كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الدكتور بهجت سليمان يكتب عن "الأقلّيّات.. و الأكثريّات".. في "المفهوم" و في "الواقع" السّوريّ

(الحلقة الواحدة والثلاثون "31“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي")

(الأقلّيّات.. و الأكثريّات)

(في "المفهوم" و في "الواقع" السّوريّ..)

د. بهجت سليمان

لم يعرف التّاريخ استقراراً و تناسباً ديموغرافيّاً حسابيّاً أو طبيعيّاً لتوزّع البشر الأوائل الذين همّوا بالحياة التّعاونيّة اتّقاء صعوبات العيش و "شرور" الطّبيعة، منذ القبيلة الأولى و حتّى الدّولة المبكّرة في المدن الصّغيرة، التي تجاوز فيها الأوّلون حياة التّنقّل و الصّيد و الرّعي و حياة الكهوف و العيش في جوار العراء..

فقد بدأت التّجمّعات الأولى المتنوّعة بالمصاهرات (الزّواج الخارجيّ) التي كان لها دورٌ مفتاحيّ في التّعرّف على "الآخر" الغريب عن القبيلة..

فيما يعتقد علماء الأنثروبولوجيا (علم صفات التّطوّر الثّقافيّ للشّعوب في إنتاج الأنسنة- الإناسة) و الأثنولوجيا (علم أصول الأعراق و الأجناس) أنّه لم يكن بالإمكان الانتقال إلى الاستقرار القبليّ الأوّليّ في تجمّعات سكنيّة و سكّانيّة، لولا هذا التّمازج في إطار التّحريم الجنسيّ و قيود الزّواج من المحارم، فعرفت بذلك البشريّة أوّل تناسبات غير متكافئة بين الأصليين من سكّان القبيلة، و بين أصهر القبيلة من الوافدين من خارج الأرض و السّكّان، و الذين فضّلوا الاستقرار في القبائل المضيفة، أو سيقوا إليه تحت رغبة المانحين من العمومة الجُدد أو تحت رغبة.. أو إرادة الزّوجات.

و بهذا نعزو أوّل الأشكال الجنينيّة إلى التّجمعات "الحَضَريّة" المستقرّة مع الزّراعة و الصّيد المنظّم، الذي ينتقل أبناءُ القبيلة من أجله إلى أراضٍ بعيدةٍ و غريبة، ليعودوا يوميّاً أو دوريّاً..
أو فصليّاً إلى الأرض الأمّ مانحة الاستقرار و المعمّدة بدم القرابين المقدّسة؛ و نعزو، مع هذا، أوّل التّوزّعات الدّيموغرافيّة المختلطة بين أبناء القبائل المختلفة.

و نفهم ممّا تقدّم أنّ الاستقرار البدائيّ الأوّل، كان مشروطاً بالتّنوّع الدّيموغرافيّ أو الجينالوجيّ الأثنولوجيّ (الأصلويّ) للمختلفين، الأمر الذي شقّ الطّريقَ إلى أوّل التّجمّعات البشريّة التي نستطيع أن نعتبرها، اليومَ، كأوّل نواة لمفهوم "المجتمع" البدائيّ الأوّل، ما مَهّد لنشوء فكرة و واقع المجتمع كما نتصوّره اليوم.

لم يكن، ساعتها، من الممكن أن نتصوّر "ثقافة" ما، تشيرُ إلى الغريب أو الغرباء عن القبيلة، بحيث أنّ الاندماج كان يحصل طبيعيّاً و تلقائيّاً، لمجرد الانتماء المتبادل بين القبائل لسبب من الأسباب أو لآخر.

في تلك الأثناء التي نتحدّث عليها، ظهرت في التّاريخ الجماعات الأولى من التّجمّعات البشريّة لحاجات طبيعيّة و غريزيّة، حيث لم يكن ليخطر في بال الإنسان المبكّر، أن حاجاته نفسها ستغدو، يوماً، عبئاً عليه في الاجتماع السّياسيّ (ظهور اعتماد الفوارق الانتمائيّة اعتماداً للتّفريق)، بعد أن ظهرت في التّاريخ ملامحُ القوّة التّراكميّة للعقل، لتنحرفإلى العنف الهادف إلى الاستئثار، و الذي أسهم بشكلٍ رئيسيّ بخلق تاريخ الإنسان الطّويل.

و التّاريخ شيء عجيب بما هو يؤلّف المسائل التي طرحها على الإنسانيّة، في "التّطوّر"، و التي أصبحت تدريجيّاُ أكثر تعقيداً، لتحتاج إلى حلول في إطار الفكر و الثّقافة و الاجتماع و السّياسة، على مدى الزّمان.

و نستطيع الجزم، بناءً على التّاريخ، أنّ هذه المعضلات و المسائل لم تُطرح على الشّعوب بمساواة أو عدالة، و هذا جلّ ما يجرؤ العقل على التّفكير فيه في معرض قبوله أو رفضه لتلك المشكلات التي ستدخل، لاحقاً، في إطار الاختلاف و الخلاف.

لقد ساهمَ الإنسانُ نفسه، و يُساهم، و لأسبابِ تطوّرِ غرائزه (سلباً أو إيجاباً) في مجرى "الثّقافة" (إذ الإنسان حيوان مثقّف أيضاً!)، عن قصد و عن غير قصد، في تعقيد الكثير من المسائل التّاريخيّة التي ينقضي على تناقضاتها أجيالٌ و أجيالٌ و يقضُون فيها، فيما هم يحاولون جعلَ العالم أكثرَ إنسيّة أو أكثرَ وحشيّة أيضاً.

و هكذا وُضع الإنسان أمام خياراته الصّعبة عندما تولّت حلولَها "السّياسة" في إطار "الاجتماع"؛ و هكذا سيقتْ خيارَات الإنسان، أفراداً و شعوباً و جماعات، بالاضطلاع بالتّفكير الّلازم و الضّروريّ بالحلول المتوفّرة و تلك غير المتوفّرة لمشكلاته، بعد أن كان، هو نفسه، ضالعاً بخلق تلك المشكلات التّاريخيّة في سعيه الخاطئ، أو الجشع، أو البريء، إلى الامتلاك الاستئثاريّ أو الاحتكاريّ، و الذي ربّما تمليه الحاجة في التّصوّر أو في السّياسة، و بخاصّة في المجتمعات الحديثة و المعاصرة، فيما كان هذا العالم و ما زال يفرّ باطّراد من قبضة التّحكّم و السّيطرة، فلا يستجيب إلى التّدجين و الأنسنة منه إلّا الشّيء اليسير.

عندما يجري الحديث على "الإنسان" أو على البشر، فعلينا، دائماً، أن نتذكّر أنّنا لا نتحدّث على الملائكة أو على نوع من الملائكة.
و في الوقت نفسه فنحن لا نتحدّث على كائن حيوانيّ فطريّ (غريزيّ) حافظت فيه الفطرة الأولى على نقاء (و محدوديّة) دوافعه و حاجاته، حيث لعبت "الثّقافة" دورها الكبير في تثقيف الدّوافع و الغرائز الإنسانيّة، سواءٌ منها ما دخل في تطوّرات حميدةٍ أو تلك التي دخلت في أخبث و أسوأ ما يُبعدها عن طبيعتها الغضّة الأولى و عن تلقائيّتها، التي كانت تتمتّع بالكفاية بأيسر الأشياء و أقلّ الحيازات و أبسط الأدوات و أطيب القناعات.

و لسبب (أسبابٍ..) يكمن في "الإنسان" نفسه، و في مشروعه الغائيّ المعلوم و المجهول، كان لا بدّ أن يختطّ العنف و القوّة سبيلين لمواصلة إنتاج نفسه و واقعه، بتغيّر مستمّر في تراكميّة للأسباب و الأدوات و الأفكار و المصالح، و هو ما أدّى به إلى تجاوز القواعد الأولى لِ"الاجتماع" إلى أنظمة جماعيّة و مجتمعيّة مختلفة و أكثر تعقيداً، باستمرار، ما خلق ذلك النّحو من التّاريخ الذي نعرفه عنه اليومَ في شكله الانقساميّ أو التّمايزيّ الشّديد، و أحياناً المدمّر و الدّافع إلى الصّراع المسلّح، ما بين عناصره الأوّليّة التي اتّخذت لها، في مجرى "التّطوّر"، أسماءً أخرى، كالفئات و الطّبقات و الجماعات..، إلخ..
و ذلك عندما اختلفت قواعد الانقسام و تناقضت المواقع و المصالح و تطوّرت، أيضاً، الجوانب الأخلاقيّة الاستئثاريّة و الاستبعاديّة و الإقصائيّة و التّفوّقيّة و الدّونيّة في الدّافع الاجتماعيّ الواقعيّ، فإذا بنا مع مفاهيم جديدة و أفكار ناشئة في مجرى العلاقات، كان لها دور عكسيّ، في الثّقافة، و أعني في تعزيز تعضّي و تمايز الانفصالات الاجتماعيّة المقنّعة بما يُسمّى "المجتمع".

من الضّروريّ التّنبيه، هنا، إلى أنّه لم يعرف الإنسان منذ تجاوُزِهِ الهلعَ الطّبيعيّ البدائيّ، في ما يُعرف بالتّجمّعات الأولى التي كانت نواة للحياة الاجتماعيّة الحديثة، لم يعرف، بالمطلق، ما يُسمّى بالانسجام الصّنعيّ للعلاقات المتبادلة، و إنّما جلّ ما قد حقّقه في هذا الإطار، هو ما يتعلّق بالانسجامات الضّروريّة له، تلبية لتلقائيّة طبيعيّة، و حسب، و ذلك في إطار الوحدات الجماعيّة التّلقائيّة أو شبه التّلقائيّة، و التي تكفل له وجوده كما قد يتصوّر، غريزيّاً أو ثقافيّاً، و يرغب هذا الوجود.

كان للاختلاف و التّفريق و الافتراق الاجتماعيّ الثّقافيّ، في المنظومات الطّبيعيّة أو الصّنعيّة، و للتّناقض النّمطيّ لتمايزات الاستعدادات و السّلوك كما للنّسقيّة الثّقافيّة المغرضة أو الأغراضيّة، كان لذلك مظاهرُ شتّى معروفة في التّاريخ، و نابعة من المشروع الذي يُمثّله الإنسان، نفسه (و أي الخلاف و الاختلاف)، و لا حاجة إلى العودة إليها، هنا، سواءٌ منها ما كان واقعيّاً و ضروريّاً أو ما كان منها عسفيّاًو صنعيّاً لاستثمارات اجتماعيّة سياسيّة، احتاج إليها الإنسان في إطار الفكر أو التّفكير الاجتماعيّ الصّنعيّ، و كانت "ضروريّة" من أجل تحقيق "أغراض" معيّنة أو تساهم على نحو أو أكثر بتحقيق مثل هذه الأغراض.

و من الضّروريّ أن نذكّر، تذكيراً فقط، بدور "القوى" صاحبة المصلحة في هذه الاختراعات النّسقيّة و النّمطيّة في المجتمعات الأولى، مُعَنْوَنَةً بأفراد أو أقلّيّات جماعيّة تطوّرت نحو الفئات و الطّبقات المعروفة أخيراً في المجتمعات التّاريخيّة، بدءاً من مصالحها الخاصّة التي استثمرت في سبيلها، ممّا استثمرت، القاعدة الواسعة من الجماعات، معتمدةً على سذاجتها و رعاعيّتها، فاستمدّت منها الوقود الّلازم لأفكار التّسلّط و الهيمنة و الاستثمار؛

و ذلك كما لا يخفى من دورٍ للقوى الخارجيّة في تشكيل هذا النّمط من السّياقات الاجتماعيّة و ذلك النّسق من التّفكير التّابع، و ذلك بما يخصّ الفترة الزّمنيّة المتقدّمة نسبياً في تاريخ البشريّة، و أعني منذ ظهور فائض التّراكم الاقتصاديّ و الرّمزيّ الذي سمح كلّ منهما بتعزيز تقييد المجتمعات تقييداً داخليّاً هادفاً، ينضمّ إلى المصالح النّاشئة في داخل تلك المجتمعات، ممثّلة بأسيادها المتفوّقين لأسباب متعدّدة و مفهومة، و ذلك منذ أوّل التّاريخ الذي يسمح لنا بالحديث على نشوء النّمط الكولونياليّ (Colonialism) العالميّ في التّبعيّة و الاستتباع الاجتماعيّ السّياسيّ التّاريخيّ، و الذي هو ليس سوى الجيل الأوّليّ و المتخلّف و الحادّ من وحشيّة الإمبرياليّة المعاصرة، التي تجاوزت فيه أوصافُها قواميسَ الاقتصاد و السّياسة المعروفة على مرّ التّاريخ.

هكذا، إذاً، حكم مفهوم التّفاوت و الّلاتكافؤ تاريخ البشريّة، منذ الصّياغات الأولى للعيش الجماعيّ.

و مع "التّطوّر" الطويل لأشكال "الاجتماع"، ظهر ما يسمّى بالحدود الثّقافيّة أو الاجتماعيّة أو الجغرافيّة أو السّياسيّة، و ذلك بحكم جملة من التّفاوتات السّببيّة الدّاخليّة كما في حالات التّعضّي الاجتماعيّ الوظيفيّ أو المهنيّ أو الحرفيّ أو الطّبقيّ..، إلخ؛ أو الخارجيّة كما في حالات الغزو و الاستعمار فيما بعد.

و لقد ساهمت الأفكارُ و الثّقافات و الاستعدادات بدورها في ذلك، فبدأت تترسّخ في الوعي التّاريخيّ مفاهيم جديدة و عديدة، و منها كان مفهوم "الأقلّيّة" أو "الأقلّيّات" (Minorities) و "الأكثريّة" أو "الأكثريّات (Majority).

لقد مرّ هذا المفهوم بمراحل تطوّريّة و تاريخيّة مديدة و عديدة، و كان له في كلّ مناخ تاريخيّ و اجتماعيّ و سياسيّ، مدلولات تختلف بحسب المرجعيّة الإسقاطيّة لهذا المفهوم على الواقع الاجتماعيّ.

و سوف يعنينا هنا تقسيمُ الحديث إلى مرحلتين، نتحدث في الأولى على المفهوم في تطّوره الاجتماعيّ و السّياسيّ و الأنثروبولوجيّ؛

بينما نخصّص في الثّانية الحديث على واقع هذا "المفهومالاجتماعيّ".. في (سورية)، و كيف جرى و يجري العبث به، سياسيّاً، في ظروف "ثورتنا"(!) السّوريّة السَّقط!

أوّلاً - في تطوّر المفهوم:

إذا اخترنا المعيار العدديّ المجرّد، سياسيّاً و ثقافيّاً، لمفهوم الأقليّة (الأقليّات) و الأكثريّة، فنحن أمام جملة كبيرة من الأسباب و المناسبات، التي تسمح بنشوء هذا النّوع من واقع التّوزيع الجغرافيّ و العدديّ و الدّيموغرافيّ، و لكنْ الذي لا تسمح فيه الظّاهرة الاجتماعيّة أو السّياسيّة، بترتيب أيّ نتيجة تدخل في سياق الأنثروبولوجيا التّاريخيّة (مع بعض الاستثناءات، هنا، بما يخصّ "الأنثروبولوجيا"، سنذكرها في حين موضعها في السّياق) لِتُكَوِّنَ أيّة مفردة قابلة لإحداث الدّلالة، ذات الفائدة التّاريخيّة في أو السّياسيّة للتّفسير الثّقافيّ و السّوسيولوجيّ، لواقع و مضمون هذه "الظّاهرة".

و يدخل في هذا الإطار واقع نشوء الأقلّيّة و الأكثريّة، جرّاء قيام أمّة أو دولة أو شعب من الشّعوب باستعمار أرض أو جزء من أرض أو شعب آخر أو جزء محدود العدد من هذا الشّعب قياساً بالعدد الذي تتمتّع به الدّولة المستعمِرة، بحيث يُصبح أصحاب الأرض هم الأقليّة أمام الوافدين المستعمرين، و لو لم يحصل استيطانٌ أكثريّ لأرض أصحاب المكان الذين تحوّلوا إلى تابعين سياسيّاً و أقلّ عدداً قياساً بعدد السّكان الأصليين، الذين يشكّلون قوام الدّولة الغازية أو المستعمِرة؛ و ذلك عندما تضمّ الدّولة المستعمِرةُ الدّولةَ الصّغيرة أو شعبَها أو جزءَ الدّولةِ الجديد أو جزءاً من شعب هذه الدّولة.

نحن هنا أمام واقع صريح من الانفصال التّكوينيّ الجديد المؤسّس لمفهوم واقعيّ من الأقليّة و الأكثريّة، بحيث أنّ الظّاهرة المستحدثة بالاستعمار هي أجلى من أن ينشأ حولها أيّ تناقض أو خلاف بالمفاهيم و الأيديولوجيّات و السّياسات، الّلهم إلّا ما يحكم هذه الحالة من موازين القوى العسكريّة و السّياسيّة و الإقليميّة و الدّوليّة، بحيث يُصبح الانقسام "السّياسيّ" على الوقائع موضوعَ تناقض فكريّ و سياسيّ و عقائديّ و قائم و مبحوث و واقعيّ.

من أقرب الأمثلة إلينا على هذا الشّكل السّياسيّ لمفهوم واقع الأقلّيّة و الأكثريّة، هو مثال الجزء العربيّ السّوريّ المغتصب من (تركيا) في (لواء اسكندرون) السّوريّ السّليب.

نحن هنا، فعلاً، أمام أقليّة عدديّة عربيّة سوريّة لها ما يُميّزها سياسيّاً بهويّتها السوريّة المجزوءة من السّيادة، ناهيك عمّا يُميّزها من هويّة قومية عربيّة، و كذلك ما يميّزها من ثقافة عربيّة و سوريّة، تختلف اختلافاً كاملاً عن ثقافة الأتراك المستعمرين، سواء بالّلغة أو بالتّكوين التّاريخيّ و الاستعدادات السّيكولوجية السّوريّة الخاصّة، التي يؤسس لها الفولكلور السّوريّ الطّويل بشكل خاصّ؛ و ذلك بعد أن جرى ضمّ السّوريين نهائيّاً إلى "المواطنة القوميّة التّركيّة" بالتّجنيس السّياسيّ القسريّ، في عهد استعمار السلطنة العثمانية.

و يحصل هذا العبث العدديّ المؤدّي إلى ظهور الأقليّة و الأكثريّة، أحياناً، بالعكس، و أعني بالاستعمار الاستيطانيّ للأرض أو للمكان، من قبل أعداد أوّليّة من المستعمِرين المتفوّقين بالعدّة و السّلاح على أبناء الشّعب و الأرض الأصليين، ليتحوّل المستعمِرون في غضون قليلة، إلى أكثريّة استيطانيّة مٌخضعين الشّعبَ المستعمرَ إخضاعاً عنيفاً، بالإبادة الجماعيّة للسّكّان الأصليين؛

و هذا ما حصل، مثلاً، في أمريكا و أستراليا من قبل الغزاة الإسبان للأمريكيّتين، و الإبادات الجماعيّة لسكان الأرض الأصليين من الهنود الحمر في أمريكا الشّماليّة، من قبل الأوروبيين الإسبان و البرتغاليين و الفرنسيين و البريطانيين، و تحويل الشّعب الأصليّ إلى أقليّات معدومة أو تكاد.

و تختلف النّسبة العدديّة أيضاً في مجموع مجتمعات معيّنة، عندما يهاجر إليها شعوبٌ أو جماعات من تلك الشّعوب، هم أقلّ من شعب المجتمع الأصليّ صاحي الأرض، ليعيض هؤلاء الوافدون كأقليّة عدديّة واضحة المفهوم بين أعداد السّكان الأصليين الغالبين عدديّاً.

و المثال الذي بين يدينا على هذه الحالة مثال جمهوريّة (زيمبايوي) في أفريقيا (روديسيا العنصريّة، سابقاً) عندما جاءتها الأقليّة البيضاء الأوروبيّة لتحكمها فيما بعد، مع أنّ هذه الحالة حالة شاذّة في تاريخ الاستعمار غير الاستيطانيّ بمعناه الواسع، عندما تحكم أقلّيّة أجنبيّة استعماريّة وافدة سكان البلد الأصليين و تستعبد شعبه، حيث نالت استقلالها الاجتماعيّ و السياسيّ بعد عام (1980م).

و الأمر نفسه كان ينطبق، أيضاً، على (جمهورية جنوب أفريقيا) قبل أن تنال استقلالها في انتخابات عام (1994م) بزعامة (نيلسون مانديلا) و فوز "حزب المؤتمر الأفريقيّ" على "نظام الأبارتيد" العنصريّ.

و أمّا أبشع و أحطّ شكلّ عرفته البشريّة من الاستعمار الاستيطانيّ من قبل أقليّة لأكثريّة، عدديّاً، فقد كان في فلسطين المحتلة من قبل نظام الصّهيونيّة العالميّ المسمّى (إسرائيل)، إلّا أنّ سياسة الاستعمار الاستيطانيّ الصّهيونيّ في فلسطين كانت مختلفة عن غيرها من بين سائر التّجارب المكتوبة بإسم المستعمرين في العالم، بحيثُ حوّل المستوطنون الصّهاينة الأقلّ عدداً، في البداية، الشّعب الأكثريّ العربيّ الفلسطينيّ إلى أقليّة سكّانيّة بعد ما مارسه الصّهاينة من قتل و تشريد و تهجير للفلسطينيين، الذين باتوا في "الشّتات" يتفوّقون عدداً على الصّهاينة الذين استعمروا و استوطنوا و سكنوا فلسطين.

و في الكثير من دول العالم، إن لم يكن في جميعها، نسبة من السّكان محدودة العدد يحلو للثّقافة المحلّيّة (اللغة الأكثريّة الأساسيّة و التّاريخ و الجغرافيا الأصليين) في تلك الدّول، و في مناسبات معيّنة من التناقضات أو ما شابهها، أن ينعتوا أولئك المواطنين بالأقليّة العدديّة العرقيّة أو اللغويّة أو الثّقافيّة أو السّكانيّة، بوجه عامّ.

و يترافق أحياناً هذا التّصنيف "الثّقافيّ" للأقليّة بتمييز سياسيّ، أيضاً، و أحياناً لا يكون لذلك التّصنيف أيّ أثر سياسيّ على حقوق تلك الأقليّات.

و تنشأ بعض حالات الأقليّات العدديّة لأسباب دينيّة أو مذهبيّة في الشّعب الأصليّ الواحد، عندما يخرج قلّة من دين المواطنين الأصليّ بسبب اعتقادهم بدين جديد، فتمارَسُ على هؤلاء في ظروف و مناسبات عقائديّة خاصّة ممارسة الأكثريّة على الأقليّة، و يبقى التّصنيف العام للخارجين محدودي العدد من دين إلى دين هو تصنيف الأقليّة من قبل الأكثريّة، و ذلك - ربّما - من دون أن تعاني تلك "الأقليّة" من أيّ تمييز سياسيّ.

و قد يحصل أن تتمتّع الأقليّة في دولة من الدّول، بحكم ذاتيّ مستقلّة نسبيّاً عن الدّولة الأمّ و هذا اعتراف سياسيّ و اجتماعيّ و ثقافيّ و جغرافيّ و تاريخيّ شامل بتلك الأقليّات، و أمثلتها معروفة من دون أن ندخل في هذه التّفاصيل.

و معروفة بعض المسائل (و المشاكل) المعلّقة بما يخصّ بعض "الأقليّات" الأخرى في العالم كالأكراد و الأرمن و الشّركس و الأمازيغ (أو ما يُدعَون بالبربر)، و البوذيّون و الكونفوشيّون و الطّاويّون، و غير ذلك من "الأثنيّات" العرقيّة أو القوميّة أو الدّينيّة الأخرى، و هو ما لا يدخل بتفاصيله في هذا الحديث الذي نقصره على "المفهوم" أكثر ممّا نجنح فيه إلى تأريخ واقع الأقليّات في العالم.

فالأقليّات، بشكل عام، هي أقليّات عرقيّة (أثنيّة) أو قوميّة أو ثقافيّة أو دينيّة أو جغرافيّة و تاريخيّة أو بسبب ما ينجم عن النّظام الاستعماريّ العالميّ، بالتأثير في الجغرافيا و الدّيموغرافيا و الواقع المباشر للسّكّان.

و لكنّ للأنثروبولوجيا رأياً مختلفاً، آخرَ، في تعريفها للأقليّات و نظرتها إلى هذا "المفهوم".

ففي "موسوعة علم الإنسان" تورِدُ (شارلوت سيمور- سميث) تعريفاً للأقليّة يبدو مختلفاً بل و حتّى متناقضاً مع ما تنظر إليه "الثّقافة" و "السّياسة" و "الأدب السيّاسيّ"، بالنّسبة إلى هذا المفهوم.

تُعَرِّف مؤلّفة "الموسوعة" "الأقليّة" على النّحو التّالي:

(يُشير هذا المصطلح بأوسع معانيه إلى جماعة تابعة أو هامشيّة، تتحدّد هويّتها على أسس عرقيّة أو إثنيّة [أثنيّة]، أو على أساس بعض السّمات الخاصّة لهذه الجماعات أو وصمة معيّنة. و بهذا المعنى فإنّ جماعات الأقليّة ليس من الضّروريّ أن تكون أقليّات من حيث عدد السّكان، لأنّ معيار الأقليّة يتحدّد في ضوء المكانة التّابعة أو الهامشيّة و ليس عن طريق العدد؛ بل إنّ جماعة الأقليّة قد تكون أكثر عدداً من الأغلبيّة. فهذا الاستخدام لمصطلح الأقليّة قد يؤدّي إلى الخلط، و خاصّة عندما نجد أنّ الجماعات التّابعة أو الهامشيّة تكوّن الغالبيّة العدديّة).

[موسوعة علم الإنسان- المفاهيم و المصطلحات الأنثروبولوجيّة. تأليف: شارلوت سيمور – سميث. ترجمة مجموعة من أساتذة علم الاجتماع، بإشراف محمد الجوهريّ. المركز القوميّ للتّرجمة – إشراف: جابر عصفور. القاهرة. الطّبعة الثّانية- 2009م. ص(105)].

و من الجدير ذكره، هنا، أنّ هذه "الموسوعة" المعاصرة جدّاً، لهامكانة خاصّة في الأوساط العلميّة و الأكاديميّة العالميّة و حظوة و منزلة، لا تقلّان عن هذه المكانة من بين سائر المدوّنات و الكتابات"الأنثروبولوجيّة" الأخرى، بحيث أنّ "صاحبة الموسوعة"- حسب المشرف على ترجمتها إلى العربيّة (محمد الجوهريّ) - "قد بلوَرَتْ الملامح البارزة لحركة الأنثروبولوجيا النّقديّة، (...) فلم تغمط كافة الآراء و الاتّجاهات الأخرى حقّها (...) ما جعلها، بحقّ، تحتلّ مكانها بوصفها صلب كلاسيكيّات هذا العلم".

[المصدر. من مقدّمة المشرف على ترجمة الموسوعة، محمد الجوهريّ. ص(16)].

و "يمكن القول إنّ هذه الموسوعة تصحّح مرة واحدة و إلى الأبد، الصّورة التّقليديّة الرّديئة للأنثروبولوجيا التي كانت طليعة علميّة للمستعمر في البلاد المغلوبة على أمرها تمهّد لها [لَهُ] الطّريق..".

[المصدر. المقدّمة نفسها. ص(17)].

في إطار تباكي "العالم المتحضّر"(!) على الظّروف "الإنسانيّة"(!) التي تعيشها بعض "الأقلّيّات" في العالم، اتّجه "النّظام العالميّ" في هيئته المزعومة "الأمم المتّحدة"، و في الّلجان و المنظمات الفرعيّة المنبثقة عنها، إلى تنظيم بعض "القوانين الدّوليّة" و "المعاهدات" و "الاتّفاقيّات"، من أجل حماية حقوق الأقليّات في العالم.

و على شبه النّقيض السّياسيّ ذي الارتباط الأنثروبولوجيّ الضّروريّ و العضويّ، في ما يخصّ مسألة "الأقليّة" كمفهوم ثقافيّ و سياسيّ عالميّ، أقول على شبه نقيض ما رأينا أعلاه في "الموسوعة الأنثروبولوجيّة" لمؤلّفتها بريطانيّة الأصل و الثّقافة، يأتي القانون الدّوليّ بتعريف "الّلجنة الفرعيّة المنبثقة عن لجنة حقوق الإنسان" للأقلّيّات على النّحو التّالي:

(الأقلّيّة هي مجموعة أصغر عدداً من باقي شعب الدّولة أو جزء من مواطنيها، يختلفون عن بقيّة شعبها من حيث الجنس أو الدّيانة أو الّلغة و تكون في وضع غير مسيطر).
و حيث يعتمد "التّعريف" المبدأ العدديّ لمفهوم "الأقلّيّة"، بتجريد مُخلٍّ بتاريخ نشوء بعض "الأقلّيّات" كما أوضحنا أعلاه، فإنّ المضمون الجوهريّ للتّعريف هو مضمون عنفيّ، بالفعل، من تركة الثّقافة الاستعماريّة، الكولونياليّة و الإمبرياليّة المعاصرة، عندما أتبع مفهوم العدد بمفهوم "السّيطرة".

فالنّظرة الاستعماريّة للعالم، لا تتغيّر من حيث هي تنظر إلى "المواضيع" كافّة نظرة السّيطرة و الغلبة، من دون أن تتصوّر إمكانيّة الاندماج الاجتماعيّ و الثّقافيّ في مجتمعات الشّعوب و القوميّات المختلفة و المتعدّدة في إطار الدّولة الواحدة، أو إمكانيّة التّخلّي الإنسانيّ عن مفهوم "الغلبة"، و كأنّ هذا التّصوّر الاستعماريّ للمجتمعات و الدول فيما بينها، هو تصوّر "معرفيّ" مفروض بقوّة الموضوعيّة الإلهيّة.

غير أنّ "المنظّمات الدّوليّة" المزعومة، و في إطار تنفيذ برامجها الاستعماريّة في العالم لا تبخلُ على "الأقليّات" بحقّها في "تقرير المصير الوطنيّ"..!؟

و حيث توزّعت المعاهدات و الأحكام الدّوليّة حول "الأقليّات" و حقوق الأقليّات، منذ معاهدتيّ (وستفاليا) عام (1648م ) المعروفتين ب(أوسنابورك) و (مونستر) حول حماية حقوق الأقليّات بعد "حرب الثّلاثينرعاماً" المعروفة في (ألمانيا) و أوربّا، إلى ما جاء في شرعة "عصبة الأمم "، في قرارها الصّادر عام (1920م)، ثمّ في ميثاق ""الأمم المتّحدة"، ثمّ في "الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان" الصّادر عام (1948م) و الذي تبنّته "الأمم المتّحدة"، و "اتفاق لوزان" بين (تركيا) و(اليونان) لعام (1923م)، القاضي بنقل و تبادل الأقليّات التّابعة للدّولتين، و اتّفاقيّة "منع الإبادة الجماعيّة" الموقّعة في "الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة عام (1948م) و التي دخلت حيّز التّنفيذ عام (1951م)، والاتفاقية الدّولية بشأن "الحقوق المدنيّة و السّياسيّة الموقعة عام (1966م) و التي دخلت حيّز التنفيذ في عام (1976م).

فإنّه من الملاحظ التّركيز في مختلف "الأحكام" القانونيّة الدّوليّة، التي هي إعداد و صناعة و كتابة "الأقوياء" في هذا العالم الإمبرياليّ النّزعة، و في تاريخ هذه شيمته، قائم على العنف، على اختلاق أسماء و تصنيفات و مقدّمات مفهوميّة و اصطلاحيّة محروسة بالسّياسات الغاشمة لِ"المشكلات" في العالم، ليكون ثمّة مبرّر لممارسة الإمبرياليّة دورها كشرطيّ عالميّ، تستثمر في هذا الدّور المناسبات و الظّروف التي تعمل هي على تأجيجها أوّلاً، بخلق الصّراعات و إشعال نار الخلافات العرقيّة و الدّينيّة و غيرها في مراكز الصّراعات الأهليّة و القوميّة و الدّينيّة التي كانت دائماً و أبداً منتشرة في هذا العالم، بحيث لم يخلُ و لن يخلو منها العالم، لتشكّل لقوى الاستعمار العالميّ مبرّراً في سياساتها الاستعماريّة، بذريعة "الدّفاع عن حقوق الإنسان" و مبادئ و أحكام "القانون الدّوليّ"، الذي تستخدمه في كلّ مرّة يخدم فيها مصالحها الاستعماريّة العالميّة، و تتجاهله مع جميع "هيئاته" الدّوليّة، أيضاً، عندما تقتضي مصلحتها هذا التّجاهل و الاستهتار.

ثانياً – الأقلّيّات و الأكثريّات في سورية:

اتضّح لنا في هذه المقدّمة المفهوميّة على "الأقليّة و الأكثريّة" أنّ مضمون المفهوم ينعقد على مخيال "ثقافيّ" (تركيبيّ) و "سياسيّ" (غائيّ) بالدّرجة الأولى، بحيث أنّ التّاريخ بقواه المسيطرة، فعلاً، غير عابئ بأيّة "حقوق" لأيّة جهة كانت تعود هذه الحقوق، بل و أكثر من هذا، أيضاً، إذ أنّ السّلطات العالميّة في تاريخ البشريّة إنّما كانت تضحّي بحقوق جميع اصحاب الحقوق و تلتهم تلك الحقوق مع أصحابها إذا لزمها الأمر.

و انطلاقاً من أنّ الثّقافة تجربة أيضاً، فإنّه من العبث أن نتجاهل جديّة النّتائج الثّقافيّة من الأفكار و القناعات و الممارسات، على أن لا نأخذها جميعها على محمل الصّواب. و لكنّ عدم أخذنا لها على هذا المحمل لا يعني تجاهلنا لها، فإتيان الشّيء يعني، فيما يعني، التّنبه لمخاطره و حجمه الواقعيّ أيضاً.

كان من المفردات السّياسيّة "التّعبويّة" مصطلح "الأقليّة" (أو الأقليّات) الذي تداوله "ثوّار النّاتّو" لتهييج ما يزعمونه "أكثريّة" في المجتمع السّوريّ، ضدّ تلك "الأقليّة" (أو الأقليّات) "الحاكمة"!.. كما تخرّصوا في حقدٍ و إفلاس بالغين و هم يعرفون، سلفاً، مكمن ضعفهم في نفاقهم السّياسيّ، عندما لم يدّخروا المستحيل في مشروعهم المزعوم و المدعوم من جميع القوى الإمبرياليّة و الصّهيونيّة و الرّجعيّات العربيّة في العالم و الإقليم، لإسقاط النّظام السّياسيّ و الدّولة الوطنيّة السّوريّة، فيما كانوا لا يعرفون خطّاً للرّجعة و هم ينهارون بأدواتهم و جرائمهم و مصطلحاتهم و ثقافاتهم و مجموعاتهم الإرهابيّة المسلّحة التي مثّلتْهم خير تمثيل، طرداً و عكساً، على غير ما كان مأمولاً بأن يمثّلوا هم تلك العصابات الإرهابيّة الخارجة على الإنسانيّة.

و من أجل الوقوف على الثقافة السّياسيّة العاجزة و العمياء حول مزاعم من يقول بالأقلّيّة و الأكثريّة في سورية، علينا من جديد الإضاءة على هذا المفهوم إضاءة سياسيّة و تاريخيّة، هذه المرّة، علاوة على ما فصّلناه، أعلاه، من تاريخيّة "المفهوم" و التّواضعات "القانونيّة" عليه.

فإذا كان من أقلّيّات عرقيّة (أثنيّة) موجودة في (سورية) كالأكراد و الأرمن و الشّركس و بعض الأقليّات "الثّقافيّة" الخاصّة المرتبطة بالأصول التّاريخيّة السّوريّة، فهذا واقع لا ينطبق عليه مصطلح "الأقليّات" الذي وجدناه، كما ذكرنا أعلاه، ناجماً واقعيّاً من نشوء الأقليّات التّاريخيّة العدديّة بسبب أحداث كبرى كالحروب و الاستعمار و الخروج الجماعيّ من الأديان و تشكيل أديان جديدة و احتلال أراضي الغير..، إلخ؛

و كلّ هذا لا ينطبق على مفهوم الأقليّات السّوريّة، التي هي "مندمجة" من حيث النّشوء الأصليّ أو من حيث الاندماج الاجتماعيّ و "الثّقافيّ" بالمعنى "المحدّد" للاندماج الثّقافيّ و الاجتماعيّ السّوريّ، و على درجته التي هو عليها من المحدوديّة التّاريخيّة العامّة للمجتمع، بكافة عناصره البشريّة و أفراده و جماعاته مختلفة الصّبغة الثّقافيّة و الدّينيّة (و قد ناقشنا الأمر، سابقاً، هنا)..

بينما هنالك بعض الأقليّات السّوريّة العرقيّة أو "الأثنيّة" الوافدة على (سورية) و التي كان وفودها بمثابة عمليّة اندماج طوعيّة و اختياريّة، ممّا لا يُمكن أن يُنشئ أيّ وضع سياسيّ أو قانونيّ جديد أو خاصّ لهؤلاء، مختلف عن وضع الآخرين، سوى أنّ ما ينطبق على أيّ فرد أو شخص أو مواطن سوريّ، إنّما ينطبق على كلّ منهم، و ذلك في إطار السّياسة الإداريّة و الاجتماعيّة غير التّمييزيّة، بحكم القوانين العامّة و الخاصّة، لوضع أيّ مواطن سوريّ عن مواطن آخر، أو لوضع أيّ جماعة مجتمعيّة من الجماعات المجتمعيّة، على خلاف أوضاع سائر الجماعات الأخرى، إذا كان و لا بدّ (و هو صحيح، على كلّ حال) من أن ننظر إلى الواقع الاندماجيّ الاجتماعيّ و الثّقافيّ و السّياسيّ الطّوعيّ، على أنّه واقعٌ متخلّف و يسمح بهذه الّلغة الفكريّة و الفلسفيّة السّياسيّة، و ليس كما تؤخذ أبعاده المحدودة في العقول المحدودةالمعروفة، و ذلك كما قلنا على الوضع الاندماجيّ المجتمعيّ السّوريّ، سابقاً؛ و هذا أمر يختلف عن جوهر ما نتناوله الآن من حديث.

على كلّ حال، فإنّه من المعروف و المفهوم أنّ من يستخدم مصطلح الأقليّة أو الأقليّات السّوريّة و الأكثريّة السوريّة الموهومة، و من أجل أهداف مغرضة و تحريضيّة غوغائيّة، فإنّما يقصد، بالتّحديد، هذا التّوزّع الواقعيّ النّسبيّ الدّينيّ و الاعتقاديّ و المذهبيّ للمتديّنين في (سورية)، من طوائف و مذاهب و طرق دينيّة و طرق اعتقاديّة أخرى، و هذا هو بالضّبط ما يستخدمه مثقفو و رعاع (و هم كلّهم رعاع !) "ثورة النّاتّو"، و طلائع عصاباتهم الإرهابيّة المسلّحة، و الذين يخلطون، عن عمد، بين "السّياسيّ" و "الاجتماعيّ" و "الدّينيّ" و "المذهبيّ" خلطاً ديماغوجيّاً يهدف إلى استثارة و إيقاظ النّزعات الحيوانيّة المجتمعيّة المسعورة و التي توجد في كلّ الثّقافات و الجماعات الدّينيّة المتعصّبة في التّاريخ و العالم، و هي بهذا، و على هذا، و حسب، توجد لدينا في (سورية) أيضاً.

من الواضح، أوّلاً، أنّ "المفهوم" الأساسيّ للمصطلح، كما قد نشأ تاريخيّاً و سياسيّاً في العالم، لا ينطبق، كما لاحظنا في سابق هذا الحديث، على هذه الأوضاع السّوريّة التي نصفها بوضوح؛

و من الأكيد، ثانياً، أنّ المحاولات الاستثماريّة و التّشغيليّة التي قام بها أوغاد "الثّورة السّوريّة" لفلق المجتمع و تمزيق بقاياه، إنّما كانت محاولات هزليّة و فارغة و تافهة، تماماً مثل أصحابها، حيث لا يندّ عن الشّيء إلا شبيهه..

و من الواجب، ثالثاً، أن نقف، نحن، فلسفيّاً سياسيّاً و تاريخيّاً عند هذا "المفهوم" في مجتمعنا العربيّ السّوريّ منعاً لأيّ التباسٍ و توهّمات ضمنيّة يعيشها البعض و ربّما يُمارسها، أيضاً، و لو بخجل المومسات (!) و تقيّة الشّياطين و الأبالسة(!) دون أن يُصرّح بها تصريحاً علنيّاً على الملأ.

إنّ الوافد من التّاريخ العربيّ الإسلاميّ و المستقر في الذّاكرة الاجتماعيّة و الثّقافيّة و في المخيال الاجتماعيّ و الثّقافيّ و السّياسيّ، هو حقيقة كافية- كما كنّا قد أوضحنا، سابقاً، هنا - لجعل المجتمع السّوريّ مجتمعاً غير مندمج اندماجاً وطنيّاً كاملاً.

و لكنّ هذا الأمر هو شيء و الحديث على الأقليّات و الأكثريّات شيء آخر مختلف جدّاً.

كيف؟ لنرَ، إذاً، كيف!

إنّ الذّاكرة الجمعيّة السّوريّة، بكافة انتماءاتها الجمعيّة أو الجماعيّة، هي ذاكرة واحدة على التّساوي بين الجميع.

و هذا يعني أنّ ما قد دخل في الملكيّة الثّقافيّة الدّافعيّة و الفكريّة و السّياسيّة، إنّما قد دخل بتوزيع تاريخيّ "عادلٍ"(!) في ميراث أو في إرث جميع الأفراد و الجماعات (أعني الجميع!)، و هذا سواءٌ عند جميع معتنقي مختلف الدّيانات الرّسميّة و غير الرّسميّة، و عند جميع المذاهب، و عند جميع الطّوائف، و عند جميع الأثنيّات المجتمعيّة، و عند جميع الأكثريّات القوميّة...، إلخ، إلخ..
بحيث أنّ ما يواجه "المجتمع" السّوريّ من نقص في الاندماج الوطنيّ و السّياسيّ قد استقرّ في "الواقع"، و كأنّه صادر عن "الجميع" و في مواجهة "الجميع"، و هذا بشكلّ عامّ، و لا يسمح لنا بالقياس على عكسه بالنّادرين.

علينا أن نسارع، هنا، لنقول إنّ الخطاب التّحريضيّ الذي توسّله "مفكرو" و "سياسيّو" الإرهاب و الجريمة و التّكفير، و الممارسات التي مارسها طلائع و قادة عصابات مجرميهم التكفيريين، كانت بخطاب طائفيّ مباشر و صريح، و لكنّه أيضاً كان مرفقاً و مرافقاً لاستخدام مصطلح الأقلّيّة و الأكثريّة، كما يعرف الجميع عن ماذا نتحدّث، هنا..
و كان ذلك إيماناً منهم أنّ خطابهم التّحريضيّ و ممارساتهم الطّائفيّة و القبليّة و التّكفيريّة، سوف يمكّنهم من تهييج الرّعاع أكثر ممّا قد هاجوا..، لعلمهم أنّ خطابهم هذا مفهوم و مُدركٌ، من حيث أنّه له وقعه على ما يُشبهه كما من حيث سهولة وصوله إلى مكانه الطّبيعيّ و السّهل في المدركات الشّعبيّة الرّعاعيّة، باعتباره لبيس غريباً عن مفردات وعي الجمهور، و ذلك لاستثارة "الجميع" بالتّحدّي و الاستفزاز و الفعل و ردّ الفعل (و هذه المرّة ليس بالعموم، بل على إطلاق!) و دخول هذا "الجميع" في حرب أهليّة شاملة للجميع و مدمّرة تدميراً وطنيّاً كليّاً، عملت من أجله "ثورة" القرن الواحد و العشرين، مباشرة و بشكل خسّيس و غير مباشر مع مقاتليها و داعميها و مموّليها و أسيادها و خدمها الدّاخليين النّائمين و المستيقظين.. و في كلّ مكان!

و إذا كان لا بدّ من الخوض في فلسفة التاريخ السّياسيّة، فإنّ الموقف العدديّ و المفهوم الرّقميّ للأقليّات و الأكثريّات، لا يخدم، في الحقيقة، هؤلاء الأغبياء، بل و على العكس؛

و أعني أنّه إذا أرادوا هذه اللعبة البلهاء فقد يخرجون منها، في النّتيجة، و بأقرب الذّاكرة الاجتماعيّة و السّياسيّة، و قد انقلب السحر على السّاحر، فإذا بهم، وفق معاييرهم الإقصائيّة و اللاإنسانيّة، هم "الأقليّة" أو "الأقليّات"، و ليس العكس، بحيث يظهر لهم و يفاجئهم أنّ ما يَعدّونه، هم، أقليّة أو أقليّات، إنّما همُ الأكثريّة أو الأكثريّات، و العكس بالعكس، و ذلك من أينما أحبّوا أن ننطلق معاً، في التّاريخ و الجغرافيا و السّياسة و الدّين و الاعتقاد و الحقّ التّاريخيّ و المعارضة السّياسيّة التّاريخيّة الجينالوجيّة العقائديّة الحقّة..، إلخ، إلخ..
و سيندمون على خطابهم الأخرق، عندما سيجدون أنفسهم هم الذين في عزلة، و ليس من ينعتونهم بالأقليّات، و أنّ هذا المشهد المعاصر للتّوزيع النّسبيّ و الدّينيّ و السّياسيّ الذي يأخذونه، هم، يعيونهم المجرّدة و العمياء، هو ليس أكثر من تاريخ صنعيّ و اغتصابيّ و قبَليّ و استعماريّ و إمبرياليّ و إقليميّ قهريّ..
و أنّه من حيث نتيجته المعاصرة، إنّما هو عرضٌ و مرضٌ، و حسب، و لم يمضِ عليه في هذا السّقم إلّا العشرات القليلة من السّنين، و هم يُدركون أنّ الإنثروبولوجيا و الثّقافة و الاجتماع و السّياسة و الجغرافيا و التّاريخ، أيضاً، لا يؤخذ جميع هذا و ذاك بهذه الّلحظة الزّمنيّة العابرة، و إنّما يُؤخذ بمعايير العصور و الأحقاب التي تعود إلى المئات و الآلاف من الأعوام و السّنين..!؟

و من أيّ جهة أرادوا أن يكون النّقاش و الحجة، فإنّهم هم الخاسرون في خطابهم الذي حاولوا أن يُعمّموه، من جديد، على الثّقافة السّياسيّة السّوريّة، غير مدركين، و هم لا يستطيعون أن يُدركوا، أنّهم إنّما يستخدمون الخطاب الذي انقرض في تاريخ الشّعوب و المجتمعات و الأمم المعاصرة، بحيث أنّ مخترعيه، أنفسهم، ما عادوا يصدّقون تفسير العالم بواسطته، حيث لم يعد يخدم أغراضهم، بل و حيث أصبح عبئاً على صانعيه.

إنّ من يأخذ بهذه المصطلحات المنقرضة أو من يعمل على أساسها (و هنالك في الحقيقة بقايا أنظمة عربيّة و إسلاميّة، بخاصّة، في هذا العالم، تعمل بموجب حقيقةِ ظلم الأقليّة السّياسيّة للأغلبيّة الاجتماعيّة و التّاريخيّة بمنتهى الصّفاقة و بدعم من الإمبرياليّة العالميّة، كما هو عليه الأمر في دول و ممالك و أمارات "الخليج" العربيّ الإسلاميّ)..
أقول إنّ من يقبل هذه الّلعبة السّياسيّة البدائيّة و المفضوحة، فإنّه يُصنّف نفسه، و يختار ذلك، في أحد صنفين: فهو إمّا أن يختار ممارسة قهر و تسلّط الأقليّات على الأكثريّات (كما هو الأمر، إذاً، في دول الخليج العربيّ)، و إمّا أن يلعب لعبة "الأكثريّات" الدّيموقراطيّة الغاشمة و التي تمثّل الرّجعيّات العدديّة في مفهوم الأكثريّة في حالات معيّنة تكون فيها الأقليّات في موقع "ثقافيّ" و "سياسيّ" متقدّم على "الأكثريّة" أو "الأكثريّات" لأسباب لن ندخل فيها هنا الآن.

فإذا كان الأمر يتعلّق بالعدد, يتعلّق بما يُسمّى الأكثريّة، فإنّ ثمّة أيضاً أكثريّات لا أخلاقيّة (أو بأخلاقيّة منحطّة) (و"ديموقراطيّة"(!)، طبعاً!) ، كمثل تلك "الدّيموقراطيّة" الرّجعيّة و غير الأخلاقيّة و غير العقلانيّة التي حكمت، بالتّصويت، بالموت على أوّل شهيدٍ للكلمة سجّله التّاريخ بانحناءة أبديّة، و أعني (سقراط) الفيلسوف.

و من المعروف كيف أنّ مفهوم "الأكثريّة" يحمل في باطنه الحقيقيّ روح الغوغائيّة و الدّيماغوجيّة، التي تمتص دماء الشّعب بتملّقها الكاذب للشّعب، نفسه، و ممالأة أحطّ و أخسّ ما في البنية النّفسيّة العدديّة للأكثريّات المزعومة أو الموهومة في وهمها بالتّفوّق الكاذب، الذي غالباً ما يقودها إلى الجريمة العامّة (العموميّة) و إلى الانتحارات الجماعيّة المجانيّة، أيضاً، سواءٌ أكانت هذه الأكثريّة في موقع "السّلطة" أم لم تكن.

ما يهمّنا، هنا، هو ليس المقارنة بين حكم الأقليّة و حكم الأكثريّة، فربّما يكون لنا عودة في حديث آخر و مناسبة أخرى على هذا الأمر، و من منطلق مختلف، بالطبع؛ و لكنّ ما يُهمّنا هو التّفنيد الفقهيّ الّلغوي و الفلسفيّ السّياسيّ لمدلول الحرص الرّجعيّ السّوريّ على استخدام مثل هذه المصطلحات التي فرغت، اليومَ، تقريباً، من معناها، على النّحو الذي يُراد لها أن تمارس فيه "سحرها" الشّيطانيّ، كما كان "الرّجاء" المبتور الذي اعتنقته قوى الثّورة المضادّة في سورية.

إنّه لا يختلف "الخير" عن "الحقّ".

الحقّ و الخير، كما قد يذكر قارئنا، هنا، كانا في منزلة واحدة، كما قد تحدّثنا عليهما، سابقاً؛ و لكنْ لنقل، الآن، إنّهما يقولان الشّيءَ "الواحد".. نفسه.

و إذا كان من باعث "كونيّ" عُلْوِيّ على "الأخلاق"، كما قد رتّبتها القيم (أو الثّيمات) الخالدة، فإنّه من بابٍ أَوْلَى أن تخدم الثّقافة و الممارسة و الفكر، "الأخلاقَ"، ما استطاعت كلّها إلى ذلك من السّبل و الوسائل و التّضحيات.

و عندما يكون، حقّاً، هذا الأمر هو الذي يمثُلُ في أفق المشتغلين في الشّأن العامّ و الخاصّ، معاً، فإنّنا نستطيع أن نتجاوز ما يُراد لنا في مجتمعنا العربيّ السّوريّ، بخاصّة، من تجهيل واسع يقوده اليومَ عُتاة مُسُوخ العالم، في الدّاخل و الخارج، من عمالقة و أقزام!

***

تعقيب الدكتورة رشا شعبان

كل الشكر و الإجلال لك دكتورنا الغالي، لبحثك في موضوعات أصبح من الواجب و الضرورة، إعادة النظر في التباساتها و جذورها و مخرجاتها، في ضوء الظروف الراهنة و التي تشكل تحدياََ لوجودنا و استمرارنا و استقرارنا.أ رشا شعبان

و السؤال في "الأكثرية و الأقلية"، ليس بالبسيط ولا العرضي، بل هو في صميم تحديات البناء الصحيح على المستوى الإنساني و الوجودي و الفكري و الأخلاقي و الاقتصادي و السياسي.

نعم إنه وهم الأكثرية و الأقلية، الذي مارسناه فكراََ و واقعاََ، بعيداََ عن المعقولية و المصداقية و المشروعية.

و لعلّ سؤال من أنا؟.. هو السؤال المركزي الذي يلح على عقولنا عند سماع ما يُدعى الأكثرية أو الأقلية.

و إذا أدركنا أن الإنسان يحيا مع الآخرين، بالآخرين و من أجلهم، سوف ننتقل من السؤال في من أنا؟... إلى السؤال من نحن؟

و لاشك أن السؤال في من نحن؟... سوف يتعارض و يناقض الإقرار ب الأكثرية و الأقلية الوهمية الواهمة في مجتمعاتنا.

إن مفهوم الأكثرية و الأقلية، يشكل نفياََ للوحدة الثقافية للإنسانية، حيث أن هوية الإنسان لا تتحدد ب انغلاقه و انعزاله و إقصائه لكل نمط مغاير و مختلف، عبر تأطيره لوجوده في علاقات الأكثرية و الأقلية، هذا التركيب في العلاقات المنافية للعدالة الاجتماعية و احترام الآخر، و يعمل على تجذير العنف و التفاضلية و التراتبية في مخيال اجتماعي واهم، يدّعي أن الأكثر هو المهيمن المسيطر، الأكثر الذي يمتلك الحق و الحقيقة و القوة، في وهم العددية و الرقم، و إنتفاء الحق في قناعات المجموعات الفرعية التي تشكلت تاريخياََ في إطار قناعات دينية عقائدية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية.

إن تشريع مبدأ المفاضلة و التراتبية و قوة الأكثرية و هيمنتها على ما تمّ تصنيفه أقليّة أو أقليات، لا يعكس إلا وعياََ زائفاََ ب حقيقة الوجود الإنساني، ولا يمكن أن ينتج سوى منطق الهيمنة و الصدام الذي من شأنه أن يخلق أزمة في الهوية الإنسانية.

إن الإقرار بمبدأ الأكثرية و الأقليّة في المجتمعات، ينافي و يجافي الإندماج الثقافي و الإجتماعي و السياسي و الأخلاقي، الذي سبق و أن بحثتم فيه.

إن مبدأ الأكثرية و الأقلية، يناقض حق التنوع و الإختلاف، وهو يقوم على التعصّب و من ثم يعمل على تكريسه ثقافة و سلوكاََ.

نعم دكتورنا الغالي، إنه العنف بامتياز، حيث الصراع بين الأكثرية المدّعية الحق في القوة و الهيمنة، و بين الأقليات التي اقتنعنت ظلماََ و بهتاناََ بوجودها "المنقوص".

نعم هو الوجود "المنقوص" الذي بُنيَ على المغالطة في تحديد الوجود الإنساني و تعيّناته.

إن التصنيف بين الأكثرية و الأقلية، هو العنف بذاته، الموظّف في خدمة التعصّب، و هو الاضطهاد الموجّه و الممنهج للقضاء على التنوع و الإختلاف.

و لا شك أن نزوع البشر إلى الهيمنة، أوجب علاقة الاستعلاء و عدم قبول الحق في الاختلاف من حيث الجنس أو الديانة أو اللغة.

و الطامة الكبرى، كانت في استعمال القوى الاستعمارية عبر التاريخ لتلك الثنائية القاتلة (الأكثرية، الأقلية)، بوصفها خنجراََ تقتل به مجتمعاتنا، عبر توظيف لعبة الاضطهاد ل الأقليّات و استثارة المشاعر، و بالمقابل الاشتغال على نزعة الهيمنة و السيطرة و التوحش عند الأكثريات المزعومة.

نعم علينا الإشتغال على إعادة بناء منظومتنا الثقافية و الأخلاقية، وفق المعايير الإنسانية الحقيقية، التي تنفي مقولات الأكثرية و الأقلية، و تنتقل إلى مفهوم الإنسان الأسمى، بصرف النظر عن تصنيفات القبيلة و العشيرة و الدين و الطائفة و المكانة الاقتصادية.

و أخيراََ نؤكد معكم دكتورنا الغالي، أن الأكثرية واقعاََ و في معيار التصنيف العددي، تنقلب إلى أقليّة، أمام مجموع الأقليات المكوّنة للمجتمع، مما يؤكد أيضاََ هشاشة المفهوم و وهميته و الكذبة التاريخية في التعامل معه.

كل الشكر و الإمتنان لك حكيمنا الرائع د. بهجت سليمان، و أتمنى أني تمكنت من التقاط بعض من الأفكار الغنية في مقالتكم الرائعة.

***

وفي ما يلي تعقيب الشاعر أ ياسين الزروقياسين الرزوق زيوس:

دوماً عندما ابدأ التمعن في سلاسلك أتمنى أن تغلب أقليةُ كلامي كثرتَهُ و أن تغلب كثرتُهُ أقليَّتَهُ، لأنهما تتغالبان هنا من أجل النهوض بالإنسان و ما أجمل الغالب و المغلوب عندما يُغلبان و يَغلبان في مسار التطوير الإنساني.

في الأنثروبولوجيا و في الاثنولوجيا ما زال الإنسان يخرج من دائرة بدائيته ليغرق في بدائيته أكثر و ما التعقيد إلا ذاك الذي يترافق مع تطور المجتمعات ليتغير و يتطور بالهجرات و بالتزاوج و بالحروب و بالتنافذ الثقافي و وبالارتداد الديني و الفكري و الردة بينهما بكل نفاق يرتد على بنى المجتمع .

فتتداعى أكثرياته الهشة و تتعالى أقلياته الراسخة لا لأنها أقليات إثنية أو دينية مذهبية أو عشائرية قبائلية بل لأنها أكثرية وطنية تغلب الوطنية أقليتها لتغدو نظام أكثرية واعد.
على عكس الأكثريات الهشة التي تفتقد استقلالها و تغرق بالقطيع إثر القطيع.

و ما التاريخ إلا لغة استقراء الأقوياء صنعة ترسيخ الضعف بهذه التسميات التي جعلت منها الأمم المتحدة و سواها بوابات معدة مسبقاً و قنابل مفخخة لاختراق أية مجتمعات ضعيفة تهزها الأقاويل و الإشاعات و لا تغزوها الرؤى الفكرية الراسخة التي تحفظ ماء وجه الإنسان و الأوطان.

و ما تحدثت به سميث عن التبعية التي تجعل من الاكثرية هشة هو عين الصواب اليسرى و كما قال سقراط في عين الصواب اليمنى بأنه لا يمكن تطبيق الديمقراطية في أغلبية من الحمير لأن استفحال الغباء و ردود الأفعال و الأحقاد و محاولة إسقاطها سياسياً لإسقاط مشاريع وطنية مضادة بحجة رأي الأكثرية الذي يجب أن ينفذ و لو أسقط كل أبنية الوعي و هزّ كيان الأمم باللاوعي و بالأحقاد و بالاستفراد بكل نهج وطني لا يمر تحت ذراع المجتمع الأممي الكولونيالي الأمبريالي الاستعماري يقتل معنى الاكثرية لا لتصرع بالاقلية بل لتصرع وجودها و تدفنه..

كلّ هذا يدعونا إلى أن ندرك أن الربيع العربي هو ربيع أقلوي لا فكري قطيعي بكثرة لن يسقط مشاريع المنطقة المقاومة بأكثريتها غير التابعة مهما قلت عدديا لأنها تحاول إخراج الإنسان إلى عقله و إنسانيته كي لا يضيع بين قطعان الجهل و قطعان التصفيق التي تتكاثر كغثاء السيل و لا قوة مؤثرة لها بقدر ما هي عبء يجب تنميته و لو بيد من حديد الديمقراطية معروفة المقاس!..

لك الفكر و لنا النشوة.. بسلاسلك.. دكتورنا العزيز بهجت سليمان.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود