كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: النّفس والرّوح و العقل.. و سيمفونيّة التّكوين التي لا يُخْرِسُها ظَلامُ هذا العالم!

[سلسلة الفكر الإستراتيجي.. الحلقة العشرون "20"]

{النّفس، الرّوح، و العقل...}

(و سيمفونيّة التّكوين التي لا يُخْرِسُها ظَلامُ هذا العالم!)

* د. بهجت سليمان

في حوالي عام (600ق.م) كان أن طرح العالَمُ أسئلته بغزارة على الفلسفة، و كانت "الفلسفة" اليونانيّة لا تتردّد بعنايتها بكلّ ما ظهر أنّه يشغل بال الإنسان، فظهرت مخلصة لمشاكل "الوجود" و إشكاليّاته الفكريّة، و حافلة بأسئلته الجريئة، و هكذا لم تكن أقلّ جرأة من جرأة الأسئلة الكبرى التي بدأت تطرح ذاتها على الإنسان..

هذا و قد شرعت "الفلسفة"، في تاريخها المعروف، بقبول ذلك "التّحدّي" الكونيّ منذ ذاك فصاعداً إلى يومنا هذا، و هي ستبقى كذلك إلى يوم غير معلوم..!

و لقد كانت مشاغل "الفلسفة"، على الدّوام، قديماً و حديثاً، لا تنفصل عن "المعنى" المبثوث سرّاً في "العالَم" و الذي انفضّ "مُبهماً" في الأشياء، فكان لا بدّ من انشغالها باكتشافه أو "ملاحظته"، و محاولتها اكتناهه في الطّبيعة كما في الإنسان، و في الأرض كما في السّماء..

هكذا بدت "الظّواهر" جميعها ذات مغزى غامض و عميق و بعيد، في نظر "الإنسان" هذا الكائن الذي هو سيّد ظواهر الإثارة و الدّهشة و الغموض.

إنّ معاصرة الإنسان للحركة التي تستولي على كيانه الدّاخليّ جعلته متأمّلاً بطريقة عيش أوضاعه و حالاته، فترجمها، بالكلمات، بواسطة عبارات و تعبيرات و مصطلحات و مفاهيم اتّفاقيّة أو وضعيّة، كان لها "معنى" ما، بوضوح و صفاء رؤية، أو العكس؛

على أنّه ما من شيءٍ يمنع تلك المحاصيل أن تكون مظاهر و ظواهر باطنيّة أو حقائق، أو أوهام، تمثّل و تعبّر عن التّناقضات التي يتأرجح الإنسان في صداماتها أو مواجهاتها و تناقضاتها، عابراً أو متردّداً، في دواخله، بين الوضوح و الغموض و القلق و الاسترخاء، و بين الأبواب و النّوافذ و الجدران الكتيمة و شفافيّات المشاعر و سماكات المعتقدات و الأوضاع و القناعات و كثير من الأفكار؛

و الإنسان في جميع ما تقدّم، يشعر - و يحيى كذلك- أنّه في اندماج عجيب درجت الإنسانيّة على تسمّيه "ذاتاً" أو شخصيّة أو فرديّة و استقلاليّة.

طبعاً لا ننسى، أبداً، عند أيّة لحظة من التّفكّر، أنّ في كلّ منّا جملة من العوالم الفيزيائيّة و الكيميائيّة و العضويّة، و البيولوجيّة المعقّدة، و الفيزيولوجيّة و العصبيّة و "السّيكولوجيّة" و الباطنيّة، و من الوعي و الّلا وعي..، إلخ؛ و كلّ ذلك في "اندماج" و "انسجام" هما ما يجعلان كلّ واحد فينا وَحدة من "الأشياء" التي، و إن تشابهت عندنا، جميعها، تجعل كلّاً منّا استقلاليّة و انفراداً موصوفَين.

لقد كانت هذه الظّاهرة المعقّدة التي نسمّيها "الإنسان"، على الدّوام، أحد محالّ الأفكار و التفكير و الاهتمام و العناية و البحث، قديماً و حديثاً - و ستبقى أيضاً- كما كانت من أهمّ مشاغل الفلسفات، على اختلافها..

و كانت - إذ ذاك- محلّاً للمعتقدات الدّينيّة و للنّظريّات الدّنيويّة، على استقلالٍ أو على مشاركةٍ، لعلّ اتّجاهاً واحداً، أو أكثر، يذهب نحو تجاوز جميع تعقيداتها في "حلّ" لها، أو في "حلولٍ" تضمن لها صفاء الاكتشاف و الاعتقاد، أو لعلّ أيّاً من الاتّجاهات في ذلك يُخفق فلا يتعدّى وصف آليّاته العمياء..؛ فإذا بها (الظّاهرة- الإنسان)، يوماً بعد يومٍ، في عوالم جديدة من المفاجآت و المجاهيل التي تزداد، أبداً، باستمرار.

يعرف الناس أنّ الخرافات و الأساطير و التّأمّلات و الفلسفات و العقائد و الأديان و من بعدها المعارف و العلوم و الثّقافات، و كذلك الأيديولوجيّات؛ جميعها؛ قد اشتركت و تنافست في سيرة البحث عن لغز "الإنسان":

من هو هذا الكائن؟ ما هو هذا الكائن؟ و هل هو قابل للشّرح و المعرفة و الاكتشاف، أم أنّه سيبقى، على الدّوام، لغزاً مكنوناً في أسراره؛ أم أنّه - و هذا ما هو معتبر كثيراً، أيضاً - لا يُساوي هذا "الكائن" كلّ هذه الضّجة التي تثار حوله، و تلك الأسئلة التي يضعها من أجله الجميع، و تتكبّدها لأجله المحاولات..؟!

كيف يحيى هذا الكائنُ، و كيف يموت؟ هل يعني الموت فناءه و زواله، أم أنّ شيئاً فيه سيبقى سرّاً خالداً و لا يزول؟

هنا، و على هذه الأسئلة و غيرها ممّا يتّصل بهذه "العجيبة"، تنقسم المواقف و القناعات تبعاً للمعتقدات الفلسفيّة أو الدّينيّة، و تتعدّد الآراء بهذا الخصوص، و لكنّها، جميعاً، تُبدي - و هذا يظهر مع الزّمن، أكثر فأكثر - أنّها معنيّة بالانشغال بالإنسان، على رغمها، و ذلك لأنّ هذا "الكائن" المثير للدّهَشِ هو مَن يجعل للسّؤال قيمة و هو نفسه - في ظاهر الأمر، على الأقلّ- من يؤلّف السّؤال..!

كان الأمر المطروح، باستمرار، على المعرفة العلميّة و الفكر الفلسفيّ، في أقلّه، بخصوص "الإنسان"، معقّداً، في الحقيقة، بحيث أنّه لا يستوي في أقلّ من التّأمّل "العِلّيّ" بهذا الإنسان، و بمعطيات الحضارة الإنسانيّة التّاريخيّة، بما فيها نظرتها إلى الإنسان، هذه النّظرة التي بدا عليها، مع الزّمن، شيئاً فشيئاً، أنّها يشوبها الكثير من الجهل - في سلبها و في إيجابها- أو من الاحتقار الظّاهر في الممارسات العفويّة و المستهترة أو العدوانيّة المتبادلة أو المنفردة، و المغلّف بالغرور المبنيّ على جهلٍ، أيضاً، بالطّبيعة الإنسانيّة و عناصر تكوين هذه "الظاهرة" التي تسمّى "الإنسان".

إنّه ليس عبثاً إذاً، أن بدأ الفكر الإنسانيّ و العلوم المختلفة، مبكّراً، يتحرّى هذه المعجزة الخَلْقيّة (الإنسان) التي فيها من الألوهة و الخلود ما فيها من الزّوال و الفناء؛
و كان أصحاب "الفلسفة" الأولى، في إيماناتهم و معتقداتهم الخاصّة، كما قلنا، من جملة المبكّرين المحاولين المدفوعين إلى مغامرة الاكتشاف التي ستتكرّر إلى ما لانهاية فيما هي تغوص في التّقديرات و الحقائق و المجاهيل؛ و كانت مقولات مثل "النّفس" و "الرّوح"، ثمّ تالياً "العقل"، هي التي جَسَرَتْ تلك الهوّة المفزعة الموجودة بين الفناء و الخلود.

و إلى زمن متأخّر فإنّ "الفلسفات" لم تفرّق، بالعموم، ما بين "النّفس" و "الرّوح"؛ حتّى أن (هيغل)، نفسه، لم يكن قد رأى فرقاً بين "العقل" و "الرّوح" فَمَاهَى بينهما؛ فيما لم يرَ البعض الآخر أيّ معنى للرّوح، بينما ذهب آخر، كبير، إلى عدم التّمييز بين "الدّماغ" و "العقل".

و سوف نستعرض، أوّلاً، بعض ذلك، بما يتّصل بالرّوح و النّفس و العقل، في رؤية خاصّة لننتهي إلى نتيجة مغايرة لعلّها تكتسب "مفهوميّتها" الّلاحقة بالتّنظير، ذلك لأنّه لا يمكن للحديث أن يأخذ بعداً ذا دلالة، إنْ هو تعلّق بواحدة من هذه المقولات الثّلاث بمفردها، دون أن يلتفت إلى غيرها في وقت واحد، تبعاً لتداخل هذه "العوالم" التّكوينيّة الثلاثة، أو لتداخل بعضها..، و ذلك سواءٌ عند أصحاب الرّأي الواحد، أو المتشابه، أو عند أصحاب الآراء المختلفة و الخلافيّة في الموقف و الاعتقاد و الإيمان و التّفكير؛

لننظر، من ثمّ، بإسهام بسيط، في محيط هذه العوالم البعيدة أو في القرب منها، وفق ما سيسمح لنا التّقييض.

كان "الفيثاغورسيّون" (و ربّما في إطار العقيدة "الأورفيّة"، في مرحلتها "التّطهّريّة"، المنتشرة آنذاك في بلاد اليونان) من الأوائل، في تاريخ الفكر و الفلسفة و العلم و الكتابة..، الذين أوْلوا "الإنسان" شأناً عميقاً في النّظر و التّحليل، فقالوا بالتّمييز بين "النّفس" و "الجسد".

وجد "الفيثاغورسيّون" أنّ "النّفس" هي الباعثة على تناسق "الجسد"، و أمّا "التّناسق" (و التّناغم) فهو المبدأ الذي يقوم عليه العالم.

و "النّفس"، عندهم، متمايزة تمايزاً كلّيّاً و نهائيّاً عن "الجسد"، و هم مِنْ أوّلِ مَنْ عُرف عنهم أنّهم قالوا بخلود "النّفس"، قبل سواهم من "الفلاسفة" أو أصحاب الاعتقاد.
انشغلت الفلسفة الإغريقيّة، بعدئذٍ، بالوحدة و التّعدّد و الثّبات و التّغيّر و الجدل و البلاغة و الخطابة و ما يتّصل بذلك من مظاهر و تيّارات تفصيليّة، بما عرف من آثار شهيرة عن (هيروقليطس) و (بارمينيدس) و "الإيليين" و (بروتاغوراس) و "السّوفسطائيين" و (ديموقريطس) و آخرين..
فلم يُعرف أنّ الفلسفة انشغلت بالحدود بين الرّوح و النّفس و االعقل، إلى أن سمع (سقراط) عن مؤلَّفٍ كتبه (أنكساغوراس)، كان أن ظهر حديثاً يبحث في "الطّبيعة" و "العقل"، الذي هو "شيءٌ" أعظم، يحكم كلّ ما عداه من أشياء أخرى.

و بعد التّدقيق، لم يجد (سقراط) أنّ ما قدّمه (أنكساغوراس) من تفسير للكون، كان "تفسيراَ مقنعاً"..!

آنذاك كان معروفاً عن (سقراط) أنّه مدفوع إلى سلوك البحث و التّدقيق بما قيل عليه إنّه "وحيٌ من الآلهة".

ليسَ (سقراط) من قال ذلك و إنّما كان ذلك جواب الإله (أبولون) في معبد (دِلْف)على سؤال أحد أصدقاء (سقراط)، بأنّه لم يكن في زمانه، هناك، أحد أكثر حكمة من (سقراط)..!

رأى (سقراط) تلك "القيمة" العظيمة التي لا تُثمّن لِ"النّفس" البشريّة، و قد أفصح، أخيراً، قبيل تناوله كأس سمّ "الشّوكران"، عن نظرته إلى ذلك في خلود "الرّوح" بعد الموت، في تعاليمه الأخيرة في "محاورة فيدون" لِـ(أفلاطون)، التي اعتبرها "النّقاد" أولى محاورات "العصر الأفلاطوني" الكبير بعد أن تجاوز (أفلاطون) "العصر الأفلاطوني- السّقراطي" فيما سبق ذلك من "المحاورات".

في "فيدون" يعرض (أفلاطون) نظريّته في "خلود الرّوح"، عن طريق قيام (سقراط) بالتّفلسف على الحياة و الموت و انفصال الرّوح و الجسد، فيؤكّد أنّ "الفيلسوف"، وحده، هو الذي يستطيع، و بواسطة "العقل"، فقط، أن يعرف الوجود الحقيقيّ للأشياء.

"فالرّوح ذاتها غير مرئيّة تغادر إلى العالم الّلامنظور، إلى الإلهيّ و الخالد و العاقل". [فيدون].

و حيث أنّنا نرى أنّ كلام الأقدمين كان يُساوي بين "النّفس" و "الرّوح"، فإنّه من الثّابت أنّ (أفلاطون) في "فيدون" تحدّث على "الرّوح" حصراً و التي يمكن أن نشبّهها بتلك التي يُحدّثنا عليها "القرآن الكريم" و يفرّقها عن "النّفس" التي يخصّها بكلام مختلف كما سنبيّن في حينه؛ مع أنّ بعض "المترجمين" و بعض "أصحاب الرّأي".. يستخدمون في حالة (أفلاطون) هذه مصطلح "النّفس" فيقولون إنّ (سقراط) إنّما كان يُحدّث محاوريه في "خلود النّفس" و ليس في "خلود الرّوح"، حسبما توجّهنا أعلاه بالتّفريق بين "النّفس" و "الرّوح"..
و ما يؤكّد حديثنا هذا هو أنّ (أفلاطون) يرسم لوحة بديعةً لِـ"التّقمّص" في الأجساد التّالية، بمختلف تلك الأيلولات و التّحوّلات الإنسانيّة و الحيوانيّة بالنّسبة إلى أرواح البعض دون أرواح البعض الآخر من البشر السّابقين و التي ستُصبح برفقة الآلهة غير المرئيين.

[راجع: فيدون. أفلاطون. المحاورات الكاملة. المجلّد الثالث. نقلها إلى العربيّة شوقي داود تمراز. الأهليّة للنّشر و التّوزيع. بيروت - 1994م].

و لكنّ البحث في "الحقيقة" يمنعنا من تقليد العماءات التي أورثتنا إيّاها الثّقافات المختلفة التي تمارس "فضيلتها" القصوى في "الاستسهال"، فنكتفي بذلك القدر في الحديث على (أفلاطون). لقد كان ذلك "النّبيّ" أعظم شأواً من كثيرٍ ممّا اعترفت له به ثقافة عالمه المعاصر و ثقافات التّاريخ التّالية له حتّى اليوم.

(أفلاطون)، على حدّ علمنا، هو أوّل من أعطى "الكائن" البشريّ أبعاده الثّلاثيّة في التّكوين، فقال - علاوة على ما قاله في "الرّوح" -أيضاً، بِـ"النّفس" و "العقل" على حدّ سواء.
في "الكتاب الرّابع" من "الجمهوريّة"، و في حديثه على "الدّولة"، يقارن (أفلاطون)، موازياً و مكافئاً، "المبدأ الّلاعقلانيّ" في "الرّوح" الإنسانيّة مع ذلك "المبدأ الّلاعقلانيّ" الذي في "الدّولة"، و يسمّي ذلك "المبدأ" بالمبدأ "الشّهوانيّ" و الذي يُسمّيه، أيضاً، "النّفس"؛

و "هذا العنصر الثالث و الذي هو الشّهوة أو النّفس التي إذا لم تفسد بالتّعليم السّيء، ستكون المساعدة الطّبيعيّة للعقل".

[ص (212- 213) من "الكتاب الرّابع". جمهوريّة أفلاطون. ترجمة شوقي داود تمراز. الأهليّة للنّشر و التّوزيع].
و يتابع (أفلاطون):

"سقراط: و هكذا وصلنا إلى شط الأمان، بعد الكثير من الدّفع، و نحن متّفقون أنّ المبادئ عينها الموجودة في الدّولة توجد في الفرد، أيضاً، و أنّها ثلاثة في العدد.

"كلوكون: بالضّبط". [ص (213)].

و الأمر مختلف عن (أرسطو).

ليست "الهيولى" (أو القول الأوّل على الجوهر) عند (أرسطو) سوى تلك الحالة التي تكون عليها الأشياء بلا قيمة أو مغزى. و ما يمنح "الهيولى" قيمتها ليس سوى "الصّورة" (أو القول الثّاني على الجوهر) التي تُمنَحُها على نحو من الأنحاء..
و كذلك هي "النّفس" عن (أرسطو)، فهي "الصّورة" (أو الهيئة) التي يكون عليها "الجسد" (الهيولى)، فحسب؛ و هما "جوهر" واحد.

و هكذا، فنحن لا يُمكننا أن نقول باستقلال "النّفس" عن "الجسم" أو بأنّ لهذا الأخير وجوداً مستقلّاً من دونها.
و "النّفس" لا تؤدّي وظيفتها (أو بالأحرى وظائفها المختلفة) إلّا إذا استعانت على ذلك بالجسم بما هو "الجسم" تلك الحواسّ؛
و "النّفس" لا تشتهي أو تغضب من دون أن تكون على صلة وثيقة بالبدن.

و الأمر نفسه بالنّسبة إلى "الخيال" و "التّفكير"، إذ يتّخذ التّفكير له من "الخيال" و "الحسّ" نقطة البدء، و هذا ما يجعلنا لا نستطيع تصوّر أنّه يمكن لإدراك شيءٍ ما أو فهمه أن يكون حالة غياب الإحساس.

فالصورة هي بالتّعريف كمالٌ أول (إنتليخيا) للهيولى أو الوجود بالقوّة. و إذ أنّ "النّفس" صفة ذاتيّة (و ليست صفة خارجيّة) في "البدن" توجد فيه "بالقوّة"، فهذا يعني، ببساطة، أنّها (أي النّفس) توجد في "الجسم" على هيئة "استعداد" كامن؛
فالنّفس ليست هي التي تخلع الحياة على "الجسد"؛ إنّها، وحسب، تُخرج الحياة من "القوّة" إلى "الفعل"، فتجعلها "ظاهرة" بعد أن كانت "خفيّة".

باختصار، فإنّ "النّفس بالضّرورة جوهر بمعنى أنّها صورة جسم طبيعيّ ذي حياة بالقوّة".

[انظر: كتاب النفس لأرسطوطاليس. نقله إلى العربيّة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني - راجعه على اليونانية الأب جورج شحاتة قنواتي. دار إحياء الكتب العربيّة. الطبعة ألأولى - 1949م. الكتاب الثاني - ص (41- 42)].

و لكنّ (أرسطو)، في الحقيقة، يتحدّث عن شيءٍ شبيه بما ندعوه، نحن، و يدعوه البعض "الرّوح"، على رغم أنّه لا يجزم بالنّسبة إلى "العقل".. فيقول:

"و لكنْ فيما يخصّ العقل و القوّة النّظريّة، ليس الأمر واضحاً بعد: غير أنّه يبدو أنّ هاهنا نوعاً من النّفس، مختلفاً، و أنّها وحدها يمكن أن تفارق الجسم، كما يفترق الأزليّ عن الفاسد".

[المصدر السابق. ص (47)].

قامت "الكونفوشيوسيّة" على أساس مختلف، فقد وجدت أنّ التّكوين الكلّيّ يتأسّس على مبدأين إثنين من "الذّكورة" و "الأنوثة" (اليانغ و اليين) تحت قبّة السّماء (الرّب) (شانغ: الرّب الأعلى)..

في حين أنّ "الطّاويّة" (التّاو: DAO – الهداية)، التي عاصرت "الكونفوشيوسيّة" و كانت على منافسة عقائديّة معها، لم تبتعد عن المبدأ "الثّنويّ" نفسه..

و كذلك لم تعتن "الهرمسيّة" و "الغنوصيّة" بتقسيمات "الوجود"، بقدر ما كانت، إضافة إلى "الأورفيّة"، عقائد "أسرار" و "عرفان" و باطنيّة خاصّة.

لم يكن لِكتاب "العهد القديم" أثر هامّ في تطوير عقيدة "الرّوح" و "النّفس" و "العقل"، فراوح في إطار استخدامات "أدبيّة" يغلب عليها طابع "الإنشاء" و الكلام المرسل الذي لا تحدّه حدودٌ اكتشافيّة"مفهوميّة" أو اعتقادات واضحة و "متينة".

و الأمثلة قليلة، في واقع الأمر، و لو أنّنا يمكننا التّأكّد من نظريّتنا من خلال أمثلة على "الشّذرات" اليسيرة الواردة، في "الكتاب"، هنا و هناك..

"و لَمّا فَرَغَ يعقوبُ مِنْ تَوْصِيَةِ بَنِيهِ ضَمَّ رِجلَيهِ إِلَى السّرِيرِ، و أَسلَمَ الرُّوحَ وَانضَمّ إِلَى قومِه" (سفر التّكوين: 33).

و "الرّبّ طويلُ الرُوحِ كثِيرُ الإِحسَان" (سفر العدد: 18).

"و كَانَ عندَمَا جَاءَ الرّوحُ مِنْ قِبَلِ اللهِ عَلى شَاوُلَ أَنّ دَاوُدَ أَخَذَ العودَ و ضَرَبَ بِيَدِهِ، فَكَانَ يَرتَاحُ شَاوُلُ و يَطِيبُ و يَذهبُ عَنهُ الرّوحُ الرّديء" (سفر صموئيل الأوّل: 23).

و من الواضح "تناقض" الاستخدامات لكلمة "الرّوح" أو تعدّدها غير الموحّد كموقف لاهوتيّ أو فلسفيّ أو حتّى أدبيّ.

و ينطبق الأمر نفسه على استخدامات كلمة "النّفس"، مع أنّ أوضح استخداماتها في "العهد القديم" إنّما تأتي في صيغ "عامّيّة" و "شعبويّة" ما يؤكّد القول على "التّأليفات" الرّديئة المتنوّعة التي أصابت هذا "الكتاب"..

"و أَمّا الذَّكَرُ الأَغلَفُ الذي لا يُختَنُ في لَحمِ غُرْلَتِهِ فَتُقْطَعُ تلكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. إِنَّهُ قَد نَكَثَ عَهدِي" (سفر التّكوين: 14).

و "كُلُّ نَفسٍ تأْكلُ شَيئاً من الدّمِ تُقطعُ تلكَ النَّفسُ مِنْ شَعبِها" (سفر الّلاويّين: 27).

"فكَلّمَ مُوسَى بَنِي إِسرَائِيلَ هكَذا، و لكِنْ لَمْ يَسمَعوا لِمُوسَى مِنْ صِغَرِ النّفسِ، و من الْعُبُوديّةِ الْقَاسِيَة" (سفر الخروج: 9).

على حين يستخدم "العهد القديم" كلمة "العقل" ليُشيرَ إلى شيءٍ هو من قبيل الوعي الأفضل أو الفهم الممتاز..

"و تَفتَحُ فَاهُ في الجَماعةِ، و تملأُهُ مِنْ رُوحِ الحِكمَةِ و العَقلِ، وتُلبِسُهُ حُلَّةَ المَجد" (سفر يشوع بن سيراخ: 5).

و "أَرشِدْ قَلبَكَ و احتَمِلْ. أَمِلْ أُذُنَكَ و اقبَلْ أَقوَالَ العَقلِ، و لا تَعجَلْ وقتَ النّوائب" (سفر يشوع بن سيراخ: 2).

في "العهد الجديد" ننتقل إلى مرحلة جديدة من لاهوت "الثّالوث" الأقنوميّ، فيحتلّ "الرّوح" بما هو "روحُ القُدُسِ" ذلك "الوحي" الذي يتشخّصُ في كائنٍ سماويّ له وظائفُ اتّصالٍ في "الرّسالة"..

"أَنا أُعَمِّدُكُم بماءٍ للتّوبة، و لكِنِ الذي يأْتي بعدي هُوَ أَقوى مِنِّي، الَّذي لَسْتُ أَهلاً أَنْ أَحمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُم بِالرّوحِ الْقُدُسِ و نار" (إنجيل متّى: 11).

و "أَمّا ولادَةُ يَسُوعَ المَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذا: لمّا كَانَتْ مَريَمُ أُمُّهُ مَخطوبَة لِيُوسُفَ، قَبلَ أَنْ يَجتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس" (إنجيل متّى: 18).

و "فاذهَبُوا و تَلْمِذوا جمِيعَ الأُمَمِ و عَمِّدُوهُم باسمِ الآبِ و الابنِ والرّوحِ الْقُدُسِ" (إنجيل متّى: 19)؛

على حين لا يسهى الخطاب الإنجيليّ عن ذكر "الرّوح" بإطلاق "الاستخدام"، و ذلك سواءٌ أكان يُشيرُ إلى تكوين عَلِيٍّ أم إلى تكوينٍ بشريّ..

