كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: في "الجمال".. بوصفه الأبديّةَ المُحايثةَ في "الجميل".. سلسلة الفكر الإستراتيجي ح"19"

"والجمالُ" هو أحد أهمّ الشواغل الأرقى، الأخرى، التي تشغل "الإنسان" في أفعاله و ممارساته و أحكامه التي يستنطقُ فيها "الأناقة" و "الرّقيّ" و "المتعة" أو "الّلذّة" أو "الرّاحة" و "الطمأنينة" و "الأمان".

ففي أحضان "الجمال"، أو ما نشعر به أنّه "الجمال"، نحن نقترب من "ذواتنا" التي تهجع فينا بفعل عالم من "الأشياء" الضّاغطة و السّالبة للكينونة و الحرّيّات.

لا نرى بديلاً؛ في كلّ ما نفكّر به من "مقولات" و في غالبيّة ما نفكّره من "مفاهيم"؛ من أن نعود مباشرة، و تمهيداً، إلى مهد تلك "الفلسفة" التي انشغلت، كثيراً، بما يشغل "الإنسانيّة" في جميع العصور. من هنا نحن نقف بإعجاب و دهشةٍ و تواضع أمام فلاسفة "اليونان" العظماء.

و "الجمال"، وفق "المعلّم" (سقراط)، هو الذي يكون، الآن، جمالاً، و لقد كان في الماضي جمالاً، و سيكون كذلك في المستقبل!

و على أنّ هذا التّعريف للجمال ليسَ تعريفاً، و إنّما مقاربة لتعريف، فإن (سقراط) ينتهي مع (هيبياس) "السّوفسطائيّ" في "هيبياسالكبرى" إلى أنّه، و بعد أن أفشل جميع تهيّؤات (هيبياس) حول "الجمال" و لم يصلا - مع ذلك- إلى إنجاز أيّ تعريف للجمال..، هو معجبٌ بالمثل القائل: "كلّ جميل صعب"!

غير أنّ لِ(سقراط) تعليماً آخر عن "الجمال".

في "المائدة"(المأدبة)، يقول (سقراط) في معرض حديثه في "الحبّ":

"و مَن تعلّم و تهذّب في الحبّ (...) بتأمّله في هذه الأشياء الجميلة بالتّدريج و حسب ترتيبها الوجوديّ، فقد حصل الآن على غاية الحبّ و يرى فوراً و فجأة نوعاً من الجمال عجيباً في طبيعته، و هذا هو الجمال الذي لأجله تكبَّدتَ كلّ هذه المشاقّ. و هذا الجمال خالد"؛
فهل (سقراط) يرمي في قوله إلى أنّ "الجمال" هو غاية الحبّ؟
سنناقش هذا الأمر فيما بعد.

و لأنّنا نميّز، في اعتباراتنا، في "أسماء الفاعل" على أنّها وسطاءٌ للفكرة التي يؤدّونها على أوجه مختلفة و متعدّدة، فإنّ ما يحاول أن يؤدّيه "الفاعل" بإسمه، هو شيءٌ أعظم منه و أكبرُ و أصعب، إذ لطالما كانت الأفعال بأصحابها لا تستطيع أن تُنجز أو تؤدّي، بالمطلق، تلك الفكرة منها، على وجه التّمام أو الكمال.
و لا يحتاج الأمر إلى أمثلة، إذ أنّ هذه القضيّة هي قضيّة مطلقة بإحكام.

و لذلك نحن يمكننا أن نقول إنّ "الجمال" بعينه هو "الصّعب" و "الأصعب" و "المستصعبُ"، على الأقلّ..!

هذا هو قدرنا مع ذلك "الشّيء" الذي نسمّيه "الّلغة"، فلا هي تمنحنا فرصة الهروب من "الأشياء" أو تجاهلها، و لا هي تسمح لنا بالوصول إلى "الشّيء" بعينه، و ذلك على أيّ وجه أردنا أن نكون عليه.

إنّ أغرب ما طرأ، مع تاريخ "الثّقافة"، في رأينا، على "الجمال"، هو ذلك الانحراف الدّلاليّ للجمال من الكلّيّات إلى الجزئيّات، أي من "الأسماء" إلى "القضايا"؛

و المثال الأشهر على ذلك هو دخول "الجمال" في تسمياتٍ زائفة من مثل "علم الجمال"..، بينما يذهب من يتعلّل بذلك إلى "الفنّ" و "فلسفة الفنّ"؛

ذلك أنّ "الجمال" لا يُدركُ بمثل هذه "المحاولات" و لو أنّ أصحابها كانوا و ما زالوا صادقين فيما يبحثون عليه في "الفنّ".

على أنّه، و على اعتبار أنّ هذا الاتّجاه قد احتلّ "شرعيّته" في "الفلسفة النّقديّة"، فلا مانع من الوقوف، للفائدة، عند بعض هذه "الآراء".

تنقل (د. أميرة حلمي مطر) في كتابها "مدخل إلى علم الجمال و فلسفة الفنّ"، عن كبار في تاريخ الفلسفة هذا "الرّأي"، فتقول:

"علم الجمال أو الأستطيقا يُعنى بالنّظريّات الفلسفيّة التي تفسّر تطوّر و تبدّل النّظرة إلى علم الجمال، فالإنسان يحكم بالجمال على ما يُحبّه و يُعجبه سواء في الحياة أو في الطّبيعة".

[أميرة حلمي مطر. مدخل إلى علم الجمال و فلسفة الفنّ. دار التّنوير للطّباعة و النّشر. مصر – القاهرة. لبنان – بيروت. الطّبعة الأولى – 2013م].

و لكنّ الخلاف الواسع على علم من العلوم يَبتخس من مصداقيّته المبدئيّة، و يجعل منه شيئاً يبتعد عن "العلم" شيئاً فشيئاً حتّى يدخل في باب الانطباع و الرّأي و التّجربة الفرديّة و الخبرة الشّخصيّة أو الخاصّة.
لهذا، مثلاً، نحن أمام واقع حقيقيّ من "الاختلاف" و "الخلاف" في مرجعيّة و منطلقات علم مثل "علم الجمال".

تقول (د. مطر):

"و لقد اختلف النّقاد و الفلاسفة في تعريفهم لطبيعة القيم الجماليّة و مقاييسها كما اختلفوا في تفسيرهم للقيم الأخلاقيّة و مقاييسها"؛

و ذلك دون أن تنتبه- هي أو غيرها من أصحاب هذا الرّأي "المنهجيّ" - إلى مسألة أنّ هذا الواقع هو حالة طبيعيّة أمام أشياء مفارِقة، يُريد لها الوعي الإنسانيّ التّبجّحيّ أن تُحشَر في مُحالات التّصنيف؛
و هذا على رغم أنّها مثلاً تورد موقفاً فلسفيّاً خاصّاً لِ(كانط) يقول فيه: "إنّ الجمال لا يرجع إلى الأشياء و إنّما مصدره الذّات، و لكنّه مع ذلك ليس ذاتيّاً صرفاً و ليس مجرّد شعور سيكولوجيّ و لكنّ فيه صفات الكلّيّة و الضّرورة" [المرجع. ص 16].

على كلّ حال يمكن أن نعود في تاريخ "الجمال" حتّى إلى "الفيثاغوريين" الذين ذهبوا مذهب التّفسير الهندسيّ للجمال، فقد رأى (فيثاغوراس) الذي عاش في القرن السّادس قبل الميلاد أن النّظر العقليّ و المران بعلم الرّياضة أفضل الطّرق للسّموّ بالنّفس و تطهيرها من الأكدار؛ و من المفهوم كيف أنّ "الجمال" هو ما يجعل "النّفْسَ" أكثرَ سموّاً في الموضوعيّة المفروضة على المرء في قيود التّكوين.

و أمّا (أفلاطون) فقد كان شهيراً في أحكامه على الفنّانين الرّسّامين و المَثّاليين (النّحّاتين) و الشّعراء المأساويين و شعراء "المحاكاة"، بأنّهم لا يعقلون ما يقولون أو أنّهم يكتفون بجمال المظهر و لا يتعمّقون إلى بعث أو ابتعاث الجمال الباطنيّ، مع العلم أنّ (أفلاطون) كان أن عظّم شعر (بِنداروس) [من (طيبة) المنافسة لِ(أثينا)..!] و رأى فيه مثالاً لقيم الخير و الحقّ و "الجمال" و "القوّة" هذه (الأخيرة) التي رآها (بِنداروس) في (إسبارطة) و ليس في (أثينا).

و الهامّ، هنا، أن نقولَ إنّ (أفلاطون) قد رأى في "الجمالِ" شيئاً مفارقاً، أبداً.

لقد كان (سقراط)، أيضاً، قد أبدى مواقف متشدّدة إزاء "الفنّ" الذي يأخذ "الجمهور" مآخذ متفاوتة بين التّاثير عليه لأغراض محدّدة و بين الإيهام الذي يمارسه عليه بالوهم و الخداع؛
و هذا يبيّن، بوضوح، الفرق الجوهريّ في نظرة (سقراط) و (أفلاطون) إلى "الفنّ" و بين النّظرة إلى "الجمال" كما تقدّم معنا، أعلاه، من نظرتهم الخاصّة إلى "الجمال".

مع (أرسطو)، نحن ندخل مباشرة في "الفنّ" و تقويم "الفنّ" و نقد "الفنّ"، و ذلك سواءٌ أكان هذا "الفنّ" هو "التراجيديا" أم كان "الكوميديا" في "فنون" الشّعر.

و يشهد كتاب (أرسطو)، "فنّ الشّعر" على مَلَكَةٍ نقديّة و تقنيّة و احترافيّة عمليّة و تاريخيّة و تطبيقيّة عند (أرسطو)، مبتعداً، كثيراً، عمّا كان الأمر مع (أفلاطون) في رؤيته للفنّ و "الجمال"؛
فَ(أرسطو) معنيٌّ كثيراً بأثر "الفنّ" و ليس بقيمته الدّلاليّة المثاليّة أو العكس، الأمر الذي يجعله يعالج الفنّ معالجة "تقويميّة"، توصيفيّةأو وصفيّة (لغويّة و أسلوبيّة)، كيفيّة و كمّيّة، و نفسيّة و أخلاقيّة، تتّصلُ باتّجاهاته (اتّجاهات الفنّ) الواقعيّة و تأثيراته الاجتماعيّة و السّياسيّة و الثّقافيّة، بدلاً من أن ينشغل به من حيث قيمته "الجماليّة" القبْليّة (كما يفعل أفلاطون، مثلاً) و دلالاته "المفارِقة".

و للحقيقة التّاريخيّة التي تهمّنا، هنا، في نزاهة القراءة و النّقل، فإنّ (أرسطو) هو أوّل من أسّسَ لِ"علم الجمال" النّقديّ كما يصفه "الأدب الجماليّ"، اليوم، و الذي أبدينا عليه اعتراضاً أعلاه؛ و يبدو ذلك واضحاً، بسهولة، في "الجزء الرّابع" (الفصل الخامس و العشرين) من كتابه "فنّ الشّعر".

[أرسطو. فنّ الشّعر. ترجمة و تقديم و تعليق د. ابراهيم حمادة. مكتبة الأنجلو المصريّة. ص (215)].

مع (أفلوطين) [الذي تفصله عن (أرسطو) خمسة قرونٍ، تقريباً]نجد أنّ "الجمال" ينتمي إلى عالم "الحقائق العقليّة"، على عكس "القبح" الذي يدخل في عداد اتّجاه "المحسوسات" إلى "العالم الفاني". فَ"الجميل" عند (أفلوطين) هو ما تمّ "تصويره" بِ"الصّورة"، و "القبيح" ما هو قد خلا من "الصّورة العقليّة"؛ و "الصّورة"، كما هو واضح، تنتسب إلى "العالم العقليّ"، عند (أفلوطين).

و من البيّن أنّ (أفلوطين)، في "الجمال"، هو من أتباع (أفلاطون) و ليس من مُريدي (أرسطو).

كنّا قد نوّهنا، أعلاه، بأنّ (كانط)، في العصر الحديث، يرى أنّ "الجمال" لا يرجع إلى "الأشياء" و إنّما هو مصدره "الذّات"، و مع ذلك لإنّ له طليعة "كلّيّة".
و عند (كانط) فإنّ للطّبيعة "غاية" بحيث أنّ "ما هو محضُ ذاتيّ في تمثّل شيء، أي ما يُشكّل قوام علاقته بالذّات و ليس بالموضوع، هو طبيعته الجماليّة"؛

[انظر: إمانويل كانط. نقد مَلَكَة الحكم. ترجمة د. غانم هنا. المنظّمة العربيّة للتّرجمة. بيروت. الطّبعة الأولى – 2005م. ص (88)]؛

و "الغائيّة" عند (كانط) تسبق "المعرفة".

و أمّا "الحكم الجماليّ" عند (كانط) فهو حكم "الذّوق"، و حكم "الذّوق" ليس حكم معرفة بل حكم "جماليّ" [المرجع. ص (101- 102)].

و الجديد الهامّ عند (كانط)، في الخصوص، و الذي يجعله مجدّداً، هو ما يعتقده من أنّ "الحكم الجماليّ الذّاتيّ البحت على الشّيء أو على التّمثّل الذي يُعطى به، يسبق الّلذّة به، و هو أساس الّلذّة بما في مَلَكَات المعرفة من انسجام" [ص (119)]؛

و بهذا بالتّحديد يقطع (كانط) مع سابقيه، باستثناء (أرسطو)؛ فعنده ليست "الّلذّة" هي ما يؤسّس لِ"معرفة".. "الجمال". إنّ "الجمال"، إذاً، هو "معرفة"، أيضاً.
و على اعتبار أنّ "الذّاتيّ" هو ما يقوّم "الجميل" و يتمثّله، أيضاً، فإنّ (كانط) ينفي إمكانيّة "أن توجد قاعدة موضوعيّة يُعيّن بها الذّوق ما هو جميل استناداً إلى مفاهيم"

[المرجع. ص(136- 1379].

و لأنّ مثال "الجمال" (نموذج الجمال، بالأحرى) عند (كانط) يجب ألّا يكون "شيئاً غامضاً".. "فإنّ الإنسان هو وحده من بين الأشياء في الدّنيا، القادر على مَثَلٍ أعلى للجمال، كما أنّ الإنسانيّة في شخصه، بوصفه ذكاءً، قادرة هي وحدها على مَثَلٍ أعلى للكمال" [المرجع. ص(138- 139)].

و في المحصّلة، يُجمِلُ (كانط) في أنّ "الجمال هو شكلُ غائيّةِ موضوعٍ بِحسَبِ ما تمَّ إدراكُها فيهِ من دونِ تَمَثُّلِ غاية" [ص (142)].
غير أنّ (كانط)، في الحقيقة، يُكرّس، في النّهاية، المبدأ "النّقديّ" لِ"علم الجمال"، مقتفياً أثر (أرسطو) في ذلك.

يظهر (هيغل) بوصفه متّجهاً إلى (أرسطو) عبر (كانط). فهو يتجاوز تجريدات (كانط) الأخلاقيّة، إلى تجسيدات (أرسطو) التي تتوضّح فيها "الفكرة" (بأل التّعريف) أو - وفق مصطلحات (هيغل)- "تتعيّن" بها أو "تتجلّى" في "التّاريخ". و لا يختلف الحال و لو أنّ ما يتحدّث عليه (هيغل) هو "الجمال" الذي تعيّن في "ظاهريّات" الجميل.

في رأينا، أنّ (هيغل) يُبدي تهاوناً مبدئيّاً عندما يماهي بين "فلسفة الجمال" و "علم الجمال".

[فريد ريك هيغل. علم الجمال و فلسفة الفنّ- محاضرات عن الفنّ الجميل. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. مكتبة دار الحكمة – القاهرة. الطّبعة الأولى- 2010م – ص(25)].

و لا يكتفي (هيغل) بهذه "التّصرّفيّة" الكبيرة، و لكنّه يذهب بها أبعدَ حينما يعقدُ مبالغةً غير موفّقة فيرى أنّ "كلمة فلسفة الجمال إذا ما أخذناها على نحو حرفيّ، ليست كافية بالمرّة نظراً لأنّ كلمة (Aesthetics) تعني على نحو أدقّ علم الإحساس، علم الشّعور".

[المرجع. ص(25)].

يرتقي "جمال الفنّ"، عند (هيغل)، على "جمال الطّبيعة"؛ و أكثر من هذا، فهو لا يرى البتة أنّ "جمال الطّبيعة" يمكن أن يدخل في مشاغل "علم الجمال"؛ و يعلّل هذا الحكم بأنّ "الفنّ" أو "جمال الفنّ" صادرٌ عن "روح"، "و إنّ الرّوح و جماله الفنّيّ هو أسمى من الجمال الطّبيعيّ".
و يتابع (هيغل) من أجل عد الالتباس، فيقول: "غير أنّ ما هو أسمى، بشأن الرّوح و جماله الفنّيّ ليس مجرّد أمر نسبيّ بالمقارنة مع الطّبيعة. إنّ الأمر بالعكس، فإنّ الرّوح وحده هو الحقيقة، و هو يستوعب كلّ شيء في ذاته، حتّى أنّ كلّ شيءٍ جميل لا يكون جميلاً حقّاً إلّا بالمشاركة في هذا الجمال الأسمى و يتولّد منه. و بهذا المعنى فإنّ جمال الطبيعة لا يتبدّى إلّا كانعكاس للجمال الذي يمتّ إلى الرّوح، كحالة غير كاملة و غير تامّة للجمال".

[المرجع. ص(27)].

تقول (د. مطر):

"و لقد اختلف النّقاد و الفلاسفة في تعريفهم لطبيعة القيم الجماليّة و مقاييسها كما اختلفوا في تفسيرهم للقيم الأخلاقيّة و مقاييسها"؛

و ذلك دون أن تنتبه- هي أو غيرها من أصحاب هذا الرّأي "المنهجيّ" - إلى مسألة أنّ هذا الواقع هو حالة طبيعيّة أمام أشياء مفارِقة، يُريد لها الوعي الإنسانيّ التّبجّحيّ أن تُحشَر في مُحالات التّصنيف؛
و هذا على رغم أنّها مثلاً تورد موقفاً فلسفيّاً خاصّاً لِ(كانط) يقول فيه: "إنّ الجمال لا يرجع إلى الأشياء و إنّما مصدره الذّات، و لكنّه مع ذلك ليس ذاتيّاً صرفاً و ليس مجرّد شعور سيكولوجيّ و لكنّ فيه صفات الكلّيّة و الضّرورة" [المرجع. ص 16].

على كلّ حال يمكن أن نعود في تاريخ "الجمال" حتّى إلى "الفيثاغوريين" الذين ذهبوا مذهب التّفسير الهندسيّ للجمال، فقد رأى (فيثاغوراس) الذي عاش في القرن السّادس قبل الميلاد أن النّظر العقليّ و المران بعلم الرّياضة أفضل الطّرق للسّموّ بالنّفس و تطهيرها من الأكدار؛ و من المفهوم كيف أنّ "الجمال" هو ما يجعل "النّفْسَ" أكثرَ سموّاً في الموضوعيّة المفروضة على المرء في قيود التّكوين.

و أمّا (أفلاطون) فقد كان شهيراً في أحكامه على الفنّانين الرّسّامين و المَثّاليين (النّحّاتين) و الشّعراء المأساويين و شعراء "المحاكاة"، بأنّهم لا يعقلون ما يقولون أو أنّهم يكتفون بجمال المظهر و لا يتعمّقون إلى بعث أو ابتعاث الجمال الباطنيّ، مع العلم أنّ (أفلاطون) كان أن عظّم شعر (بِنداروس) [من (طيبة) المنافسة لِ(أثينا)..!] و رأى فيه مثالاً لقيم الخير و الحقّ و "الجمال" و "القوّة" هذه (الأخيرة) التي رآها (بِنداروس) في (إسبارطة) و ليس في (أثينا).

و الهامّ، هنا، أن نقولَ إنّ (أفلاطون) قد رأى في "الجمالِ" شيئاً مفارقاً، أبداً.

لقد كان (سقراط)، أيضاً، قد أبدى مواقف متشدّدة إزاء "الفنّ" الذي يأخذ "الجمهور" مآخذ متفاوتة بين التّاثير عليه لأغراض محدّدة و بين الإيهام الذي يمارسه عليه بالوهم و الخداع؛
و هذا يبيّن، بوضوح، الفرق الجوهريّ في نظرة (سقراط) و (أفلاطون) إلى "الفنّ" و بين النّظرة إلى "الجمال" كما تقدّم معنا، أعلاه، من نظرتهم الخاصّة إلى "الجمال".

مع (أرسطو)، نحن ندخل مباشرة في "الفنّ" و تقويم "الفنّ" و نقد "الفنّ"، و ذلك سواءٌ أكان هذا "الفنّ" هو "التراجيديا" أم كان "الكوميديا" في "فنون" الشّعر.

و يشهد كتاب (أرسطو)، "فنّ الشّعر" على مَلَكَةٍ نقديّة و تقنيّة و احترافيّة عمليّة و تاريخيّة و تطبيقيّة عند (أرسطو)، مبتعداً، كثيراً، عمّا كان الأمر مع (أفلاطون) في رؤيته للفنّ و "الجمال"؛
فَ(أرسطو) معنيٌّ كثيراً بأثر "الفنّ" و ليس بقيمته الدّلاليّة المثاليّة أو العكس، الأمر الذي يجعله يعالج الفنّ معالجة "تقويميّة"، توصيفيّة أو وصفيّة (لغويّة و أسلوبيّة)، كيفيّة و كمّيّة، و نفسيّة و أخلاقيّة، تتّصلُ باتّجاهاته (اتّجاهات الفنّ) الواقعيّة و تأثيراته الاجتماعيّة و السّياسيّة و الثّقافيّة، بدلاً من أن ينشغل به من حيث قيمته "الجماليّة" القبْليّة (كما يفعل أفلاطون، مثلاً) و دلالاته "المفارِقة".

و للحقيقة التّاريخيّة التي تهمّنا، هنا، في نزاهة القراءة و النّقل، فإنّ (أرسطو) هو أوّل من أسّسَ لِ"علم الجمال" النّقديّ كما يصفه "الأدب الجماليّ"، اليوم، و الذي أبدينا عليه اعتراضاً أعلاه؛ و يبدو ذلك واضحاً، بسهولة، في "الجزء الرّابع" (الفصل الخامس و العشرين) من كتابه "فنّ الشّعر".

 {أرسطو. فنّ الشّعر. ترجمة و تقديم و تعليق د. ابراهيم حمادة. مكتبة الأنجلو المصريّة. ص (215)].


و "الفنّ ذاته هو توسّط بين العقل و الإحساس، بين الهوى و الواجب، كوسيط تصالحيّ لهذه العناصر المتعارضة في فجاجتها الشّديدة و في تناقضها".

[المرجع. ص(29)].

إنّ "علم الجمال" عند (هيغل) هو "علم جمال الفنّ"، على الحصر، على أساس أنّ هذا "الفنّ" صادرٌ عن "الرّوح" المُشخّص أو "المُشخصن" (و عنده "المتعيّن") في الإنسان.
و عندما يتحدّث (هيغل) على "الرّوح" فهو يدلّ "بها" (أو "به"، بالأحرى) على "العقل" المطلق أو "الرّوح" المطلق من حيث "هو".. "الفكرة" التي تتعيّن، أخيراً، في "الفرد" الإنسانيّ المتميّز أو الشّخص "العظيم" الذي هو كلّما كان عظيماً، حقّاً، فإنّه "يحتوي"، بالمطلق، على ملخّص "تَعَيُّنِ العقل" في تاريخ مسيرة "فينومينولوجيا" الرّوح (العقل)، أو "ظاهريّات العقل الكلّيّ".
و واضح من استطراداتنا في الحديث أنّ (هيغل يساوي، في جميع فلسفته، بين "العقل" و "الرّوح".

و أمّا بالنّسبة إلى "الجمال" الذي يُسمّيه (هيغل) "الفنّ"، فإنّ "الحاجة الكلّيّة و المطلقة التي ينبع منها الفنّ (في جانبه الشّكليّ) أصلها كامنٌ في حقيقة أنّ الإنسان هو وعيٌ "مفكّر" (...)؛ إنّه يرى نفسَه، و يعرض نفسَه على نفسِه"؛
"إنّ الحاجة الكلّيّة للفنّ هي الاحتياج العقليّ للإنسان إلى أن يرفع العالم الباطنيّ و الخارجيّ إلى وعيه الرّوحيّ كموضوع فيه يتبيّن ثانية نفسه الخاصّة".

[المرجع. ص(67- 68- 69)].

كان (شوبنهور) (1788- 1860م) يرى أنّ "جوهر العالم" هو "قوّة عمياء" لا هدف لها و لا غاية هي "الإرادة". و بهذا اختلفت مثاليّة (شوبنهور) الميتافيزيقيّة عن جميع المثاليّات الميتافيزيقيّة التي سبقته.
و يرى البعض أن (شوبنهور)، في ذلك، قد ترك أثره الأكيد في فلسفات (نيتشه) و (برغسون) و (كروتشه)، بل وحتّى في (فرويد)، من جهة أنّ (شوبنهور) قد نظر إلى حقيقة العالم بأنّها في الصّراع بين "الدّوافع الّلاعقلانيّة"، و بين وظائف التّأمّل و المعرفة، في جوهر الوجود الفيزيائيّ و العضويّ و الإنسانيّ الذي هو "الإرادة" بوصفها محصّلة للقوى الواعية و للقوى غير الواعية في وقت واحد.

و عند (شوبنهور) يتعلّق الفنّ أو "الجمال" بالعبقريّة الإنسانيّة بما هي "ذات عارفة" تغلّبت فيها "قوى المعرفة" على "قوى الإرادة" و الرّغبات.
فالعبقريّة الفنيّة (أو الجماليّة) هي، وحدها، "حالة إنسانيّة" خالصة. و "الجمال"، على الحصر، عند (شوبنهور) هو "الشيء" الذي أصبح "موضوعاً" لتأمّلنا الفنّيّ في حالة "لا وعينا" الفرديّ بل في بوصفنا "ذوات عارفة".

من الطّبيعيّ أن يكون (شوبنهور) على هذه الدّرجة من التّعقيد في نظرته إلى "الجمال"، و ذلك كنتيجة - على الأقلّ- لفلسفته في "التّشاؤم". و "العالم"، عند (شوبنهور) هو "عالم تمثّليّ: و تلك حقيقة تصحّ على كلّ كائنٍ حيّ عارف، و إنْ يكن الإنسان، وحده، هو الذي يستطيع أن يكون لديه وعي فكريّ مجرّد بها".

[العالم، إرادة و تمثّلاً. شوبنهور. ترجمة د. فؤاد زكريّا. الهيئة المصريّة العامّة للكتاب. القاهرة - 1994م].

و لا يختلف الأمر كثيراً عند (نيتشه) (1844- 1900م) الذي كان يُحبّ أن يصف نفسه "فيلّلولوجيّاً"

[الفيلّلولوجيا هي فقه الّلغة] مفضّلاً هذا على كونه "فيلسوفاً" أو "مفكّراً".

نظر (نيتشه) إلى "الإرادة الكلّيّة" التي أخذها عن (شوبنهور)، على أنّها "إرادة القوّة". و أمّا "العبقريّة"، التي هي عنده "الأصل الفنّيّ" الكامن وراء جميع أشكال "الخلق الإنسانيّ"، و منها "الجمال"، فهي عائدة إلى ثنائيّة الطّبيعة الإنسانيّة في "الحلم" و "الغنائيّة".
و "الوجود"، عنده، هو بحدّ ذاته واقعة "أستيطيقيّة" (جماليّة)؛ و ما سائر الفنّ و العلم و الفلسفة سوى صوراً من الوهم يحتاجها الإنسان لتنظيم عالمه.

أمّا الإيطاليّ (كروتشه) (1866- 1956م)، فيربط مسائل "فلسفة الفنّ" بِ"مسائل التّاريخ" و يلخّص مذهبه "الجماليّ" في كتابه "المجمل في فلسفة الفنّ".

و عنده فإنّ "الفكر" هو الحقيقة الوحيدة، و إنّه ما من حقيقة غير الفكر، و إنّ "الحقيقة و الفكر شيء واحد". و "النّشاط الفنّيّ هو أوّل خطوات نشاط الفكر".
و الفنّ (الجمال) عن (كروتشه) هو، على الحصر، "رؤيا أو حدس".

[بندتو كروتشه. فلسفة الفنّ. ترجمة و تقديم سامي الدّروبي. المركز الثّقافي العربي. بيروت - الدّار البيضاء - الطّبعة الأولى - 2009م- ص(29)].

يقول (كروتشه):

"إنّ الفنّ إنّما يتحقّق بفضل التّمييز بين "الجميل" و "القبيح"، لأنّ الفنّان إنّما يصل إلى هذا التّعبير الفنّيّ بحذف القبح الذي يهدّد بإفساده. و هذا القبح هو أهواؤه الإنسانيّة التي تتمرّد على هواه الفنّيّ المحض".

[المرجع . ص(99- 100)].

طوّر (بليخانونف) و (لينين) أسس "الجمال الماركسيّ" المتوفّرة جوهريّاً في "المادّيّة الدّيالكتيكيّة" و "المادّيّة التّاريخيّة" و "نظريّة الشّيوعيّة العلميّة"، كأوّليّات فلسفيّة "مادّيّة" تقول بالارتباط الجدليّ بين الواقع الاجتماعيّ و التّاريخيّ، و بين "الجمال" الذي يُقدّمه "الفنّ" الإنسانيّ الواعي لضرورات رفض الهيمنة الطّبقيّة عبر التّاريخ في مختلف تشكيلاته الاقتصاديّة- الاجتماعيّة؛

و هكذا فالفنّ "انعكاسٌ جدليّ" (ديالكتيكيّ- أو مركّب) في الوعي المنعكس عن "الواقع" و "المادّة" و "التّاريخ". و هنا يكمن "الجمال" الحقيقيّ الذي هو أحد أهم الأسس الفنّيّة للإبداع الفنّيّ، كما هو الذي يتمكّن من "نمذجة" "الإنسانيّ" في التّاريخ و تعميمه على "الوعي" المعاصر.
و لهذا يرتبط "الجمال الماركسيّ" ارتباطاً وثيقاً بنهوض الوعي الإنسانيّ التّاريخيّ و تحالفه مع "التّقدّم" النّازع إلى مجتمع "شيوعيّ" خالٍ من "الطّبقات"، حيث يتحرّر، هنا، الإنسان من قيوده الطّبقية و السّياسيّة، بمختلف ما ترتّبه من ظلم الإنسان للإنسان، و يغدو كائناً حرّاً متفرّغاً للعلم و الإبداع و الجمال المرتبط بالحرّيّة البشريّة المنعتقة من العنف الطّبقيّ.

و لكي لا يقع القارئ في "التّبسيطيّة" التي أصيبت بها "الماركسيّة" على يد "الشّيوعيين"، فعلينا أن نؤكّد على أنّ (بليخانوف) قد قام، إثر (ماركس)، بالتّمييز بين "الحكم الجماليّ" و بين "هدف الفنّ النّفعيّ"، أو بعبارات (ماركس) بين "التّقويم الجماليّ" و بين "قصديّة الفنّ".

في أوائل القرن العشرين نشأت ما عرف فيما بعد بِ"مدرسةفرانكفورت النّقديّة" التي زاوج فلاسفتها، من أمثال (فيليكس غايل) و (ماكس هوركهايمر) و (تيودور أدورنو)، بين "الماركسيّة" و "المادّيّة التّاريخيّة"، من جهة، و بين "التّحليل النّفسيّ الفرويديّ" و "الأبحاث السّيكولوجيّة"، من جهة ثانية.
و كان أن تميّز من بين أعضائها (تيودور أدورنو) (1903- 1969م) ، كفيلسوف و "عالم جمال" معاصر، و قد ترك آراء "جماليّة" لا يمكن تجاهلها.

و "الأستيطيقا" (أو "علم الجمال"، أو "الجماليّة"..) "تفقد حرّيّتها حين تدّعي لذاتها وظيفة واقعيّة ذات تأثيرٍ في حلّ مشكلات الواقع بشكل مباشر، فالأستيطيقا تحاول عن طريق الأشكال الجماليّة أن تتجاوز واقع القمع، و تجسّد عالَماً حرّاً؛ و بالتّالي فإنّ مجال الأستيطيقا ليس معياراً لصحّة أيّ مبدأ في واقع ما، و هي كالتّخيّل لا واقعيّ في ماهيّته".

[علم الجمال لدى مدرسة فرانكفورت – أدورنو نموذجاً. د. رمضان بسطويسي محمد. مطبوعات نصوص 90 – القاهرة – 1993م. ص (28)].

"فالتّجربة الأساسيّة في مجال الأستيطيقا هي التّجربة الحسّيّة، ذلك لأنّ الإدراك الجماليّ هو في جوهره حدس و ليس تصوّراً (...) بمعنى أنّ الإدراك الجماليّ يحدث نتيجة للأثر الواقع على الحواسّ من قبل الموضوعات المعطاة، و لهذا فإنّ تصوّر موضوع ما في شكله الخالص، هو أمر "جميل" لأنّه من إنتاج التّخيّل (...) و خلال التّخيّل الجماليّ تصنع الحساسيّة المبادئ الصّحيحة بصورة كلّيّة لنظام موضوعيّ".

[المرجع. ص(30- 31)].

من الّلافت أنّ فيلسوفاً جماليّاً معاصراً هو (جورج سانتيانا)(1863- 1952م) يُفرد تعريفاً مستقلّاً لِ"الجمال" في سياق غمرة بحثه في "الإحساس بالجمال"، هذا و لو أنّه يقول بِ"علم الجمال" بينما هو في الحقيقة يسلك في "فلسفة الجمال".

يقول (سانتيانا) في "تعريف الجمال":

"الجمال هو قيمة إيجابيّة نابعة من طبيعة الشّيء خلعنا عليها وجوداً موضوعيّاً (...) أو هو لذّة نعتبرها صفة في الشّيء ذاته".

[جورج سانتيانا. الإحساس بالجمال- تخطيط لنظريّة في علم الجمال. ترجمة محمد مصطفى بدوي. مراجعة و تصدير: زكي نجيب محمود. تقديم رمضان بسطاويسي محمد. المركز القومي للتّرجمة –بإشراف: جابر عصفور. القاهرة – 2011م. ص(74)] .
على أنّه "لا ينبغي للّذّة الجماليّة أن تكون نتيجة للمنفعة التي يجلبها الموضوع أو الحدث".

[المرجع . ص(75)].

و من الجدير بالذّكر أنّ (سانتيانا) ينجو من ذلك الخلط الاعتباطيّ، كالّذي هو عند الكثيرين، ما بين "الحقّ" و "الخير"، من جهة، و بين "الجمال" من جهة أخرى.

لقد رأينا بوضوح، حتّى الآن، كيف تجري، عادة، عند الفلاسفة و النّقّاد، المماهاة بين "علوم النّقد الفنّيّة" و ما يُسمّونه "علم الجمال"، بالإضافة إلى ما يجري عليه "العرف" المتكوّن من بقايا ترسّبات أفكار و آراء و أوهام "العوامّ" عن بعض "الفلاسفة" أو "المتفلسفين" من إجراء المقارنات الدّائمة بين "الفنّ" و "الجمال" على اختلاف مصدريهما و أعني في "الدّالّ" و ليس في "المدلول"؛
فقد يتشابه أمر منطوق "المدلول" (المضمون) في كلّ من "الفنّ" و "الجمال"، و لكنّ المنطوقين متباينان، بالتّأكيد، في واقع "الدّالّ" كمصدرٍ أوّليّ لكلّ منهما.

في حواريّة "المأدبة" يُبدي لنا (سقراط) عكس جميع من رأى فيه أنّه يرى "الجمال" في "الخير" أو "الأخلاق"؛ هذا مع العلم أنّه لميتعرّض تعرّضاً منظّماً و هادفاً لمناظرة "الجمال"، بالقصد، إلاّ في "هيبياس الكبرى"، إضافة إلى "المأدبة"؛

و قد وقفنا على رؤيته تلك التي كانت بعيدةً أيضاً، كلّ البعد، عن أنّه يقرن "الجمال" بالخير و الأخلاق: هذه هي القراءة "العامّيّة" أو "الشّعبويّة" لأفكار (سقراط). إنّها القراءة المتداولة فيما بين "الهواة".

إنّ قولنا "جمال الفنّ" لا يعني، مطلقاً، أنّ كلا "الجمال" و "الفنّ" أمرٌ واحد كما قد درجت عليه أفكار أصحاب نظريّات "علم الجمال"؛
مع أنّه من الطّبيعيّ أن يكون "الفنّ"، في جانب من جوانبه أو أكثر، شيئاً يُساعد "النّفسَ" على تذوّق "الجمال"، أو أنّ "الفنّ"، نفسه، في أرقى صورة له إنّما يُحاكي، محاكاةً، بعضَ "الجمال".
و الجمال، في تعليمٍ عمليّ، هو عكس الالتصاق المجانيّ بالذّات.

يمكن القول إنّه التصاق مخلص بالذّات. و هو الامتثال الموضوعيّ الأوّل لتفاضل العدالة التكوينيّة بمصدر العدالة، و أعني بواسطة مصدر "العدالة".
إنّه اختراعٌ عجيبٌ حارت فيه و ما زالت تحار الكائنات.

إنّ تفاضل "العدالة" الذي هي "الجمال" بعينهِ (و هما يحتاجان إلى التّعريف، معاً) ليس هو سوى تلك "التّيمات" الجاذبة إلى "الحقّ" المطلق، بوصفه المبدأ المكانيّ المطلق الذي يطمح أن يسكن فيه وعينا، سكناً دائماً و أبديّاً، و يَقُرّ فيه.

و لقد قاربنا، في حديث سابق، كُنهَ "التّيمةِ" على أنّها شيء من قبيل ما يجمعه مع "الكلّيّات" قرابات في التّكوين أو تشابهات في "النّوع" - كتلك التي تنعقد بين ""الجواهر" و "الماهيّات" - و اختلافات في "الكمّيّات".

و "الحُبّ"، في "الفكرة"، هو "الصورة" التي تغرينا ، ليس بما هي موضع الجمال و الجميل و حسب؛ و لكنّها، بالإضافة إلى أنها هي هذه الأسباب الجوهرية للمتعة الخالصة و الطمأنينة الكونية، في عالم من الموجود - هنا - "و" لذاته، كما في عالم الموجود - هناك - لذاته،.. إنما هي ذلك الأمان اللغوي و الرمزي اللذان فقدناهما في فوضى التعابير و اختلاط الّلغات.

و لا يُنظرُ في "الجمال" بوصفه "تجربة جماليّة" كما يمكن أن يُفهم عند (كانط)، هذه التّجربة الصّادرة عن "كائن أخلاقيّ" هو الإنسان؛ و لكنّ "الجمال" علاقة بين مستويين أو أكثر من الوجود "الأونتولوجيّ" المنفتح على التّجربة الميتافيزيقيّة، أيضاً، تلك التي يحياها الإنسان على رغمه أو برغبته.

إنّ الإنسان مقرونٌ إلى "الجمال"، بالتّالي، حتّى و لو كانت خبرته الشّعوريّة في أدنى حالاتها بالتّحصيل الرّوحيّ أو بالتّحصيل الثّقافيّ أو بالتّحصيل المعرفيّ؛ ذلك أنّه لا يختار، بقرار، أن يحيى في حظيرة "الجميل". و هنا تبدو ضعف نظريّة (كانط) عندما يقرّر أنّ "التّجربة الجماليّة" التي هي ما ندعوه، مثلاً، بتذوّق "الجميل"، إنّما تنشأ (عند كانط) بين عالم "الإرادة الأخلاقيّة" و عالم "الطّبيعة".
من خلال استعراضنا، أعلاه، لاحظنا أنّ "الجمال" مثله مثل أيٍّ من "الكلّيّات"، إنّما هو شيءٌ مُختَلَفٌ، كثيراً، عليه.

لا نرى، نحن، في "الجمال"، علماً ممكناً و لو أنّه لا بدّ للجمال من "فلسفة" للجمال.

و هنا يبدو أنّ أمر التّفريق بين "العلم" و "الفلسفة" هو حالة ضروريّة كما هو عليه الأمر في واقع الحال. فالعلم ينشط بِ"التّحديد"على غير ما تتحرّك فيه "الفلسفة" في "المحدوديّة"؛ و إذا كان كلُّ محدّد محدودٌ فإنّه ليس كلُّ محدودٍ محدّداً.

المحدودُ يستغرق المحدّد و لكنّ المحدّد لا يستغرق المحدود.

و هذا يعني أنّ الفلسفة تستغرق العلمَ بواسطة مجالاتها الممكنة فيما لا يكون للعلم أن يستغرق الفلسفة بايّ مجال؛

و أعني بالعلم ما قد درجَ عليه في الشّؤون التّطبيقيّة و لا ينصرف، بالتّالي، قصدنا إلى "العلم" بألّ التّعريف و الذي يعلو في هذه الحالة إلى مصافّ "الكلّيّات" ليتطابق مع مطلق "المعرفة".

من المناسب، بالنّسبة إلى منطلقاتنا، نحن، أن نقوم بالتّفريق ما بين "الجمال" و "الجميل"؛ و إذ ذاك فلنا أن نعود إلى ما طرحناه، في البدايات، من جهة "الوسيط" الذي يتوسّط بين "الفكرة" و "الواقع"، و الذي هو "الفاعل" بالذّات، و أعني به ككائنٍ "مُكلَّف"، على وجه التّحديد.

إنّ مفهوم "الفاعل" هو أيضاً مفهوم إشكاليّ.

و لكن إذا قبلنا أنّ "الإنسان" كائن فاعل، فليس هذا أكثر من باب "الإضافة" إلى "جوهر فاعل" يقع خارج "الإنسان"، أو "الحَمْل" على أصل للفعل يتجاوز كثيراً مفهوم "العمل" و "الممارسة" و "الأداء"؛
و إذا أردنا أن نتوسّع، أكثرَ، فإنّ "الجميل" بما هو إسمٌ للفاعل يتجاوز مفهوم حدود االفعل "الإنسانيّ" إلى فعل "الأقنوم".

من هنا نرى اتّساع "الجمال" بما هي "الأقانيم" تُخبّر عنه (بالنّيابة عنه) و لا تحصره أو تحدّده أو تحدّه لانتفاء الإمكانيّات، و إنْ كان العكس هو الصّحيح؛
إنّنا نعني بالأقانيم هنا ما هو من قبيل "الأدوات" الفاعلة أو المفردات البسيطة (غير المركّبة) لِّلّغةِ "الوسيطة" التي يسلكها "الجمال" ليكون بين ظهرانينا "الجميل". "الجميل" هو "الوسيط" و "الجمال" هو "الفكرة" أو "الصّورة" الأولى للعدالة؛
و هذا يعني أنّ "الجميل" تركيبٌ لاحقٌ على "الجمال".

و ككلّ "الأشياء" التي تُدرَكُ ببهاءِ وسائطِها النّقيّة، فإنّ "الجمال"، في رأينا، هو "رؤية المعرفة"- عندما تُريد لنا، هي، أن نراها رؤيةً ببصيرةِ العقل- المليئة بألوانها "غير الموجيّة" و التي تدفع "النّفس" بتوجيهٍ غائيّ نحو "الرّوح" في "الجَسَدِ"، فإذا "الكينونة" البشريّة في حالة من حالات الامتلاء العناصريّ، هذا "الامتلاء" الذي يُختَبَرُ بفَرَادته و نَدرته و تأقيته بواسطة الشّعور المجرّد النّظيف من كدر الأحاسيس. إنّه ليسَ حدسَاً لأنّ "الحدسَ" تجربة شعوريّة مألوفة و متاحة للرّوح، وحسب؛ و ليس هكذا "الجمال" الذي هو انصلابة صمديّة للعقل، وجهاً لوجهٍ، مع "السّكون" المطلقِ ال"مَا قبلَ الحركات".

و لا شيءَ يمنع هنا أن نقول، بلغة أخرى، إنّ "الجمال" هو استباقٌ لبلوغ "الأبديّة" البسيطة في "الحاضر" الكثيف، بواسطة وسيلة لتصفيةِ (فلترة) الوجود المركّب بواسطة "البسيط" الذي قلنا عليه "الأقنوم" أو "الجميل".
فَ"بريقُ" الجمالِ فينا، إذاً، هو "ابتسارٌ" للأبديّة بواسطة "الجميل"؛

و من النّافل، إذاً، أن نقول إنّ "الجميل"، بما هو ذلك الذي أسميناه "الأقنوم" البسيط، إنّما هو كلّ شيءٍ "بهيٍّ" يأخذنا مأخذ "العلوّ" أو "السّموّ" في معزلٍ عن "الحدوس" و "الأحاسيس"؛
فالأقنوم، بِطبعِهِ، "متعالٍ" و هو ليسَ "طريقاً" إلى "الجمال"، كما يُمكن أن يُهيَّأ للبعضِ، و إنّما هو "اتّصالٌ" أو "وسيلة اتّصالٍ" (مناسبة اتّصالٍ) ضوئيّة السّرعة، أو تزيد، بِ"الحضرة الأبديّة" و التي أعني بها "الخلود".

صعبة هي الّلغة التي تؤدّي فُروضَ "الجميل" و "الجمال"؛

و لهذا، فإنّنا نرى أنّ خير مَن قال "الجمالَ" إنّما كان (سقراط)، و ذلك من وجهين: فالجمالُ، أوّلاً، هو "صعوبة" من حيث أنّ "كلّ جميل صعب"؛ و ثانياً، من حيث أنّ ما كان جميلاً، في "الجَمال"، إنّما هو الآنَ جميلٌ، و لقد كان جميلاً، و سيكون..!
و هذا و ذاك، في رأينا، ما هو لا يُقالُ إلّا على "الأبديّة" بوصفها شوقاً للوجود، شوقاً يحكم الوجود، و ذلك بمختلف "ترجماتها" (الأبديّة) أو "مرادفاتها" حسَبَ الأذواق و الإدراكات المختلفة في تباينات الفهوم.

و لقد كان لنا سؤالٌ (أو تساؤل، بالأحرى) في بدايات هذا الحديث، بمناسبة استعراض "الجمال" عند (سقراط)؛ و هو هل أنّ (سقراط) يرمي إلى أنّ "الجمال" هو غاية الحبّ؟

و لعلّنا، الآنَ، أصبح بإمكاننا "التّنبّؤ"، أكثرَ، على (سقراط) في ذلك، لنقول إنّ للحُبّ عناوينَ قد تتعدّد في الأهداف و "الغاية"، و لكنّ "الحبّ" لا يمكن أن يكون في غربةٍ عن تطلّعه إلى "الخلود" في معرض التأقيت الوجوديّ، بما هو "الجمال" خلود أو حضْرةٌ من حضْراتِ الخلود.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود