كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"حكمُ الأقليّة" و "حكم الأكثريّة" "2".. في "المفهوم" و في "الدّستور".. و في فلسفة السّياسة و الواقع السّياسيّ

كتب الدكتور بهجت سليمان

{الحلقة الثانية والثلاثون "32" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"}


["حكمُ الأقليّة".. و "حكم الأكثريّة"] "2“

(في "المفهوم" و في "الدّستور".. و في فلسفة السّياسة، و الواقع السّياسيّ)

** الدولة هي حكومة الأقلية... والمجتمع هو حكومة الأكثرية **


- د. بهجت سليمان

أصيبَ العقل السّياسيّ البشريّ، مبكّراً، بحكم طبيعة الأشياء..! بلوثةِ العنجهيّة الإنسانيّة، فتعلّم، مع الأطوار، مجموعة من الزّيوف و الأحابيل التي أوحَتْها متطلّبات التّدبير الضّروريّ لحاجات البشر، في استيهامات أخذت أشكال التنظيم الوطيد و ترسّخت مع الزّمن.

و حيث ادّعى الفكر التّالي وقوفَه، حائلاً، في التّطبيق السّياسيّ، دون التهام الإنسان للإنسان، "بدون ملح"..، تراكمت أوهام "الخبرات" تراكماً حفظيّاً - و قد تكون هذه هي الضريبة - نتيجة للقراءات المقلوبة للواقع الذي لا يتوقّف عن تغييرِ مظهره و معطياته، فيما أضاف الإنسانُ "الملحَ".. إلى الاغتذاء الضّاري على الالتهام الجشع للأفكار، فيما بقي درسُ "الخَلق"، في جوهر الغرضِ، واحداً، وظيفته أن يتّسع للقادمين بالإغراءات المُكثّفة، و باستمرار، متعدّداً أسماءَه، و حسب..

بينما كان "الفكر السّياسيّ" المنعكس من ذلك التّاريخ ينظر إلىهذه المسيرة بِ"تطوّر" و "تغيّر"، و كأنّ الخَلْقَ" لم يتمَّ دفعةً واحدةً، و مَرّةً فقط، إلى "النّهاية" في تناهي خطّة هذا الكون.

أدّى التّحدّي الإنسانيّ المتبادل و المُبكّر، بين الضّرورة و الإمكانيّة، في معرض الاستحواذ على "القوّة" - علاوة على الاستحواز- إلى اكتشاف و ابتكار و تأليف التّسويغات المختلفة التي تسمح بصناعة الأفكار المُمَوِّهة للخطاب السّياسيّ الذي ترافق مع الوقائع و الإنجازات الاجتماعيّة في "التّنظيم"، فيما كانت القسمة الأولى، "الأصليّة"، و غير المفهومة من قبل الإنسان، تشتغلُ على مشروعها باستقلال و بهدوء وصمت، غير ملفوتة إلى صراخ العواطف و الرّغبات و الأطماع والهيجانات..
و لو أنّ بعض الابتكارات السّياسيّة الإنسانيّة قد توافقت مع تلك الخطّة الأصليّة في القسمة الموضوعيّة للعمل البشريّ و موادّه و موضوعاته التي قضَت بأن تسير الأمور ليصل كلّ شيء إلى المكان المخصّص له بالتّمام و المُتاح.

هذا هو دأب التّاريخ الذي لا يُنجِز إلّا ما هو كامن في المشروع المحيط بالإنسان في الخطّة و الأقدار.

لقد دخلت الأخطاء المتراكمة بالإضافة و التّضايُفِ، مع الصّوابات الحَالّة، جنباً إلى جنب، في الوعي الذي افترضه الإنسانُ طائلاً، فيما كان هذا الوعي، بالكاد، يعمل على حفظ و استمرار هذا النّوع الحيّ المتفاخر و المحدود.

