التفاؤل والموضوعية وتهبيط الحيطان
كتب محمد سعيد حمادة
يريد بعض الأصدقاء أن أتجنّب التفاؤل الزائد وأكتب بواقعية أكثر، خصوصًا عندما أكتب عن الجيش السوريّ وحلفائه، وحجّتهم أننا نحارب أميركا و"إسرائيل" وأوروبا. ولكي تكون الكتابة واقعية يجب إظهار قوّة العدوّ. وعليه أودّ التوضيح مرةً جديدة:
أوّلاً، أميركا و"إسرائيل" وأذنابهما من العرب، وكل الحلف المعادي، موجودون في سوريا منذ ما قبل أوّل مظاهرة انطلقت فيها وليس منذ أوّل طلقة رصاص. وقد تبيّن للقاصي والداني أن ما فعلته العصابات الإرهابية كان بتخطيط وتوجيه وإدارة محكمة من خيرة استخباريي وخبراء الحلف المعادي وفي طليعتهم الأميركان و"الإسرائيليون"، من الهجوم على الكوادر العلمية وتصفيتها، إلى الطيارين، إلى المطارات ووسائل الدفاع الجوّي، إلى مراكز المدن، إلخ كل ما رأيناه وعايشناه في السنوات السابقة.
أويظنّ عاقل أن طنبرجية "الثورة" هم من خطّط ونفّذ وما يزال؟!
ثانيًا، لقد أثبت الجيش السوريّ خلال السنوات الماضية، بخبرائه وضبّاطه وجنوده وقيادته أنه قادر على إفشال مخطّطات الأعداء وتنفيس هذا البعبع الإعلاميّ وجدع أنفه في أرض المعركة؛ فكيف يريد من يقول بالواقعية تجاهل هذا وقد اعترف به العدوّ نفسه، ويعبّر عن ارتعاده خوفًا اليوم ممّا بعد انتهاء الحرب؟!
ثالثًا، إن المعلومات والبيانات والوقائع التي أسردها في كلّ مرّة هي من أرض الواقع، وقد يتأخر كثير منها في الظهور الإعلامي حتى تتبناه جهات إعلامية نافذة ومسيطرة ولها مصداقية ما عند الجمهور. وقد حدث هذا مرات ومرات.
رابعًا، لم أعدّ نفسي يومًا سوى مقاتل بما استطاع إلى جانب بلدي وجيشها الشجاع، وقد كنت مع كثير من المقاتلين من أجل حقّ سوريا نبثّ الأمل في النفوس وبحتمية النصر، في وقت كانت تهبَّط فيه الحيطان فوق رؤوس السوريين، ويروّج الإعلام المعادي أنها مسألة أيام وينتهي كلّ شيء ويصلّي إردوغان في أمويّ دمشق وحمد قطر في حلب. فكيف يُطلب منّا اليوم ما يُطلب والعالم كلّه يرى ما يحقّقه جيش سوريا العظيم في الميدان؟!
خامسًا، حتّى وإن كنت بنظر البعض متفائلاً زيادة عن اللزوم، فإنني من الذين يعدّون أنفسهم في عداد باثّي التفاؤل والأمل، ذلك أنني أعدّ نفسي مراسلاً وكاتبًا وناشطًا وخفيرًا حربيًّا في وقت تتعرّض فيه بلادي للعدوان. ولأنني كذلك، حتّى وإن كنت لا أظهر قوّة العدوّ، وقد انكسرت وتمرّغت في أكثر من موقع وحادثة، فلأنني أستلهم حادثة ستالين الذي وقف أمامه أحد جنرالات الجيش الروسيّ مخاطبًا إياه أمام بقية الجنرالات، أن سيدي المارشال إن عدوّنا النازيّ عدوّ شرس، يملك من الدبابات كذا ومن الطائرات كذا... فقاطعه ستالين بقوله "إخرس، إخرس، لا موضوعية في الحرب".
سادسًا، عندما أنشر إحصائية عن تعداد القرى الكردية في محافظة الحسكة وأنها لا تشكّل أكثر من 30% من المحافظة، فأنا لا أخترع بل أصف واقعًا مغايرًا لما تريد وسائل الإعلام العدوّة ترويجه في ان الكرد يشكّلون 90% من سكان محافظة الحسكة. وعندما أكتب عمّا يجري في الشمال والجزيرة السورية، فأنا لا أجافي الواقع وأقفز فوقه، بل أرسم بمنتهى الواقعية اللوحة التي يريد الأعداء قلبها وإظهار لون آخر لها.
ختامًا، الموضوعية هي أن تُظهر ما يريد العدوّ إخفاءه. وفرق كبير بين بثّ روح التفاؤل والأمل وبين الكذب والتدجيل على الجمهور.
ليس موضوعيًّا من لا يرى حتميّة الانتصار.
ليس موضوعيًّا من يسوّق لألف جنديّ أميركيّ على أنهم يعادلون مئات الآلاف تأثّرًا بهوليود.
ليس موضوعيًّا من يجعل من حبّة العدوّ قبّة ويغضّ الطرف عن انتصارات جيشنا وما يحقّقه في الميدان.