ندوة تكريمية للشاعر عبد الكريم الناعم في حمص.. من جيل الأيقونات الثقافية
أعتقد أن للشاعر عبد الكريم الناعم زاوية خاصة في وجدان كل شخص التقى به في مدينة حمص سواء من الوسط الثقافي عموماً أو من الوسط الشعري على نحو خاص، فحضوره الأنيق إبداعياً في مهرجان الشعر العربي الذي كانت تقيمه رابطة الخريجين الجامعيين على مدى دورات فاقت الثلاثين دورة وطدت تلك المكانة لاسيما وهو الشاعر المتنوع والمتجدد إبداعياً. وأعتقد أن التكريم يليق به ولو كان متأخراً بعض الشيء، هذا التكريم الذي دعا إليه وأعدّ له فرع اتحاد الكتاب العرب في حمص، وأقيمت فعالياته على يومين في قاعة سامي الدروبي في المركز الثقافي، وشارك فيه بعض الأدباء المبدعين الذين خبروا إبداع المكرّم الناعم.
معاني الجمال
في كلمة افتتاح التكريم قال د. عبد الرحمن بيطار،رئيس المكتب الفرعي لاتحاد الكتاب العرب بحمص: الشاعر عبد الكريم الناعم أحد رموز الشعر العربي المعاصر في سورية حاملة لواء العروبة والنضال في سبيل أمتها الصامدة في وجه كل الأعداء. وقد وصل في إنتاجه إلى مستوى عالٍ من الإبداع بإصراره وصبره ومتابعته. وقد تضمن شعر الأستاذ الناعم كثيراً من معاني الجمال والخير والمحبة. ثم أشار د. البيطار إلى نتاج المكرم الذي تجلى في (23 ) ديواناً شعرياً، و (4 ) كتب في دراسة الشعر، وكتاب (مدارات1 ) الذي هو نوع من المذكرات عن حياته والمعنون بـ ( سيرة من زمن الطفولة إلى 8 آذار 1963 )، كما أشار إلى عمل المكرّم في سلك التربية والتعليم والإعلام المقروء والمسموع.
الشاعر العربي الفلسطيني خالد أبو خالد قدم شهادة رأى فيها أن الشاعر الناعم منح القصيدة أهميتها كما منح الخطوة طاقتها والعلاقة العضوية بالفقراء والأغنياء الذين عبّر عنهم.واعتبر أنه عابر للأجيال وعابرها الذي علّمها، من اللاحقين إلى المجايلين الذي ينتمي هو إليهم، ومنه تعلّمنا كيف نقرأ الشعر وكيف نكتبه، منتبهين إلى الإضافات التي قدمها في تراكيب جمله الشعرية كما في عروضه.
وقال د. رضوان القضماني في دراسته: يتميز ديوان الناعم “من ذاكرة النَهَر” من سواه بأنه يشكل سيرة ذاتية تتدفق من ذاكرة حية كما يتدفق النهر من خلال متن لغوي متجانس يجعل من الديوان نصاً واحداً يتسم بالكلية والوحدة. فالمتن اللغوي يغلب عليه الفعل، وأول القصيدة فعلٌ : (يبدأ)، ثم أسماء: (القص، الكلام، الحكايا …) ثم تنتهي الحكاية كما كانت شهرزاد تنهيها عند الصباح، ليكون هذا الصباح رضياً كحلم العباد. وفي موضع آخر يتابع د. القضماني محللاً: وخلافاً للجملة الخبرية التي تبدأ بها الحكاية عادة : (كان ما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان ) يخرج الشاعر عن هذه البنية الحكائية التقليدية، ليبدأ بجملة إنشائية يبنيها الاستفهام : (مِنْ أَينَ يبدأُ القصُّ ؟). ثم تبدأ التشكلات الدلالية بمصاحبات لغويةٍ منزاحة. ورأى المسرحي فرحان بلبل في شهادته ومن خلال قراءته ديوان (لأقمار الوقت) أن الشاعر الذي ظل يطوف فوق النجاد تطوف حوله عرائس الإنسان والوطن والحياة. كما رأى أن الناعم من شخصيات مدينة حمص في مختلف مناحيها الثقافية. فله مع المسرح علاقة وثيقة تتجلى في صواب آرائه وحسن انتقاده. وله في الموسيقا جولات العارف والمتتبع لتطوراتها ومدارسها واتجاهاتها. وله مع الثقافة عموماً اشتباك ومشاركة. وألقى الشاعر حسن بعيتي قصيدة مهداة للمكرّم، جاء في مقطع منها: ” وقالتْ له حمصُ: كن شاعراً لا يموتْ/ فكان…/ ويشهدُ قلبي بهذا/ وتشهدُ أيضاً قناديلُ حاراتها والبيوتْ/ وقالتْ لهُ:/ كن لطيفاً شفيفاً كقلب نبيٍّ يٌحدّثه الوحيُ/ وانظرْ بقلبك..واكتب بروحك/ قلْ للصّباحْ/ وقلْ للرّياحْ:/ سألعنُ حزني..إذا لم يكن جدولاً من رحيقٍ/ وأيقونة من ضياءْ،/ إذا لم يقُمْ.. ماردٌ من دموعي/ سألعَنُ هذا البكاءْ…….”
واختتمت كلمة المكرّم الشاعر عبد الكريم الناعم فعالية اليوم الأول الذي شكر فيها كل من د. مهدي دخل الله عضو القيادة القطرية لرعايته هذا التكريم، والزملاء في فرع اتحاد الكتاب العرب بحمص، ورئيس الاتحاد د. نضال الصالح، وأمين فرع حزب البعث العربي الاشتراكي، والسيد محافظ حمص. واستبشر خيراً بهذا التكريم لأنه أول تكريم لمتقاعد في اتحاد الكتاب، وتمنى أن تكون الخطوة جسراً لوصل بعض ما تقطّع بين المتقاعد واتّحاده، فالتقاعد من الاتحاد لا يعني القطيعة الباترة معه، كما لا يعني التقاعد عن الإبداع ما دام الأديب قادراً على ذلك. وشكرً كل الذين قدموا وسيقدمون دراساتهم وشهاداتهم.
في حضرة المبدع
بدأت فعاليات اليوم الثاني بشهادة للأديب والباحث المسرحي محمد بري العواني الذي احتار في مقاربة شخص المكرّم إنسانياً وإبداعياً لأنه وفق قوله: لذيذ وشهي من أين أتيته، ولكنك لن تستطيع تذوقه دفعة واحدة وإلا أخذتكَ منعرجاتُ لذَّات إبداعه: الشعرُ، الغناءُ والموسيقا، الزجلُ والعتابا، الرقصُ الشعبي، نقدُ الشعر، الإعلامُ المقروء والمسموع، السيرةُ الذاتية، المقالة.. ثم.. وليس آخراً النكتة الحاضرة على الدوام لفظاً وسلوكاً، فإذا ألقاها بجديته المعهودة ألقاها بَغتةً ثم ينفجر معك ضاحكاً بصخب وكأنه يسمعها لأول مرة معك، وإنْ ألقيتَها أنتَ عليه انفجر ضاحكاً وردَّ عليك بواحدة من العيار الثقيل ذاته. كذلك هو في جميع طرق تعبيره يأخذك على حين غِرَّة مباغِتاً فإذا أنت في حضرة المبدع.
وفي دراسته، الناقد يوسف مصطفى تناول ديوان ” مهرجان الأبواب”، ورأى في خاتمتها أن أنماط اللغة الصوفية لدى الناعم قارب فيها: لغة الروحي، والصفائي، والخلاصي، ولغة الوجد، والإنطواء، والذوَّبِ، وبعض ومضها القرآني. عبر تنّاصٍ توظيفي رائع، ومبتكر وجميل. فحضرت الطبيعة ومفرداتها في أساس مقارباته الصُّورية، لكن عبر تشكيل رسمي وتلويني طيفي. إنه شاعر حداثي، وتجربة لها خصوصيتها في الأصيل الحداثي.
وحملت شهادة الشاعر حسان الجودي عنوان ” شهادة الضفاف بالنهر) ومنها قرأ الشاعر محمد الفهد بالنيابة عنه المقطع الأول ” ضفة عنود ” الذي رأى فيها الجودي أن الشاعر الناعم استطاع أن يؤثث مكاناً جميلاً له في الحياة بثقافته وأحلامه. تجلياته الشعرية هي الهم القومي، والالتزام الوطني، ثم الالتزام الطبقي وانحيازه التام إلى الطبقات الاجتماعية المهمّشة، ثم الهمّ الوجداني الداخلي، ثم أخيراً التجلّي الصوفي وتذوق التأمل الكوني. ويتساءل الجودي: هل كانت عَنود فاتحة هذا التجلي الشعري الكثيف المضيء؟ ويتابع: بدأت عنود بالتجلي للشاعر في مطلع الثمانينيات، كما يشير اسم المجموعة الشعرية الصادرة عام 1981 إلى ذلك. قبل هذا ظهر الشاعر الناعم في جيل التستينيات، جيل الأيقونات الثقافية. والذي سيصبح فيما بعد مناجم للحنين والفردوس المفقود بالنسبة إلى كثيرٍ من المثقفين والشعراء. أصدر أول مجموعاته زهرة النار عام 1965 . وفيها وضع الناعم بصمته المميزة مع باقي شعراء جيل الستينيات الذي كرّسوا تجربة رواد الحداثة العربية الشعرية بل وأغنوها فيما بعد. وما تزال أسماء مثل عبد الكريم الناعم، وأدونيس، ومصطفى خضر، وشوقي بغدادي. حاضرة فاعلة مؤثرة في الحياة الثقافية السورية.
تتغيّا العبرة
وفي المداخلة النقدية للناقد نذير جعفر توقف مع ديوان ” ارحل هكذا ” للشاعر المكرّم، فرأى فيه أنه يجمع بين قصيدة عمود الشعر وقصيدة التفعيلة، وتنوس قصائده ما بين الومضة، والحكائية، والمشهدية، فالومضة لا تتعدى سبعة أسطر قصيرة، مكثّفة، ملتقطة من تفاصيل الحياة اليومية وتداعياتها، أو ناجمة عن موقف أو سؤال أو نفحة صوفية، أو تجربة شخصية تتغيّا العبرة. وفي موضع آخر يقول: لا تخلو بعض قصائد الديوان من الخمريات ، والغزليات، التي لا تحاكي مأثور الشعر العربي في عصوره المختلفة بقدر ما تحتفظ لنفسها نسقاً فنياً لا تخلو فيه من التجديد والابتكار في الصور المجازية والمحسّنات المعنوية واللفظية ومنها الطباق الذي يعزز المفارقة على نحو خاص.
ومما قال في شهادته الشاعر محمد الفهد: من يدخل إلى عوالم شعر الناعم في مجموعاته التي قاربت الخمسة والعشرين مجموعة سيرى بأن عالم الشاعر يسعى دائماً لخلق جماليات عالية المستوى, متمكن من تراثه أولاً وحاملاً شعلة الحداثة ثانياً. ومن يمر على مجموعاته سيرى بأن خيطاً يربط تلك المجموعات ببعضها البعض, فهي أولاً سيرة حياة مبدع, تسكب أحوال الواقع رؤيتها على نفسه فتعود قصائد يسكبها هو بعين المبدع العارف, يجمع بين الحديث اليومي والتركيب الشعري لينقل الكثافة الدلالية بعمق وشمولية حتى يحقق لعمله الإبداعي شعريته على المستوى الفكري والجمالي.
واختتمت هذه الندوة التكريمية بقصيدة الشاعر محمد علي الخضور بعنوان (الشاعر) منها المقتطف الآتي: ” وحيدٌ كما لو آدم دون ربه/ كثير كأن حواء مرّت بقربهِ/ تقيٌّ ومرآة الغوايات وجهه/ شقي وحبل الوحي من نسج قلبه/(…..) هو الساحر المجنون والعاقل الذي/ إذا لم يرقهُ الكون قام بشطبه/ وانشأ أبكار القصائد عالماً/ وأزلفَ جنات الجمال لشعبه……”.
نضال بشارة
تشرين أون لاين