كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كتب الدكتور بهجت سليمان: السعادة.. سلسلة الفكر الإستراتيجي "الحلقة 18"

{لغة "السّعادة" المفقودة.. و تجربة "النّقص" الباعث على "التّجربة" التّأمّليّة}

ليست الذّات الإنسانيّة هي ما نعرفه عنها، كلّ منّا على حدة، و ليس لها، كذلك، ما يجعلنا نعتقد بنموذج عموميّ يُفسّرها أو يُحيط بها وفق ما نرغب نحن أو وفق ما ترغب به، حتّى، العلوم.
و يبدو أنّ ما نعرفه عن الذّات هو ليس إلّا "البرّاني" فحسب (الثّقافيّ و الاجتماعيّ)، و هو القسم المُوحي بتماسك اعتقادنا عليها، بأنّها تلك الكتلة الدّاخلة في الذّاكرة الفرديّة أو الجمعيّة، فيما هي لا تشكّل فيها الذّاكرة، نفسها، أكثر من مخلّفات ذهنيّة يمكن أن تكون قابلة للإهمال في أيّة لحظة، نكون فيها مع طارئ يتطلّب منّا الوضع المناسب و الضّروريّ، و هذا مع أنّ الرّأي القائل بأنّ السّلوكَ يتّكئ على الذّاكرة العمليّة هو رأي محلّ نظر.

لهذا يعرف أغلبنا، إن لم يكن الجميع، تلك التّجربة المتكرّرة التي تقول "كان من المفروض أن أقوم بكذا" أو "حبّذا لو أنّني قلت كذا، إذاّ لكان أفضل!"..، إلخ؛ في الوقت الذي يكون فيه قد انقضى على أفعالنا أو مواقفنا الزّمن، لتصبح في عداد الماضي المُحال (المستحيل) على التّغيير.

نحن كثيراً ما نقع في اختلاطات "انطباعاتنا" عن الشّيء، بحقيقة الشّيء نفسه، فنصاب بالعمى الفلسفيّ في "فلسفة ذاتيّة" محدودة نمارسها، من دون وعي منّا، على أنّها "الحقيقة" نفسها التي هي للشّيء أو بالشّيء؛ فنكون قد قضينا في موتٍ مثاليّ، كضحايا أمثلة على "فلسفات" شهيرة كان أن قال بها، كمثالٍ على الأقلّ، كبير السّوفسطائيين (بروتاغوراس) الإغريقيّ، مبكّراً، في أنّ "الأشياء" لا تتقوّم لذاتها أو في ذاتها، و هي لا تقوم، بالأصل، إلّا بواسطتنا أو لأنّنا نحن نراها على ما هي عليه "بالفعل"، و حسب، و إنّ "الإنسان" هو مقياس كلّ شيء..

و واضح أنّ في هذا ضرباً من ضروب الغرور الإنسانيّ المفجع، الذي لا يرى في "القيمة" أيّ اعتبار "أخلاقيّ"، لينحدِرَ إلى درك الالتصاق البهيميّ الأعمى بالأشياء.

و نحن إذ أنّنا دخلنا، هنا، في مهرجان الفلسفة الإغريقيّة الخالدة، فمن الضّروريّ أن ننظر في معتقدات آخرين من فلاسفة "اليونان" القديمة حول "السّعادة".

يقول (سقراط) مخاطباَ (كارمايديس) في "كارمايديس":

".. فأنا أعتقد أنَ الحكمة أو الاعتدال هي خيرٌ عظيمٌ بحقّ؛ و أنّك لَ"سَعيدٌ"، يا كارمايديس، إذا امتلكتَها. افحص نفسَكَ لهذا السّبب و انظر إذا كانت لديك هذه الهبة و تستطيع أن تفعل [و قد كان (كارمايديس) قد طلب من سقراط وصفة لعلاج وجع الرّأس..] بدون التّعويذة، لأنّك إذا استطعتَ، فما عَلَيَّ إلّا نُصحُك في أن تعتبرني غبيّاً بكلّ بساطة لستُ بقادرٍ أن أعقِل أيَّ شيءٍ أبداً؛ و أؤكّد للباقين أنّكم إذا كنتم أكثرَ حكمة و اعتدالاً، فستكونون أكثرَ سعادةً".

[أفلاطون. المحاورات الكاملة. المجلّد الثّاني. محاورة كارمايديس. ص(469). نقلها إلى العربيّة : شوقي داوود تمراز. الأهليّة للنّشر و التّوزيع. بيروت – 1994م].

كان من "النّادر" أن يتحدّث (أفلاطون) عن "السّعادة"، في معرض نظامه الفلسفيّ العملاق، و الذي سخّره لِـ"العقليّات" الكلّيّة و "المُثُلِ" و "المقولات" الأخلاقيّة الحاكمة للمغزى الوجوديّ و ضرورات الامتثال؛
لولا أنّه، كما رأينا أعلاه، اعتبرها (السّعادة) شيئاً وليدَ "الحكمة" و "الاعتدال".

في العمق الأفلاطونيّ فإنّ الحكمة و الاعتدال يرتبطان بما نسمّيه "العدالة"، أيضاً، لتجتمع في ممارسات "عقلانيّة" (هنا، و أي مع أفلاطون، فإنّه من الأنسب أن نقول "عقليّة" خالصة..) تجسّد "السّعادة".

على أيّ حال فإنّ "السّعادة"، وَفق من يراها حالة ممكنة، ترتبط - في رأينا - بأوضاع إنسانيّة شديدَة التّعقيد.

إنّه من المحال أن يكون الأمر وارداً، حتّى عند هؤلاء ممّن يرون إمكانيّة "السّعادة"، من دون أن يتحصّل أو يتهيّأ للسّعادة، جملةٌ من أسباب "الاعتدال" و "الحكمة" الدّاخليّة و الخارجيّة، على اعتبارهم ربطوا ما بين تلك العناصر الموجبة للسّعادة..
و هذا وضع مركّبٌ يتعلّق بوسط إنسانيّ نموذجيّ يتألّف من"الجسَد" و "النّفس" و "الرّوح" و "العالم الخارجيّ"، في وقت واحد.

و إذ يستحقّ كلٌّ من تلك المتوالفات و المتآلفات بحثاً منفرداً، فيكفينا، هنا، الإشارة إلى ذلك من وجه أنّ "السّعادة" حالة مركّبة و معقّدة تجتمع لإنتاجها أو لنفيها (و ما بينهما) جملة من العوامل المتآزرة؛
على أنّنا لا نفهم، و لا نريد لأحد أن يفهم، أنّ الأمر على هذا اليُسر و السّهولة و البساطة و الوضوح من سطحيّة الحالة التي تجعل من الشّخص "سعيداً" أو العكس.

و في ما يُشبه "النّقيض" المُركّب (الهيغليّ)، أي الملازم و غير النّهائيّ و غير المضادّ, من ذلك ، فإنّنا لن نتحزّب، هنا، و الآن، على الأقلّ، إلى جانب من يعتقد بواقعيّة "السّعادة" أو استحالتها؛
على أن يكون لنا رأينا، كما في العادة، في آخر الحديث.

و أمّا عند (أرسطو) فـ"السّعادة" هي "الغرض الأسمى للإنسان"، و ذلك "بإجماع النّاس" و "على اختلاف الآراء في طبيعة السّعادة ذاتها".

[أرسطو. علم الأخلاق- إلى نيقوماخوس. نقله إلى العربيّة: أحمد لطفي السّيّد. الجزء الأوّل. الكتاب الأوّل. مطبعة دار الكتب المصريّة في القاهرة- 1924م- الجزء الأول. الكتاب الأول. الباب الثّاني –ص(175)].

و يقول: "فالطّبائع العامّة الغليظة إذن، ترى السّعادة في الّلذّة، و من أجل هذا هي لا تحبّ العيشة إلّا في ضروب الاستمتاع المادّيّ". و "إنّ أكثر النّاس على ما يُظهرهم على الحقيقة عبيدٌاً يختارون بمحض ذوقهم عيشة البهائم" ص(178).. [المرجع نفسه] .
و "على ضدّ ذلك العقولُ الممتازة النّشيطة حقّاً تضع السّعادة في المجد" ص(179).. و مع ذلك "فإنّ السّعادة مفهومة على هذا النّحو هي شيء أكثر سطحيّة و أقلّ متانة من تلك التي يُزمَع البحث عنها هنا" ص (179).. "فإنّ المجد و التّشاريف يظهر أنّها مِلكٌ لأولئك الذين يوزّعونها أكثر من أن تكون للّذي يتقبّلها" ص (179).. [المرجع نفسه].

و ربّما يُجمل (أرسطو) فيقول:

"السّعادة بالضّرورة هي فعل جميع الملكات مجتمعة أو على الأقلّ فعل واحدة منها، و أن تكون هذه الفاعليّة أرغب الخيرات لدى الإنسان، ما دام أنّه لا شيء يُضايق هذه الفاعلية أو يوقفها".

[المرجع نفسه. الجزء الثاني. الكتاب الرّابع. تحليل الفضائل].

في مفهوم "السّعادة"، كما يبدو لنا من خلال آراء من يعتقد بها، حبّذا لو قبلنا أنّها كلمة أو مصطلح وضعيّ (مفهوميّ) إنسانيّ، و هي، بذلك، مركّبة التّكوين و الدّلالة من حيث أنّ "المفهوم" نفسه قد خضع لجملة من التّراكيب النّفسيّة و الرّوحيّة و العقليّة..
فلا بأس إن وجدناه "مفهوماً" خلافيّاً بحمولات تجريبيّة و خبراتيّة و انطباعيّة؛ فلا نجد - مثلاً- اتّفاقاً عامّاً أو واحداً أو وحيداً على هذا "المفهوم" و ذلك حتّى ما بين المفكّرين أو الفلاسفة أو المثقّفين الذين يقولون بـ"السّعادة"، ناهيك عمّا هو متوزّع بين "الخاصّة" أو "العامّة" من الأفراد بين البشَر.
وَفقَ (إيريك فروم)(عالم النّفس و الفيلسوف الألمانيّ- الأميركيّ ذائع الصّيت) (1900- 1980م)، فإنّ "نظام أفلاطون هو النّظام الفلسفيّ الأوّل الذي ينطبق عليه إسم "المثاليّة".".

يوردُ (إيريك فروم) هذا القول في كتابه "مفهوم الإنسان عند (ماركس) [إريك فروم. مفهوم الإنسان عند ماركس. دار الحصاد للنّشر و التّوزيع ]، ليؤكّد أنّ (ماركس) كغيره من الفلاسفة الكبار (كأفلاطون، مثلاً) لا تحدّهم تلك النّظرة "الميكانيكيّة" بمفهوم "المادّيّة" و "المثاليّة"، عندما يكون الأمر متعلّقاً بقضيّة "الإنسان" و البحث في حاجاته الحقيقيّة التي تتجاوز أمور الطّعام و الشّراب..

و ثمّة إضافة أخرى هامّة، هنا، في نظرنا، إلى هذا "الرّبط" الذي قام به (إيريك فروم)، و هي أنّ (ماركس) بقي مجهولاً في كونه من عداد أصحاب النّظرة الإنسانيّة الأعمق إلى "الإنسان"، من حيث هو كائنٌ فوقَ "مادّيّ"..؛ و ذلك بسبب تأخّر ترجمة كتابه الأهمّ "فلسفيّاً" و هو (مخطوطات 1844م)، إلى الّلغات غير الألمانيّة؛ أو لأسباب "سياسيّة" أخرى، ما منع "الفكر الماركسيّ المبكّر" من أن ينظر إلى "الماركسيّة" كفلسفة "إنسانيّة"، اعتنت أوّل ما اعتنت, بالإنسان و "سعادته" في "مثاليّة" قد تضرّ فيها، سياسيّاً، كما كان يتصوّر أصحاب الفكر الماركسيّ- الأرثوذكسيّ- السّياسيّ..

غير أنّه معروفٌ موقف (ماركس) من "السّعادة" التي يُفضّل فيها الانضمام إلى مذهب "الّلذّة" أو "المتعة" دون الغوص فيها في كتاباته الّلاحقة بعد أن كانت "أطروحته" في التّخرّج الجامعيّ (1841م) حول فلسفة (أبيقور) الإغريقيّ صاحب فلسفة "الّلذّة" أو "فلسفة المتعة". و قد صرّح (ماركس) في غير مناسبة بأنّه من مُريدي (أبيقورر) في "فلسفة السّعادة".

يرى البعض في (أبيقورو) "الإغريقيّ" رائداً من روّاد "ديموقراطيّة الفلسفة" و "التّفلسف" لما كان له من أسلوبٍ في طرح أمور الفلسفة و مشكلاتها في حديقة منزله، والتي كانت تضمّ إليها مختلف الأجناس و الأعمار من النّاس، حتّى سمّي "فيلسوف الحديقة".
لقد "أنكر أبيقور على الإنسان حقّ الاشتغال بالعلم من أجل العلم، لأنّ العلم من أجل العلم لا يفيد شيئاً، إذا لم يكن تحته عمل أو إذا لم يكن مؤدّياً إلى السّعادة عن طريق العمل و التّطبيق".

و يقول (أبيقور):

"يكفي أن نشاهد سلوك الأنسان في كل أدوار حياته من ميلاده حتّى الموت، لنجد قطعاً أنّ الإنسان يرمي دائماً إلى تحصيل الّلذة و تجنّب الألم. فالأصل إذاً في كلّ أخلاق خبرة، أن تتّجه نحو تحصيل الّلذة و الابتعاد عن الألم".

"و لكنّ أبيقور لا ينظر إلى الّلذة بحسبانها الّلذة الحسّيّة الصِّرفة التي يجدها الإنسان في الإحساس المباشر (...) بل يُفاضل بين الّلذات بعضها و بعض، و بين الآلام بعضها و بعض، فيجعل بعض الآلام أفضل من بعض الّلذّات، لأنّ في احتمال هذه الالام ما يؤدّي إلى لذّة أكبر، و لأنّ في تجنّب هذه الّلذّات ما يؤدّي إلى تجنّب آلام أكبر (...) أي أنّ كلّ ألم يجب ألّا يُتجنّب لأنّه ألم في ذاته، كما أنّ كلّ لذّة يجب ألّا تُطلب لأنّها لذّة في ذاتها".

"فنحن - يقول- علينا أن نعاني بعض الآلام التي من شأنها أن تُفضي إلى لذّة درجتها أكبر من درجة الألم المنتج لها، إذا كان وراءها تحصيل هذه الّلذّة الكبرى".

و هكذا نجد أنّ الوضع مع (أبيقور) مختلف مع ما هو في مبدأ الّلذّة عند "القورينائيين" الذين كانوا يطلبون الّلذّة كائناً ما كان نوعها أو درجتها أو النّتائج المترتّبة عليها.

و يندرج موقف "الأبيقوريين"، الذين يُعتبرون امتداداً لـ"القورينائيين" في مبدأ "السّعادة" و "الّلذّة"، يندرج تحت بند "الأخلاق" الذي هو أحد أركان الفلسفة الأبيقوريّة، و لهم في ذلك منظومة خاصّة.

[انظر: الدّكتور عبد الرّحمن بدوي. موسوعة الفلسفة].

و على رغم أن "الّلذة هي حجر الأساس في فلسفة أبيقور"، إلّا أنّه يرى أنّ "السعادة هي في الّلذة الثابتة أو السالبة أي عندما لا تشعر بالألم أو بالقلق"؛
و انعدام القلق عنده هو "الأتاراسيا"؛ و أما انعدام الألم فهو "الأبونيا".

و بهذا نكون قد أسهمنا، هنا، في إزالة الغشاوة التي تسكنُ على أدمغة "المثقّفين" الذين يتحدّثون على "المتعة الأبيقوريّة" بوصفها "تهمة" اعتقادٍ لِـ(ماركس) و لِـ(أبيقور)، من دون أن يدرك أولئك أو يعرفوا أبعاد مفهوم "الّلذة" و خصوصيّته و ظروفه و حدوده و إطاره عند كلّ من (أبيقور) و (ماركس)؛
فيما يذهبون في "فضائلهم" الكاذبة- و طبعاً في العلَنِ و حسب!- مذاهب "رجال الدّين"، و ذلك حتّى حدود إسقاط نفاق العفّة على "الجسد الأخلاقيّ"(!) الذي لا يجد مرجعيّته إلّا في "الحيوان" نفسه..!؟

على العموم، فإنّنا نستطيع تبويب النّظرة إلى "السّعادة" تبويباً متعدّداً، أيضاً، فنجد من يربطها بالوضع أو بالممارسة أو بالهدف أو بالغاية أو بالطّموح أو بالوهم أو بالاندماج و الامتثال الاجتماعيّ أو بالعزلة التي هي على أنواع..؛ و نادراً ما تكون هذه "التّبويبات"، نفسها، متداخِلة أو متشارَكة عند الأفراد المختلفين.

تبدو السّعادة الوضعيّة الفرديّة في كثير من جوانبها، في التَحليل المباشر، متعلّقة بالمخيال الاجتماعيّ الذي يتكوّن من النّظرة العامّة للثّقافة الاجتماعيّة في ظروف محدّدة، التي تتشكّل من "مفاهيم" النّجاح و الجمال و الرّضى على النّفس و الجسد، في أوضاع محدّدة من الإمكانيّات المادّيّة و التّواصليّة و الوظيفيّة (طبعاً الوظيفيّة غير الموضوعيّة) و العاطفيّة و الجنسيّة؛

و قلّما- بالتّالي- ترتبط النّظرة إلى "السّعادة"، بناءً على المصفوفات المفاهيميّة الحسّيّة و الاستهلاكيّة، بدلالةٍ عقلانيّة و موضوعيّة يُحدّدها معيارٌ نقديّ أو نظرة غائيّة بمحمولات معرفيّة، كأن يكون ذلك من خلال فلسفة شاملة تتأسّس على الوظيفة الموضوعيّة للجسَد أو للعقل أو للنّفس أو للرّوح أو للعالم.

تساهم الثّقافة المعاصرة، و بخاصّة منها "المرئيّة"، بتشكيل أو بإعادة تشكيل مفهوم "السّعادة" الإنسانيّة، عن طريق ما تسلكه من التّفكيك "الإنسانيّ"، ما "بعد الحداثيّ"، للسّعادة، فتقدّم الكثير من أسباب الرّضى "النّمطيّ" المحدّد على "الجسد الموضعيّ" (مقاييس هيكليّة و شكليّة، الوزن و السُّمنة و النّحالة، أو مال و ثروة..، أو جاه و منصب..، إلخ)؛

حتّى أنّ مفهوم "السّعادة" يكاد يدخل، إن لم يكن قد دخل، فعلاً، في قائمة مشتملات الأنثروبولوجيا التّطوريّة التي تضمّ، بالإضافة إلى "الثّقافة"، الشّكل الهيكليّ و الصّفات الهرمونيّة إلى المقاييس الاجتماعيّة لـ"الجمال"، و التي تلعب دوراً "ثقافيّاً" أساسيّاً في النّظرة إلى "السّعادة".

تعتمد هذه النّظرة "المخياليّة" على الممارسة الفرديّة و على تكوينها المرتبط بالتّجربة الفرديّة المكوّنة من الممارسة "المفضّلة" عند البعض، إلى درجة تأخذ من الآليّة و الميكانيكيّة النّمط الجبريّ و القهريّ بحيث أنّ صاحبها لا يستطيع أن يتعرّف على "المتعة" المسبّبة للسّعادة إلّا من خلال هذا الظّرف القهريّ، الذي يشطّ إلى حدود "الوسواس" العُصابيّ الذي يستولي على صاحبه و يُحدّده و يؤطّره إلى أن يُلغيه.

و من هنا، فإنّ اختراق مصفوفات وعي البشَر هو أمرٌ يعني أن نخترق تلك الضّبابيّة التّكوينيّة التي تختنق بها جميع تصوّراتنا على الحياة.

إنّها ليست أفكارنا عن أنفسِنا، غير جزء من صنع جملة المفاهيم التي قمنا بالتّشبّث بها، و قد حاولتْ، هي، مراراً، الإفلات من هذه الوضعيّة التي تدور أحداثها، في مكان ما في "الشّخصيّة" الإنسانيّة التي قلّما تُفلح في الوضوح أو استيضاح الذّات و العالم.

و نحن لهذا، مثلاً، لا يُمكن لنا أن نفهم "مبدأ الإحباط: فهذا المبدأ لا يمكنه أن يكون إلّا موضع ممارسة"، وفقَ ما يذهب إليه (بول ريكور) في "في التّفسير – محاولة في فرويد".

[في التّفسير – محاولة في فرويد. بول ريكور. ترجمة وجيه أسعد. أطلس للنّشر و التّوزيع. الطّبعة الأولى – 2003م. ص(345)].

و ربّما يكون هذا "الإحباط" هو الشّعور الأكثر كثافة ذهنيّةً، ممّا يسلبنا ما نسمّيه "السّعادة"، ذلك أنّ "الحزن" ليس هو النّقيض المناسب، عند الملاحظة المعمّقة، لـ"السّعادة".

و يُدرك "العقل" جيّداً كيف يمكن أن تختلط مشاعرُ للحزن و السّعادة، معاً، و لكنّها لا يمكن أن تختلط مشاعر "الإحباط" مع "السّعادة"، أبداً.

و الأمر نفسه، ذلك الذي قلناه على "الإحباط"، ينطبق على "السّعادة" نفسها كمفهوم لا يوصف بسهولة - إن كان له أن يخضع لأيّ وصف - و أعني أنّه لا يمكن أن يكون واضحاً إلّا في مناسبة "الممارسة" و معايشة الآثار.

و من هنا، فإنّ مشاعر مثل "الفرح" و "المتعة" و "الّلذة" ليست هي "السّعادة"، في الحقيقة، و لو أنّ الكثيرين يقعون في هذا الخلط المشاعريّ، و هم، بالضّبط، أولئك الذين - على سبيل المثال- يستطيعون ممارسة "الفرح" بمناسبات "الطّعام" أو "الشّراب" أو ما يُقاس على هذا و ذاك.
و إذا كانت "السّعادة" ليست هي "الّلذة" أو "المتعة"، فإنّها، أيضاً ليست هي الانطباع عن "السّعادة".

في عالمنا، اليوم، و في مختلف المجتمعات و الشّعوب، و كلّ على حدة، تلعبُ "الثّقافات" المتباينة ما بين "الشّعوب" دوراً أساسيّاً في الأحاسيس و المشاعر الفرديّة التي تنمّط "مفهوماً" محدّداً عن السّعادة دون مفهوم آخر؛ و ذلك نظراً لدرجة الاتّصال العالية التي تعمل على تبادلات سريعة و مباشرة ما بين قناعات الجماعات و الأفراد.

و على أنّه تبقى "السّعادة" مفهوماً فرديّاً عند الأشخاص، إلّا أنّها تجد تعبيراً عليها، أيضاً، في "أنماط" من الحساسيّة "الجمالية" تكاد تكون مغلقة في التّحديد. و هذا طبيعيّ في شأن "النّمط" المفهوميّالذي يُشكّل وضعاً عامّاً للحساسيّة و التّذوّق و الانطباع.

و قد يجد البعض سعادته في "الرّاحة" أو "الرّفاهيّة" أو "الصّحة" و "العافية"، على رغم أنّ ثمّة عناصر "إيمانيّة" أو معتقدات "لاهوتيّة" قد تدخل في تكوين مثل هذه القناعات عند "الأفراد".

يُقال إنّه في "مقاييسَ سَبريّة" (إحصائيّة) وضعيّة محدِّدة لسعادات "الشّعوب"، على ما في تلك المقاييس من ارتجال و تعسّف، تبيّن أنّ الشّعوب مدقعة الفقر مثل الشّعب في (نيجيريا)، هي شعوب أكثر "سعادة" من "الشّعب" الأمريكيّ، على ما يتمتّع به "الأمريكان" من رفاهيّة على وجه العموم.

من المفهوم أنّ "السّعادة" كحالة عامّة ليست خاضعة للقياس؛ و قد تكون النّتائج القياسيّة منحرفة في "الخطأ" المعياريّ، نتيجة لخطأ "الرّوائز" القياسيّة المعتمدة لقياس "الظّاهرة"؛ إذ أنّ "السّعادة" ليست ظاهرة اجتماعيّة كالفقر و الغنى و الجهل و الأمّيّة و التّعلّم و التّحصيل، و إنّما هي ظاهرة ما تحت شخصيّة، و أعني بهذا أنّها ظاهرة محض فرديّة و ذاتيّة جدّاً.

و من الأخطاء "المتداولة" في "ثقافة" الانطباع و التّعبير، أن ينسب الشّخصُ التّعب أو الحزن أو الوجع خارج الأمراض "العضال"، إلى ما يجعله ينفي "السّعادة"، مع أنّه قد يُجافي، في ذلك، و هو يُجافي، حتماً، الكثير من قواعد المفاجآت الحياتيّة الأكثر تسبّباً بالحزن- على سبيل المثال- و يغامر مغامرة واسعة بعدم تواضعه أمام "الأقدار" الموجبة للأسوأ..!؟

هكذا يتبيّن أنّ "السّعادة"، على العموم، تتعلّق بتوفّر المناخات "النّفسيّة" البعيدة عن "القلق" أو "الإحباط"؛ مع أنّ من ينظر إلى العالم بعينٍ "وجوديّة" (مرتبطة بثقافة أو فلسفة وجوديّة)، لا يمكن له إلّا أن ينتقل في "الخطوات" من "عبثٍ" إلى "عبثٍ"، و من "إحباط" إلى "إحباط"، و من "قلق" إلى "آخَر"، بحيث أنّ "الحياة"، نفسها، تبدو، بالنّسبة إلى "هؤلاء" مجرّد تجربة في معمعة "انحطاط" دائم، على ما يُعبّر (نيتشِهْ).

هنالك تجربة أخرى من الحريّ أن نفحصها في هذا السّياق. إنّها تلك "السّعادة" التي تمنحها معانقة "القيم" و "الثيمات" (THEMS)(التّيمات) أو "الموضوعات" المشتقّة من "الكلّيّات" الخالصة؛ و ذلك كأن تشتقَّ- مثلاً- السّعادة من "الصّدق"، أو أن تشتقّ "الرّاحة" من "الإنجاز" المبنيّ على قيمة "الواجب"، أو أن تشتقَّ، كذلك، "الامتلاء" النّفسيّ من "الذّاكرة" الرّوحيّة، أو أن تشتقَّ، أيضاً، "مجداً" في المشاعر العمليّة من تجربة فريدة للذّات ماثلةً بالدّليل في تميّز "نوع" الذّات التي ألقيتْ في تجربة من القدريّة الفريدة، فألقي عليها أحمالاً طائلة تصلح لأن تكون أحمالاً للجبال..!

و في جميع هذه الحالات، الأمثلة السّابقة، من اشتقاق "التّيمات" من "الكلّيّات" التي قيلت كمقولات "مطلقة"..، فأنت تجد نفسَك أمام مغزًى فلسفيٍّ خالص، من الجدير أن يبتعث فيك "السّعادة" لمجرّد دخولك في "التّجربة" الفلسفيّة و الخروج منها، بنتائج سلوكيّة منفردةٍ أو خاصّة أو غير متكرّرة، أيضاً!
هذا و ربّما تكون "سعادتك" هي حاصل عدم اعتراف "الآخر" لك بإمكانيّتك، هذه، على تمثّل هذه "التّجربة" ذات "الخبرات" الفرديّة المستقلّة، ما يبعث فيك نشوة "الانمياز"..

يظهر من كلّ ما سبق أنّ "السّعادة" ليست هي ذلك الشّعور بالفرح أو بما يبعث على السّرور من المناسبات العابرة و التي لا تدوم إلّا عند الحمقى و المنتفخين و المغرورين و ضعيفي "الضّمير"! و بالمحصّلة "سعادة" بلا "أسرار" أو قيم أو طموح؛ و بمعنى آخر جموحٌنحو "المتعة" بلا قيم مرجعيّة؛
و هذا الأمر غالباً ما ينجم عنه هشاشة داخليّة، تشترك هي من جديد في إلغاء "السّعادة" عند أوّل شدّة امتحانيّة من شدائد اليوميّات، نفسها، من حيث هي متعة غير مجرّبة في "الأهوال" و غير مختبرة، و غير ذات ديمومة، مما ينتج عنه أيضاً الكثير من "تأثيم" و "توضيع" للذّات غير واقعيين، أيضاً، و دفع "الذّات" من جديد إلى "التّماهي" مع أوضاعٍ "أجنبيّة" عن النّفْس، أو بالانتساب بالذّات و حملها على"أوضاع" غير عقلانيّة أو غير اعتباريّة واقعيّة، و يعني داخلة في أمراض الوهم و الخيال.

في كلّ الأحوال فإنّ نسيان قيمة "رأس المال" الرّمزيّ (الشّخصيّ) الذي يتوزّع بين "الجميع"، تقريباً، و يمكن للجميع الاستثمار به و تنميته و لو بأفضليّات طفيفة و ليست فاصلة و لا منفصلة؛ و التّمرّغ بالسّطحيّة الاجتماعيّة بواسطة "المحاكاة" المصابة بالتّأقيت و الزّوال السّريعين و العبور و التّلاشي لغياب المقوّمات؛ هو ما يُعتبر عدوّاً لأيّة سعادة يمكن أن يختبرها المرء.

و في رأينا، فإنّ "السّعادة" مرتبطة، بشدّة، بالطّمأنينة، و لو أنّ "الطّمأنينة" وحدها لا تصنع "السّعادة"؛

و ربّما يكون من مكمّلات "الطّمأنينة"، ذلك الشّعور بالرّضا الشّرطيّ في ظروف محدّدة تعود لمجموعة من "المتعلَّقَات"، كأن تكون "الأسرة" أو "البيئة" أو "العمل" أو "دائرة" محدّدة..، و لا يعني هذا، أبداً، شرطاً اجتماعيّاً عامّاً.

و ترتبط، في رأينا، "السّعادة" بالمواقف الصّعبة و المكلفة التينستطيعها أو التي يمكن لنا أن نتّخذها في أوضاعٍ محدّدة و مسمّاة، بشرط أن نجد "العلاقة" أو نكتشف هذه "العلاقة" بين مواقفنا و بين ما يربطها إلى حظيرة "الحقّ". أحياناً ربّما نتأخّر في اكتشاف مثل تلك الرّوابط، و لا ضيرَ، بالتّالي، هنا، من "سعادات" مؤجّلة!
هذا و لا فرقَ، هنا، أن تكون "المواقف" سلبيّة أو إيجابيّة، بمعنى أن تكون بالتّخلّي أو التّجنّب أو بالممارسة و الالتزام.

إنّ من أخطر ما نراه عبئاً على "السّعادة"، إنّما هو تلك "العادة" الثّقافيّة الاجتماعيّة التي تُدخلنا، و لو من دون وعي أو قصد، في "المقارنات" و "القياسات" الخاسرة، أبداً، سواءٌ أكانت في "موضعها"(!) - كما يُقال- أم لم تكن.
نحن لا نرى مناسبة أو ترابطاً أو سبباً يجعل من العاقل الرّشيد أن يدخل أو أن يزجّ نفسه في أيّة مقارنة، و لو كانت مقارنة أخلاقيّة أو حتّى واجبة و ضروريّة، الّلهم إلّا تلك "المقارنات" الأخلاقيّة العالية التي تفرضها علينا سلالم "القيم" الثّابتة و الأكيدة على وجه التّحديد.

و كأيّ من "المفاهيم" التي تُلقى على "الإنسان" كأحجية مستمرّة، فإنّ "السّعادة" أمر يتعلّق، دائماً، بسيء متحرّك، و هو "السّلوك" الحيّ و المعاصر غير المنتهي أو النّاجز على التّمام و الكمال.

في وجودنا، نحن لا نختار أن نكون سعداء أو غير سعيدين.

نحن نُمارس حياتنا بصفة مركّبة من الاختيار و الفروض. و يبدو أن الكثير من "السّعادة" يكمن في تلك "المناسبات" التي تتيح لنا تجاوز "نقصنا" الوجوديّ في "مصادفاتٍ" مقصودة بالدّربة و الحنكة و التّجريب، و بواسطة انطباق "الجبر" على "الاختيار".

و واضح و بسيط أن نكتشف، بسرعة، أنّ ذلك هو أمرٌ مرتبطٌ، أيضاً، بمجموعة من الظّروف التي تلبّي لنا إمكانيّات "الاختيار"..؛ أو بالعكس تلك التي تمنحنا القدرة على قبول المعطى على أنّه أحد "الأقدار" التي خُصصنا بها دون غيرنا من الآخرين، على حين "اختُصّ" الآخرون بأقدارٍ أخرى..؛ و على أن لا ندخل- مرّة أخرى- في المقارانات و الأقيسة الفاسدة، بالتّأكيد.

و إذا كنّا قد جنّبنا، في رأينا، "السّعادة" من أن تكون ملحقة بالفرح الذي هو عابرٌ، حتماً، أو بالمتعة التي هي مؤقّتة، بالطّبيعة، أو بالسّرور الذي هو من مشتملات "الرّوح" أكثر ممّا هو من مشتملات "النّفس"..
فإنّنا، و تطبيقاً لأهمّيّة التّعليم في "الحكمة" و "الاعتدال"، نرى أن "السّعادة" فلسفة حقيقيّة لا يُدركها، أو لا يُدرك كُنهها، إلّا كلّ متأمّل، يستطيع تذليل كلّ ما يعترضه في "المحيط" و "العالم" و "النّفس" من "عوارض" و "أعراض" تعملُ، أبداً، على التّدخّل المستمرّ ضدّ مجرى ما يُحقّق خطوة واحدة، على الأكثر..، على طريق "النّقاء" التّأمّليّ الذي يكفل لنا، وحده، أن نستطيع بلوغ طعمَ تلك "الجوهرة" الكلّيّة، الخالدة، التي نسمّيها "السّعادة" في خطأ "مفهوميّ" أو في أخطاءٍ "مفهوميّة"، بينما نحن، ربّما، نعرف عنها، و ادّعاءً، أيضاً، الشّيءَ القليل...!؟

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود