عبد الكريم النّاعم: تحيّة لدير الزّور
بداية أشير إلى أنّ مفردة "الزُّور"، بواو تفرّق بينها وبين "الزّور" الذي هو لغة الكذب والبهتان،.. المفردة الأولى الشعبيّة تعني في عُرف العامّة الشجر الكثيف على موقع ماء،
لدير الزّور عندي الكثير من الذكريات، لن أرتبّها، في هذه المقالة، وإنّما أبدأ من الشاعر الشهيد خالد بْشار الذي عمل لمدّة في صحيفة العروبة في فترة السّبعينات من القرن الماضي، واستُشهد في معارك تشرين التحريريّة، وأقام له المركز الثقافي الذي كان رئيسه الصديق الشاعر ممدوح السكاف حفلاً تأبينيّاً لائقا، قدّمتُ فيه دراسة عن هذا الشاعر الذي أغفله الزمن، وأغفله أهل مدينته "دير الزّور"،
في دير الزّور دُعيتُ إلى العديد من المهرجانات الشعريّة التي أقامتْها جهات ثقافيّة فيها، ودُعي إليها العديد من الشعراء العرب السوريّين في تلك الفترات، ولو أردتُ تعداد أسمائهم لطالت القائمة،
في دير الزّور لايمكن لمن زارها أن ينسى الجسر المعلَق الذي يُعَدّ علامة مميّزة فيها، والذي لايتّسع إلاّ لمرور سيّارة واحدة،
في دير الزّور لاتستطيع تلمّس سحر لياليها في الصيف، أو في الربيع إلّا إذا سهرتَ في أحد "الشرادق" القائمة على ضفّة الفرات، وسمعت اللهجة الديريّة الخاصّة بها، وبقسم من أهل ذلك الشمال الذي يريد التلاعب بجغرافيّته، وبتابعيّته مَن مالوا واهمين للشيطان الأمرو صهيوني،
في دير الزّور إذا أتيح لك أن تستمع إلى غنائها الشعبيّ من عتابا، وسْويحلي، ونايل، والميمر، وعشرات الأغاني التي تفرد لمسامعك خارطة ذلك الجوى الجوّانيّ البالغ الحزن،
في دير الزّور، في الجهة الغربيّة من مركزها الثقافي كان يقف تمثال الشاعر والمترجم محمد الفراتي الذي هو علامة ثقافيّة، ونضاليّة من تاريخها، وقد أُهمِل للأسف، حتى وصل خبره للرئيس الراحل حافظ الأسد، فخصّص له راتباً شهريّا،.. هذا التمثال حطّمه التكفيريّون الدواعش فيما حطّموا، ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بإعدام عدد من أدباء وشعراء الدّير، ومنهم المرحوم الشاعر بشير العاني الذي أعدموه هو وابنه،
دير الزّور تشرّد قسم كبير من أهلها في بقاع سوريّة التي ظلّت آمنة، وعانى الباقون من حصار تكفيريّ، داعشيّ، أمروصهيونيّ، كما عانوا من تدمير معظم الجسور التي كانت قائمة على نهر الفرات، في خطّة لئيمة، لتدمير البُنى التحتيّة في سوريّة،
لايمكن إغفال ماعاناه أشاوس شعبنا الذين عانوا من الحصار اللئيم، منذ عام 1914، إنْ لم تخنّي الذاكرة، ولا الصناديد الذين عبروا تلك البوادي، بحرّها، ورمالها، وقساوتها التي لايعرفها إلّا الذي عاشها، هؤلاء الذين يمكن القول إنّهم كانوا أسطورة في جلَدهم، وفي مُقاساتهم، فتحيّة لهم من أعماق كلّ عربيّ حرّ شريف فوق أرض العرب،
أهلنا في الدّير لقد لاحتْ تباشير الفجر والانتصار، ولسوف تُعيد حيويّة هذا الشعب كلّ مادمّره الدواعش والأمريكان، وإنّ جذور المؤامرة إلى اقتلاع...
صحيفة "العروبة" الحمصيّة