كان من أثر ذلك أن يحتاج الإنسان إلى اختراع "المفاهيم" التي، بواسطتها، في التّبادل الطّوعيّ أو القسريّ، فقط، تمكّن من اجتياز العوائق اجتيازاً على النّحو التّاريخيّ الاجتماعيّ و السّياسيّ..، ما أنتج هذه الثقافة الحضاريّة المعروفة للجميع و التي يغلب فيها الوهم و التّعسّف العمليّ و الأخلاقيّ على الحقيقة الكلّيّة التي لم تمنح أبعادَها لغير القلّة الأذكياء؛

و "الحقيقة الكلّيّة" التي نقصدها، هنا ، هي ليست غير الواقع الكونيّ الموسِّع لمكامنه و بواطنه و مظاهره في أغراضه العمليّة المتّجهة إلى أهدافها في غاية اكتناه ما يتيسّرُ من ألغاز الوجود الضّاغطة وفق خطّتها التي تتكشّف في السّياق.

في جهل الجوهر، و فشل الوعي في الإحاطة، كان البديل موجوداً في الهندسة الطّبيعيّة و الفطريّة و الثّقافيّة للسّياسة في الاجتماع، فكان استخدام المفاهيم الهندسيّة (مثل أكبر و أصغر و أنسب و أصوب..)، التي حوّرتها الثّقافة السّطحيّة، إلى محتويات و ممتلكات و مصافّ الحساب الرّقميّ، في التّنظيم و التّوجيه إنجازاً لمتوالية حسابيّة في التّسذيج الصّنعيّ..
فنجمَ في هذا السّياق شيء مكافئ للمتوالية الهندسيّة، و لكنْ منحرف و غير مُتقن، و هو مفهوم "الأكثر" و "الأقلّ" المنقولين بالأرقام المتسرّعة من الصّورة الكونيّة الهندسيّة إلى حياة الإنسان، التي غلب عليها عناصر الكميّة المجرّدة في روابط الاجتماع التي بدأت انحطاطاتها غير المنظورة في الإدراك السّياسيّ المشوَّه للطّبيعة التي دخلت في القسريّة الاجتماعيّة بشكلّ أسرع ممّا كان مقيّضاً لها، و أضيق و أقلّ استجابة عقليّة لمواضيع العالم.

و إذا كان المفهومان على "الأقلّ" و "الأكثر" مفهومين حسابيين فإنّهما في المنشأ يُعبّران، في السّياسة الجاهلة، في جوهر الأمر، عن استحالات حسابيّة محضة، كما قلنا، من أصلهما "الهندسيّ" في "الأكبر" و "الأصغر"، استحالةً صنعها الإنسان في نظام إدراكيّ للعالم لا يعكس، كما يجب، جوهر الظّاهرة الطّبيعيّة و الطّليعيّة الإنسانيّة في المعقوليّة و العقلانيّة، حيث طغى الاجتهاد المفهوم يّإنسانيّ على الإدراك الواقعيّ الفعليّ، فتشوّهت صناعة المفردات الدّلاليّة و دخلت، مبكّراً جدّاً، في اقتصاد الجهل و العوز و الحرمان.

هذه، مع أسباب أخرى، بالطّبع، أسُسٌ للكثير من الأساسيّات التي انبنى عليها الفهم الإنسانيّ التّاريخيّ للسّياسة، كأحد آثار الاجتماع و العلاقات الاجتماعيّة المنطوية في الضّمور و الإضمار، و هو ما أدّى إلى شيوع ثقافات انحرافيّة إدراكيّة مبكّرة في "القناعات" التي أنتجت خياراتها الشّاملة في التّحيّز و القسمة غير المعبّرة عن الواقع تعبيراً طبيعيّاً، ما أحدثَ الانقسام الإنسانيّ النّهائيّ المتفاوت تفاوتاً فوق موضوعيّ، أو دون موضوعيّ، بالأحرى ، في المواقع السّياسيّة المناسبة و المتناسبة. هكذا ظهرت معالم الظّلم الوجوديّ المبكّرة في تاريخ البشر.

