذي احتاج إلى فكرة التّواضع- في ظلّ الصّراع- على قواعد عامّة و أساسيّة في "الحكم"، و هي ما كانت أساساً لفكرة "الدّستور" الحديث و المعاصر.
غير أنّ ما شكّل ذلك هو التّطوّر التّاريخيّ "غير المنقطع" مع (روما) التي، و إن عرفت "القانون" العام و الخاص ، لم تعرف فكرة "الدّستور" الثّابت و الصّلب. كان الأمر شبيهاً على ما هو عليه في دساتير "الجمهوريّات- المدن" الإغريقيّة في (أثينا) و (إسبارطة).
لقد كانت فكرة "الدّستور" تنمو في (روما) القديمة، بحيث أن الملامح الأولى للدّستور في التّاريخ، ربّما تكون قد ظهرت مع الحاجة المتزايدة إلى "التّنظيم"، التي تطوّرت و اختلفت على مختلف المراحل السّياسيّة الرّومانيّة، في العهد "الملكيّ" ثم العهد "الجمهوريّ"، فالعهد "الإمبراطوريّ" الرّومانيّ. و لقد امتدّ هذا "التّاريخ" على أكثر من خمسة قرون، و ذلك منذ عام (573ق. م) و حتّى عام (27ق. م).
و في حدود عام (300م) كان الانتقالُ إلى "دستور" الإمبراطوريّة البيزنطيّة. الذي تكرّس منذ ذلك العصر هو الفكرة "الدّستوريّة" المتعلّقة بالشّخصيّة الاعتباريّة للشّعب، إضافة إلى ما يُسمّى بمبدأِ "فصل السّلطات"، و لو أنّه كان مبدأً "شكليّاً" في الغالب.
و نلاحظ على هذا التّطوّر بداية نشأة توزيع "الحكم" التّقنيّ بين الأخصّائيين و المختصّين و القادرين و الأكْفَاء؛ إلى جانب ما أصبح عليه "الأباطرة"، يحظون بسلطات ملكية مطلقةٍ أكثر منها "دستورية". على أنّ الحاجة إلى "التّنظيم" بموجب "الدّستور"كانت أن أظهرت الحاجة إلى الاحتفاظ بتسلسل للحكّام التّنفيذيين، يُحافظ على التّقليد "الجمهوريّ" الأوّل لتوزيع "السّلطة" في الممارسة "المدنيّة".
ما نريد قوله هو إنّ (بريطانيا) كانت وريثة لتاريخ (روما) في فكرة "الحاكميّة" و "الدّستور"، قبل أن تنهار (بيزنطة) التي مثّلت تطوّراًغربيّاً- شرقيّاً للإمبراطوريّة الرّومانيّة الغربيّة؛ و ذلك سواءٌ أكان قسراً أو اختياراً في تكوّن المركزيّة "السّياسيّة" في "الدّستور" (العمليّ)(!) الذي فرضه الفاتحون الغزاة "النّورمانديّون" (الشّماليّون، المعاصرون و المتاخمون و المناوئون للإمبراطوريّة الرّومانيّة)؛ على (بريطانيا)، منذ عام 1066 بعد الميلاد (أو في 1071م).
لقد تكرّست "المركزيّة الدّستوريّة"- في تعبير جوازيّ- من جديد، مع الاستقرار الجديد للعالم الوسيط - ماقبل العصر الكلاسيّ (الكلاسيكيّ) المعروف بعصر "النّهضة" الأوربّيّ- تحت "القوّة" المباشرة، و "العُنف"..!؟
نؤكّد، هنا، على فكرة "التّكوّن الدّستوريّ" المبكّر، التي شقّت الطّريق أمام تاريخ الشّعوب الحديثة و المعاصرة، إلى هذا "التّقليد" الذي يُعرف، اليومَ، بالدّستور.
الذي يجب أن يتّضحَ من هذا الحديث، إنّما هو مسألة النّجوز التّاريخيّ للقانون الوضعيّ الإنسانيّ متمثّلاً بـ "الدّستور"، من خلالتاريخِ "مناسباتٍ" تاريخيّة، مؤسِّسَةٍ، متواليةٍ، من تطبيق "العنف المدنيّ"- المطبّق على "الجميع"- و الذي كان من شأنه- بسبب ذلك- أن اتّجه إلى "التّقليل" من "العنف" في عالمنا المعاصر، من وجهة النّظر "الفكريّة" القاضية بالمزيد من "المدنيّة"، التي غالباً ما لا تتطابق مع الجانب "العمليّ" لممارسة "الحكم" السّياسيّ، و لو أنّها ضروريّة في "المبدأ" من أجل عدم تكريس "العنف"- مهما كان شكله- في "الدّستور".
إنّ ضرورة الحديث على "البدايات" هو أمر يُعادلُ ضرورة "المقارنة" البديهيّة، الّلازمة، بين فكرة "الدّستور" نفسه، و فكرة التّخلّي عن تحوّلات الظّرف التّاريخيّ العُنفيّ التي حكمته، أوّلاً، في طريقه المتّصل إلى عصر نعيشه، اليومَ، يقضي بضرورة عدم "تكرار" ظروف هذا "العنف" في مراتب العلاقات الاجتماعيّة- السّياسيّة المفتعلة، سواءٌ أكانت من نو ع "التّناضد" الطّبقيّ أو الفئويّ أو االدّينيّ أو الطّائفيّ أو العرقيّ، أيضاً؛ بما يضمنُ للمجتمع المعاصر ممارسة وجوديّته الوضعيّة من دون الحاجة إلى متمّمات أو مكمّلاتٍ من خارج نظام "الاجتماع". لا شيء في "الواقع" يُسوّغ استعادة ظروف "التّاسيس"، باستمرار.
الملاحظ على تاريخيّة التّطوّر الدّستوريّ الذي بدأنا باستعراضه أعلاه، هو أمر أنّ "العنف المدنيّ" كان له الدّور الأكبر في استقرار الشّكل الدّستوريّ المبكّر للقانون الوضعيّ، في حمأة الصّراع السّياسيّ بين "الدّنيا" و "الدّين".
نحن، هنا، نعود، إذاً، إلى بدايات مقالاتنا التي توالت، و التي بحثت، و ما تزال، في علاقة "الدّولة" التّاريخيّة بالدّينالتّاريخيّ، أو علاقة السّياسة بالدّين، و كيف ينبغي أن تكون عليه "الدّولة" في علاقتها بالدّين في مجتمعنا المعاصر، وصولاً إلى القانون الوضعيّ الأساسيّ السّوريّ (الدّستور) الذي سنؤجّل فيه البحث، الآن، إلى المقالة المقبلة و الأخيرة، في موضوعنا الرّئيسيّ الذي دار منذ البداية حو ل "الدّولة" و "الدّين".
و أمّا عن أحداث "العنف المدنيّ" الذي أعنيه في "تطوّر الفكرة"الأساسيّة للدّستور التّاريخيّ، فهي نشوؤه و تكوّنه، إذاً، في حمأةِالصّراع بين "المقدّس" الذي حاول أن يحتكر ظروف "التّقديس" المشتركة الأولى- كما كنّا قد بحثنا هذا الأمر في المقالات السّابقة من هذه السّلسلة- مع "الدّنيويّ"، في قصة رمزيّة جينالوجيّة معبّرة، لظهور الدّولة و الدّين في التّاريخ.
و بينما يجب علينا أن نتابع هذه الرّواية التّاريخيّة للصّراع التّاريخيّ المبكّر بين الدّولة و الدّين، و الذي كان له الفضلُ الأساسيّ في "استقرار" البداية التاريخيّة لمركزيّة "الدّولة" (السّياسة)، في مواجهة طغيان "الدّين"، و ما ترتّب على ذلك من "تأسيسيّة" مدنيّة في مواجهة "الدّين"، و ما كان مِنْ ذلك مِنْ تقاطع في المستقبل مع "االتّنظير" لفصل "الدّولة" عن "الدّين"، و "الدّين" عن "السّياسة"..؛ أقول في هذا المعرض علينا أن نسجّل تأريخيّة ثابتة في هذه المساهمة التّاريخيّة التي تصلح للمقارنة و المحاكاة، في اللحظة التّاريخيّة نفسها التي بدأناها أعلاه.
لقد كان أن شهدت التّأسيسيّة التّاريخيّة "الدّستوريّة" الإنكليزيّةبالمتابعة للتّقاليد الرّومانيّة الجمهوريّة و الإمبراطوريّة، من خلال "الصّراع" الصّريح مع "الدّين"، حيث بدأت المواجهة السّياسيّة الأولى، عندها، بين أسرة "البلانتجنت" مع رجال الدين في الفترة (1164-1215م) في صراعٍ مباشر، لإخضاع جميع الطبقات و الفئات الاجتماعيّة لسلطة "الملك".
و كانت المرحلة الثّانية من "الصّراع" مع "رجال الدّين" و "النّبلاء"، الذي أسفر عن تأسيس "وثيقة العهد الأعظم" (الماجناكارتا) سنة(1215م) ، التي تعتبر أساس "الحرّيّات" الدّستوريّة في عالم اليوم، لما تضمنته من مبادئ مدنيّة ضامنة للحريّة الاجتماعيّة و "حريّة" الفكر و "الاعتقاد"، حيث تمّ بعدها تشكيل "الجمعيّة الوطنيّة" البريطانيّة عام (1264م) وتأسيس "البرلمان النموذجي" البريطانيّ عام (1295م).
شهد الصّراع السّلطة بين (1500- 1700م) بين أسرة (آل ثيودور)(1485-1603م)، في ظروف الحرب التي استطاعت تلك الأسرة، بواسطة استثمارٍ "سياسيّ"، أن تجعل "إنكلترا" تخضع لسيادتها في "الحكم"، بينما قامت "الدّولة" عندها بإجراءات "تأسيسيّة" في الآثار التي استقرّت في السّياسات المدنيّة المقبلة في حكم ملكيّ برلمانيّ سكّلسابقة "دستوريّة" في تاريخ "النّظم" السّياسيّة المعروفة في العالم اليوم.
فيما بعد، شهدت (إنكلترا) الصّراع "المدنيّ" السّياسيّ، بين أسرة (آل ستيوارت) و البرجوازية الإنكليزيّة (1603- 1688م) التي كانت صاعدة في تاريخ سيطرة "رأس المال" العالميّ، الذي مهّد للثورة الصّناعيّة الإنكليزيّة الكبرى، أشهر أحداث القرن الثّامن عشر (1750- 1784م) و اختراع "الآلة البخاريّة" كأول وسائل الإنتاج غير اليدويّة في التّاريخ الصّناعيّ المعروف. هنا حصلت أيضاً ما يُعرف في التّاريخ بالثّورة "الدّستوريّة"، حيث كان أيضاً من نتائج تلك الفترة أن جرى وضع "نموذج للكنيسة" و تمّ فرضه على "الكنيسة الانكليزيّة".
فيما بعد أدّت هذه التّطوّرات إلى نتائج سياسيّة تاريخيّة لافتة. لقد انتعشَت "الحريّات البرلمانيّة" في تدخّلها بالسّلطة المباشرة ضدّ "الملك". و فيما تصاعد الصّراع بين "الملك" و "البرلمان"، فانقسمت البلاد بين "مؤيدين" و "معارضين"، و تزعم "المعارضة" مجموعة من "ملّاك الأرض" الارستقراطيين الذين كانوا بقيادة (أوليفَرْكرومول).
بعدها تمّ إعدام الملك (شارل) عام ( 1649م)، و ألغيت "المَلَكِيَّة"، و أعلنت (إنكلترا) جمهوريّة بقيادة (كرومويل، أوليفَرْ) ما بين (1649- 1658م)، و تأسّست على أساس ذلك ما سمّي بـ (الكُومُنْوِلْث) (أو حكومة الصّالح العام) (1649- 1660م).
بين الأعوام (1688- 1700م)، كانت فترة ظهور الأحزاب السّياسيّة.
تخلّل الفترة الّلاحقة تناقضات في علاقة الملك (شارل الثّاني) بعد اعتلائه عرش (انكلترا)، مع "الكنيسة" و "البرلمان". و في مجيء أخيه، بعده، (جيمس الثّاني)، ظهرت "معارضة" له حيث انفجر الصّراع بينه و بين "البرلمان"، ما أسفر عن طلب "المعارضة" من حاكم هولندا (وليم اورنج) زوج (ماري) ابنة الملك الانجليزي البروتستانتية يطلبون إليه مهاجمة انجلترا وإنقاذهم من "الملك الكاثوليكي ".
أخيراً، و بمجيء الملك (وليم الثالث) إلى العرش الانجليزي زالت ملكية أسرة (ستيوارت) نهائيا من انجلترا، فتأكّدت دعائم الحكم الملكيّ "الدّستوري" وبذلك انتصر مبدأ "سيادة الشعب".
هكذا انتقلت (انكترا) إلى عهد الحكومات الحزبيّة "البرلمانيّة"التي ينتخبها الشعب وأصبحت ملكيّة "دستوريّة" و أصدر البرلمان "قانون التسامح الديني " الذي منح "المخالفين" حق العبادة العلنيةبالتّساوي لجميع المخالفين بدون النّظر أو الاعتبار بما يُسمّى، اليومَ، جماعات دينيّة أو أقليّات دينيّة أو طائفيّة إلى آخر هذه المهزلة السّياسيّة في التّعامل مع "المجتمع" في اعتماد "دينٍ رسميّ" واحد للدّولة دون سائر "الأديان" الأخرى، بما يوحي أنّ التّاريخ يعود "القهقرى" بدلاً من أن يتقدّم و وجههُ إلى أمام!
نحن ننظر إلى هذا التّاريخ المؤسّس للدّستور بمعناه التّاريخيّ، كبداية كانت أسبق نحو "دَستَرَةِ" "المجتمع" و "الدّولة"، قبل تاريخ "الثّورة الفرنسيّة" (1789م)، الذي عرف معه "العالم" فيما بعد ما سمّي بالحداثة السّياسيّة على مستوى "الحقوق المدنيّة" التي جاءت أعمّ و أشمل من "حرّيّات العبادة" التي شقّت إلى هذه الّلحظة التّاريخيّة، الطّريق.
ما وصلنا إليه حتّى الآن، هو ثلاثة أفكارٍ أساسيّة:
- الأولى: هي ظهور الدّستور كحالة "عقلانيّة" فرضتها علاقة الإنسان الاجتماعيّ بالمِلكيّة الدّالة على توضّع غريزة الرّوح البشريّة في علاقات "الاقتصاد السّياسيّ". ليس "الاجتماع"، من هذا الوجه، سوى إخضاع "الشّهوة" الإنسانيّة و تنظيمها في علاقات "العدالة" الاجتماعيّة، في "السّياسة" التي تقضي هنا أن تكون تلك "العلاقات" الموضوعيّة و الممكنة، ما بين "الجميع" من "القادرين"!
- الثّانية: فكرة "المركزيّة". إنّ "الدّستور"، من هذا الجانب، يحتكرُ "القوّة" و يلجم النّزعات "الاجتماعيّة" نحو التّطرّف الفطريّ الذي يتبعُ عنف َ"الذّات" مع "الموضوع".
يطمح كلّ من البشَر إلى أن يجعل من كلّ الآخرين "موضوعاً" له، خاضعاً للرّغبة التي غ7الباً ما لا تنتهي إلّا في "السّيطرة". و يعتبر "الدّستور"، من هذا الجانب، مرجعاً للقوّة و العنف الشّرعيين، الضّامنين لتوزيع "العدالة السّياسيّة" التي من واجبها، و من حاجاتها الضّروريّة، أيضاً، أن تضمنَ استمرار "المجتمع" من أجل أن تُكارسَ ذاتها بكفاية واقعية في "العالم".
- و الثّالثة: و هو ما ينجم عن علاقة "الحكومة المركزيّة" (أو الحاكميّة السّياسيّة)، بالعقلانيّة العينيّة التي لا تكون إلّا بالتّشخيص الذي لا يحتاج إلى ذاكرة التّأسيس.
من المفهوم، هنا، أنّنا نعني أن "الدّستور" يُمثّل، أوّلاً، فيما يمثّله، أيضاً، أرقى و أحدث خبرات الممارسة الاجتماعيّة- السّياسيّة للنّظام المتمثّل بهيئة الحاكميّة التي تُمثّلها "الدّولة".
من هنا كان على "المجتمع" الذي يُمارسُ وجوده كمجتمعٍ أن يقبل، بالقوّة المفروضة عليه من "الدّولة"، ذلك الشّكل من "الدّستور" الذي يُعبّر عن "الخضوع" الإراديّ الذي على "المجتمع" أن يمارسه يقبول و تلقائيّة تليقُ بفكرة أنّ مفهوم "واجب الجميع" أمرٌ يرتبطُ، مباشرة و ضرورة و حتماً، بمفهوم "حقوق الجميع"؛ و كذلك بفكرة أنّ "الحقّ" و "الواجب" أمران لا يقبلان التّجزئة أو التّخلّي أو التّوكيل.
من الطّبيعيّ أن تكون الطّريق إلى "الدّستور" كما نعرفه،اليومَ،طريقاً شاقّة للعبور في نفق "التّاريخ" الذي كان يجري فيه تحالف "الدّينيّ" مع "العنف" للسّيطرة على الواقع.
كان هذا العبور، ككلّ عُبورٍ، صعباً لم يحدث دون المواقف التّاريخيّة الجريئة التي تحتاجها، في تقدّمها، الشّعوب و المجتمعات و الأمم و الدّول على مرّ تاريخ "السّياسيّ" في مواجهة الوهم الذي يطمح إلى أن يكون بديلاً "واقعيّاً" في الحياة.
نحن أصبحنا الآن على عتبة النّقد المباشر للدّستور السّوريّ، بنقد دوافعه التّاريخيّة و محدّداته السّياسيّة و اعتباراته القادمة من عهودٍ ذابلة.
و سوف يكون لهذا مقالٌ خاصّ في المرّة القادمة.
روابط ذات صلة:
الحلقة الرابعة
الحلقة الثالثة:
- 2 - "الحلقة الثانية":
["التّاريخيّ" و "السّياسيّ" ، في الدّولة و الدّين... و الصّراعُ على "الشّرعيّة"] على الرابط http://www.fenks.co/%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85/12116-%D8%AF-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%91%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D9%91-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%91%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%91-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%8A%D9%86-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%91%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D9%8F-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%91%D8%B1%D8%B9%D9%8A%D9%91%D8%A9.html و
- 1 - "الحلقة الأولى":
[الدّينُ و الدّولة.. أم الدّولة و الدّين؟]