كتب الدكتور بهجت سليمان: في ظاهرة "دين الدّولة" التّاريخانيّ.. و التّحدّي السّياسيّ أمام "الدّولة" المعاصرة- ح4
إذا كان نقد "الدّوافع" أمراً واهماً و مستحيلاً، فإنّ هذا ما ينطبق ، أكثرَ ما ينطبقُ ، على السّلوك الفرديّ الذي في مجموعه يُكوّن الظّاهرة الاجتماعيّة من خلال العلاقات التي تنشأ ما بين الأفراد، في المناسَبة المُحدّدة.
من المفترض أن يجري وصف "الدّافع"، و مراقبته في السّلوك ،و تقويم النّتائج النّاجمة عن الواقعة.
و فيما تتمكّن "الظّاهرة" من الاستمرار، في وقائعها المتّكرّرة، و هي بالطّبيعة كذلك، فإنّها تُصبح ممتلِكةً لمضمونٍ تاريخيّ "يُحَسِّنُ"، دائماً، من أدائه ليجعلَ من الأسبابِ ماضياً ، من الصّعب أن يتوصّلُ إليه "النّقد" السّياسيّ، متمثّلاً بالفكر، عندما يُريد.
و مع ذلك، فإنّه أمام مفاعيل "الظّاهرة" التي تمتدّ في تأثيراتها على "اليوميّ" و "الاجتماعيّ" و "السّياسيّ"؛ لا بُدّ من ابتكار الأفكار النّظريّة التي، وحدها، تستطيع استباقَ التحوّلات التي يُضيفها التّراكم في الاتّجاهات غير المرغوبة في استمرار "المجتمع" على نحو ضروريّ و إجباريّ.
ليس خياراً للمواطن أن ينسحب من مواطنتِه، كما أنّه ليس خياراً، أيضاً، أن ينسحب "المجتمع" من دوره في احتواء الأفراد المواطنين، كما أنّه ليس من خيارٍ أمام الدّولة في أن تكون هي الرّاعية و الحامية لكلا الأمرين، معاً.
تُثار الحاجة إلى أشْكَلَةِ مثل هذه "البديهيّات" عندما نكونُ في مواجهة عَنَتٍ تاريخيّ تحكّم قيدُه بالصّيغة السّياسيّة للظّاهرةالاجتماعيّة (الدّولة - الدّين)، كما في حالةِ ظاهرة اعتداء الدّين على الدّنيا(على الدّولة)، بدلاً من أن يكون تيسيراً لأمور "الدّنيا" في معرضِ"الإيمان".
وهكذا، فإنّ جشع "الدّينيّ" إلى "السّياسيّ" لا يعكس مسألة أولويّةٍبين الدّولة و الدّين، كلّا! و إنّما يعكس الصّراع "الطّبيعيّ" في استيلاء "الفكرة- المفهوم" على مقولة "السّلطة" التي- كما قلنا فيها، في حديث سابق - تخترق المفاهيم كلّها في مظاهر "التّنظيم"، هذه التي يبدو أن "الاجتماع" أتاح لها أن تكون موضوعاتٍ "ممكنةً" للتّجاذب و الاحتكار.
لقد لاحظنا، إذاً، حتّى الآن، أن قضيّة العلاقة ما بين "المقدّس" و "الدّنيويّ"، هي ليست علاقة دنيا بدين، و لا كذلك علاقة دولة بدين، و إنّما هي أعقد من هذا و ذاك، إذ أنّها تمتدّ إلى عمق "الظّاهرة" الأولى التي تقاطعت عليها فكرة كلّ من "الدّولة" و "الدّين"، و صدور كلّ منهما عن "المقدّس": في أقلّه في "الرّمزيّة" التي أتاحتها الحاجة إلى "التّنظيم"، هذه الحاجة التي كانت أنْ طبعت أوّل مظاهر "الاجتماع" في التّاريخ، بطابع مكوّنات "التّجربة"، نفسها، تلك التي ليس لها "مثالٌ" أوّليّ، في "المفهوم"، لتُحاكيه في الفكر.
و هكذا كان على "التّجربة" في "التّنظيم" أن تستسلم إلى "وَهْم" أو إلى "ادّعاءٍ" في أنّها من طبيعة "الاختراع"..!
لقد كان لهذا " أثرٌ" على جميع مستقبل "الدّافع" الاجتماعيّ و الأخلاقيّ الذي كان وراء محاولات احتكار "السّياسة" في الممارسة التي كان لفكرة الدّين و الدّولة، معاً، أن تكون لها "أساساً"،يكاد يكون "غريزيّاً"، دخل في عنصر "الممارسة" نفسها إلى أن أصبح التّخلّي عنه (كأساس مُوحٍ بالضّرورة و بالأصليّة) لا يمكن أن يكون إلّا بواسطة "القطع" في "المفهوم" نفسه (أي مع "المفهوم"!)، بواسطة الجذر السّياسيّ الحاسم الذي ظهر متأخّراً في "الفكرة" و أعني به"الفلسفة".
إنّ ظهور "الفلسفة" في التّاريخ جعل من ممكنات "المشروعيّة"، أيضاً، أن ينضاف إليها "واقعيّة" الاختلاف على "التّنظيم" و "السّيطرة" و تسطير "الدّلالة"، و اقتراح "المغزى".
هنا، فقط، أصبح "المفهوم" الإنسانيّ، في الفكرة، أكثر اتّساعاً و أبعد مدى، و لهذا كان أن نشأ الصّراع الصّريح في مضمون الفكرة المفهوميّة القديمة، حيث صار من مضامين "التّنظيم" أن يتأسّس على "الحاضر"، أيضاً، بعد أن كان جُلّ مقوّماته ينتمي إلى "الذّاكرة" البشريّة المتّصلة بعصر أو بأعصُرِ "النّشوء".
عندما تتّسع مقدّمة "الموضوع" فذلك لأنّه تحفّه الحساسيّات والفهومات الاجتماعيّة و "الثّقافيّة" الخاطئة، أكثر فأكثر. و لكنّ "المغامرة"، في أصل السّلوك البشريّ، لم تكن قبل أن كانت، أوّلاً، في "التّفكير"..!
و حيث قدّمنا "المقدّمة" على إطالةٍ، كما فصّلنا في أحاديث متعدّدة، سابقة، في هذه " المتوالية" من المقالات..، فقد صار يُمكننا الدّخول في الأوضاع و الوضعيّات الواقعيّة، الاجتماعيّة و السّياسيّة، و المباشرة، في العلاقة التي تحكم "الدّولة" و "الدّين"- في سورية - كانتقالٍ من التّنظير إلى التّشخيص المباشر في "التّنظيم" و "الإدارة" و "العمل".
و أمّا الأخلاق "العامّة"، و هي تعنينا في "المواطنة"، فهي ليست إلّا ناتجاً شاملاً من منتجات تفاعل "العلاقات" المتبادلة في معرض "العمل"،كفضاء فوقيّ ينجم، موضوعيّاً، عن التّفاعل و التّبادل.
نحن نعبُر، اليومَ، في سورية، حدثاً تاريخيّاً، أثار، هو نفسه، مجموعةً واسعة من "المشكلات" الاجتماعيّة و السّياسيّة و الإداريّة و التّنظيميّة، على نحو غير مسبوق. و هذا- على عكس ما قد ينظر إليه البعض- ليس أمراً "هامشيّاً" على أطراف الآثار الفظيعة و العظيمة التي نجمت عن هذه "الحرب".
في مجموعة "الأسباب"، أو من هذه "المجموعة"، و في مباشرات الصّراع، و في استنتاجاته، و في أهدافه و غاياته، أيضاً، و فيما سيترتّب- و قد ترتّب- على حدود "السّياسة" أو "السّياسات"..
في كلّ هذا كانت موضوعة العلاقة بين الدّين و الدّولة جوهريّةً في الحضور، و لو أنّها تغلّفت بممارسات مسلّحة و ثقافيّة و إعلاميّة، شاسعة، بدت و كأنّها منقطعة عن سياقاتها- و هي غير ذلك- استُنفِدَت في "وحشيّات" إرهابيّة و إجراميّة مباشرة في "القتل" و "القتال"، و في "الوعي" المباشر الذي رافق ذلك عند "جميع" شرائح و فئات و جماعات و أحزاب "المُتّحد" (!) الاجتماعيّ.. ، بما في ذلك ما أصاب "الثّقافة" الدّينيّة- الطّائفيّة من مستجدّاتٍ صبّت في نهر الانفصاليّات المفهوميّة التي ظهرت، على نحو أو آخر، في مختلف مظاهر السّلوك في "المجتمع" اليوميّ ، كما في المنظومة التي تعبّر عنها، عادة، "المؤسّسة" الإداريّة (القانونيّة الوضعيّة) بما هي صورة عن "السّياسيّ".
من الطّبيعيّ أن يظهر ذلك على أشكال متعدّدة، ليست انحرافات "الأخلاق المسلكيّة" و ما ينجم عنها (و هذا أمرٌ مفهوم، لا حاجة لتكراره!)، سوى بعد واحد منه و حقل من حقوله، إضافة إلى ما يتطلّبه هذا من استعداداتٍ و مُكمّلات لإنجاز الممارسات.
و كنّا، من جانب آخر، قد انتهينا في "المقال" السّابق، مباشرة، إلى أنّ شكلاً خاصّاً من أشكال علاقة الدّين بالدّولة، و هو شكل "دين الدّولة" الذي لا بدّ أن يدخل، أيضاً، في تجربته غير المباشرة للممارسة العامّة "المباشرة" و "التّلقائيّة" في مناسبة "الفوضى" الموجعة.. التي كانت أحد آثار الحرب.
هنا سنكتفي بما قلنا عليه "التّلقائيّة" في التّأثيرات النّاجمة عن شكل علاقة "دين الدّولة" بالدّولة و المجتمع و السّياسة في المظاهر الأخيرة لهذه العلاقة في التّاريخ الحديث و المعاصر، و أثرها في استقرار أو في عدم استقرار "الاجتماعيّ" بما هو مسؤوليّة "سياسيّة" مباشرة.
و سنكتفي بذلك تاركين أمر الممارسات المباشرة لـ "دين الدّولة"، إلى وقتٍ آخر، و ربّما إلى مرجعيّة أخرى ترى في مسؤوليّتها واقعيّة كبيرة في الأمر، هذا مع أنّنا لن نستطيع تجنّب التّعاطي، المباشر مع "العلاقة" المقصودة، أبداً، و بخاصّة عندما سندخل، في حديث لاحق،في موضوع "الدّستور".
هنا، إذاً، سنكتفي، الآن، بالحديث على كيفيّات نقد هذا الشّكل الواقعيّ لدين الدّولة، و لو أنّها من المهمّات الصّعبة و المحفوفة بالمخاطر الثّقافيّة و الاجتماعيّة- كما قد كرّرنا مراراً- جرّاء استقرار "العُرف" الفرديّ و الجماعيّ و الدّينيّ و الطّائفيّ و الجِهويّ، و "الأخلاقيّ" (و باختصار، ما هو من ممتلكات "المقدّس"، اليوم..) في أعماق و آفاق الخطاب السّياسيّ الذي اضطرّت "الدّولة" للتّخلّي عن احتكاره، و هذا ما هو مفارقٌ في تاريخ "الدّولة" و استراتيجيّات "التّنظيم"..!؟
تركت الحرب آثاراً لا يمكن إحصاؤها أو تصوّرها، بسهولةٍ. حتّى في البنية الفكريّة الواحدة بين أعضاء مجموعة الفضاء الفكريّ الواحد، وجدنا أنّها أحدثت تصدّعاتٍ في البناء.
و كان من الطّبيعيّ، إذ ذاك، أن نلمسَ صدعاً كبيراً في المخيال الاجتماعيّ و التّاريخيّ، الذي يُظهرُ صورته في "السّياسيّ".
هذا ليس حدثاً طارئاً و عابراً بل هو من الأحداث الجليلة في تاريخ المكوّنات الوطنيّة السّوريّة، بحيث أصبح الاختلاف في أيٍّ من الجزئيّات يؤدّي، مباشرة، إلى خلاف عميق ينسف البديهيّات التي كانت تُبديها التّقاليد "الثّقافيّة"، عن "قناعة" أو عن "تواضع"، في أسباب و مقوّمات "الّلحمة" و الاجتماع و العيش الواحد و المنظومات المفهوميّة المتآلفة.
انبعثت من "الذّاكرة" التّاريخيّة "حقائق" الانقسامات التّكوينيّة الأولى التي سادت عهد "الانتداب" الاستعماريّ.
باختصار بدت "الأطراف"، جميعها، و كأنّها تبحث لها عن "هويّة"جديدة في الانتماء، مع أنّ الكثيرين كانوا متّفقين على ضرورة هذا الانتماء.
لم يولِّ "عصر الهويّة"، كما يشيعُ، في "الإعلام"، "المُتَماوِجون" سياسيّاً و "المشبوهون"، بل عادت أبسط مكوّنات "الهويّة" (أو الهويّات!) إلى "القلق" من جديد.
كان من الطّبيعيّ في هذا الوسط أن تُطرح من جديد قضيّة "الأديان" في المجتمع السّوريّ، و كان من المفروض أن يُنظرَ إلى ذلك عبر "السّياسة" و "المؤسّسة" و "القانون".
و بدون تغليف أو تجميل، فقد أخذ أشدّ أشكال "النّقد" الجديد، ضَراوةً، يتعرّض، أوّلاً و أساساً، لما هو "مترسب" في المنطقة المسكوت عنها في "النّصّ" أو "الخطاب"، و المتمثّلة بتلك "المسافة غير الفاصلة" بين "الدّولة" في سورية، و بين "دين الدّولة".
هنا من المفهوم كيف أنّ البعضَ سيُماري في مسألة "دين الدّولة" في سورية، من حيث أنّ "الدّستور" السّوريّ لم يُحدّد هويّة دين الدّولة في مبادئه الآمرة. و هذا صحيح.
غير أن أسئلةٌ مختلفة أثارها الكثيرون تنتظرُ، فعلاً، الجواب. و نحن نرى وجاهتها من باب "النّقد الفكريّ" و "الفلسفيّ"، بعد أن وجدنا- فيما سبق- أنّ ظهور "الفلسفة" في التّاريخ- كما قلنا- قد جعل من ممكنات "المشروعيّة"، أيضاً، أن ينضاف إليها "واقعيّة" الاختلاف علىكلّ ما يتضمنّه "الخطاب السّياسيّ" من عناصر و مفاهيم.
هل ينتظر "الدّين الرّسميّ" الواحدُ أمراً دستوريّاً أو قانونيّاً بالمباشرة، ليكون ديناً فاعلاً و مؤثّراً، سلباً أو إيجاباً..، في المؤسّسات و الحقول و الفضاءات و الجماعات و الوجدانات المختلفة عند الجماعات؛ في دولةٍ قضت عليها التّقاليد في الأيديولوجيا التّاريخانيّة الواحديّة أن ترعى، مباشرة، "ديناً" واحداً من "الأديان" المختلفة، و "مذاهب" معيّنةٍ،دون مذاهب أخرى، في "الدّين" الواحد؟
فهل عدم تسمية "الدّين" الرّسميّ في الدّولة كذلك يجعله غير ذلك؟
و ما مصير الحقوق "الدّينيّة" للأديان و المذاهب و الطّوائف الأخرى، تلك التي استبعدت، "تاريخانيّاً"، من حظيرة "الدّين الرّسميّ"، في المجتمع و الدّولة من حيث "الفرص" السّياديّة التّامّة تلك التي تتمتّع بها رعايا الدّين الواحد الرّسميّ.
هل للدّولة دين؟
أليست محاباة الدّولة في "النّصّ" الوقفيّ للأموال المنقولة و غير المنقولة، في "الموازنات العامّة" و "الخطط" الحكوميّة، هي محاباةٌ صريحة لدين واحد في مقابل "الأديان" الأخرى في المجتمع و الدّولة معاً، في اعتبارات "المواطنة" التي يجب أن تسري- من هذا الجانب، أيضاً!- على "الجميع"؟
من هو، أو ما هو، "رئيس الجمهوريّة" بالتّعريف؟ هل هو شخصٌ فردٌ أم أنّه "مؤسّسةٌ" لها شخصيّتها الاعتباريّة تمثّل ما يُسمّى بـ"مؤسّسة الرّئاسة"؟ و بالتالي، هل لرئيس الجمهوريّة دين؟ هل يجب تحديد الدّين الذي ينتمي إليه "رئيس الجمهوريّة" كشرط سياديّ في الدّولة؟ أليست دولتنا دولة رئاسيّة جمهوريّة، من دون أيّة صفاتٍ أيديولوجيّة أو دينيّة أخرى؟
ألم يكن اعتداء "الدّينيّ" على "الدّنيويّ"، على "الدّولة"، في معرضِ الاستئثار الدّينيّ "المزيّف" بالمقدّس، وراء هذه الصّياغات النّصّيّة و الخطابيّة التي غزت، و ما زالت، قواعد "التّفكير السّياسيّ" في "الدّولة" كإحدى استمراريّات تقاليد "دولة الخلافة"، الإسلاميّة المتعايشة بأعجوبةٍ مع متطلّبات الدّولة السياسيّة المدنيّة المعاصرة؟
ألم "ترتقِ" تقاليدُ "الدّولة" الإسلاميّة الزائلة، إلى مستوى "التّأبيدِ"، و "التّحريم" دون "التّطوّر" السّياسيّ الذي حكم الكثير من جوانب و أسس و تقاليد الدّولة الوطنيّة السّوريّة المعاصرة، و الذي "استكان"، في الوقت نفسه، أمام قدرتِهِ على التّخلّص من "التّفاوت" الثّقافيّ و "التّنظيميّ" الذي حكمه "بنيويّاً" فجعل منه "تطوّراً" منقوصاً؟
هل نحن أمام حاجة إلى "وزارة أوقافٍ".. إسلاميّة؟
أم نحن في حاجة ماسّة إلى "وزارة" للوقف الدّينيّ؟
أم أنّنا لسنا بحاجة إلى هذه أو تلك؟
أم أن الظروف الإجتماعية الموضوعية القائمة ، ليست ناضجة، لِتنتفي الحاجة إليها؟
هل ينبغي أن نؤسّس لدولةٍ وطنيّة معاصرة، علمانيّة و مدنيّة، نُعيد إلى بنيتها تلك المسافة الفاصلة بين "الدّولة" و "الدّين"، كفصلٍ ضروريّ بين "الدّين" و "السّياسة"، من أجل إنتاج مجتمعٍ إنسانيّ مُعافى و صحيح؟
تكاد تتّصل جميع هذه الأسئلة اتّصالاً مباشراً بالفلسفة (و أي بالمعرفة)، لولا أنّها تتّصل أيضاً بالواقع الاجتماعيّ و السّياسيّ المعاصر للمجتمع و الدّولة في وقت واحد.
لقد مضى ذلك الزّمانُ الذي كانت فيه هذه "المصطلحات" تعبّر عن أشياء مختلفة أو منفصلة، بعد أن أصبحت "مصطلحات" تعبّر عن "حيويّات" مُعاشَةٍ في "اليوميّ".
في عصرنا الحاضر نحن كذلك نعيش "الاتّصالات" المفهوميّة كما نعيش ثورة "الاتّصالات" الإلكترونيّة و المعلوماتيّة التي اختزلت العالم إلى شكل واحد مؤطّرٍ و قريب.
و مع ذلك فإنّنا لا نستطيع التّخلّي عن التّاريخ في التّعامل مع الحاضر، و بخاصّة ما يتّصل منه بأوضاع "الجماعات" و الأفكار و تطوّراتها الأنثروبولوجيّة التي أنتجت حاضرنا السّوريّ الأخير.
عمل "حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ"، منذ بداياته الأولى في أواخر الأربعينات من القرن العشرين، بُعيد "الاستقلال"، على أيديولوجيّة "جامعة" نظراً لظروف تأسيسه الاستثنائيّة في وسط اجتماعيّ طرح أمامه تحدّيات "المنافسة" مع "الحزب القوميّ السّوريّ" و "الحزب الشّيوعيّ السوريّ"، في آن معاً؛ فكان عليه ملامسة الواقع على نحو أكبر من سابِقَيه.
هكذا اضطرّ في هذا الغمار إلى أن يطرح صيغة متصالحة مع "الإسلام"، كدينٍ، و لو أنّه حمل، فعلاً، شعاراته العلمانيّة المعروفة للجميع، نابذاً جميع أشكال الطّائفيّة و الجهويّة و الفئويّة.
و فيما سعى إلى "عقلنة" التّعامل مع "الدّين"، بشكل عام، كان لابدّ له من محاولة العمل على ما يمكن أن يُسمّى"علمنة الإسلام" (حسب بعض المؤرّخين الدّارسين) بوصفه "الدّين" الأكثر جماهيريّة و انتشاراً في المجتمع. و كان، إذ ذاك، لا بدّ للبعث، في المقابل، أن يعمل على سياسات "جامعة" للجماعات الدّينيّة السّوريّة المختلفة و المعروفة.
في رأينا هنا بدأت "الإشكاليّة".
بعد وصول "البعث" إلى قيادة الدّولة و المجتمع، و في أوجالاحتفاليّة التّاريخيّة بالرّسالة القوميّة التي حملها عابراً بها متاهات الماضي المفتّت اجتماعيّاً و سياسيّاً في "عصر الانتداب" و قبله في "عصر الاحتلال"، كان لا بدّ للنّظريّة و منطلقاتها الاجتماعيّة الضّروريّة أن تتمسّك بأيديولوجيا "الوحدة الاجتماعيّة" في سياقٍ ثوريّ و وجدانيّ.
و لكن هذه الأيديولوجيا الثّوريّة لن تبقى على ما هي عليه من الوهج مع الوقت، بحيث أن الأيديولوجيا تحمل، أيضاً، مجموعة من الشّعارات "المرحليّة" التي لم تُدرك "النّظريّة" الوطنيّة- القوميّة مرحليّتها التي غدت، مع الاستقرار السّياسيّ بخاصّة في الرّبع الأخير للقرن العشرين، فاقدة لوظيفتها التّاريخيّة التّعبويّة. و في استمرارها الذي أغفله التّجدّد و التّجديد العلمانيّ للدّولة التي تسير في ركب "المدنيّة" المعاصرة، فلم يلحظ أنّ كثيراً من مسوّغات "المصالحات التّاريخيّة" بين "الدّولة" و "الدّين" قد أمست فاقدة لمعناها.
و في تمسّكها بالمؤسّسة، تبعاً لانتهازيّة تاريخيّة، عملت القوى " الدِّينيّة " على ما يشبه الالتفاف على "الدّنيويّ"، فدخلت الأيديولوجيا الرّسميّة في تواطؤات سياسيّة بين "الدّولة" و "الدّين" عزّزتْها الأفكار الانقلابيّة الدّينيّة التي رافقت عصر "التّأسيس"، و التي تمأسسَتْ في "حركات" و "أحزابٍ" اجتماعيّة و سياسيّة ، كانت أن شكّلتْ من جديد عامل ضغطٍ تاريخيّ "متجدّد" للدّينيّ، جعل من الاختلاط المعزّز بالظّرف و المناسبة طريقاً نحو "دين الدّولة" الذي ثبّت مواقعه في "المؤسّسة" و بدأ في تنظير معاصرٍ ناعمٍ وظيفيّ استطاع عبره أن يستمرّ كضرورة مزعومة للمجتمع و الدّولة.
المشكلة في غياب التّنظير الفكريّ الذي كان عليه أن يُدركَ خطورة الطّريق الذي يشقّها "الدّينيّ" في "الدّولة" نحو التّعزيز و التّأبيد.
و نحن نفعلُ، اليوم، الأمرَ نفسه عندما نصمتَ على هذا الوضع الذي بدأت تتوافق مختلف المناسبات و الآراء ، على أنّه مناسبة سياسيّة تاريخيّةلاستكمال ما بدأته الدّولة الوطنيّة السّوريّة منذ التّأسيس المعاصر و حتّى اليوم.
ما نتحدّث فيه من "التّاريخانيّ" استطاع أن ينفذَ إلى "السّياسيّ". و في هذا "السّياسي" كان من السّهولة أن يجري التّنظير المعاكس للضّرورة التّاريخيّة للدّولة و المجتمع، من قبل فريقٍ يوجد في كلّ مجتمع و في كلّ دولة يعتاشُ على "الانتهازيّة" و المصالح ، التي لا يمكن له أن يحقّقها ما لم يزوّر "الواقع" و "المجتمع" في ممالأةٍ و نفاقٍ ، يهدفان إلى تصوير "العالم" المحيط بصاحب "القرار" السّياسيّ، على أنّه عالمٌحريريّ و مُخمليّ!
إنّ صنع "القرار" التّاريخيّ يحتاج إلى قاعدة صريحة و واضحة من المعطيات الاجتماعيّة و السّياسيّة التي يتأسس عليها "القرار" السّياسيّ ، بوصفه خياراً بين مجموعة من البدائل في الظّروف التي تتيح للقرار الاختيار. هذا ربّما أنّه كان يغيب، عادةً، عن "النّقد" و "النّظريّة" المتطوّرة، و "التّنظير".
من هذا الواقع، بالضّبط، إضافةً إلى الضّغط السيّاسيّ للدّينيّ و الذي وصل مرحلة "التّنظيم" و "المبادرات" الانقلابيّة، أيضاً؛ وجد "السّياسيّ" نفسه أمام تحدّ اجتماعيّ جديد. لقد دخل "حصان طروادة" داخل أسوارِ الدّولة "المعاصرة" و لو أنّ التّشبيه فيه القليلُ من المجازيّة، و لكنْ، و "الجواز"..!
دخل "الدّينيّ" في تحدّ مع "الدّنيويّ" (العلمانيّ، باللغة المعاصرة)، فوصلَ مواصل بعيدة، كانت إرثاً "دينيّاً" من الماضي الّلا وطنيّ الذي أسّست له الممارسات "المشبوهة" لما سُمّي بـ "الكتلة الوطنيّة" السّوريّة في عهد "الانتداب".
لقد وصل "الدّينيّ" إلى "الدستور الوطنيّ" في ظلّ دولة "البعث" "العلمانيّة"، و لا بدّ، اليومَ، من تصحيح هذه "الانحرافة" الأيديولوجيّة التي علينا أن ننظر إليها، في حينها، بعين "التّفهّم" و الضّرورة الاجتماعيّة التي دونها، كان سيُضحّى، في لحظتها التاريخية ، بالانسجام الاجتماعيّ (!) لولا أن "الظّرف الاجتماعيّ" المقصود- و المفهوم، على كلّ حال.. - لا يُمكن له أن يكون خالداً وفق ما يُريد له "الدّينيّ"، و يرغبُ، أن يكون.
في السّياق ، أجبنا على الكثير من مضامين الأسئلة التي حدّدناها في بدايات هذا العرض. و إذ بقيت بعضها من دون إجابة، فلأنّنا نفضّل أن تكون الإجابات عليها وفق سياقٍ آخر، سيكون لنا فيه حديثٌ مقبل عندما سنتحدّث، حصراً، على ضرورات "الثورة" الدّستوريّة الضّروريّة في طريق "العلمانيّة" و "الهويّة"..، الذي فرضتْه نتائج الحرب على سورية، هذه النّتائج التي كان للتّقدّم و التّطوّر فيها النّصيب الأكبر و لو أنّه ذلك الذي دفعت سورية ثمنه غالياً..، و سيكون.
روابط ذات صلة
الحلقة الثالثة:
- 2 - "الحلقة الثانية":
["التّاريخيّ" و "السّياسيّ" ، في الدّولة و الدّين... و الصّراعُ على "الشّرعيّة"] على الرابط http://www.fenks.co/%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85/12116-%D8%AF-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%91%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D9%91-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%91%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%91-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%8A%D9%86-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%91%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D9%8F-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%91%D8%B1%D8%B9%D9%8A%D9%91%D8%A9.html و
- 1 - "الحلقة الأولى":
[الدّينُ و الدّولة.. أم الدّولة و الدّين؟]