د. بهجت سليمان: «الإندماج» بوصفه تجاوزاً لخرافات "التّأسيس" السّياسيّ
[الحلقة الثلاثون «30» من «سلسلة الفكر الإستراتيجي»]
(الإندماج)
{من الثّقافة.. إلى المجتمع.. إلى الدّولة.. و إلى الدّيموقراطيّة..}
[«الإندماج» بوصفه تجاوزاً لخرافات "التّأسيس" السّياسيّ]
* د. بهجت سليمان
تطرح المسائل التّاريخيّة المعلّقة في حركة تطوّر الأفراد و المجتمعات و الدّول، أسئلتها باستمرار، عندما لا يستطيع الفاعلون الاجتماعيّون و السّياسيّون أن يقوموا بدورهم التّاريخيّ في بناء المجتمعات و الأمم و الدّول، بناءً حضاريّاً و سياسيّاً يتناسب مع درجة و طبيعة و لحظة تطوّر "النّظام" في العالم، بحيث يصبح التّطوّر الإنسانيّ و الحضاريّ عند "الآخر" بمثابة امتحانٍ عسيرٍ تدخله الشّعوب و الدّول القاصرة، و تحصد نتائجه الفاشلة فيها الأفراد و الجماعات، فلا يشكّل أيّ نجاح لأيّة جهة أو مرجعيّة تاريخيّة اجتماعيّة أو روحيّة أو سياسيّة، في المجتمعات التي تستمرّ في انغلاقاتها المزمنة.
و كنّا قد تساءلنا في الحلقة السّابقة من هذه "السّلسلة" التي ننشرها، هنا، في إطار "سلسلة الفكر الاستراتيجيّ"، على كيفيّات "الانتقال" و "التّجاوز" و على "الوسائل" الانتقاليّة الكفيلة بالانفتاح على "الذّات" كما بالانفتاح على "الآخر"، في إطار "النّظام" الاجتماعيّ و "النّظام" السّياسيّ و "النّظام" العالميّ، إذ أن هذه "المفردات" أصبحت، اليومَ، تشكّل "وَحدة" نظريّة و عمليّة في هذه الدّرجة من التّطوّر الحضاريّ الذي تعيشه المجتمعات المعاصرة.
و كنا، أيضاً، قد أكّدنا أنّ الأمر لا يُحلّ في المسائل التّاريخيّة العالقة بالقرار العاطفيّ، وحده، و إنّما هو شيء يرتّب المسؤوليّات المباشرة على جميع "الفاعلين" في الفكر و الاجتماع و السّياسة، تبعاً لشموليّة التّحدّيات التي تطرحها تلك المسائل الكبرى، في زمن هذه الحضارة السّائلة..!
و بالعطف على حديثنا في "الحلقة" الماضية، يمكن أن نقول، مرّة أخرى، إنّه من "الاندماج الذّاتيّ" (الثّقافيّ) إلى "الاندماج الاجتماعيّ" إلى الاندماج مع "الآخر"؛ ربّما هنا يتلخّصُ كلّ مستقبل الحرّيّة التي يتطلّع إليها الجميع، سواءٌ منهم من يقصد و الذي لا يقصد؛ و ربّما كان هذا هو شرط "الانفتاح" على العالم المعاصر، الذي ينجرف في تيّاراته كلّ من لا يرغب أو لا يستطيع.
و نحن، هنا، أمام "مفارقة" منطقيّة.
ففي الوقت الذي كان فيه من المنتظر أن تحقّق المجتمعات ما قبل الرّأسماليّة، و غير الطّبقيّة، كلاسيّاً (كلاسيكيّاً)، اندماجاً اجتماعيّاً أكبر ممّا هو عليه الأمر في المجتمعات الرّأسماليّة، التي تتناضد طبقيّاً، و التي تشرخها تفاوتات الطّبقات شرخاً بنيويّاً و اجتماعيّاً على المصالح الطّبقيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة الحادّة، نجد أنّ ما يحصل هو العكس، أي حيث تبدي المجتمعات ذات التّطوّر الاقتصاديّ الأقلّ أو المتخلّف تلك الفصامات الاجتماعيّة الحادّة؛
و هذا ما يدعونا إلى التّأكيد الدّائم على أنّ ما يجعل مجتمعاً من المجتمعات "ينتظم" بعلاقات تفتيتيّة أو العكس، إنّما هو واقع الثّقافة أو الثّقافات الاجتماعيّة المتعدّدة و المختلفة، التي إمّا أن تفرّق و إمّا أن تجمعفيما بين الجماعات و الأفراد و البنى الاجتماعيّة الأخرى، في إطار المجتمع الواحد أو بالأحرى في المجتمع المؤطّر بإطار سياسيّ رسميّ واحد.
و لا يعني الاندماج، على كلّ وجه، ما يمكن أن يُفهم من السّياق الدّلاليّ للصّفة الاندماجيّة، التي توحي بالتّشابه أو التّطابق الكلّيّين، لأنّ هذا الأمر يعني ببساطة ما يُسمّى بالتّماهي.. هذه الأكذوبة السّياسيّة و الاجتماعيّة..
و إنّما جلّ ما يُقصد بالاندماج، ما نعنيه بوحدة المسار و الاتّجاه التّاريخيّين نحو أغراض محدّدة و هدف أو أهداف واحدة أو مشتركة، و لو كانت أهدافاً متعدّدة، و ذلك في إطار عامّ من المواءمة الفرديّة و العلاقاتيّة و تبادل المواقع و الأدوار، أو تكاملها غير المتضارببعيداً عن التّناحرات التي تتجلّى في انقسامات اجتماعيّة و انفصالات عقائديّة و أيديولوجيّة، تجعل من الهدف أو الأهداف جملةً من المشاريع السّياسيّة الضّمنيّة المستقلّة و المنعزلة، التي تخترق النّسيج العام لتمزّق وحدة الاجتماع و السّياسة في علاقات النّاس و في الدّولة و المؤسّسات.
تخضع عمليّة الاندماج العامّ، إلى شروط تعبّر عنها مراحل أربع:
- الأولى، و هي عمليّة الاندماج الثّقافيّ الذّاتيّ للمجتمع.
- و الثّانية، و هي عمليّة الاندماج الاجتماعيّ على أساس الثّقافة.
- و الثالثة، و هي الاندماج السّياسيّ في إطار الدّولة الدّيموقراطيّة.
- و الرّابعة، و هي عمليّة الاندماج بالعالَم.
و سنبحث كلّ واحدة على حدة، لنرى إمكانيّة الاندماج الكلّيّ، في المرحلة الأخيرة، و ما ينتج عنه في المحصّلات.
أوّلاً- في الاندماج الثّقافيّ:
يعتبر الاندماج الثّقافيّ مرحلة أولى و مبكّرة لأشكال الاندماج التي تشترط التّأسيس للمجتمع المفتوح.
يمكننا أن نشبه هذا الوضع بالاندماج الفيزيائيّ ما بين الذّرات ليتكون من هذا الاندماج مركّبٌ منسجم الهيئة و الوظيفة و الأداء، و لو أنّه يتضمّن محتويات مختلفة.
وحيث يبدأ كلّ شيء بالفكرة أو بالأفكار، فإنّ الثّقافة المندمجة في وظيفيّة محدّدة هي الثّقافة التي يعترف بها المجتمع، عمليّاً، على أنّها هي ما يشكّل الدّافع المشترك إلى العمل في وحدة التّصوّر في المخيال العمليّ.
و لا يمكن لهذا الدّافع الفكريّ أن يمثّل قاسماً أعظميّاً للأهداف، ما لم يكن يتوجّه إلى موضوع لا يمكن أن يجسّد أيّ خلاف مبدئيّ، و هو الأمر الذي يجعل هذا الموضوع نفسه خارج التّجاذبات و الاستقطابات الكيديّة و التّناحريّة، من حيث هو، في وقت واحد، يمثّل إغراءً للفاعلين المُبهَمين في مناوراتهم الانعزاليّة، و عدم وضوح مصيريّ أو مستقبليّ، كاملين؛
و من الواضح أنّ هذا الأمر الذي قد يدخل في التّناقض الفعّال، لا يمكن أن يكون إلّا بما هو المستقبل الوحشيّ "الملهِم"، الذي ينظر إليه دعاة التّفتيت و العاملين عليه و يعملون عليه، بوصفه يبدأ من واقعٍ غامض مؤجِّلٍ للخلاف الماثل في نواة التّكوين، و مانعاً من إشهار الاختلاف المفتِّت في الوسائل و الأدوات.
تثبتُ التّجاربُ الاجتماعيّة و السّياسيّة أنّ التّناقضات التي تتجذّر في التّناحرات، إنّما هي تكون متركّزة، أساساً، في الاستلهام من الماضي بوصفه معتقداتٍ منقسمة، أو على الحاضر بوصفه مشاريعَ مبنيّة على إلهامات ذلك الماضي المنقسم انقساماً في الانفصال.
و يمكن القول إنّ الخلافات الحدّيّة الباعثة على الدّخول في حاضر ممزَّقٍ، هي تلك الخلافات التي تنجم عن رؤًى يقينيّة لأشياء اعتباريّة، أكثر ممّا هي أشياء واقعيّة أو حقيقيّة، و ذلك تبعاً لكيفيّات استقرار النّصوص التّاريخيّة، التي تشكل مرجعيّاتٍ للسّلطات الثّقافيّة المتناحرة في الحاضر، من أجل مستقبل غير واضح المعالم المحفِّزة، كما تبعاً لكيفيّات كتابة تلك النّصوص على أساس من الأيديولوجيّات المتزاحمة على اليقين.
إنّ اليقينيّة الكاذبة المفترَضَة في ثبوتيّات النّصّ المكتوب، أو النّصوص المكتوبة المختلفة، هي ما يشكّل ديناميّات الدّوافع الاجتماعيّة و السّياسيّة، التي تضع نفسها في خدمة السّلطات و القوى المعاصرة التي دخلت في أتون الصّراعات المدمّرة للحاضر.
تعمل الثّقافة أو الثّقافات الاجتماعيّة كخزّاناتٍ حيويّة للتقيّد و الرّسوف في الأغلال العقليّة، إذا فهمنا أنّ من معطيات "الحريّة" الواقعيّة، ما هو الشّيء الأبقى و الذي يُسوّغ أو يُفسّر الدّيمومة الفرديّة و الاجتماعيّة، للجماعات نفسها و الأفراد الذين يشكّلون هيئة المتّحد الاجتماعيّ، حال الحرّيّة التّواصليّة و التّبادليّة في حاضر مجتمع الوجود.
لا تتيح لنا الثّقافات المتواجهة أيّة فرصة للحرّيّة الشّخصيّة و الاجتماعيّة الضّروريّتين للوجود الاجتماعيّ بمفهومه المنفتح، طالما هي مرجعيّات نهائيّة لا يمكن لها أن تقوم في الحاضر إلّا باستعباد الأدوات و الحاملين لمشاريعها الجامدة، أنفسهم، و أوّلاً، و قبل "الآخر"، و قبل الجميع؛
فعندما تتبنّى الأفراد و الجماعات مشاريع الماضي الثّقافيّة، تختار بنفسها أن تخسر دافع الحرّيّة المتمثّل في حيويّة الدّيمومة، التي لا تكون إلّا على المواضيع الحيّة و التي يتضمنها الحاضر و المستقبل، و لا يمكن لها أن تحيى هناك في الماضي المعدوم.
و إذا كان الإنسان كائناً ثقافيّاً، فهذا يفترض أن يكون، أوّلاً، كائناً حرّاً في الاجتماع، أي كائناً اجتماعيّاً في الحرّيّة، و هذا ما يتطلّب، بالحدّ الأدنى، الانتماء إلى العناصر الحيّويّة و الحيّة من التّكوين التّاريخيّ العمليّ للشّعوب؛
و من المفهوم، إذاً، كيف أنّ هذه العناصر لا يمكن أن يقدّمها الماضي المنقضي، و إنّما هي جزء من الحاضر المقترن بمستقبل الأهداف؛ إذ لا حياة للإنسان، فعلاً، إلّا في أهدافه و مشاريعه التي هي في أفق العقل؛
و هذا ما يعني أنّ الماضي يلجم، و الحاضر يُتيح، و المستقبل يوحي و يُحرّض و يبعث على العمل في الأهداف المرتسمة فيه.
و الاندماج الثّقافيّ لا يقوم، فقط، في الأفكار و الأدوات النّظريّة، و إنّما هو أيضاً يقوم في متطلّبات الأفكار و المشاريع من الأدوات و الوسائل و الكيفيّات، الكفيلة بتحقيق تلك الأفكار.
و إذا كانت "الثّقافة" المشتركة كبنيّة نسقيّة اجتماعيّة أوّليّة بمفهومها الأنثروبولوجيّ، هي أوّل عامل من عوامل وحدة "الخليّة المجتمعيّة" الأولى في التّاريخ، بما هي قابليّات و تلقائيّات و استعدادات تعاونيّة، كالقبيلة و العشيرة و الأسرة الأوّلية كتجمّع للمحارم؛ فهي أيضاً ذلك الذي يُعَوَّل عليه، أبداً، في التّواشج الإنسانيّ المنتج لأبسط قواعد و أسباب الاستقرار الإنسانيّ الاجتماعيّ المنتج و الغائيّ و المفيد.
يجب أن نتدارك، هنا، و بسرعة، لنقول إنّه علينا في هذه القراءة للثّقافة أن نستبعد الغائيّة الأخلاقيّة من ضرورات الاندماج الثّقافيّ، ذلك أنّ الثّقافة هي حالة إدراكيّة و وجوديّة للأشياء و نظام للتّفكير بحل المشكلات العمليّة في الاجتماع و الثّقافة، بما يضمن الموقف العقليّ من الوجود، و لا تتطرّق إلى الواجبات الأخلاقيّة الهندسيّة لهذا الوجود.
فليس من باب الأخلاق، مثلاً، أن نبحث على ما يجمعنا في الأفكار، لأنّ عثورنا على هذا الجامع يكفل لنا استمراريّة وجودنا، أوّلاً، بدلاً من أن نكون مهدّدين باتّباع متطلّبات الانقسام على الكلمات و المفاهيم و تنفيذ مفاعيل الانقسام، بالانتحارات الدّوريّة التي تنجم عن الإيمان العقدي، بتفوّق نوعيّ لاغٍ لبقيّة الأطراف، التي تناضل أيضاً من أجل تحقيق متطلبات أوهامها، مقابل متطلّبات أوهامنا، نحن، أيضاً في صراعات الأوهام و الاستيهام.
لم يتطّور الفرد الإنسانيّ و الجماعات المختلفة و الأنواع البشريّة المتنوّعة بفضل الأخلاق، و إنّما ما كان وراء تطوّرها هو الدّفاع المادّيّ و الفكريّ، الثّقافيّ و النّظريّ، عن الوجود، بواسطة أدوات حسّنتْها باستمرار التّصوّرات الإنسانيّة على الوجود المحض ضدّ موانع هذا الوجود.
و شكّلت الثّقافة أو الثّقافات المتعاضدة في هذا المشروع البشريّ، تلك الخبرة الجماعيّة و المتّصلة و المتعاونة و ذلك المركّب الذي نسمّيه العقل الأنثروبولوجيّ، الذي تمثّلتْ فيه ثقافات الشّعوب.
و على هذا الأساس فإنّ الثّقافة هي المركّب الذي كان كفيلاً بالاستمرار المانح لأدوات التّطوّر الذي شكّل بدوره مادّيّات و أفكار الاستمرار.
و حيث لم يكن يتطلّب الموقف الوجوديّ تجاه تحدّيات الطّبيعة المادّيّة و تجاه تحدّيّات الأفكار المميتة و القاتلة، أن يُعاير الفرد و الجماعات و المجتمعات ضرورات مواجهة تلك التّحدّيّات الأنثروبولوجيّة و السّوسيولوجيّة و المادّيّة معايرة قِيَمِيَّةً أخلاقيّة، فإنّه كان من الكافي، في المواقف المهدّدة للوجود، أن يعمل الإنسان على الاستجابة لمتطلّبات و ضرورات هذا الوجود بواسطة الّلجوء إلى أقرب و أفضل مفرداتِ قائمةِ نظام القيمة الاستعماليّ، أوّلاً و قبل كلّ شيء، لتجاوز التّهديدات الحالّة في تلك المنعطفات التي شكّلت التّحدّيات..
..
في الوقت الذي كان فيه الإنسان الفرد، و كانت الجماعات، يدخلون في "تسوياتٍ أخلاقيّة"، محض عمليّة، مع الوقائع المدمّرة للحياة، إلى درجة، ربّما، كانت تسلك فيها الإنسانيّة سلوكاتٍ عمليّة و نفعيّة "تواطئيّة" لاتّقاء شرّ الانقراض، "مؤجّلين" أحكام القيمة الأخلاقيّة على السّلوك إلى أوقات الطمأنينة و الرّخاء و "الازدهار".
و نستطيع أن نجزمَ، في هذا الصّعيد، أنّ المنتجات الرّوحيّة، ممّا نستطيع تسميتها بالأفكار الدّينيّة و الأخلاقيّة في كلّ المجتمعات التّاريخيّة، التي شكّلت لها إرثاً ثقافيّاً كان عاملاً على وقايتها من الاندثار، إنّما كانت تلك المنتجات مشروطة، أوّلاً، بتأمين الظّرف الحياتيّ العام الذي يكفل الحياة و الوجود، أوّلاً، لكي يكون ممكناً في المرحلة التّاريخيّة التّالية الدّخول في الاختلاف النّظريّ و القيميّ الأخلاقيّ، و الذي شكّل، في هذه الحالة، مؤونة وجوديّة ساهمت بتعميق الوجود النّاجز و ترسيخه من الثّقافة إلى المجتمع إلى الدّولة و إلى الدّيموقراطيّة..،
إنّ الاندماج الثّقافيّ الذي نبحثه في هذه النّبذة هو اندماج وجوديّ، أوّلاً، يُعنى، إذاً، بالقيمة الاستعماليّة في البدء، ليُتيح تراكم العمل الكفيل بإنتاج القيم التّبادليّة، ليتجاوز الإنسان شرط وجوده الأصعب في الحياة و ليكون متمكّناً في المرحلة الانتقاليّة التّالية من التّوجّه إلى العناية بأحكام القيمة الأخلاقيّة، التي تعمل على تنظيم و تهذيب وجود،ٍ هو أمر واقع أمام تحدّيات الفناء.
تنتج الثّقافة، إذاً، أوّلاً، مُتّحداً من مركّب نظريّ و عمليّ، يُضاهي المانع الوجوديّ الذّاتيّ كما يُضاهي تحدّيات الوجود المتبادل مع المجتمعات و الشّعوب الأخرى، بواسطة التّفوّق العمليّ و النّظريّ المنتج للعلم و قواعد العمل النّاجح، ما يكفل نشوء و استقرار الجماعة أو المجتمع و تشكيل الهيئة السّياسيّة الموافقة لدرجة الأمان الاجتماعيّ و الاقتصاديّ، و التي نسمّيها "المجتمع".
فالمجتمع هيئة اجتماعيّة و سياسيّة (بما هي السّياسة، أيضاً، إدارة عامّة و تدبير اجتماعيّ أوّليّ) موحّدة الأهداف و الحاجات و التّطلّعات، قبل كلّ شيء، و ليس هو، و حسب، عبارة عن تجمّع أو تجمّعات لأفراد ترتبط، نسبيّاً، بدرجة أوّليّة و محدودة، بعلاقات شكليّة و ظاهريّة تفترض من ذاتها علاقات اجتماعيّة كافية، لتصمد أمام التّناقضات الحتميّة في التّفاعل و الاحتكاك.
و من جهة أخرى فإنّ الثّقافة المعاصرة، في التّحدّيات التي تطرحها عليها ظروف العالم المعاصر، في قدرة العلاقات على الصّمود أمام تحدّيات الانقسام الفرديّ و الجماعيّ، تختلف عمّا كانت عليه من مركّبات بسيطة، كافية لتأمين درجة من درجات التّواصل و العلاقات الاجتماعيّة الأوّليّة و البسيطة في ظروف الحياة الإنسانيّة التّقليديّة، التي تتميّز بالحدّ الأدنى من التّواصل و بالتّالي بالحدّ الأدنى من التّأثّر و التّأثير المتبادلين.
تشمل الثّقافة المعاصرة المؤدّية إلى اندماج الرّوح الثّقافيّة الواحدة لشعب من الشّعوب في إطار المجتمع السّياسيّ المنظّم، تشمل، بالإضافة، إلى ذلك المركّب النّظريّ و العمليّ الذي تحدّثنا عليه أعلاه، ما هو يدخل في متطلّبات هذا "المركّب" من قواعد "ثقافيّة" للسّلوك و العمل و الاستمرار، و ذلك بما يتناسب مع درجة الاندماج النّظريّ.
فروح التّعاون المنظّم و المقصود لذاته و التّفكير في إطار "الجماعة" الواسعة و "المشروع"، من أجل تحقيق الأهداف المشتركة، هما من أسس الثّقافة المعاصرة على صعيد قواعد السّلوك و العمل، المفضية إلى منظومة أو منظومات الأداء العامّ، الذي يكفل تأمين ظروف إنتاج القيم الاستعماليّة في حدّها الأدنى، أوّلاً، و التي تتطوّر في حينه مع المرحلة التّراكميّة لها، إلى القيم التّبادليّة الخالقة لأوقات الفراغ، التي تؤمّن الظّروف الضّروريّة لخلق القيمة النّظريّة المتمثّلة بالحساسيّة و الجماليّة، اللتين هما أوّل الطّريق إلى الأخلاق.
الثّقافة و الاندماج الثّقافيّ، إذاً، هما مقدّمة كلّ أخلاق أو كلّ قيمة أخلاقيّة، نظريّة و عمليّة دينيّة و إيمانيّة، تضيف إلى الوجود النّاجز ضرورات المغزى..
و هكذا لا يمكن التّخرّص بالحديث على الأخلاق، كما يفعل الكثيرون، ما لم يسبق هذه المرحلة الاجتماعيّة وجود مجتمع مندمج ثقافيّاً، أوّلاً، بما هو هذا الاندماج الثّقافيّ مقدّمة وجوديّة مادّيّة و مشتركة و تشاركيّة لتعليل كلّ نظريّة و ممارسة أخلاقيّة.
إنّ مركّب الثّقافة كما تحدّثنا عليه، هو في حدّه الأدنى مركّبٌ يؤدّي إلى التّفاعل بين أعضاء الجماعات المجتمعيّة المختلفة، من أجل إحداث الفارق النّسبيّ في العمل و الذي ندعوه "التّعاون" و "التّكافل" بدلاً من الإقصاء و الإلغاء..؛
و هو (المركّب) العامل الحاسم في تطوير المشاعر و الأحاسيس العامّة المشتركة و التي هي أساسٌ أوّليّ لأيّ اندماج اجتماعيّ و لو في حدّه الأدنى، و أعني في تحقيق شعور "الإخوّة الإنسانيّة" انطلاقاً من أنّ الثّقافة العالميّة بما هي تهذيب لأدوات التّفكير، إنّما هي إرث مشترك بين جميع شعوب العالم، هذا الشّيء الذي هو في المسلّمات في ما قبل البديهيّات الطّبيعيّة، و لعلّها الحالة التي تتأكّد، بحسم، ممّا تمدّنا فيها الطّبيعة الحيوانيّة لمختلف الأنواع و الفصائل بين الكائنات الحيّة، بالبرهان على حقيقتها و على ضرورتها الحاسمة في مقابل التّهديد الطّبيعيّ الخالص للوجود كوجود نوع أو جنس؛
و هو ما يُنتِج الحالة التي تكفل اندماح المجتمع في وَحدة عمليّة (و لا نقول بالتّطابق)، تصبح فيه التّصوّرات النّظريّة، التي تقوم في هذه المرحلة مقام الاعتقاد و الأخلاق، متوجّهة في اتّجاه واحد يكون هدفه موحّداً، و هو الانتقال إلى ممكنات مواجهة متطلّبات العصر من فروض عمليّة، تنضوي على رهانات فرديّة و إنسانيّة و اجتماعيّة في وقت واحد ، يُعتبرُ فهمها و الإجابة على أسئلتها و تحدّياتها، هو السّبيل الوحيد لتحقيق الرّوح العامّة (العموميّة) و التي هي شرط الانتقال إلى وحدة المجتمع (اندماج المجتمع) بما هو أساس الدّولة الحديثة كما سنرى، حالاً، في النّبذة التّالية.
ثانياً - في الاندماج الاجتماعيّ:
لا يمكن لمُدّعٍ أن يتصوّر مجتمعاً مندمجاً إلّا على أساس اندماج ثقافة هذا المجتمع، بوصف الثّقافة الجمعيّة و الجامعة هي خطّ الاستواء الاجتماعيّ و الحدّ الفاصل بين الجريمة الوحشيّة و ظروف الوئام الاجتماعيّ في السّلام.
و هكذا فلا مانع أن نعيد، هنا، ما قلناه أعلاه، من أنّ الاندماج الثّقافيّ الأوّليّ لا يعني تطابقاً كاملاً في وجهات نظر الأفراد و الجماعات، أو في طرائق التّفكير النّظريّ، أو في واحديّة الاعتقادات و المعتقدات؛
و إنّما يعني ببساطة درجة من درجات التّطوّر الحضاريّ المعاصر الذي يُعيد أشكال التّجمع إلى فطريّتها الأولى، عندما كان شرط الجماعة النّوعيّة ضرورة للبقاء و الاستمرار، بما هو الشّرط الذي يُهيّئ للأفراد المختلفين و الجماعات المتعدّدة و الفئات المتفاوتة، التّكوينَ الرّوحيّ و النّفسيّ و النّظريّ، ما يمكن أن ندعوه بالاستعداد المتكافئ، لتلقّي مغزى التّحدّي الاجتماعيّ الواحد، الذي يطرحه الوجود و الواقع و التّطوّر، من باب الحاجة المباشرة و الدّاهمة، على "الجميع" بدون استثناء.
نحن لا نرى، هنا، حرجاً في تشبيهنا الضّروراتِ و التّحدّياتِ الحاليّةَ أمام بنية مجتمعنا "الوجدانيّة"، في درجتها التي هي ما هي عليه..، بتلك الضّرورات "الوجوديّة" التي انتصبت كتحدّيات للإنسان البدائيّ الأوّل، في حضارتنا هذه، لسببين على الأقلّ:
الأوّل، هو ما شهدناه في "الحرب" من أنماط و نماذج إنسانيّة للسّلوك الاجتماعيّ المتدنيّ، ربّما إلى ما قبل الوحشيّة و البربريّة؛
و الثّاني، و هو ما تطرحه مغازي المصطلحات و الكلمات في أنّ "الوجدان" نفسه ليسَ سوى "وجود" و لو أنّه وجود أشمل و أجودُ و أعمقُ من سابقه بكثير.
***
تعقيب الأستاذ فهد ملحم:
دائما الشكر لك المفكر الدكتور بهجت سليمان لهذه الإشراقات. وفي الواقع موضوع الاندماج موضوع مهم جدا لأنه يهم المواطنين خاصة في الازمة السورية...
- إسمح لي وبحسب مفهومي البسيط المتواضع أن أتطرق لموضوع الاندماج الاحتماعي؛ ومن نافلة القول في هذا السياق بأن الدولة هي المحرك الأساسي والحافز الرئيسي في عملية الإندماج الإجتماعي؛ كونها تحاول دائبة أن تدمج الأفراد فيها؛ وتجعلهم يندمجون وقوانينها ومبادئها، وذلك عن طريق وسائل متعددة كالنقابات ووسائل الإعلام بكافة أشكالها؛ والهدف الأسمى في هذا الاندماج هو الإندماج الثقافي، وهذا الأخير يعتبر ممهدا للإندماج الإجتماعي؛ فأي دولة تسعى بكل جهدها، إدماج الأفراد بثقافتهم وتعلقهم بتراثهم أو ما يمكن تسميته "الاندماج المعياري القيمي"
(ومن هنا نلاحظ أن العدو وقبل كل شيء يقوم بمحو المعالم والآثار لأي بلد؛ وهذا ما لاحظناه بشكل جلي عندما قامت "داعش" بتدمير الآثار في سورية تدميرا ممنهجا؛ لفصل الأجيال القادمة عن تراثها وتاريخها وبالتالي تبتر اندماجها الثقافي بدولتها...)
- الموضوع شيق جدا ومهم.. وشكرا مرة ثانية للمفكر بهجت سليمان على هذه اللفتة وهذا المجهود
- ولكن وقبل أن أنسى لابد أن نشير أنه من ضمن الأهداف بعيدة المدى للعدو، كان موضوع القضاء على الاندماج الاحتماعي للأفراد ضمن الوحدة الدولية؛ وذلك عن طريق مفهوم معاكس وهو الاستبعاد الإجتماعي؛ (سواء أكان هذا الإستبعاد داخليا أو خارجيا)..
وأزمتنا السورية حبلى بالأمثله حول موضوع الإستبعاد الاجتماعي الممنهح؛ (وهذا ما سعت إليه تركيا عندما نصبت للتائهين الخيام؛ مدعية السلام والوئام؛ لكنها هدفها الاول والأخير الانفصال ما بين الدولة والأقوام...)
وهنا عن قصد أو غير قصد رأينا كيف أن البعض تخلى جهارا عن هويته وكفر بتراثه واندماجه بدولته (وحول هذه النقطة نكون قد اقتربنا من "النظرية البنائية" ومفهوم الانتماء والهوية. وهذا بحث آخر لسنا بصدده الآن...)
- موضوع غني كهذا لا يمكن الإحاطة به في تعليق؛ عذرا لهذه الإطالة ونتمنى تقبل وجهة النظر هذه البسيطة والمتواضعة... /وجهة نظر/.
***
فيما عقبت الدكتورة رشا شعبان:
كل الشكر لك دكتورنا الغالي، لفكرك و أسئلتك الدائمة التي تعمل على تحريض عقولنا، و البحث في أسئلتنا الراهنة التي ترتبط، بالماضي و المستقبل بآن معا.
و لا شك أن البحث في الإندماج الثقافي و الإجتماعي وصولاََ للسياسي، من الموضوعات الأهم في التعامل مع التحديات الراهنة.
و إذا ما بدأنا في الإندماج الثقافي، يمكننا القول أن ثقافة ما تنشأ، لحظة ما تستيقظ روح نبيلة فتنفصل عن الحالة النفسية البدائية للطفولة الإنسانية الأبدية، و التي تنشد إليها الذات النكوصية مرضياََ، في الأزمات و التحديات و الحروب.
و لا شك أيضاََ أن ثقافة ما تموت، عندما تتجلى في تناحرات مذهبية و دينية و طائفية و عرقية، تغلّب الروح الإنفصالية على الروح الثقافية الواحدة في الأمة..
حيث تتحجر الثقافة و تموت و تخور قواها ولا تصير حضارة، حين تغوص في الإختلاف على حساب المشترك و الوحدة.
و الإنسان المثقف هو الذي يُحسن ختم أفعاله ببصمة كلية، و هو الذي تخلى عن خصوصيته بحيث أصبح يتصرف وفق مبادئ كلية، و على ما أكده "هيغل" أن ذلك يرتبط ب استيعاب السّمات الخاصة في جزئياتها و تجزئة الظرفيات و عزل مختلف المظاهر و الفعل تجريدياََ، ب إضفاء صورة الكلي مباشرة على كل سمة من هذه السمات.
نعم إنه يمنح الثقافي شكل الكلية.
و يشمل التنوع بين الأفراد و الثقافات حداََ كبيراََ، إلى درجة أننا نحسب القول بالوحدة الإنسانية و الثقافية ضرباََ من التجريد، و بخلاف ذلك قد نتغنى بوحدة الإنسانية، فنقضي على فكرة التنوع، و في كلتا الحالتين لا نتمكن من فهم جدلية الوحدة و التنوع بما هي الأساس التفسيري للإنسان و الثقافة على حدِِ سواء.
و هنا يبرز الإندماج الثقافي بوصفه ذلك الهارموني في العلاقة بين الخاص و العام، و فهم كنه الإنسجام بين الإختلاف و الوحدة و بين التمايز و التشاركي في الثقافة.
نعم ثمة وحدة ثقافية و ثمة تنوع ثقافي، هناك وحدة داخل التنوع الثقافي، و ثمة تنوع داخل الوحدة الثقافية.
و في جميع الأمور الإنسانية لا ينبغي على التنوع في حدّه الأقصى، أن يحجب الوحدة، ولا أن تحجب الوحدة الصمّاء التنوع الحيوي.
يجب أن نتفادى تلاشي الوحدة عند ظهور التنوع و تلاشي التنوع عند ظهور الوحدة.
و هذا أمر قد يصعب فهمه في العملية الإدماجية، حيث تميل الأذهان إلى إدراك التنوع الهيمن، فتقع في فخ التفرقة القاتلة التفكيكية للثقافة و المجتمع.
و فهم كنه العلاقة بين التنوع و الإختلاف هو مفتاح و سر تحقيق الإندماج الاجتماعي، لتحقيق الوحدة المركبة للثقافة الكلية.
علينا أن نتصور وحدة تضمن تنوع الثقافي و تميزه، و أن نتصور تنوعاََ ينخرط في الوحدة المركبة، إنها الوحدة في التنوع، و التنوع في الوحدة، الوحدة التي تنتج التنوع و التنوع الذي يعيد إنتاج الوحدة، إنها وحدة الثقافي المركب الخلاقة، و التي تتعيّن في الإندماج الثقافي.
و بالتأكيد يشكل الإندماج الثقافي، القاعدة التأسيسية اللازمة و الضرورية للإندماج الاجتماعي.
و بالفعل، إن مسألة التنوع الثقافي داخل المجتمع، تطرح العلاقة مع التنوع الاجتماعي بوصفه واقعاََ موضوعياََ و طبيعياََ، و هذا التنوع موجود في كل مجتمع، حيث تظهر بعض الاختلافات التي تعلق كل واحدة منها في التجمعات التي يتشكل منها المجتمع، فالفئات و الطبقات و الأوساط المهنية تؤكد التنوع، و يمكننا التساؤل عما إذا كان هذا التنوع الداخلي يتجه نحو الهدف التنموي و التقدمي في المجتمع؟
و طبعاََ الإجابة تكمن في وجود مؤسسات للمجتمع المدني، تصوغ أهدافا مشتركة للتنوع و تعمل على توحيدها، بصيغة تفاعلية ديناميكية تحقق التنمية و النهضة و التنوير في المجتمع، و كذلك يناط ذلك بمدى استيعاب تلك المؤسسات في المجتمع ل الإندماج الثقافي و استثمارها له في التنمية المنشودة.
يتضح إذاََ، أن التنوع الإجتماعي لا يجب إدراكه على نحو ساكن، فهو ليس تنوعا جامدا، يفضي إلى وحدة سكونية جامدة، وهذا يتطلب النظر إلى العلاقات بين الجماعات بفعل ديناميكيتها لا بفعل انعزالها عن بعضها.
و هذا ما سبق و أشرتم إليه في بحثكم حول الفروق بين المجتمع المنفتح و المجتمع المغلق.
فالمجتمع المغلق هو المجتمع الذي يكرس الإنعزالية بين مكوناته الداخلية و في علاقته مع الآخر.
و بالتأكيد العمل على صياغة الإندماج الثقافي و الاجتماعي، ليست مسألة ارتجالية و ليست أهواء و رغبات شخصية، إنها عملية ممنهجة علمياََ في إطار امتلاك الأدوات و السبل و الخطط المدروسة في صوغ المشترك و الهدف الواحد و المعيار المنشود.
و لا نجانب الصواب في تأكيدنا أن عملية إنجاز الإندماج الثقافي و الاجتماعي، سوف تفضي إلى تجسيد الدولة مفهوماََ و واقعاََ، في إطار العملية الديمقراطية السليمة و الناجعة..
و غياب الإندماج الثقافي و الاجتماعي سوف يجعل من الديمقراطية فعلاََ هدّاماََ، يغلب عليه الطابع الشخصي و التفتيتي، بدل أن يصوغ المصالح المشتركة البناءة للدولة القوية الفاعلة.
و بئس الديمقراطية التي تفتقد الإندماج الثقافي و الاجتماعي، الذي يفضي إلى تغليب الشخصي و الغرائزي على حساب الصالح العام و الإنساني، و الذي يؤول بدوره إلى دولة هشة ضعيفة، فاقدة للمقومات الجوهرية للدولة.
و غياب الإندماج الثقافي و الاجتماعي، سوف يفضي إلى غياب الاندماج السياسي في العلاقة بين الأحزاب و المكونات السياسية.
و طبعاََ عندما يتحقق الإندماج السياسي سوف تمتلك الدولة القدرة على الإندماج في العالم، الذي يحفظ الهوية و التمايز و الانفتاح على الآخر و التفاعل وفق مبدأ توازن القوة، و إلا سيشكل الإنفتاح على العالم الذوبان في الآخر و الاندثار.
و أخيراََ أكرر شكري لكم أيها الحكيم و امتناني الكبير لما تقدمه من مادة جدلية عميقة و كثيفة، راجية أني استطعت التفاعل مع الأفكار الهامة.
محبتي و احترامي لك أستاذي الدكتور بهجت سليمان.
***
كما عقّب المهندس ياسين الرزوق:
في إطار الخروج من خرافة التأسيس السياسي إلى أسطورة التكوين الممنهج للحياة بكل تعاريفها الفردية و المجتمعية داخلياً و خارجياً سياسياً و ثقافياً و اجتماعياً و اقتصادياً و فكرياً و مؤسساتياً.
لا مناص من الوقوف البنيوي على ما تفضلت به دكتورنا العزيز في ظل ما يسعف الروح لا من باب "و قل الروح من أمر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا" بل من باب أن الروح هي الرافعة التي تجعلنا نتماشى مع الخرافة في سبيل الحقيقة و ندحض الحقيقة في سبيل تصويب الخرافة علها تفتح آفاقاً من الحقائق التي لم نعترف بها بعد.
كل ذلك في إطار بنى الاندماج الذي تحتار هياكله في ظل البناء العالمي الواحد الذي لم نعد نعرف قاعدته من رأس هرمه حيث تشابكت المصالح فاختلط الحابل بالنابل.
و لم تعد مقولة العالم قرية واحدة صغيرة تشفي العالم بقدر ما تخلق التنافس إلى حد المناحرات في البنى الاندماجية الواحدة لعل على رأسها منظمات أممية و تكتلات إقليمية و دولية كمنظمة التعاون الخليجي التي بقدر ما تبدي تماسكاً بالمظهر السياسي البنيوي في الاتجاهات الاندماجية من الثقافية إلى المجتمعية إلى السياسية إلى العالمية..
بقدر ما تسقط في أول تجربة انزياحٍ عن القطيع بما يبرهن على سقوط التشاركية باتجاه الذوبان و الانصهار.
و أي خروج على هذا الذوبان و الانصهار يبدو و كأنّ ثمنه تفتيت أية بنية للاندماج.
و سقوط أية نظرية للتماسك الاندماجي الذي خرجت بريطانيا بعرقها الاصطفائي به من الاتحاد الأوروبي وفق تصويت ممنهج يدل على الانحسار إلى القوميات و الاقتصادات الأصغر بدلاً من الاندماج الذوباني الذي بقدر ما يبقي الدول و المجتمعات متماسكة بقدر ما يسلب الفرد و الكيانات الداخلية عالمياً أدنى حقوقها.
و ما تجربة الوحدة بين سورية و مصر إلا ضربة موجعة لهذه الاندماجات بعد أخذ إقليم كامل إلى الاصطفاء الذي يذيب مكونات بأسرها في سبيل مكونات أخرى و هذا ما أفقده حقيقة الاندماج بجعله خرافة تأسيس قوى كبرى ينخرها الانهيار الداخلي.
فكان لا بد من مظاهر أخرى للاندماج بشكلانية ترهب الخارج و تبقي الداخل ماضياً على خصوصياته ذائباً في قرارات كبرى كالسلم والحرب بما يحفظ كيانات الدول التي لعل حلف المقاومة العابر للحدود الذي حفظ و لو على المدى المنظور خصوصيات دوله و كياناته مثال صارخ على اندماج توسعي فيها لا تفتيتي و فكري منظم لا عشوائي همجي القوي به يأكل الضعيف بحجة العولمة و الاندماج التي أسقطت الاتحاد السوفييتي بالحروب الاقتصادية..
بينما جعلت من أميركا قوة عالمية أولى عسكرياً و اقتصادياً تتجه الكيانات فيها يوماً بعد اليوم إلى البحث عن وجودها الانفصالي بما لا يسقط الاندماج الشكلاني و لكن على قاعدة العدالة في توزيع ثروات الأقاليم التي ما اتبع بها العرب يوماً قاعدة نفط العرب للعرب بل نفط العرب لسواهم..
وفق قاعدة جديدة تقول النفط أساس الملك التبعي لا الاندماجي حيث يسقط الاندماج لصالح الذوبان أمام الكعبة في تناحرات لا تختفي حولها حتى يزول الاستقطاب بعيداً عنها ما يجعل البنى العقلانية في مجتمعات الإسلام السياسي الذي تستقطبه الكعبة .
و في مجتمعات المسيحية السياسية التي يستقطبها الفاتيكان ساقطة عند أدنى انهيار لمنظومة المصالح الذوبانية قبل الاندماجية ذوبان الضعيف في نار القوي و انصهاره و ذلك ما يجعل الكيانات الصغيرة تقاوم زوالها بأحلاف الند بالند باندماجيتها غير الشكلانية لا بمشاريع التبعية بكل أكاذيب استقلاليتها الاندماجية الشكلانية التي من المفترض أن يحمي بها القوي الضعيف لا أن يهضمه و يأكله لحماً و يرميه عظماً...
من كل ما طرحناه نسعى معاً كأمم و كشعوب باتت أمة و شعبا و أسقطت أسطورة الانهيار التقليدي بمقاومة غير مسبوقة للحفاظ على وجودها القريب من الاصطفاء مهما بدا الاقتتال في مكوناتها الفطرية و العقائدية و الانحسارية التي تريد إسقاط الكل في سبيل فئات لن تحمي المفاهيم الاندماجية بقدر ما ستجعلها عرضة لذوبان و انصهار غير تكويني و غير ممنهج تتشوه فيه المعالم و تغدو الدولة به مسخاً لا ينشر إلا القبح و الظلام...
كل النور لفكرك و للإندماج الذي يبقينا أمة لا تزول.... لك الحب دكتورنا الغالي بهجت سليمان.
***
وختاماً كان تعقيب الأديبة هيلانة عطا الله:
طوبى لبهاء فكرك يا سعادة السفير.. هذه الحلقة نواة لدراسة موسعة في موضوعة الثقافة بكل تجلياتها لما ورد فيها من تحليلات واقعية وتفسيرات معمقة ورؤى مستقبلية، فهل نقرأ كتاباً لكَ بهذا المجال؟ أتمنى.. 
اسمح لي بالتعقيب التالي:
جذر كلمة ثقافة كما ورد في المعجمات الفعل الثلاثي "ثَقِفَ" أي وَجَدَ، وعليه فالمثقف هو الفرد أو المجتمع الذي "وجد" السبل والوسائل المواتية لإدارة شؤون حياته على الأصعدة كافةً.
وثقافة أمةٍ ما هي مجموعة النظم المعرفية والعلمية والفنية والقانونية والعقائدية والأحزاب والمنظمات والعادات والتقاليد لهذه الأمة.
في مجتمعاتنا العربية نعاني مما يمكنني تسميته الثقافة الوضعية التي يتم تلقينها مع وضع خط أحمر تحت هذه المفردة "تلقين" لما لها من محاذير في تعطيل العقل وتحويل المجتمع إلى متلقٍّ منفعل غير فاعل، وإذا فعل فيا لسوءَ فعلته! ويأتي التلقين من خلال المؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية ومن أخطر منها أعني المؤسسات الدينية، مما يوقع المجتمع في حالة الغربة عن الواقع المعاش بما فيه من حركية مضطردة وخاصة في عصر التقانة المعلوماتية التي حولت العالم إلى قرية، ومن أهم نتائج ذلك أن العرب وقعوا فريسةً لهذه العولمة التي لاترحم الضعفاء، هذه الثيمة أوقعت المجتمعات العربية في حالة صراع مع الذات ومع الآخر، صراع بين التمسك بالمخزون الثقافي المنغلق الرافض للخروج إلى النور وبين الحاجة الماسة إلى ما يفدُ إلينا من الغرب المتطور من مستلزمات تبقينا على قيد الحياة، وقد يفتي البعض بحلّ هذه المعضلة بالقول: استفيدوا منهم والعنوهم، بل الأسوأ من هذا أن يعتقد البعض أن الله سخّر الآخرين لخدمتنا وكأننا ملوك على عروشنا المتخيَّلة وكل مانريد يأتينا على أطباق الذهب، ما يجعل منا أمة تظن أنها "خير أمة أخرجت للناس" وأن أبواب الجنة مفتوحة لنا وموصدة على الآخرين، وهنا اسمح لي بالاستطراد قليلاً بالعودة إلى "ثقف" بالمعنى الديني "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" لأقول: إن المثقف من وجه النظر العقائدية هو من وجد الله فأحبه في خليقته وقبله بقبوله للآخر المختلف عنه، ففي التنوّع غنىً تماما كما خلقنا الله "قبائلاً وشعوباً" لنتعارف لا لنتصارع ، لأن المفهوم الثقافي للعلاقات الإنسانية يقوم على حوار الحضارات لا على صراع الحضارات كما روّج له مثقفو العولمة الصهيو أمريكيه من أمثال فرانسيس فاكوياما وصموئيل هنتنغتون، واستهدف أعداؤنا أجيالنا بتطبيعهم ثقافياً منذ عقود خلت وصولاً إلى تقبُّل الكثير من الشباب العرب والمثقفين العرب والقادة العرب لفورات "الربيع العربي".
ومن وجهة نظر الشعراء ـ وهم الفئة الجميلة من المثقفين ـ أتساءل لماذا لا يستقيم الكون إلا بهذا التنوع الطبيعي في الفصول والمناخات والتضاريس؟ ولماذا نستمتع بالورود المتنوعة بألوانها وأشكالها وعطورها رغم أنها تتغذى من نفس التربة والماء والهواء؟ اليس في ذلك عبرة لمن يسمّون أنفسهم متّقي الله وحافظي كتابه؟
ومن وجهة نظر الأنثروبولوجيا فإن طبيعة ثقافتنا ببداهتها وسذاجتها ـ طبعاً لا أعمم ولكن في الغالب هي هكذا ـ طبيعة هذه الثقافة الجمعية المتوارثة تكاد تخلو من المكونات الفكرية الكفيلة بحيوية ديموتنا كأمة لها الحق في الحياة الحرة الكريمة، ولكننا تخلفنا باستكانتنا للنمطية المألوفة تارةً بإرادة منا، وطوراً بسبب ظروف موضوعية مفروضة علينا وأخطرها الحروب.
وعلى صعيد آخر تعاني مجتمعاتنا العربية مما يمكنني تسميته ظاهرة شيطنة الثقافة، فعندما يخرج علينا ثلةٌ من المثقفين الرواد في السياسة والمجتمع وهم يهتفون بشعارات تحيّي الإنسان وتحترم حريته في التفكير وهم في الواقع يبثون السم بالعسل على طريقة الديماغوجيين الذين يضللون الشعوب، لأنهم في الحقيقة يروجون لمشروع ينطوي عل خطر كبير يحيق بالوطن والمواطن، هنا تماماً تغدو الثقافة لا غائية لأنها تجردت عن الأخلاق، ونعلم أن المثقف هو الأقدر على الإقناع وتغليف الفكرة الشريرة بقناع ملائكي.
وأخيراً أختم بقولك يا سعادة السفير د. بهجت: "لا يمكن لمُدّعٍ أن يتصوّر مجتمعاً مندمجاً إلّا على أساس اندماج ثقافة هذا المجتمع، بوصف الثّقافة الجمعيّة و الجامعة هي خطّ الاستواء الاجتماعيّ و الحدّ الفاصل بين الجريمة الوحشيّة و ظروف الوئام الاجتماعيّ في السّلام"
دمتَ ودامت سورية وطن الشمس.