"و للوقتِ و هُوَ صَاعِدٌ من الماءِ رأَى السّماواتِ قد انشَقّتْ، وَالرّوحَ مِثلَ حَمَامَةٍ نازلاً علَيه" (إنجيل مرقس: 10).

و "فصَرَخَ يَسُوعُ أَيضاً بصَوتٍ عَظيمٍ، و أَسْلَمَ الرّوح" (إنجيل متّى: 50).

و "طُوبَى للْمَساكينِ بالرّوحِ، لأَنَّ لَهُم مَلَكُوتَ السّماوات" (إنجيل متّى: 3).

و "النّفس" في "العهد الجديد" كائنٌ صريح الوجود في الإنسان و تحتل في الجسد مكاناً و مكانة أيضاً..

"و لا تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يقتُلُونَ الْجَسَدَ و لكِنَّ النَّفسَ لا يَقدِرُونَ أَن يقتُلُوها، بل خَافوا بالْحَرِيِّ من الذي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النّفسَ و الجسَدَ كِلَيهما في جَهَنّم" (إنجيل متّى: 28).

و "أَيّهَا الأَحبّاءُ، أَطلُبُ إِلَيْكُم كَغُرَبَاءَ و نُزَلاَءَ، أَنْ تمتنعُوا عن الشّهواتِ الجسَدِيّةِ التي تحاربُ النّفسَ" (رسالة بطرس الرّسول الأولى: 11)؛

في حين يأتي خطاب "العقل" ضئيلاً و وئيداً في "العهد الجديد" و في عبارات نادرة جدّاً و مثالها غير ذي دلالة كافية أو معبّرة عن غايات تستدعي النّظر أو التّفكير.. و هذا مثالٌ نادر على ذلك..

"فأَطْلُبُ إِلَيكم أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجسَادَكُم ذبيحَةً حَيّةً مُقدّسَةً مَرْضِيّةً عند اللهِ، عبَادَتَكُمُ العقليّة" (رسالة بولس الرّسول إلى أهل رومية: 1).

حقّق "القرآن الكريم" نقلة تأمّليّة واسعة في النّظر إلى كلٍّ من "النّفس" و "الرّوح" و "العقل"، فجاءت في حدود مفهوميّة جديدة تشيرُ إلى مقولات "خالدة" من حيث هي ذات أبعاد فوق طبيعيّة، و هو ما يجعل هذه "الأقانيم" الثلاثة أركاناً معرفيّة أساسيّة في الاعتقاد و الإيمان و ممارسة شؤون الوجود بواسطة كيانات عاقلة أو مدركة، تحيى تارةً على استقلال في التّكوين و تندمج تارة أخرى بكينونة الإنسان نفسه كما في كينونة الطّبيعة في كلّ مكان.

نحن، في "القرآن" أمام كائنات اكتسبت حضورها النّهائيّ بواسطة الّلغة التي تجاوزت جميع الوعي الحضاريّ السّائد في عصر "الدّعوة المحمّديّة" و قبلها أيضاً بقليل أو بكثير.

"الرّوح" شيءٌ فينا كما هي في "الله" عبر أمره الذي لا ينفصل عنه، و في الكائنات الإلهيّة الملائكيّة التي تقوم بوظيفتها الإلهيّة بين السّماء و الأرض؛

فالتّنزيل "القرآنيّ" نفسه.. كان أن "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ" (الشّعراء: 193).

و "رفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ" (غافر: 15).

و "و يَسأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي و مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" (الإسراء: 85).

و لِ"النّفسِ" في "القرآن" منزلةٌ شريفة توازي تلك المنزلة الرّمزيّة التي لأعظم النّجوم و الكواكب والأوقات التي يُسبغ الله عليها شرفاً قدسيّاً:

"و الشَّمسِ و ضُحَاهَا. و القَمَرِ إِذا تَلَاهَا. و النَّهَارِ إِذا جَلَّاهَا. واللَّيلِ إِذا يَغْشَاهَا. و السَّمَاءِ و ما بَنَاهَا. و الأَرضِ و ما طَحَاهَا. و نَفْسٍ و ما سَوَّاهَا" (الشمس: 1 – 7).

و هي في حالاتها الإنسانيّة، أيضاً، لا تقلّ منزلة عن تلك المنزلة المقدّسة، عندما تصلح في التّقدير:

"فأَلهَمَهَا فُجُورَهَا و تَقوَاهَا" (الشمس: 8).

و هي تلك الأمانة فينا و علينا تجشّم الاعتناء بهذه الأمانة:

"قَد أَفلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. و قَد خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" (الشمس: 9- 10).

و لقد دقّق الخطاب القرآنيّ فعرَضَ لأنواعٍ مختلفة من النّفوس:

1- النّفس الأمّارة بالسّوء:

وهي النفس التي تأمر الإنسان بفعل السيّئات والتي أخبر عنها القرآن الكريم:

"و مَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلّا مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (يوسف: 53).

2- النفس اللوّامة:

هي التي أقسم بها الله تعالى: "و لا أُقسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ"(القيامة : 2)؛

فالنّفس "الّلوّامة" هي نفس متيقّظة و متوجّسة الحذر، و "تندم بعد ارتكاب المعاصي و الذّنوب"..

3- النفس المطمئنّة:

و هي النّفس التي طالما اطمأنت إلى خالقها، و احتكمت إلى قدَرها و كانت على قدْر التّكوين الذي بدأت به و إليه ستكون:
"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة. فادخُلِي في عِبَادِي. و ادخُلِي جَنَّتي" (الفجر: 27 – 30).

و أمّا "العقل" في "القرآن"، فقد جاء به خطاب الله إلى تلك "القلّة" العاقلة أمرَها في أمر الله، و هم نخبة "المؤمنين" الذين تطابق وصفهم مع أوصاف "العاقلين" و "المتعقّلين":

"و لَقَد تَرَكْنَا مِنهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (العنكبوت: 35).

و "أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَو يَعقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" (الفرقان: 44).

و "أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولَا يَعْقِلُونَ" (الزّمر: 43).

و "و مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ" (يس: 68).

و "و مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ و الْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا و رِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُون" (النّحل: 67).

و على أكثر من نحو فقد تناول الفلاسفة القدماء من العرب و المسلمين مسائل الأقانيم الثّلاثة، الرّوح و النّفس و العقل، في إطار محدود من التّقليد و الشّرح الموفّق أو غير الموفّق لما كان قد جاء به القدماء من "المعلّمين" الإغريق، في قالبٍ "إسلاميّ" أو فيما يُشبه "الأسلمة" لِ(أفلاطون) و (أرسطو) بخاصّة؛
و هذا ما نجده مع فلاسفة القرنين الثّالث و الرّابع الهجريين، العرب المسلمين، و بخاصّة (الكندي) و (الفارابي).

و كان لا بدّ من مرور ما يُقارب الألف عام على "الفلسفة"، بعد ذلك، لكي يعود "فلاسفة" الغرب، من جديد، إلى طرح مسائل "الجسد" و "النّفس" و "الطّاقة الرّوحيّة" تحت ضغط و تأثير المكتشفات العلميّة الطّبيعيّة في "البيولوجيا" و "الفيزيولوجيا" و "علم الأعصاب" و "علم النّفس"؛

و يلاحظ في هذا السّياق أعمال أحد أشهر و أهمّ الفلاسفة و المفكّرين الذين تناولوا هذا الواقع بجدّيّة كبيرة، و أعني به الفيلسوف الفرنسيّ (هنري برغسون) (1859- 1941م)، و لو أنّه لم يخرج من دائرة "العلمويّة"، في إطاره البحثيّ، الأمر الذي ربّما يرجع إلى أنّه حاول أن يعلّل إيمانه الشّديد بِ"الرّوح" بواسطة "العلوم" التّجريبيّة كالفيزياء و البيولوجيا و الفيزيولوجيا و بأطر "تجريبيّة" أو شبه تجريبيّة، في ذلك..

و لعلّ هذا الأمر، بالتّحديد، قد أنتج ما هو النّقيض، أيضاً، و لكنْ المرغوب، بالنّسبة إلى أعمال (برغسون) بخصوص "الطّاقة الرّوحيّة"و "النّفس" و "الجسم" و "المادّة" و "الذّاكرة"، فجعلها تحوز تلك الأهمّيّة التي تشاطرتها بحوثه "العلميّة" التّطبيقيّة مع فلسفته على نحو أكسبه تميّزاً و مصداقيّة عالية في أوساط المفكّرين.

و عند (برغسون) فإنّ "النّشاط النّفسيّ للإنسان يضفو على نشاطه الدّماغيّ"؛

و إنّ "وظائف الفكر الأخرى أكثر استقلالاً من الذّاكرة أيضاً عن الدّماغ"؛

و لهذا فإنّ "بقاء الشّخصيّة بل اشتدادها ممكنان إذن بل محتملان بعد تحلّل الجسم"؛

و يتساءل (برغسون)، بناء على ما قرّره:

"ألا يجوز لنا أن نقدّر أنّ الشّعور في مروره بالمادّة التي يجدها في هذه الحياة الدّنيا، يُسقى كالصّلب، و يستعدّ لعمل أنجع، من اجل حياة أخرى أشدّ؟".

[هنري برغسون. الأعمال الفلسفيّة الكاملة. ترجمة د. سامي الدّروبي. تصدير محمد عنانى. مراجعة د. عبد القادر القطّ. الهيئة المصريّة العامّة للكتاب. القاهرة – 2007م. ص(41)].

يقول:

"و إذن فنحن ندرك، عدا الجسم الذي تحدّه في الزّمان الّلحظة الحاضرة، و يحدّه في المكان الحيّز الذي يشغله، ندرك عدا هذا الجسم الذي يتصرّف تصرّفَ آلة و يردّ على المنبّهات الخارجيّة ردّاً آليّاً، ندرك شيئاً يمتدّ إلى أبعد من الجسم في المكان، و يدوم عبر الزّمان، و يطلب من الجسم بل يُملي عليه حركات ليست آليّة يتنبّأ بها، بل حرّة لا يمكن التّنبّؤ بها.
هذا الشّيء الذي يضفو على الجسم من كلّ جهة، و يخلق أفعالاً و يخلق نفسه من جديد، هو "الأنا"، هو "النّفس"، هو "الرّوح" ما دامت الرّوح قوّة تستطيع أن تستخرج من ذاتها أكثر ممّا تحوي، و تعطي أكثر ممّا تأخذ، و تهب أكثر ممّا تملك. ذلكم ما نعتقد أنّنا نراه. ذلكم هو الظّاهر".

[المصدر. ص(45)].

و ينتهي (برغسون)، ببساطة، إلى أنّ "الدّماغيّ" ليس معادلاً لِـ"النّفسيّ".

[المصدر. ص(51)].

ثمّة فيلسوفٌ معاصر علميّ و علمانيّ كان من أشدّ الفلاسفة النّقديين المعاصرين بنزعته التّشكّكيّة و التّفنيديّة الشّهيرة هو (كارل بوبْر) (1902- 1994م)، يدخل عالم "النّفس" و تجربتها غير الميكانيكيّة ذات الوصفيّة "العلمويّة"، و يصل، و بحذرٍ شديدٍ و ربّما مبالغ به، إلى نتائج خاصّة و مغايرة.

ففي كتابه "النّفس و دماغها"، بالاشتراك مع (جون إكلِس)، يُعرب (بوبْر) عن أنّ أسئلة "ما هو" و التي تُفضي إلى توهّم "الماهيّات" في "فلسفة" يعتبرها "مغلوطة"، إنّما هي أسئلة لا طائل وراءها؛
و هو على رغم هذا فإنّه يقول بوضوح:

"علينا أن نعترف بطبيعة الحال أنّ كلمات "نفس" (ذات) self، و "شخص" person، و "روح" soul، و أمثالها من الكلمات ليست مترادفات، بل لها معانٍ مختلفة بعض الشّيء في الاستخدام الإنجليزيّ المرهف.
كلمة "soul"، مثلاً، غالباً ما تُستعمل في الإنجليزيّة المعاصرة بتضمين أنّها جوهر يمكن أن يبقى بعد الموت (تُستعمل كلمة "seele" في الألمانيّة على نحو مختلف، فهي أقرب إلى الكلمة الإنجليزيّة "("mind).

يبدو (بوبر) متحرّجاً جدّاً من خوض هذا "الواقع"، الذي يبدو دامغاً، فنراه بين الفينة و الفينة يتبرّأ من رغبته مناقشة "مسألة خلود الرّوح"، فيقتبس هذه المرّة عبارة موجزة و لطيفة يُعرب عن اتّفاقه معها أو مع صاحبها إلى حدّ بعيد، و هي تعود لِـ(بيلوف):

"لستُ توّاقاً إلى الخلود الشّخصيّ؛ و لا يستهويني، حقّاً، عالَمٌ تكون فيه أنَايَ شيئاً ثابتاً لا يَرِيم".

