من ألواح بيت الحكمة في أوغاريت
2026.08.10
د. غسّان القيم
في اليوم الذي لم يُدعَ يومًا
حين كان الليل يطوي عباءته الأخيرة
وقف الشرق على عتبة النور.
وكانت الأرض صامتة.
وصمتُ الأرض يومئذٍ
كان أقدم من البحر
وأصدق من القسم.
ورأيتُ الخلائق.
لا يمشون..
بل يعودون.
كأن كل خطوةٍ كانت ذكرى
وكل نفسٍ كان طريقًا إلى البداية.
وكانت جباههم على صدر الأم الكبرى
أمِّ التراب
التي تحفظ أسماء البذور
وأسماء العظام
وأسماء الذين لم يولدوا بعد.
ولم يقل أحدٌ كلمة.
لأن الكلمة قبل الفجر
توقظ الصدى
أما الصمت
فيوقظ الحقيقة.
وكان النسيم يمر بين الرؤوس
كما يمر الكاهن بين مواقد البخور
يحمل رائحة الطين المبتل
ورائحة القمح الذي يحلم بالسنابل
ورائحة البحر
حين يكتم أسماء الآلهة.
ثم سمعتُ صوتًا..
لم يخرج من السماء.
ولا من الأرض.
بل خرج من المسافة
بين نبضة القلب
وأول دمعةٍ في العين.
وقال:
"أيها الراكعون على صدر الخليقة
لا تنظروا إلى الضوء
فإن الضوء أثرٌ.
اطلبوا الذي إذا حضر
استحيا الضوء من بهائه."
فارتجفت الأشجار.
وأخفضت الجبال هاماتها.
وأوقفت الأنهار جريانها
لتسمع.
حتى البحر
ذاك الذي لا يحفظ عهدًا مع الريح
صار مرآةً ساكنة.
ثم..
لم تشرق الشمس.
بل انشقَّ الحجاب.
وخرج المعنى.
ورأيتُ النور
يتعلّم من الحقيقة كيف يكون نورًا.
وسمعتُ الطين يغني.
وكان غناؤه بلا حروف
لأن الحروف كانت ما تزال
تتعلم المشي على ألواحها الأولى.
وعندما لامست أول شعاعٍ جبهةَ الأرض.
لم تستيقظ الخليقة..
بل تذكّرت.
تذكّرت أنها خُلقت
لتكون مرآةً للحق
لا ظلًا للخوف.
وعند آخر الرقيم
حيث ينتهي الطين ويبدأ الزمن
نُقشت العلامات السبع، ثم كُتب:
"إذا سجد الإنسان للحقيقة نهضت فيه الآلهةُ التي خُلقت من نور الفضيلة وانطفأت الأصنام التي نحتها خوفه.
وإذا أشرق المشرق في القلب صار الفجر يقيم فيه ولو ابتلع الليل جهات الأرض الأربع."
ثم ختم الكاتب رقيمه بهذه العبارة:
"أنا ناسخُ الفجر لا ناسخُ الكلمات.
ما كتبته ليس حروفًا بل أثرُ النور حين مرَّ فوق الطين."