كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: عن الحق.. و الحقيقة.. في القطع المعرفيّ مع أصوات "التّنوير"

[الحلقة الثالثة والعشرون "23" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"]


(عن الحق.. و الحقيقة..)


(في القطع المعرفيّ مع أصوات "التّنوير")

د. بهجت سليمان

فوق جميع شبهات الأخيلة و ملامح التّصوّرات و فضاءات التّفكير و لمحات "العقول" و مذاهب الكلام و منتجات العقائد و متصارعات الحقائق..، يسطع "الحَقّ" في ضيائه الشّامل ليغسلَ بشعاعه هذا "الكون" و يغمرَ بمحيطه هذا "العالم" و يحضنَ بفضلِهِ "الفكرة" الكاملة التي تَصيغُ بها الّلغةُ الأمُّ أسماءَ و صِفَاتِ المتواليات التي تخارجتْ عن "الشّيء" في حقيقة الإيجاد المعلَّلِ بالسّبب الكلّيّ الذي أفضى إلى دلالات التّعليل في مُتَحَقِّقَاتِ و حقائق كينونات الامتداد و دواعي المدارات و انفراط الأزهار و الأفكار و الأكدار في أشكال و ذرّات و في قسمات أعراض التّكوين.

إنّه مع "الحقّ"، فقط، لا يخشى المرءُ الاسترسال بالإنشاء في المقدّمات المَجّانيّة للحديث، و لا يجد للتّحفظّ و الحصافة البلاغيّة أيّة مناسبة ولا سبباً لإدارة البرهان الفلسفيّ المبكّر في منطقيّة الإخبار في الفاتحة الأولى للكلام؛

ذلك لأنّ جميع ما قد انعقدت لأجله الّلغة يُصبح في حضرة "الحقّ" تابعاً من توابع "الأصلِ"، عندما كان لا يزالُ هذا الأصلُ "فكرة" خالصة و نقيّة، و عندما كانت هذه "الفكرة" لا تزال في صيغة "العقل" الأوّل (العقل بأل التّعريف) الّذي أدرك ذاته، و أدرك الحقَّ، "في ذاتِ الحقّ"..، و عندما كان "العقل" و ما زال هو- هو "الحقّ".

اختلف الفلاسفة و يختلفون في إدراك "الحقّ"، بينما لا يُعير "العامّة" هذا الأمر انتباهاً، على عكس ما يتخرّصون..
و إذا حصل و اتّفق "فريقٌ" على مبدئه، فإنّه سرعان ما يظهر الخلاف على "الصّورة" التي للحقّ، و في إدراك "الصّورة"، و في تمثّل لغتها في العبارة و المدلول.

و على ذلك نشأت الاجتهادات الفلسفيّة، و تعدّدت طرائق التّعبير، و اختلفت المذاهب الدّينيّة، و اغتنت الأفكار و أثرَتْ و أُتخِمتْ، أيضاً، في محاولاتها "المخلصة" أو المزيّفة، أو البائسة، بالامتثال إلى "الحقّ".

و لأنّه من طبع "التّكوين"، ممثّلاً بالإنسان، أن يُضطرّ إلى الإصغاء إلى نداء "الحقّ"، بما هو أثرٌ من آثاره، فقد أظهر "العقل البشريّ" مهارات لا تنفَدُ في مجادلة "الحقّ" أو في مجانبته و "اجتنابه؛
حتّى أنّه جرى و يجري الخلط، و الاختلاط، بين "الحقّ" و بين مظاهره، و فيما بين آثاره، أيضاً، تلك المباشرة منها و بين تلك غير المباشرة، بحيث كان من أشهر ما هو من هذه "المآثر" السّاذجة أو النّتائج السّائبة ما يُعرف، مثلاً، بِ"الحقيقة" و "القانون" و مختلف مذاهب "النّزاهة" و "العدالة" و "الحياد" و أضرابها من السّقوط في براثن الجهل و "الغرور" و شتّى العماءات و الغباوات و المحدوديّات و إساءة الظّنّ (بالحق!)، و ما إلى ذلك من جحودٍ إنسانيّ لئيم..!؟

كان من أصداء "صوت الحقّ" في "الخَلق" أن تناسب حجم الفطرة و الغريزة في بني البشر مع ضرورات حفظ الغاية في مشروع التّغلّب التّاريخيّ على موانع البقاء؛

لقد أنتج ذلك، موضوعيّاً، إضافةً إلى وعي ضرورات حفظ النّوع البشريّ و الحيوانيّ، و سائر الكائنات الحيّة، ما هو ضروريّ أيضاً من أجل مواصلة العلاقة الثّابتة بين "الإنسان" و "الحقّ"، بما في الإنسان من جوانب و وجوه باطلة، مع أنّ "الباطل" ليس هو المضادّ للحقّ كما أجمعت عليه الأفكار الواهنة، و ليس هو "النّقيض".

يكاد يكون تاريخ الوعي البشريّ، منذ أوائل انبلاجاته المعبِّرة و الضّروريّة، ثمّ مع انحرافاته و تحوّلاته في نكوصه عن اتّجاهه الانعكاسيّ- التّمثّليّ المدرك للضّرورة يكاد يكون تاريخاً متراكماً و قسريّاً من النّزوع إلى "الحقّ"؛

و في الوقت نفسه، يكادُ يكون تاريخاً من الضّياع و الازورار عن "الحقّ" بواسطة استبدال غيره و أشباهه به، فيما ليس ما يُسمّى "الباطل"، حتّى لمن أراد و يريد، بنظير أو نقيضٍ "مناسب" للحق، و لا كذلك هو "مضادّ" له!

إنّ "النّظير"، في رأينا، يتضمّن مفهوم "النّقيض" باختلاف "الكمّيّة" و اختلاف "الكيفيّة"؛ إنّه "شبيهٌ" و حسب؛ [نتحدّث، هنا، بالمنطق "الأرسطيّ"، لِمَنْ يُحِبّ!] بينما "المضادّ" هو ما يساوي الشّيء الآخر بالكتلة و يُعاكسه بِ"الغاية" (الاتّجاه)، [التّضادّ، يقع بين كلّيّتين إحداهما موجبة و الأخرى سالبة؛ و التّناقض يقع بين كلّيّة موجبة و جزئيّة سالبة أو العكس]؛ و لهذا فإنّ نظير "الحقّ" أو نقيضه ليس هو "الباطل"، كما أنّ "الباطل" ليس هو "المضادّ" للحقّ؛

و بينما يمكن أن ننظر إلى "الحقيقة"(!) كَ"نقيض" لِ"الحقّ"، على اعتبار أنّ الكثيرَ من "الحقائق" الجزئيّة هي "سالبة" للحقّ، و هي، في الوقت نفسه لا تعبّر عن تماثلٍ في كفايات "الحقّ" و موجباته؛
فإنّ "الباطل" الذي قلنا عليه إنّه لا يرتقي، أيضاً، إلى مستوى "المضادّ" لِ"الحقّ"، لأنّه (الباطل) ليس مقولة كلّيّة أصليّة في "التّكوين"، كمفهوم، و حسب، في "الكمّيّة" و "الكيفيّة"، أمام مقولة "الحقّ"؛
هذا "الباطل" غير المساوي أو المماثل (و لو كان مكافئاً، بالدّقة) لِ"الحقّ"، إنّما هو شيءٌ من فساد "العلّة" و "العلاقة" الرّابطتين للمصير!

و حيث لا "الباطلُ" نقيضاً لِ"الحقّ" و ليس هو "مضادّاً" له، أيضاً، و جب أن نقول إنّه ليس للحقّ نظيرٌ من الباطل في هذا "العالم" و في أيّ عالم آخر، إذ وجدنا، أعلاه، أنّ نقيض "الحقّ"- نقيضه، فقط - هو من طبيعته و دونه و على عكس غايته و عكس جنسه، و قد قلنا عليه "الحقيقة"؛
و إنّه لهذا - كما نوّهنا- و لكلّ كمّيّة سوء الإدراك البشريّ، كما رأينا، تمّ كلّ ذلك "الضّياع" عن "الحقّ"، بما فيه جحوده و نكرانه، ما جعل "الإنسان" في جهل و عمى عن "الحقّ". ليس جميع البشر فلاسفة..!

و لكن، حقّاً،.. أيّها الإنسانُ "كيف لك أن تغيبَ عمّا لا يغيب أبداً"؟!

كان (هيروقليطس) في (القرن السّادس قبل الميلاد) في هذا التّساؤل الإنكاريّ من الأوائل الذين أشاروا إلى "وجودٍ حقٍّ" لا تمكن رؤيته بالأحاسيس، و لا بدّ له من إدراكٍ عقليّ مجرّد مع أنّ كلّ آثر في النّفس و في العالم يُنبئ به بدون كلل أو تقاعس أو لبس، و ذلك على رغم أنّ "الهيروقليطيين" قالوا بالمعرفة المقتصرة على "الأحاسيس" في "تَغيّرٍ" ليس له جوهر يصدر عنه..

عندما نقارن قول (هيروقليطس)، السّابق، بالمبدأ الفلسفيّ الهيروقليطيّ الأساسيّ، المذكور، نخلص إلى نتيجة قد لا يرغبها البعض لصعوبة إدراكها.. و أعني أنّه عندما تقودنا الملاحظة الحسّيّة المبدئيّة الخالصة إلى "الإشارة" (أو الإحالة) إلى غيرها، فإنّما هذا يعني أنّ ثمّة ما هو كائنٌ و هو من الطّبيعة الحسيّة، و يفارق معطى الإحساس، في الوقت نفسه!

و لكن ماذا يمكن أن يكونَ هذا "الشّيء" الحسّيّ و هو الشّيء الّللا حسّيّ، في الوقت نفسه، إن لم يكن مبدأ مستقلاً و مجرّداً عن العالم، كوجود، و أي ككيانٍ "حقٍّ" (ثابت من دون شكوك أو تجارب حسّيّة إدراكيّة) على رغم الغياب؟!

يعتبر (سقراط) فيلسوفاً للقيمة الأخلاقيّة و المفهوم و المقولة العقليّة المتعالية؛ و على هذا (و على عكس الهيروقليطيين) كان يجد في كلّ شيء ذي قيمة مبدآً مجرّداً و جوهراً ثابتاً، ما دفعه في سلوكه المعرفيّ و الأخلاقيّ معاً إلى أن يتجرّد لِ"الحقّ" الذي جعله باسلاً في الحرب و السّلام [خدم سقراط في الجنديّة في سلاح المشاة، و أبدى شجاعة مأثورة، و خاض العديد من المعارك لسنوات طوال!]،
كما جعله في "السّياسة" صاحب مواقف مشهودة ابتغى من ورائها "وجه الحقّ"، فكان ذا رأي مستقلّ، و مخالفاً لآراء كلا الأرستقراطيين و الدّيموقراطيين عندما انتخب إلى "مجلس الشّيوخ" الأثينيّ، فكان فيه من أنزه (إن لم يكن أنزه..) أعضاء "الّلجنة الدّائمة" في "المجلس" عام (406 ق. م).
[تاريخ الفلسفة اليونانيّة. تأليف يوسف كرم. مطبعة لجنة التّأليف و التّرجمة و النّشر. القاهرة – 1936م. ص(63- 65)].

كان (سقراط) يرى أنّ غاية العلم هي الوصول إلى معانٍ تامّة الحدود، باحثاً على "الحدّ الكلّيّ" وفقَ وصف (أرسطو)، نفسه، في مؤلّفه المعروف "ما بعد الطّبيعة".

[المصدر السابق. ص(67)].

هكذا ضرب لنا (سقراط) الأمثال في "البحث" عن "الحقّ" و "الإيمان" به، في العلم و العمل سواءً بسواء.

اشتغل (أفلاطون) على "المطلق" في "المثال" (المُثُل) بواسطة ما يُمكن أن نسمّيه بلغة "الجبر" الرّياضيّ منظومة شبه صريحة في "التّفاضل" و "التّكامل"؛

و كان (أفلاطون) هو أوّل من أسّس قواعد التّفكير الأصليّ بعقلانيّة التّكوين فيما يتّفق عليه "نقّاد الفلسفة" المعرفيّة بِما سمّي "الجدل الصاعد" (الخير المعقول)، في "التّكامل" الذي يتعالى في التّجريد العقليّ إلى كمال "الثّبات" المطلق في مبدأ الثّبات الكلّيّ في "المثال"..

و كان "المثال" الأفلاطونيّ هو المعبّر عن الشّيء "الحقّ" (الثّابت) الوحيد، مقابل "ظلال" العالم الحسّيّ الذي علينا أن ندركه بواسطة "الجدل النّازل" (الخير المحسوس)، في "التّفاضل" الذي يتناهى في عالم "الحقائق" اليوميّة، المعبّرة عن التكثّر في "الاختلاف" الخاضع للمعقوليّات التي عليها أن تؤسّس للعقلانيّة بواسطة تأمّل "الثّبات" المطلق في عالم "الحقّ".

و هذه هي النّظريّة "المعرفيّة" التي يَدين بها تاريخ الأفكار الّلاحق لِ(أفلاطون) بإجماع أفاضل قرّاء الفلسفة في العالم و التّاريخ؛ فكانت مأثرة (أفلاطون) في أنّه "أوّل فيلسوف بحث مسألة المعرفة لذاتها"

[المصدر السابق. ص(84- 85)]

و أعني بإرجاع "الحقيقة" الزّائلة إلى "الحقّ" الثّابت الذي أسماه (أفلاطون) مبدأ "الخير الأسمى" في أقصاه الذي "يسكن"، هنالك، في "نقطة ثابتة" تمثّل "الله" و هو "الحقّ" الوحيد فيما جميع ما خلاه "متحرّك" و إلى غايته في زوال.

[المصدر. ص(94- 99)] .

كان دأب (أرسطو)، و لسبب لا يبدو فهمه مستحيلاً (!)، أن يُخالف كلّ ما جاء به معلّمه (أفلاطون)، على رغم أنّه (أرسطو) أقام جميع مذهبه الفلسفيّ على تراث (أفلاطون)..
و لذلك كان (أرسطو) يتجنّب الخوض في مسائل "الكمال" و "التّمام" المعرفيّ، فنحا نحواً بدا عليه، في ظاهر الأمر، أنّه نحو محض منطقيّ و محض "واقعيّ"..!

أكثر (أرسطو) من مقولات "المنطق" فيما اقتصد في مقولات "المعرفة"، فكان يُجيّر ما هو "ُمفارق للطّبيعة" في ما هو "طبيعيّ"، فلم يُعنَ، قاصداً، مسائل الوجود الكامل إلّا بما أسماه، مبدئيّاً، "الثّابت" غير المتحرّك الذي هو في معزل عن "الفساد"، و كان أن ذهب إليه انطلاقاً من ثبات "العقل الطّبيعيّ" (الإنسانيّ)، عند تبدّل أحوال الجسَد، في قياس على "المبدأ" غير المتحرّك، مع أنّ (أرسطو) كان يتجنّب الحديث في "المطلق" فلم يعرف، على هذا، "فكرة الخلق".

[انظر، المصدر. ص(217)].

و مع عدم تسمية (أرسطو) للمبدأ الثّابت بالصّفات، كان طبيعيّاً معه عدم إكثاره من التّطرّق إلى فكرة "الحقّ"، مع أنّ فكرة "المبدأ"، فيما نرى، هي ليست سوى تنويع خجول على فكرة الخلق بالحق..! و هذا مع أنّ (أرسطو) يُصرّح بأنّ مقولة "الجوهر"، من مقولاته المنطقيّة، إنّه هي "أحقّ المقولات باسم الوجود".

و مع أنّ (أرسطو)، فيما نرى، فصل بين تفاضلات "الحقّ" و بين "أصل الحقّ"، لسبب قد يعزّ علينا حصره، إلّا أنّه كان، و لو نادراً، واضحاً و صريحاً في مسألة "الحقّ"؛ حيث يبتدئ كلماته في كتابه "ما بعد الطّبيعة"،

[أرسطو طاليس. ما بعد الطّبيعة. دار ذو الفقار. الّلاذقيّة. الطّبعة الأولى – 2008م]،

بصراحة "الحقّ"، فيقول:

"إنّ النّظر في الحقّ صعب من جهة، وسهل من جهة" [المقالة الأولى. ص(5)]

و بعد أن يورد مجموعة من الأسباب، في ذلك، نراه يقول:

"و من الصّواب أن تسمّى معرفة الحقّ من الفلسفة النّظريّة"؛

و أنّ "أَوْلى الأشياء بالحقّ الشّيء الذي هو علّةٌ لحقيقة الأشياء".

[المصدر. المقالة الأولى ص(6)].

بعد الميلاد بقليل.. كان (أفلوطين) (202و 204- 270م) ممّن وجد أنّ إدراك "الحقّ" هو في مشاهدة العالم الرّوحانيّ؛ و نحن "لدينا الكلّ الحقّ من كلّ ناحية، و ما يحاكي هذا الكلّ من النّاحية الأخرى و هي طبيعة عالمنا المنظور. أمّا الكلّ الذي هو الكلّ حقّاً فليس في شيء إذ ليس من شيء قبله (...) و ذلك الكلّ الأول و الحقّ لا يحتاج إلى محلّ و ليس في شيء مطلقاً".

[تاسوعات أفلوطين. نقله إلى العربيّة عن الأصل اليونانيّ الدّكتور فريد جبر. مراجعة الدّكتور جيرار جهَامي و الدّكتور سميح دغيم. مكتبة لبنان ناشرون. بيروت. الطّبعة الأولى – 1997م. ص(485) و ص(583- 584)].

في تاريخ الفلسفة السّابقة لبعض التّصوّرات الدّينيّة قلّما انفردت الأفكار باتّجاه العناية بمقولة "الحقّ" عناية معرفيّة في التّطبيق، فكانت اشتغالات الفلاسفة تتعلّق، في الأغلب، بمآثر "الحقّ"، سواءٌ كانوا يتوجّهون مباشرة إلى مظاهره المعرفيّة أم كانوا يتلقّون مفرداته العقليّة في إطار عدالته التي يوزّعها على العقول، ثمّ جاءت النّزعات "السّياسويّة"- خلسة و على الملأ- لتفرّغ كلّ مضمون "الحقّ" من طاقاته المفهوميّة التّطبيقيّة و التّنفيذيّة.

و كانت "الأديان"، في منظوماتها الهيراركيّة، و بحكم انشغالها الأكبر بالألوهيّ و المطلق، هي التي تولّت أمر الاستجابة المباشرة لصراحة التّرتيبات الكونيّة لمعطيات "الوجود"، حيث يبدأ "الوجود" مع توازيع أو توزيعات "العدالة" المطلقة، وفق مقتضيات الإيمان، بواسطة الشّيء الملهِم و الأكثر ثباتاً و معنويّة في تصوّرات "الخلق" حول مبادئ الثّبات الكونيّ للفكرة العاملة في مطلقيّتها الثّابتة التي لا تخضع لممارسات التّفكير البشريّ، العاديّ، بالتّفاوتات و الظّواهر الموحية بالتّناقض في مجموعة "الحقائق" ذات الطّابع الخلافيّ (و الاختلافيّ، بطبيعة الحال).

كانت إحدى أهمّ النّظريّات الإلهيّة حول "الحقّ" ما ورد في "القرآن الكريم" من نصوصٍ شكّلت قطعاً إبستمولوجيّاً مع ماضي الأفكار الأنسانيّة و إن كانت، على العكس، قد طوّرت من مفهوم التّواتر التّاريخيّ لقصّة "الإيمان" محقّقة إيضاحات و توضيحات حاسمة في معرض علاقة "الحقّ"، كمبدأ للوجود، بالعالم و الإنسانيّة.

و على أساس ذلك نقرأ في "القرآن" أنّ الحقّ هو صفة من صفات الله، حيث لا تنفصل الصّفة عن الموصوف:

"ذلكَ بِأنَّ اللهَ هُوَ الحَقّ" (الحج: 6).

و "فذلِكُمُ اللهُ ربُّكُمُ الحَقّ" (يونس: 32)، و إنّ من دونه "الضّلال".

و "الحقّ"، أيضاً، هو صفة من صفات "الإسلام" كدينٍ للتّوحيد بمعنى "التّسليم" بفروض و تعاليم رسالة الله "الحقّ":

"هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى و دِينِ الْحَقّ" (التّوبة: 33).

يتطرّق (كانط) إلى فكرة "الحقّ" في سياقات بحثه في "نقد العقل المحض"، فيقول إنّ وفق (أفلاطون) صاحب المدرسة "العقليّة" (الذّهنيّة) و أتباعه، فإنّ "الفاهمة وحدها تعرف الحقّ"؛

[عمانوئيل كنط. نقد العقل المحض. ترجمة موسى وهبة، أستاذ الفلسفة الحديثة في الجامعة الّلبنانيّة. مركز الإنماء القوميّ. لبنان- بيروت. ص(406- 407)]؛

مع أنّه (كانط) ينتقد هذه الطّريقة من "الاستدلال" التي تطمح إلى التّأسيس على "أصل معارفنا العقليّة المحضة"، مع أنّ معارفنا تلك مشتقة من التّجربة و ليست مصدرها، حيث أنّ (أرسطو)، في رأي (كانط)- و هذا قول محلّ جدل، بالعموم- كان "زعيم الإمبيريين" (الإمبيريقييند)، فيما كان (أفلاطون) "زعيم العقليين"، و ذلك في مدرستين منقسمتين على ذلك "الفهم" العائد إلى هذا "الاستدلال".

[المصدر. ص(407)].

بعد (كانط)، يأتي (هيغل) لينظر إلى "الحقّ" نظرة مغايرة كلّ المغايرة و الاختلاف، و هي تستحقّ شيئاً من "التّفصيل"، على اعتبار أنّ (هيغل) قد أفرد كتابات مطوّلة في "الحقّ" و كان له مؤلّف كامل مستقل بعنوان "فلسفة الحقّ".

ففكرة "الحقّ"- عند (هيغل)- هي موضوع علم "فلسفة الحقّ". و لئن كان الفهم قد يلتبس، هنا، حول "الفكرة" المجرّدة و نظامها العمليّ في التّحقّق، فإنّ (هيغل) يستدرك ليقول إنّ ما يقصده بِ"فكرة الحقّ" هو "الفكرة الشّاملة" لِ"الحقّ" مع تحقيقها الفعليّ، في آنٍ معاً.

"موضوع العلم الفلسفيّ للحقّ هو: فكرة الحقّ، أعني الفكرة الشّاملة عن الحقّ مع التّحقّق العينيّ لهذه الفكرة في آنٍ معاً".

[هيجل. أصول فلسفة الحقّ- المجلّد الأوّل. ترجمة و تقديم و تعليق د. إمام عبد الفتّاح إمام. دار التّنوير للطّباعة و النّشر و التّوزيع. بيروت. الطّبعة الثالثة- 2007م . ص(93)].

و من أجل تقريب الفهم في إيضاح ضروريّ هنا، فإنّ الموضوع الذي تدرسه "فلسفة الحقّ" هو "الرّوح الموضوعيّ"، بعد أن نعلم أنّ "الرّوح" عند (هيغل) تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: الرّوح الذّاتيّ، ثمّ الرّوح الموضوعيّ، و أخيراً الرّوح المطلق؛ هذا على أنّ "الرّوح المطلق" هو ليس سوى مركّب "الرّوح الذّاتيّ" و "الرّوح الموضوعيّ"، بحيث يكون "الرّوح الموضوعيّ" هو "توسّط" كلّ من "الرّوح الذّاتيّ" و "الرّوح المطلق"؛ و بحيث نفهم، مع (هيغل)، أنّ أجلى "تعيُّنٍ" للرّوح الموضوعيّ إنّما يكون في "الدّولة".

و على رغم ذلك فإنّ (هيغل) يبقى مخلصاً للفكرة حول "الحقّ"، فيقول:

"إنّ مفهوم الحقّ إذا ما تحدّثنا عن ظهوره يقع خارج علم الحقّ، و نحن هنا نسلّم به و نفترض مقدّماً استنباطه".

[المصدر. ص(94)].

لقد نشأ (هيغل) في "الفلسفة" نشأة سياسيّة، فكان أوّل عمل منشور له "كتاباً سياسيّاً" هو ترجمته الألمانيّة لكتاب فرنسيّ حول تحليل الأوضاع السّياسيّة المتردّية في "البلاد" التي ترزح تحت الحكم الرّجعيّ لعاصمة "الاتّحاد السّويسريّ" في (برن)؛ كما كان آخر ما نشره "مقالاً سياسيّاً" في إحدى الصّحف حول مشروع الإصلاح النّيابيّ في إنكلترا. و أمّا كتابه "فلسفة الحقّ"، فقد كان آخر كتاب أصدره في حياته.

[المصدر. راجع مقدّمة التّرجمة العربيّة. ص. ص(7- 9)].

و عندما نعرف ذلك عن (هيغل)، كفيلسوف سياسيّ، نستطيع أن نفهم مقاصده و أغراضه، أكثر، في نظرته إلى "الحقّ" في تعيّنه السّياسيّ في "الدّولة".

و (هيغل) صريح في تأكيده على شخصيّة "الدّولة" من خلال مفهوم "الحقّ المطلق" بالذّات، و لا يُماري في أن يقول:

"الحقّ وضعيّ بصفة عامّة [هنا، يُعيّن (هيغل) "الحقّ" في "القانون الوضعيّ"]:

"(أ): حين يتّخذ الشّكل المشروع في دولة معيّنة، و هذه السّلطة المشروعة هي المبدأ المرشد لمعرفة الحقّ في صورته الوضعيّة أعني القانون الوضعيّ.

"(ب): و حين يكتسب الحقّ في صورته الوضعية هذه عنصراً وضعيّاً في مضمونه (على النّحو التّالي):

"1- من خلال الشّخصيّة القوميّة لشعب ما، و المرحلة التي بلغها تطوّره التّاريخيّ و مجموعة العلاقات كلّها التي تربطه بضرورات الطّبيعة.

"2- بالقول بأنّ القانون الوضعيّ لا بدّ أن يتضمّن بالضرورة تطبيق التّصوّر الكلّيّ على الكيفيّات الجزئيّة المعيّنة، الموجودة في الخارج، و التي تَسِمُ بسماتها الأشياء و الحالات..

"3- من خلال الإجراءات التّفصيليّة النّهائيّة التي يتطلّبها إصدار الأحكام الفعليّة في المحاكم".

و واضح كيف أنّ (هيغل) يربط، بواقعيّة، بين الأرض و السّماء في تمثيل الحقّ و الامتثال إليه، في نصّ عقلانيّ و نقديّ نادر، و في صيغة غير مُشتهرة في تاريخ الفكر البشريّ السّياسيّ و ممارسة هذا الفكر، قاطبة؛ كما أنّها واضحة أهمّيّة هذا "النّصّ" و هذه الفكرة، أيضاً، بالنّسبة إلينا في هذا العرض الذي لا نفصله عن واقعنا و عالمنا الخارجيّ، و بخاصّة اليوم!

سوف نمهّد لرأينا، إذاً، بِ(هيغل)، على أنّنا سنفنّد و نتجاوز موقف (هيغل)، هذا، بعد قليل!


لقد كنّا، في مناسبات سابقة، على هذه الصّفحة، قد عملنا على تأصيل "المفاهيم" بمقولاتها "المفترضة" في "الأصليّات"، أو بردّ بعض "المفاهيم" نفسها إلى واقعها الحيّ في "المقولات"، و كنّا قد قمنا بما هو بمثابة الرّبط بين ضرورات الممارسة الفكريّة و السّياسيّة (و منها، أيضاً، السّياديّة الوطنيّة!) و بين "شرعيّتها" الأكيدة في "المقولات" التي لا تخضع للتّنازلات و المبادلات و الإجراءات باعتبارها "مقولاتٍ" حاكمةً لَسْنَا، نحن، بما في ذلك "الواقع" و "السّياسة" و "التّاريخ" و "العالم"، سوى "أدوات" حيّة (من لحمٍ ودمٍ) لتحقيق "غاية" أو غايات تلك "المقولات" بوصفها صفات لِ"الفكرة" الأصليّة الأولى التي نسمّيها، نحن، "الحقّ".

ربّما يذكر "البعض" أنّنا كنّا قد تحدّثنا على "السّلطة" (كمقولة، و كفكرة أصليّة) و على "الدّولة" (كمفهوم)، على هذا "الأساس".

لقد كان ذلك نهجنا الدّائم في "الأفكار" على ما لا نراها في أصلها خارج "الحقّ" نفسه.

و فكرة "الحقّ"، عندنا، من حيث هي مقولة المقولات..، لا تُستوضح خارج الإيمان بنظام عادل للوجود.

و من خلال عدالة "الوجود"، هذه، بما هي أثرٌ واقعيّ في صورة الحقّ، فإنّ فكرتنا على "الحقّ" هي أكثر "ميتافيزيقيّة" في "الخير" الشّامل، و هي، في الوقت نفسه، أكثر "واقعيّة" ممّا لا يمكن لأيّ من "المزايدين" بالواقعيّة و العمليّانيّة أن يبلغوه في "الخيالات" التي هي، عندنا، مفردات سلوك ضروريّ و يوميّ..!

نحن لا نجد في "العدالة" أيّ تنافرٍ ما بين "المثاليّة" و "الواقعيّة"، و أعني ما يُسمّيه، السّياسيّون كذلك (و لا أقول السّاسة) و "المتفلسفون" (و لا أقول الفلاسفة)، و "يظنّونه" بذلك.

وكان ممّا هو وراء "الطّبيعيّ"، في "العقليّ" الذي يوحي بالثّبات، أن تُشكّل تلك المرجعيّة الثّابتة للعدالة الوجوديّة صورة عن الشّيء "المتحقّق" في ذاته في "الحقّ" بوصفه صفة ذاته و كمال ثباته، فكان "الحقّ" في تفاضلاته المفهوميّة ما يُشيرُ إلى ما هو مطابق للعقليّ.

و جرّاء هذا و ذاك، و أسباب أخرى، خلق التّفكير الإنسانيّ معوّقاته العمليّة، كما خلق مسوّغاتها النّظريّة، إلى درجة جعلت الفصام بين فكرة "الحقّ" الأصليّة و بين "المفهوم" على "الحقّ"، أمراً واقعاً، الأمر الذي صار له أتباعٌ و شعوب و جماهير و منظّرون و سياسيّون و "فلاسفة" دعيّون، بالجملة، جعلوا من "التّفكير" بدلالة "الحقّ" شيئاً مَعيباً.

إنّ "الحقّ"، ببساطة الصّياغة، هو المبدأ الواقعيّ، أيضاً، على أن نأخذ الواقعيّ، هنا، بواسطة "الأونتولوجيّ" الذي يتفوّق على، و يفوق، محدوديّة المعطى إلى "الواقعيّ" في "الفكرة" التي تحيلنا، أوّلاً، إلى واقعيّة "الذّات". و واقعيّة "الذّات" هي، قبل كلّ شيء، واقعيّة في "الذّات".

و بهذا التّعليم، فإنّ "الحقّ" هو جميع مشتملاته التي لا تتجزّأ في "الخير" بمفهومه المعرفيّ و أي من حيث هو، أبداً، إيجادٌ أقصى للمغزى خارج أوهام "الوجوب" و "النّزاهة" العموميّة، و من حيث هو لا يستطيعه إلّا امتلاء الوجود في فكرته بواسطة ذاته و من أجل ذاته من خلال أدواته العاملة في موازاة الأخلاق في البشريّة المدفوعة في الغاية إلى حدود الاختيار القصوى في أسطورة المشاركة في الخلق؛

و هذا مبدأ سياسيّ في "الحقّ"، أيضاً، لأنّ السّياسة هي فعل إيجاد في ضوء "الخير" بوصفه "اختياراً" وجوديّاً يُضيف ذاته إلى "الحقّ" الأونتولوجيّ بواسطة الوجود و العمل في ضوء الإرادة الهادفة إلى إضافة واقع إلى "الواقع" و وجود إلى "الوجود"، إضافة في مغزى كلّ من "الواقع" و "الوجود".

إلّا أنّه، و من أجل إزالة كلّ لبس، علينا أن نحدّد، هنا، أنّنا في حديثنا في "الحقّ"، فإنّما نحن لا نهدف إلى الحديث في "القانون" الوضعيّ.

و إذا كان (هيغل) "الفيلسوف" قد ربط، على نحو ما، بين "الحقّ" و "القانون الوضعيّ"، فذلك عبر نسق فلسفيّ في التّفكير يقتضي منه ذلك عندما وجد، هو، أنّ "القانون" يجري مجراه "الطّبيعيّ" في إطار "الحقّ الموضوعيّ" الذي هو الوسيط بين "الحقّ الذّاتيّ" و "الحقّ المطلق"؛ و هذا يعني أنّ من ضرورات انسجام فلسفة (هيغل)، في "تحقّق" أو في "تعيُّنِ" الفكرة الشّاملة، هو أن يلجأ إلى هذا "التّعيين" السّياسيّ للحقّ، كفكرة، في "القانون الوضعيّ".

نحن لا نميل إلى هذه "الخلاصة" الفلسفيّة- السّياسيّة من خلال استدراج "فكرة الحقّ" إلى تحقّقها في مفهوم "القانون الوضعيّ"، و إنّما على العكس، و بإخلاص لمبدأنا السّياسيّ نفسه، في العدالة و الخير (شدّة الاختيار)، فإنّنا لا نرى إمكانيّة ممارسة "الفكرة" في "المفهوم" و لو أنّ "المفهوم" نفسه هو إشارة، و حسب، إلى المبدأ الكامن في الفكرة.

و على هذا الأساس فإنّ فكرة "الحقّ" لا تتعيّن في "المفهوم"، في "القانون الوضعيّ"، و لا على أيّ من الأسس النّظريّة أو العمليّة، بل إنّ "القانون الوضعيّ"، نفسه، هو ليس سوى إشارة اغترابيّة إلى فكرة "الحقّ"؛ و هذا يتطلّب منّا (في السّياسة، بخاصّة) أن ننظرَ إلى "القانون الوضعيّ" بوصفه انحرافاً عن "الحقّ" بواسطة الممارسة التّمثيليّة في ممارسات "التّفاضل" الكونيّ للفكرة في تناهيها البديل في "العصيان".

و عندما ننظر إلى الواقع من هذا الوجه، ندرك الدّلالة المباشرة علة أنّ "الحقّ" لا يُجزّأ و لا ينقسم و لا يدخل في المواضعة التي هي أساس مادّيّ و صريح في مفهوم "القانون الوضعيّ" الخاضع للتّطوّر المفهوميّ الضّروريّ لاقتصاد "الحقيقة" في تبادلاتها و مساوماتها و الاتّفاق على موحياتها و دخولها في الكثرة و الاختلاف.

و لقد وصلنا، الآن، إذاً، للنّظر إلى "الحقيقة" بوصفها شيئاً يختلف عن "الحقّ" و ربّما تقوم على تعارض معه.

علينا، أوّلاً، أن نميّز "الحقيقة" الكلّيّة" (الحقيقة بأل التّعريف) عن كلّ من "الحقيقة" في "الفرديّة" و "الاجتماعيّة" و "الصّنعيّة" في التّنويع على "المفهوم"، ثمّ عن "الحقّ" بوصفه لا يدخل في "الحقيقة"، على أيّ وجه، و لو كانت "الحقيقة الكلّيّة" تعبّر من أجل ذاتها بواسطته و تشير إليه.
قلنا إنّ "الحقّ" لا ينقسم و لا يتكثّر و لا يخضع للتّوزيع.
و هذا يعني إمّا أن نأخذ "الحقّ" بكلّيّته في انتمائنا إلى فكرته بالإيمان و الاعتقاد و "المكان"، و إمّا، على العكس، أن نجافيه، مطلقاً، حتّى و لو أنّنا خُيَّلَ إلينا أنّنا نمالئه أو نتملّقه أو نتقرّب إليه.

فمن جهة أنّ "الحقيقة الكلّيّة" هي غير الحقيقة "العنصريّة" (أو المتعنصرة) (من العناصر في الانتشار)، فذلك لأنّ ما عليه أن يكون منتوجاً مباشراً للحقّ (و أعني هنا "الحقيقة الكلّيّة") هو شديد الشّبه بالحقّ من جهة مغزاه في الشّموليّة، و يعني من جهة "الغاية" التي كانت، هناك  في "الحقيقة الكلّيّة") ما تزال تنعم بجوهر الخلود في التّعبير على "العدالة" و في قدرتها على منح القيمة التالية مسوّغها المعرفيّ.
و لعلّنا نذكر، هنا، أنّنا قلنا إنّ "الغاية" الكلّيّة هي "المعرفة" بالذّات. و هنا نستنتج أنّ "الحقيقة الكلّيّة" هي مكوّنٌ معرفيّ في الأصل يتوهّج بالقيمة، و يُشير من وجه إلى "الحقّ"، و من وجه آخر يشرح لنا أسس لغتنا (نحن، بني البشر) الأونتولوجيّة في الوجود، كالإيمان و العمل و مبادئ الأخلاق و ضرورات الإدراك و الالتزام.

إنّ الحقيقة اليوميّة، أو ما تقول عليه النّاس "حقائق"، إنّما هي مجموعة واسعة من دوافع السّلوك و الفهم و التّحيّز و التّحزّب و المصلحة و المنفعة، و الضّاربة أصولها و جذورها في التّناقض و الاختلاف و الخلاف..، إلخ؛ و جميعها يوحي بالتّعدّد الذي ينسف وحدة "المفهوم" على "الحقيقة"، و يحيل العمل و الموقف و "الأخلاق"، من ثمّ، إلى جزئيّات مفهوميّة وظيفتها استمرار الأشكال الكثيرة في حكمة (غاية) الوجود.
و من الطّبيعيّ أنّ هذا يحتمل الخطأ و الصّواب بناءً على أمر أخلاقيّ ينتمي إلى وجوب القيم في انتسابها إلى طريق الخير الإنسانيّ الذي تُحيط به الوعورة من أطرافه و جهاته جميعاً.

و أمّا من جهة أنّ "الحقيقة الكلّيّة" هي غير "الحقّ" فذلك بسبب أنّ "الحقّ" هو كلّيّة لا تتجزّا في "الأثر"، بل هي تتفاضلُ من دون اجتزاء؛ على عكس "الحقيقة الكلّيّة" تنتشر في "الأجزاء" التي قد تتّصل بها و قد لا تتّصل، و هذا يعني تجزّءها في "المشروع" و انتثارها في التّشابه؛ و لا يُقال هذا، أبداً، على "الحقّ" الّذي يسطع، أبداً، في كلّيّته في التّمام موحياً إلى تكوين "العالم" بأصل الكينونة، و غايتها، و الذي لا يغيب.

إنّ "الحقّ" في الأصل، و في "الغاية"، هو نموذجُ، أو قُلْ "مثالَ"، اليقين. و من المفهوم أنّ "اليقين" باعثٌ في "الفكر" على أقصى "الامتلاك" الذي يُشير إلى "الامتلاء". و في امتلاك الامتلاء يغدو "العقل" بالذّات على درايةٍ بغايته و لو في غموض.
و الغموض هنا ليس في "الفكرة" و إنّما في طبيعة الاجتهاد المعرفيّ "المتطّور" في غرضه الأقصى الذي نسمّيه "الغاية"..
و عندما يكون "العقل" على طريق "الغاية"، عندها، فقط، يتطابق "العقل" مع "الحقّ"، بصفة "الحقّ" أصل العدالة في التّكوين.

و ربّما نحن هنا نقطع نهائيّاً مع أفكار "التّنوير"، بخاصّة، و التي أصبحت عرفاً "ثقافيّاً" عالميّاً، في كلمات سائبة من مثل مصطلحات "الحقّ الطّبيعيّ" و "العدالة الطّبيعيّة" و "الحرّيّة" و "المساواة" و "الأخلاق"، و التي أصبحت أمامنا، في عالم متغيّر كما نراه، لا تعني شيئاً و لا تدلّ على شيء..

و من الطّبيعيّ أمام هذا الواقع العالميّ للمفاهيم و العمل و السّلوك و الأخلاق، أن نتعرّف، من جديد، في إطار "الحقّ"، على "كليّات" هي أكثر واقعيّة و عمليّة من سائر "الجزئيّات" العمليّة، التي دخلت في مفاهيم "الثّقافة" فجعلت الإنسانيّة مرتعاً للتّزوير.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود