حين يصبح الصمت خيانة.. على العلويين أن يواجهوا مشايخ محو هويتهم
2026.08.10
نضال كامل
لم يعد مقبولًا أن يقف الرأي العام العلوي متفرجًا على ما يجري وكأنه مجرد اختلاف في الاجتهاد أو تنوع بريء في التدين. نحن أمام مشايخ يعيدون تشكيل المجتمع العلوي من داخله: شيخ يحشد بنات صغيرات من قريته في صورة فقهية محافظة لم تكن يومًا عنوان التجربة العلوية، وشيخ آخر يعيد اختراع التاريخ فيزعم أن «النصيريين» يعودون إلى أنصار الرسول في المدينة، وكأن محمد بن نصير والبنية العرفانية التي تشكلت حوله يمكن محوهما بحكاية أكثر راحة للآخر. الأول يعبث بالحاضر، والثاني يعبث بالماضي، وكلاهما يصنع علويًا خجولًا من تاريخه، معتذرًا عن اختلافه، مستعدًا لتغيير صورته وذاكرته حتى يصبح مقبولًا لدى منظومة دينية طالما نظرت إليه بالريبة والتكفير.
وهنا يجب أن تنتهي المجاملة. الشيخ الذي يجلس أمام صف من الفتيات الصغار ليجعل الحجاب عنوانًا لمشروعه لا يصبح صاحب هيبة لأنه يحمل مصحفًا أو يرتدي عمامة. السؤال أبسط وأقسى: ماذا بقي لديك من العرفان ايها "الشيخ"؟ أين المعنى والباطن والتأويل والمعرفة؟ أين أسئلة الإنسان والوجود والصورة والمثال والأكوار والأدوار؟ كيف هبط كل ذلك بين يديك إلى شعر فتاة وقطعة قماش فوق رأس طفلة؟ إذا كان هذا هو مبلغك من العرفان، فقد سقطت من مقام المعرفة إلى درك الجهل؛ ولا مصحف في اليد ولا عمامة على الرأس يستطيعان أن يسترا خواءً عرفانك.
ماذا ستعلم هؤلاء الفتيات ايها الشيخ؟ أن الرجل قيّم عليهن، وأن الطاعة فضيلة أنثوية، وأن أجسادهن فتنة تحتاج إلى الضبط، وأن المرأة تحتاج إلى وصاية أشد، وأن عليها أن تتصالح مبكرًا مع موروث فقهي وحديثي يستطيع أن يتحدث عن «نقص العقل والدين»؟ أهذا هو الإنجاز الذي وجدتموه للعلويين؟ أن تهبطوا من تراث باطني معقد إلى مدرسة للطاعة والانضباط الجسدي والوصاية الذكورية؟ هذا ليس تجديدًا؛ إنه إفلاس عرفاني وسقوط اخلاقي، بل وانساني، يمارس باسم إله مريض.
والأهل ليسوا أبرياء. من يسلم أبناءه لهذا المشروع شريك فيه. أنتم فتحتم الباب، وأنتم منحتم الشيخ السلطة على عقول أطفالكم. فإذا نشأت بناتكم وهن يعتقدن أن أجسادهن موضع ريبة، ونشأ أبناؤكم وهم يعتقدون أن العلوي الأفضل هو الأكثر شبهًا بمنظومة احتقرت اختلافه، فلا تبحثوا لاحقًا عن المسؤول. الشيخ يقود المشروع، لكنكم أنتم من سلمتموه أبناءكم. والأسوأ أنكم تفعلون ذلك داخل جماعة عانت أصلًا من التكفير؛ فبدل أن تعلموا أبناءكم الكرامة في الاختلاف، تعلمونهم حسن السلوك أمام محكمة مذهبية لم تعترف أصلًا بشرعية اختلافهم. وهذا ليس تدينًا. هذا انكسار يتنكر في ثياب الفضيلة.
أما الشيخ الذي يروي أن «النصيريين» يعودون إلى أنصار الرسول في المدينة، فالمشكلة معه أعمق من خطأ تاريخي. هل أصبح التاريخ مادة يعجنها الشيخ مستجديا فيها قبول الاخر؟ وهل أصبح أبو شعيب محمد بن نصير النميري إحراجًا ينبغي التنكر له؟ هل صار صاحب «الأكوار والأدوار» و«المثال والصورة» وما ارتبط باسمه من عالم عرفاني وفلسفي أقل إشراقًا من حكاية مريحة عن «أنصار المدينة»؟
محمد بن نصير ليس هامشًا يمكن محوه بجملة مرتجلة؛ إنه أحد المفاصل الكبرى في تشكل العرفان العلوي النصيري، ارتبط باسمه عالم معرفي يتجاوز الفقه والطقس إلى الوجود والصورة والمثال والأكوار والأدوار وانتقال المعرفة الباطنية. الانتساب التاريخي والعرفاني إليه ليس عارًا يحتاج إلى التستر عليه، بل جزء من هوية فكرية يحق لأصحابها الاعتزاز بسموها وتميزها وجرأتها الفلسفيه، مهما كان رأي الآخر بها. وإذا كان اسم «النصيرية» يزعج بعض المشايخ، فالعطب ليس في محمد ابن نصير، بل في وعي مهزوز يخجل من نفسه ويبحث عن شهادة نسب ترضي الآخر.
وهنا يلتقي الشيخان: أحدهما يقول للعلوي غيّر صورتك، والآخر يقول له غيّر ماضيك. أحدهما يغطي رأس الفتاة، والآخر يغطي التاريخ. وكلاهما يريد علويًا أقل اختلافًا، أقل إزعاجًا، أكثر قابلية للعرض أمام الآخر. إنهما لا يصالحان العلوي مع هويته؛ إنهما يدربانه على الخجل منها.
لم يعد التعامل مع هؤلاء وأمثالهم بوصفهم مجرد انحراف ديني أو اجتهاد مشيخي سيئ أمرًا كافيًا؛ فنحن أمام محاولة واعية لإعادة تشكيل الهوية، يقودها أشخاص لا يجوز منحهم تلقائيًا صفة المرجعية الدينية ولا حق تمثيل المجتمع الذي يتحدثون باسمه. والمطلوب قبل كل شيء نزع هذه الشرعية المصطنعة عنهم، وكشف المسافة العميقة التي تفصل خطابهم عن العرفان العلوي وتاريخه ورؤيته الروحية. كما ينبغي إخضاع ماضي هؤلاء المشايخ، وشبكات تمويلهم، وصلاتهم المؤسسية، وتحولات خطابهم، وعلاقاتهم بمراكز القوة القائمة، إلى تحقيق علني موثق؛ فحين يتماهى رجل الدين مع سلطة أمر واقع ذات خطاب إسلامي جهادي، يصبح السؤال عن استقلاله ومصادر شرعيته وتمويله ضرورة.
وفي النهايه يجب ان يتذكر الجميع أن محو الهوية لا يحتاج دائمًا إلى من يطردك بالقوة من تاريخك؛ يكفي أن يجد من يعلّمك الخجل منه، وأن يقنعك بأن خلاصك يبدأ بالتبرؤ مما أنت عليه.
وبعد ذلك ستتكفل أنت بالباقي:
فتاةً بعد فتاة،
وحكايةً بعد حكاية،
وذاكرةً بعد ذاكرة،
وشيخًا بعد شيخ،
حتى لا يبقى من العلوية إلا اسمٌ بلا روح، وذاكرةٌ بلا أثر، وهويةٌ تتعرّف إلى نفسها في مرآة الآخرين. عندها ستكون هزيمة هذا التراث العرفاني الفريد قد اكتملت من الداخل وبأيدي من كان يُفترض أن يكونوا حرّاسا للمعنى والذاكرة.