[النّفس و دماغها. كارل بوبر و جون إكلس. ترجمة د. عادل مصطفى. رؤية للنّشر و التّوزيع. القاهرة. الطبعة الأولى – 2012م. ص (164- 165)].

و لكنّ (بوبر)، و على رغم ذلك، فإنّه فيقول:

"أودّ، بعد أن ذكرت موقفي من مشكلة بقاء الرّوح، أن أذكر بإيجاز موقفي من المسائل الرّئيسيّة قبل الدّخول في الحجج و الخلافات".

و يتابع:

"قبل أن أبدأ ملاحظاتي حول النّفس، أودّ أنْ أُقِرَّ بوضوحٍ و دون لَبسٍ أنّني على قناعة بوجود الأنفس".

[المصدر. ص(165- 166)].

يقودنا "الحدس الافتراضيّ" القائم على ملاحظة نموّ الطّفل (كما يُعبّر بوبْر) إلى أنّ "فكرة الشّخص، من الوجهة النّشوئيّة و السّيكولوجيّة، سابقة حقّاً على فكرة النّفس أو العقل"؛
و هكذا، و اعتماداً على تجارب أخرى مثل استئصال بعض أعضاء الجسم و الاحتفاظ مع ذلك بشعورنا بالأنا كاملة، فإنّنا "لا يمكننا ببساطة أن نماهي ذواتنا (نفوسنا) الشّخصيّة بأجسامنا".

[المصدر. ص(187- 188)].

بل و يذهب (بوبْر)، و بناء على تجارب طبّيّة عصبيّة مركزيّة (تتعلّق بالدّماغ) و المفضية إلى "حقائق بالغة الأهمّيّة" (كما يقول)، إلى أنّ هنالك "تضادٌّاً في القول برابطة شديدة الوثوق و الآليّة بين النّفس و الدّماغ".

[المصدر. ص(191)].

و في نهايات حديثه، يقول (بوبر)، هذه المرّة، في "الرّوح":
"إنّها، بمعنى ما، شكلٌ من المادّيّة، و بخاصّة إذا قبلنا الفكرة الدّيكارتيّة القائلة بأنّ المادّة تتّصف بالامتداد (الثّلاثيّ الأبعاد). و رغم ذلك فإنّ صبغتها الثّنائيّة واضحة: فالرّوح الشّبيهة بالشّبح مختلفة عن الجسم، و هي أقلّ مادّيّة من الجسم، و هي أرقّ، و هي إلى الهواء أشبه، كالبخار، كالنّفَس".

[المصدر. ص(241)].

بعد هذا الاستعراض المكثّف لتاريخيّة سياق تناول "الرّوح" و "النّفس" و "العقل" بالاهتمام و البحث الفلسفيّ و العَقديّ، يمكن لنا أن ندخل إلى هذا النّادي الخصب بالأفكار و المعتقدات و مختلف أنواع الإيمان.

إنّه وفق ما يُسمّى "خطّة الحياة" التي تحكم مسارات الإنسان، يمكن ملاحظة ما هو أبعد من التّجارب الشّخصيّة في الوعي و التي يمكن أن لا تشكّل برهاناً محدّداً على وجود "الأشياء"، بدعوى المكابرة التي تحو فيها "العلمويّة"، في كثير من الأحوال، منحى الجهل.

يعاني فكر العالم، اليومَ، من إفلاسات بالجملة، و كذلك تعاني "الفلسفة" الفاقة نفسها، بعد أن انحرفت اهتمامات "المعرفة" إلى تراجعات ظاهريّة تستبطنُ عجزاً ثقافيّاً كأنّه قد بدأ يغزو روح حضارتنا المعاصرة، منذ أن فقدت حياءها الذّهنيّ و دخلت في غيبوبةِ "الجرأة".. ليسَ ما يُسمّى "جرأة" حضارتنا سوى فوضى نظريّة أدّت إلى إهمال العالم "الواقعيّ".

و في التّوسّع المطلوب، معرفيّاً، في فهم "المادّة" و "الامتداد" و "الّلغة"، فإنّ الكثير ممّا ألِفَه الفكر أصبح يحتاج إلى إعادة قراءة، على الأقلّ، إن لم يكن بحاجة إلى النّقد العميق و التّفنيد، سواء في ضوء التّجارب الشّخصيّة أو الخاصّة بحقول المعرفة المختلفة، أو في ضوء المكتشفات العلميّة و بخاصّة منها المكتشفات الفيزيائيّة المعاصرة التي دفعت فلسفة الفيزياء إلى تبنّي مفاهيم مغايرة و جديدة في حقل "الوعي الذّاتي" لأصغر صغائر الفيزياء المكتشفة في الجسيمات بالغة الدّقّة و الصّغر كالفوتون و الإلكترون و سلوكها، الذي يُبدي "وعياً" خاصّاً شاذّاً و منحرفاً عمّا قد ألفتْه "قوانين المادّة" أو تلك التي تُسمّى كذلك.

الخلاصة أنّ وعي "المادّة" نفسها قد طرأ عليه اكتشافات أدّت إلى تغيير فهمنا للمادّة نفسها و قوانينها التّقليديّة الصّمّاء.
و انطلاقاً من الأمر، فإنّه ليس ثمّة ما يمنع، إن لم يكن من الضّرورة و الحاجة، أن نستعيد طريقة "الإدراك الكلّيّ" في التّجربة الإنسانيّة و التي سمّيت بالأسطورة، استعادةً تجعلنا نعيد الاعتبار للوعي الأسطوريّ نفسه، عندما كان الإنسان مدفوعاً بكلّيّته إلى الكلّيّات الكونيّة في أصغر ما يعترضه من مسائل و نشاطات و حاجات و خبرات؛

ذلك لأنّ الإدراك العلميّ "الحديث" الذي اضطرّ إليه الإنسان بواسطة التّخصّص المُفرط لتفادي جهله في مسائل الحاجة الملحّة، هو ما انعكس بالوعي في محدوديّة معرفيّة، كان الإنسان مضطراً إليها في التّفاصيل و الجزئيّات الأكثر عمليّة، ضماناً لتقدّمه المباشر و اليوميّ و الحيويّ، بحيث غابت عن الإنسان الاهتمامات الكلّيّة الأوسع التي تضمن له تعاقداً أسلم مع "المصير".

و في هذا الإطار يمكن أن ننظر، مثلاً، إلى ذلك العسف الإدراكيّ "العلمويّ" الذي اختزل "العقل" إلى "الدّماغ" عندما لم يجد الإنسان ما يضمن له موقفاً سليماً و أكيداً من "العقل" بعد أن تجاوز الإنسان و ضحّى بأبسط متطلّبات الّلغة نفسها التي تمنعنا، بالمطلق، من هذه المماهاة.

يمكن بصورة مجازيّة، هنا، أن نتصوّر بصورةٍ فيزيائيّة، مادّيّة، أنّ "الدّماغ"، هذا العضو المعقّد و العظيم، هو بيتٌ للعقل الشّامل الذي تتباين له "الوِفادةُ" و تختلف بالكرم و الاحترام و التّقدير بحسب سعة "البيت"، و تأثيثه كمنزلٍ يحتاج فيه "العقل" إلى حفاوة كبيرة لا يستطيعها؛ لسبب أكيد و لغاية في التّكوين و الخلق؛ جميع تلك "المنازل"، بالتّساوي، و التي هي "الأدمغة" على وجه التّحديد.

إنّ كوناً مثل كوننا لا يمكن أن يكون قابلاً للتّصوّر البسيط، ناهيك عن الاستيعاب الدّقيق و المعقّد، من دون "ربط" متينٍ و "عقل" حاكم للحركة و العناصر المنتشرة في هول هذا الكون الشّاسع الوسيع؛

و إنّ عقلاً، هو نفسه ذاك الذي يحكم "الكون" الفيزيائيّ، لا يمكن أن نتصوّر "عالمنا" الإنسانيّ "الذّاتيّ" (الشّخصيّ) من دونه، ذلك لأنّ "الإنسان"، في تفاصيل تكوينه العجيبة و المذهلة، لا يختلف، من حيث المبدأ، في السّعة و التّعقيد عن جسامة و اتّساع "الكون" الفيزيائيّ الكبير.

و هكذا فالعقل فينا كائنٌ مستقلّ، كما هو أمره في عالمنا الخارجيّ الرّحب و المجهول.. إنّ الحاكم و الضّابط و "العاقل" (أي: الرّابط) في فعله المباشر الذي يضمن لنا معنى "الغاية" من الوجود، حيث لا يُماري إلّا مكابرٌ في حقيقة عقل الغاية نفسها في كينونة الزّمان.

و يمكن لنا أن نتابع في هذا التّرابط الضّروريّ في الخلق، فنقول إنّ "الرّوح" في الإنسان هو (أو هي؛ لا فرق في شأن التّجنيس المجازيّ) ذلك "المبدأ الأوّل" المحرّك- المتحرّك بلغة الفيزياء و بلغة النّشأة و التّكوين، في وقت واحد؛

فكما احتاج "الكون"؛ و هذا باعتراف و عرف جميع العلوم النّظريّة و التّطبيقيّة المعاصرة، اليوم؛ إلى تلك "الدّفعة" من "الطّاقة" التي استمرّت، و ما زالت، في عروق هذا الكون، بواسطة ذلك الرّابط بين "السّاكن" و "المتحرّك" (المحرّك- المتحرّك) و الذي هو "العقل هناك" (أي على البعد الكونيّ).

فإنّه بذات الصّورة و العلّيّة احتاجت "الحياة"(الشّعلة) في الإنسان إلى هذه الدّفعة الطّاقيّة "الخالدة" في "الرّوح" التي قام بوظيفتها "العقل" في "الرّوح" عن طريق صيغة "العقل هنا"، أيضاً.

فالرّوح على هذا "الرّسم" هي جزء من "العقل"، و هي الجزء الخالد في الإنسان! و هي لهذا، بالضّبط، خالدة في "الصّورة" الإنسانيّة و ليس في الإنسان الفرد..

و هذا يعني أنّها خالدة فيما يتجاوز حدود الفرد الإنسانيّ و أي في مصيره في "الحيوات" المختلفة التي لا تفنى و لا تزول، و هي أيضاً لا تلاقي "الخلود" في الأبديّة، في "الغاية"، إلّا بواسطة "الخلود".

و أمّا "النّفس"، فكما هي في "الكون"- هناك، فإنّها، أيضاً، في "الكون- هنا" (في الإنسان)، إنّما هي عبارة عن هذا التّفاضل "المتأخّر"- المؤجّل للصّورة و الجسد الكونيين الصّغيرين، كما هي كانت في التّفاضل "الأخير"- المعجّل للصّورة و الجسد الكبيرين الأوَّلَين..!

و إذ ذاك فالنّفس ليست "رابطاً" في الجسد الإنسانيّ كما تصوّرها بعض الاجتهادات العلمويّة – الرّوحانيّة التي تحاول أن تتزيّى بزيّ الكونيّات بالوعي و الإدراك، و إنّما هي ذاك النّاتج الأخير من علاقة "العقل" بِـ"الرّوح" بالجسد في الإنسان.

لا ندخل هنا في أيّ تعليم "غنوصيّ"، و إنّما ننظر إلى واقع الكائن الحيّ العاقل (الإنسان) بوصفه ضرورة تكوينيّة على هذا النّحو، فحسب، دون أيّ نحو آخر ممكن أو قابل للوجود.
عندما ينظر واحدنا إلى هذا "الكائن"- العجيبة (الإنسان) فإنّه لا يمكنه تصوّر وجوده على غير هذه الحقيقة في "العقل".

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الثّمنَ الأكثر فداحةً لتطوّر مظاهر حضارتنا، مع ما رافق ذلك من جشع و عنف و فوضى و "إنسانيّات" منافقة، من نظريّات و مؤسّسات و مظاهرات و "احتفاليّات"..؛ إنّما كان هو تغييب القيمة الإنسانيّة (النّوعيّة!) و تهشيم معالم "النّفس" الفرديّة في الوقت الذي تكاثرت فيه "علوم" الإنسان و "علوم" النّفس البشريّة، على اضطراد.

و نحن نلاحظ، و يلاحظ أيّ شخص يُريد، أنّ تتفيه هذا الكائن "العظيم" - بالنّوع- إنّما يجري عن قصد و بعمد عن طريق "النّظريّات" و "المؤسّسات" و "الثّقافات" و "السّلطات" الجائرة التي يرعاها مخلوقات شيطانيّة حقيقيّة؛ و هذا ما هو ليس غريباً عن غاية التّكوين؛ تعمل على احتكار "الأفق" ناسية (و أي: جاهلة!) أنّ "الأبديّة" تتجاوز ضحالة "الآفاق" التي تحتكرها و فيها تتحرّك و تُحدّ و ترسخ و تفنى (بالنّوع، أيضاً) و تزول..

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود