د. بشار خليف: في أصل تسمية سوريا
يكثر اللغط و الشط و المط في محاولات تفسير مصدر اسم سوريا \ وليس سورية، فسوريا المنتهية بحرف الألف هي الأقرب لروحية سوريا من التاء المربوطة العربية في خصائصها اللغوية، نحن لا نقول حرستة أو دارية أو قدسية ألخ بل نقول حرستا، داريا، قدسيا، و الألف في آخر الكلمة هي أل التعريف الآرامية. \ فمنهم من أعاد مصدر التسمية إلى آشور و منهم إلى السريانية و منهم من قال أن مصدرها من كلمة سوريا في السنسكريتية وتعني الشمس، إلى ما هنالك من الآراء أن مصدرها يعود إلى اسم مدينة صور أو سر، لا بل أن بعضهم ولأسباب سياسية شاء أن يعيد التسمية إلى الأصل الحوري \ الخوري، ومن ثم يجري تبديل الحروف كيفما شاء السيرك اللغوي لجعل كلمة حوري او خوري تصبح سوري! الخ...
تاريخياً، أول ذكر لاسم سوريا ظهر عند هيرودوت في القرن الخامس ق.م، تبعه كسينوفون.
عند الرومان كان اسم سيروس syrus يعني كل شخص يتكلم السريانية.
وشاعت التسمية في الكتابات اللاتينية اعتباراً من القرن الأول قبل الميلاد.
تجدر الإشارة إلى ورود اسم سوريا في عمل مسرحي لاسخيلوس في مسرحيته آغا ممنون والتي تسبق تواريخ هيرودوت بعشرات السنين، جاء في النص المسرحي:
"كأن الدار، عندما نسمعك لا تعبق بالأريج السوري".
في حوار لنا مع د. محمد محفل سألناه:
أنطون سعادة، طرح في الأربعينات من هذا القرن التسمية = الهوية "السورية" على هذا المزيج. إلى أي حد نستطيع أن نحدد مدى اقترابه أو ابتعاده عن الحقيقة العلمية؟
اعتمد على اشتقاق اسم سورية من آشور. آشور! آسور..!
أجاب د. محفل:
إذن دعنا نبحث في زمن ظهور تسمية سورية في التاريخ. التسمية بدأت تظهر منذ سقوط الدولة الآشورية حوالي 612 ق.م. وهذه التسمية لم تظهر في الوثائق المحلية. وأول ذكر لها ورد عند هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد وبعد سقوط نينوى عام 612 ق.م. الآن وفق ما طرحه سعادة من أن اسم سورية مشتق من آشور فلهذا ما يبرره لأن تسمية آشور قديمة جداً. ويمكن أن أزيد على هذا بأن هناك من يقول بدراسات آشورية وهي التي تعني الدراسات الأكادية والبابلية والآشورية.
ومن هنا يكون لهذه التسمية ما يبررها. ولهذا فأنا أدعو إلى نقاش وحوار جدّي ورصين وعلمي من أجل الوصول إلى تسمية محددة تستوعب كل تاريخنا وتقوم على حقائق علمية وموضوعية. وهنا أحب أن أشير إلى أن تسميات عديدة لبعض الدول لم تكن نابعة من داخلها. ففرنسا كتسمية لم تظهر إلا حوالي القرن الثامن أو التاسع الميلادي وكذلك إيطاليا. وأود طرح مسألة تمس تاريخ الهلال الخصيب، حيث أنه خلال فترة المد الإسلامي، كان هناك مؤرخون تحاملوا على هذه المنطقة منهم الطبري وابن خلدون، حيث سببوا عبر كتاباتهم التشويش والبلبلة وهذا ناتج عن عدم اعتمادهم على الوثائق لعدم توفرها آنذاك ولاقتصار معلوماتهم على ما سمعوه. فاختلط الخبر التاريخي بالأسطورة وتداخل الواقع مع الرواية وهذا ما سبب التشويه والبلبلة على حضارة الهلال الخصيب. إلى أن جاءت الاكتشافات التاريخية وألقت الضوء على هذه الحضارة.
و في حوار لنا مع د. نقولا زيادة سألناه:
هل تقصد أن اسم سورية منحوت عن السريانية ..؟
أجاب: لا.. السريانية من سورية.
بناء على كل هذا، فإن اسم سوريا يعود ذكره لأول مرة إلى اليونان، و بطبيعة المعاني حول اسم سوريا فهي تحمل مدلولاً دينياً \ كإسم إله مثلاً \ أو مدلولا طبيعياً بيئياً أو عسكرياً.
تجدر الإشارة إلى أن الأسماء التي تحمل أسماء علم شخصية بحيث يتم اطلاقها على بلدان أو مدن هي اختراع يوناني – سلوقي، حيث أن السلوقيين أطلقوا على بعض المدن السورية أسماء أشخاص كا لاوديكيا \اللاذقية، أو أفاميا، أو سلوقيا ألخ.
إلى الآن لم يتمكن الباحثون واللغويون من تحديد معنى اسم سوريا، و متى ظهر لأول مرة تاريخياً سوى هذه المعلومات التي طرحناها.
وكل ما تبقّى من اجتهادات و محاولات لتفسيرها تبقى محض آراء لا تحمل يقين المعرفة ولا الرأي الجازم و الحاسم المستند على حقائق علمية بحتة.
***
متابعةً لموضوع كتابة اسم (سوريا) بالألف الطويلة أو بالتاء المربوطة, ذكر الأديب والكاتب يحيى زيدو, في صفحته ما يلي:
أرسل لي الصديق (Sizeef Syrian ) على الخاص، مشكوراً، مقالأ مهماً كتبه في العام 2014،يمكن اعتباره استمراً للنقاش حول الموضوع، لأنه يصوب بعض ماورد في مقال د. بشار خليف الذي تم نشره أمس (منشور أعلاه).. كما يتقاطع معه في كثير من النقاط.
.............................................
حول أصل تسمية سوريا..
أوردت تعليق في البوست السابق لهذا،
باختصار شديد، يوجد عدة فرضيات لمصدر اسم سوريا، و لا يهم متى أطلق عليها هذا الاسم كما يقولون في عهد سلوقس أو غيره، أو عندهيرودوت (كأول مرة يذكر فيها اسمها في التاريخ المدون حسب زعمهم)، لأن التاريخ يتضمن فترات ممسوحة تماماً، لغايات يعرفها من يقرأ التاريخ جيداً، ومعظم المسح كان لمحو أثر سوريا المعلم الأول لكل شيء، لصالح روايات التوراة التي خرجت من تخاريف بعض الاحبار، و قد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، و أعيد، لولا المكتشفات الأثرية خاصة في القرن الماضي، لصدقنا أننا كسوريين كنا نعيش في الخيام إلى عهد قريب، وأننا كنا و ما زلنا عالة على الإنسانية، باعتبارنا ننسب حالياً إلى (من تعرفونهم)..
- الفرضية الأولى تقول أنه اسم سنسكريتي و يعني بلاد الشمس، و أنا لا أميل لهذا الرأي بل لا أقبله ، فلغتنا السورية بشكلها القديم أقدم من أي لغة اخرى، لذلك لا يعقل أن يسمي السوريون القدماء بلادهم باسم من لغة اخرى، خاصة أنهم كانوا مشهورين في العالم القديم كمعلمين، و أنهم أيضاً يعرفون تفوقهم، ويصفهم البعض بالتعجرف.
- الفرضية الثانية أن مصدره مدينة صور الفينيقية، ومنها صوريا، وهذه أيضاً فرضية ضعيفة تستند لتشابه الاسمين فقط، ولا يوجد لها داعمين يُذكرون، فقط ذكرها أحدهم كاحتمال.
- الفرضية الثالثة و هي الأرجح برأيي، أن سوريا أتت من آشوريا، مع الأخذ بالاعتبار الإبدال بين السين و الشين بين لهجتي لغتنا الآرامية السريانية (اللهجتان الشرقية و الغربية)، فتصبح آسوريا، و حتى الآن يستمر الاسم بالانكليزية للآشوريين و هو Assyrians، ويدعم هذا برأيي أن سوريا رغم وقوع جميع مناطقها ضمن حدود طبيعية و دورة حياة مشتركة، إلا انها كانت تميل دوماً لدول المدن (كما لا زلنا نميل اليوم)، و لم تكن تتوحد إلا عند وجود ملك قوي كملوك الآشور مثلاً غالباً (هم نفسهم آكاد و بابليين و كلدان و سريان و باقي التسميات)، الذين كانوا يتمددون لكامل سوريا كسيطرة، و ليدافعوا عنها أيضاً ضد الغزو الخارجي، مما يعطي الفرصة لاسمهم للامتداد على كامل سوريا أكثر من غيره.
(كان ثيودور نولدكه أول من اقترح وجود علاقة بين الاسمين. وتلقى هذه الفرضية انتشارا واسعا بين الباحثين، خصوصًا إثر اكتشاف نقوش مكتوبة باللغتين اللوية والفينيقية في كيليكية حيث تشير الفينيقية إلى لفظة آشور بينما تذكر اللوية سوريا في نفس المقطع)، (مما تقدم يتضح أن الاسم سوري أو سريانيٍ Syrian مُحرف عن لفظة آشوري Assyrian ومنها اشتقت بقية الألفاظ. وهكذا أصبحت كلمة سِريان Syrian في اللغات الأوربية عَلماً لجميع الشعوب الآرامية الأصل ولغتهم بلا استثناء).
و لا علاقة لآرامنا بآرام بن سام بن نوح (غير الموجود أصلاً في التاريخ بل فقط في كتب دينية أخذت عن بعضها و عن التراث السوري) حسب التخاريف التوراتية.
أيضاً برأيي وقع مؤرخونا قديما و حديثاً في شبه نكتة أثناء الترجمة عن الغربيين، فمعنى Syrian هو سوري كما تعرفون، و السريان التي أتت من الآشور هم جميع السوريين من مختلف المكونات والاثنيات، قبل أن يتم تضييقها لاحقاً لتشير إلى اثنية معينة مرتبطة بالدين المسيحي..
أما كتابة اسم سوريا، فالأساس هو كما ذكر صديقي حسن في البوست السابق (أما من جهة كتابة اسم سوريا فبالتأكيد تكتب بالألف لسبب بسيط جداً, حرف التاء المربوطة ليس حرفا في الأبجدية الأرامية, وأدخل حديثاً بدخول ابنتها اللغة العربية حيث ادخلت معها التاء المربوطة وحرف الضاد والأحرف اللثوية. فالإطلاق في ألف "سوريا" أقدم من الربط بالتاء..).
ولم يصبح اسم سوريا بالتاء المربوطة إلا بعد (تعريبه) حتى لا يبقى (أعجمياً!) أي سريانياً سورياً!
أما أنا ، فلا أرى أو أكتب سوريا إلا بالألف الممدودة، لأن هذه التاء المربوطة توحي لأول وهلة بالتأنيث و الربط، و مع أن مفهومي للأنوثة هو مفهوم راقي وشامل كما كان قبل الأديان الذكورية، إلا أن سوريا فوق صفة الجنس، و فوق كل الصفات و المسميات، سوريا بالألف الممدودة التي تتشوف للعلا حتى تصل السماء و تكون عمودها كما كانت دائماً..