إنّني أريد أن أقول ممّا تقدّم شيئاً واحداً، و هو أنّ جميع ما يؤمن به الإنسان السّياسيّ المعاصر، هو أحد أمرين:

فإمّا أن يكونَ وهماً في الحرّيّة المزعومة، وحسب؛

و إمّا أن يكون إيهاماً لأغراض إحكام السّيطرة على "الآخرين"، في التقييد، بقصد؛
و هما، كما هو واضح، يعودان إلى أصل واحد و هو "الجهل" الإنسانيّ "التّبادليّ" بهذا العالم..

هذه ليست فرضيّة. إنّها واحدة، فقط، من الحقائق التّاريخيّة الأكثر واقعيّة و شموليّة، حيث لا إطلاقَ، هنا، و التي يكابر عليها كثيرٌ من البشر بثقافتهم الاجتماعيّة و السّياسيّة، مع أنّها الحقيقة الموضوعيّة الأكثر احتواءً لمضمونها و الأعمّ في الانتشار.

تكرّست، بالتّراكم المباشر و الواضح و بالتغلغل و التّكدّس غير الواضحين، أدوات الإخضاع المفهوميّة، في غضون ما تقدّم، و صُنّفت الآثار في قواميس و مراجع أصبحت، بدورها واقعاً و حاجة إلى التّفكير، الأمر الذي خلق الأنساق الثّقافيّة الثّابتة و التي تعود "ملكيّتها"، شبه الحصريّة، لمختلف الأنماط الاجتماعيّة و التّاريخيّة المتصارعة على "السّلطة"؛ و من هذا الصراع كانت أصول موجات السّياسة الأبرز و الأكثر إغراءً لجاذبيّة المعتقِدين..

و أمّا في معرض العمل على "التّمكّن"، الذي كان من الطّبيعيّ، في سياقه، أن يلجأ الفكر ُالاجتماعيّ السّياسيّ إلى خلق مرجعيّات مقدّسة، تتناسب و درجة اشتعال القلب الإنسانيّ بالمقتنيات القُدسيّة، و مسوّغاتها "العقليّة"؛ فلقد دخل تاريخ "الإنسانيّة" بالتّطوّر، في غفلة الحقائق، فإذا بالنّتائج السّياسيّة المباشرة، و بعد ردح مرير من الصّراعات و القتل، تخلق أمام التّزاحم السّياسيّ ما عُرف في وقته بِ"الدّستور"؛

مع هذا الدّستور بدأت الرّحلة تتمايز في ملموسيّات مختلفة تكفّلت بمتابعة الصّراع مُضافاُ إلى أدواته التّقليديّة الكثير من الإضافات المتعلّقة بالكياسات المنافقة التي يرغبها، لضعفه و وهنه، الإنسان، فخلق الفكر العمليّ, في الواقع، فرضيّات اعتبرها من البراهين العمليّة على الصّواب و المناسب، ما هو من "المفاهيم" الاتّفاقيّة و الوضعيّة غير المعلّلة، و المتعلّقة بالحريّة و العدالة الإنسانيّة و المساواة و الظّلم و الجور و الدّيموقراطيّة و الأخوّة..، إلخ؛

و ذلك لتعزيز أدوات التّحكّم بالشّعوب و الجماهير الجانحة عن الضّبط و "الانضباط"، بحكم صفاتها المتآخية مع "الحيوان" الشّارد..

و لكن أَلَيس الإنسان، في جميع مراتبه، هو ذلك "الحيوان" الذي عملت على تجميله كلّ المحمولات من الصّفات، و فشلت في عزله عن شبهه القريب و العميق مع أحطّ و أخسّ أنواع الحيوانات الشّاردة؟!

ينطبق على ما نعنيه، و لو في إطار مختلف قليلاً - و أعني من حيث أن المثقّفين أو المفكّرين المزعومين هم ليسوا علماء(!) - قول (لورين إيزلي) [أنثروبولوجيّ أميركيّ، و عالم طبيعة و شاعر (1907- 1977م)]: "بعد أن أمضى العلماء عصوراً طويلة يُعيبون على رجال الدّين اعتقادهم بالمعجزات و الغيبيّات، وجد العلماء أنفسهم في وضع لا يُحسَدون عليه، فاضطرّوا إلى اختراع خرافاتهم الخاصّة بهم".

و بالمثل، انطلقت خرافاتٌ غيبيّة في "العلوم" الحديثة و المعاصرة لا أساس لها في العقل أو الحقائق، و كذلك انطلقت تلك المفاهيم الغيبيّة في "السّياسة" حتّى تفوّقت على الحقيقة نظراً لعدد "الأكثريّة" المؤمنين بها من البشرِ في هذا العالم "المهزوز"..!
لم يكن الأمر ليُشكّل "مُفارَقة" لولا أنّ ما يُشاع و يُقرأ و يُعلَّمُ هو العكس تماماً؛

أي إنّه إذا كان هذا "الواقع" ينسجم مع أعقد مفهوم للنّظام الفيزيائيّ الكونيّ الذي هو الميل من "الانتظام" إلى "الّلا انتظام" أو إلى الأقلّ انتظاماً و نظاميّة، و من ثمّ إلى "نظاميّة" ما..، و لكن في مستوى "أقلّ"، طبيعة و درجة في التّركيب، و هو المبدأ المعروف بمبدأ "الأنتروبيا"، و الذي هو القانون الذي يحكم الحياة الإنسانيّة، أيضاً، في الاجتماع و السّياسة و الاقتصاد، كما يشهد على ذلك كلّ ما حولنا في هذا العالم؛ فإنّ الذي يُصدَّر و يُشَاع هو العكس، و أعني ما يُسمّونه بمبدأ "التّطوّر".

نحن لا نجد أثراً، مهما كابرنا، للتّطوّر لا في السّياسة و لا فيالاقتصاد و لا في الاجتماع، الّلهُمَّ إلّا إذا كنّا نعني بالتّطوّر ما نعنيه، نحن، في الاستخدام السّياقيّ، و ذلك بمعنى الانتقال الطّبيعيّ من حالٍ إلى حال، و أي من "طَورٍ" إلى "طَور" بدون أيّ تضمين إيجابيّ قِيَمِيٍّ أو أخلاقيّ؛ و هو ما لا يُريده به "هؤلاء" عند استخدامهم "المفهوم"، و إنّما يذهبون به إلى معنى أنّ الحياة الإنسانيّة بكلّ تفاصيلها و منظوماتها "تتطوّر" تطوّراً إيجابيّاً، و أي إلى الأفضل في الأمان و الطّعام و الشّراب و الاقتصاد و السّياسة و الاجتماع و القانون و الأخلاق و الجمال و الفنّ..، إلخ؛ و هو ما يمكن لأيّ معتوهٍ أن يُثبتَ عكسه بِلا عناء الأدلّة و المنطق و المحاكمات.

ببساطة، فإنّ مبدأ "الأنتروبيا"؛ و هو حقيقة فيزيائيّة ملموسة علميّاً و عقليّاً، و هو، أيضاً، حقيقة تجريبيّة "إمبريقيّة" شديدة الحِسّيّة، يمكن لأيّ منّا التّثبّت منها في الحياة اليوميّة في العاديّات؛ إنّما هو مبدأ مناقضٌ تماماً لمبدأ "التّطوّر".

هذا الأمر ينطبق على "السّياسة" و مفاهيمها، أكثر ممّا ينطبق على غيرها من المنتجات الإنسانيّة في معرض الزّمان، نظراً لأنّ السّياسة نسخة عن علاقات "الفيزياء الدّقيقة" و "الفيزياء الكونيّة"، و ترابطاتها النّاموسيّة - و كنّا فصّلنا في بعض هذا، في حلقاتٍ سابقة- بما هي السّياسة، كذلك، تحكم باقي "الإنتاج"، بوجه عام، و تتحكّم بطرائق صناعة الأوضاع الاجتماعيّة و التّاريخيّة و الثّقافيّة الخالقة للمفاهيم أو المكرّسة لها تكريساً تضايفيّاً لا يَلين.

و بالمناسبة، فقد كنّا، في حديث سابق لهذا الحديث، مباشرة، هنا، قد أعرضنا عن قبولنا لمفاهيمَ مُنتَجَةٍ في السّياق نفسه، هذا، على "الأقليّات" و "الأكثريّات"، وحلّلنا مضمونيهما الفارغين من كلّ حقيقة معتبرة في الواقع السّياسيّ و الاقتصاديّ و الاجتماعيّ، و صار من الضّروريّ، الآن، نقد ما يتّصل بهما، سياسيّاً، مباشرة، و أعني ما يُسمّونه في الفكر السّياسيّ التّضليليّ و في الثّقافة التي ينبغي أن تكون قد غدتْ منقرضةً..، بِ"حكومة الأقليّة" و "حكومة الأكثريّة"، بما يتضمنه هذا التّقابل من تقابلات أخرى من مثل "الدّيكتاتورية" أو "الأوتوقراطيّة"، في مقابل "الدّيموقراطيّة" و "الّليبيراليّة" و "الحرّيّات" السّياسيّة..!

يهدف هؤلاء، عندما يُطبّقون (المفكّرون و السّياسيّون و المثقّفون) هذا "المبدأ" على التّاريخ الاجتماعيّ للإنسان، إلى أن يقولوا، بذلك، و لذلك، و بواسطة حقن الذّهن البشريّ بالسّموم، بأنّ كلّ شيءٍ هو على ما يُرامُ؛ و إنّما كلّ ما يجري هو ليس سوى نتيجة لتسلّط قوى الأقلّيّات السّياسيّة المُحتكرة للسّلطة، على رقاب "الأكثريّة الخانعة" من الشّعوب، و طبعاً قاصدين إلى تحريض الجماهير و حقنها بأفكارٍ تدميريّة على "الثّورات" المزعومة و "الانقلابات" و "العامّيّات" و "الجماهيريّات" و "الشّعبويّات"، و ذلك كما عرفها التّاريخ الإنسانيّ، و كما يعرفها أيّ قارئ، هنا، لا سيّما أنّنا، اليومَ، نحن، في سورية، نعيش أقصى الآثار التّدميريّة لأحدث نماذجها التّاريخيّة، بوضوح و صراحة و ألم.

و للجدوى، فإنّنا سنعمل على تقسيم هذا الحديث إلى ثلاثة مستويات لتحليلها كلّاً على حدة، في المفهوم و في فلسفة السّياسة (و في الدّستور)، و في الواقع السّياسيّ؛ و ذلك لغرض ضرورة تبسيط الحديث:

أوّلاً- في المفهوم:

تقتضي سيرة "الحياة المتفحّصة" (حسب تعبير سقراط) أن يكون لنا القدرة على التّفكير النّقديّ الذي لا يلزم حدوده الموضوعة له من قبل الآخَرين، و الذي يستطيع، بالطّبع، الوصول إلى طريقة في الحكم على الوقائع و الأحداث، بما يضمن نجاح مطابقتها النّسبيّة مع التّاريخ و العالم المحيط.

نحن من هنا نرى أهمّيّة نقد مفهوم "حكم الأقلّيّة، و حكم الأكثريّة"، من جديد، بما يتّصل مع نقدنا السّابق لمفهوم "الأقليّة" و "الأكثريّة"، و ذلك، على الأقلّ، لارتباطهما، معاً، ارتباط "الاجتماعيّ" بِ"السّياسيّ".

و في كلّ الأحوال، فإنّ الأخذ بمبدأ "التّطوّر" الطّبيعيّ، كما يدّعي أنصاره و دعيّوه، إنّما يُحيل الإنسانَ نفسه إلى فُضلةٍ مُهملةٍ نشأت بالمصادفة، وفق أحكام قوانين التّطوّر التّلقائيّة و العمياء، إلى أن أصبح الإنسان نفسه جزءاً من هذا العمى الكونيّ الذي ألهَمَ الطّبيعة العَمَاء!

يعتقد المثقّفون بأنّ الانحيازَ إلى فهم التّباينات "الرّقميّة" التي دخل فيها الإنسان في المباريات و المنافسات و التّحدّيات و الصّراعات ذات المغزى الاجتماعيّ المُفضي إلى السّياسة، وفق الانصياع السّاذج لمتطلّبات القوّة و أذرع العنف ؛ كافٍ لإدراك طبيعة اشتغال "السّياسة" كنتاجٍ آمِرٍ للإحاطة بالحظيرة الحيّة في هذه الأرض .

و لقد تشبّع بهذا الاستنتاج طائفة كبيرة من "المفكّرين" في التّاريخ (الثّقافيّ..)، و هم أولئكَ الّذين يؤلّفون عن قصدٍ أفكار الثّقافة الهادفة إلى التّعمية و التّجهيل، أو هم أولئك الذي ينطلقون، صدقاً، من إمكاناتهم العمياء، ليُعمّموا على العقل ذلك العمى الذي دخلوا فيه مُرغمين، بالطّبيعة، و عن غير قصد؛

و نحن في كلتا الحالتين أمام الثّقافة العمياء التي حرفت العقل عن مقاصده، فيما قام البعضُ الآخرُ بذلك الأود العكسيّ، فنصبوا كلّ ما استطاعوا من خيامٍ إضافيّة و حُجبٍ كثيفة لمنع العقل الإنسانيّ "الخَنوع"، من اتّصاله بالطّبيعة و العالم و السّماء، و تحريمِه الدّخولَ في حرم الحقيقة المؤدّي إلى فِناء الحقّ.

تحتاج السّياسة إلى خلق هذه المتواليات الحسابيّة الاجتماعيّة انطلاقاً من أنّ لها حاجات لا تستقيم إلّا مع إدخال الإنسان في هذه "المفاهيم" و إعادته إلى الطّبيعة الأصليّة صاحبة هذه المفاهيم، بعد تشويهها، و حشر الإنسان الثّقافيّ التّاريخيّ من جديد في فطرته الضّائعة و التي توهّم أنّه ثناها ثنياً ناجحاً، فيما يُعاد و يُستعادُ في معمعانها المشوَّه و لو بدا له أو لغيره..، غير ذلك!

إنّ كلّ الأشكال "العامّيّة" و الأكثرويّة السّياسيّة التي اخترعها "الفكر السّياسيّ" التّاريخيّ، كانت تهدف ، أوّلاً و أساساً، إلى تجهيل و إلى المزيد من تجهيل الشّعوب بحقائق طبيعة الحياة و قواها الحاكمة، كما نصّ عليها النّاموس "الغائيّ" الأوّليّ الذي يعمل "الفكر السّياسيّ" العالميّ، في خطوطه العامّة، على طمسِهِ العلنيّ، منذ بدايات "الحداثة" المزعومة، بخاصّة، و أي إلى ما يعود إلى نيّفٍ و مئتين من السّنين، و هذا على الأقلّ.

إنّه بدلاً من أن "يتطوّر" الفكر السّياسيّ التّاريخيّ، و مثلاً منذ (أفلاطون) حتّى اليوم، باتّجاه عقليّ و علميّ ملموس بناء على كميّة هذه الخبرة المكتسبة في الزّمان و المكان، نجد أن "تطوّر" هذا الفكرِ قد دخل، بالعكس، في دهاليز الخرافات السّاذجة المختلفة؛

و الأنكى هو أنّه، في انحطاطه، هذا، اكتسب المؤيّدين و المُريدين و الأتباع المُضلّلَين، بازدياد، حتّى عَدّوا ما يقارب ما هو البشريّة قاطبة من الشّعوب و المجتمعات، بينما دخلت الحقائق العقليّة و العقلانيّة في بواطن "الفكر" و خفايا السّياسة، فإذا بها أسرارٌ مقدّسة أو تكاد تكون.. احتكرها أفرادٌ يتناقصون عدداً يوماً بعد يوم!؟

و ما أن ندخل في القسمة، على هذا النّحو، حتّى نكون قد قطعنا الشّوط الضّروريّ للدّخول في "هندسة" الاختلاف و الخلاف في الانقسام.

عندما نأخذ مفاهيم الرّياضة بالاعتبار المعرفيّ و ندرك كيفيّات النّسبة و التّناسب و التّوازي و التّماس و التّقاطع و الاحتواء و الانضواء و الانتماء و التّكافؤ و التّساوي و الانطباق و الانفراق و الانفراج و الأكبر و الأصغر.. - و كلّها، مع غيرها، مفاهيم هندسيّة - فإنّنا نستطيع أن ندرك أبعاد الواقع الذي يقوم على أساسيّات كهذه، ضرورة، و مباشرة، في الهندسة الاجتماعيّة التي ينبغي أن تصنعها السّياسة في عناصر التّكوين الإنسانيّ من منظومات و وحدات و مفردات و أفراد.

و في تشويه هذه "الهندسة" في "العامّيّات" المفهوميّة، انقسم البشرُ إلى أصناف بحسب الدّرجات المزيّفات. هكذا انخلق التّفاوت على إدراك "المُعطى" و في أثناء ذلك، و في الانثناءات الموضوعيّة و الصّنعيّة، و الانطواءات و الانفراجات.

و لقد يُصاب الوعي الإنسانيّ بما تُصاب به البيئة المحيطة له في الطبيعة و في المجتمعات، نتيجة لما يُقرّره أو لما يُقرَّرُ له، استلاباً مُريباً، في ما أتاح المعطى من إمكانيّات و قابليّات.

لا يُعبّر مفهوم "حكم الأقلّيّة، و حكم الأكثريّة"، و لا ينوب مفهوميّاً، عن أيّة حقيقة اجتماعيّة تَمَدُّ الإدراك السّياسيّ بأيّة حاجة يحتاجها، فعلاً، من أجل إنتاج وجوده الضّروريّ الّلازم و الكافي في الضّرورة و التّرف؛

و إنّما يؤدّي هذا "المفهوم"، و حسب، إلى الانحشار الاختياريّ في الوهم الرّقميّ العتيق و الذي نشهد، اليومَ، "تطوّراته" المَهُولة و المُفزعة في حضارتنا الرّقميّة الذي صار كلّ شيءٍ فيها رقميّاً و افتراضيّاً، باستثناء الظّلم و احتقار الإنسانيّة الذي يتطوّر كلّ يومٍ، بواقعيّة حقيقيّة، إلى مزيدٍ من تحكّم القلّة الأقوياء بالجماهير الضّعيفة و المستلبة على مستوى العالم كلّه و لو في حدود عمليّة نوعيّة مختلفة أو متنوّعة و متباينة.

فالقليل ما هو إلّا الكثيرُ الحقيقيّ الذي يتجرّد، كرقم مجرّد، في "المكان" السّياسيّ المحدود و المُعَدِّ لمن يتناسب "حجمه" و "كمّيّته" و "مواصفاته" (الفنّيّة و التّعبويّة..!؟) مع الحيّز المخصّص للخطاب التّعبيريّ الذي يختزلُ الكثرةَ كمّيّاً و نوعيّاً، فيما يُسمّى "الدّولة". و هذا ما تنشأ بواسطته "الدّولة"، تلقائيّاً و ضروريّاً و موضوعيّاً، في التّاريخ.

و إذا بدا في حديثنا شيءٌ من التّهكّم فهذا شيءٌ جيّدٌ و لكنّه ليس هو كلّ ما نريد.

أوضَح التّاريخ، بالتّجربة التي تملأ ذاكرة السّياسة التّاريخيّة، كما هو عليه الأمر في الواقع العالميّ السّياسيّ، اليوم، أوضح ما مفاده أن "الدّولة" بحقيقة واقعها العمليّ، ليست إلّا تلك "القلّة" أو "الأقلّيّة" أو "الطّبقة" أو "الفئة".. السّياسيّة التي قدّر لها التّاريخ الضّروريّ وجودها كصنف سياسيّ ينفصل "نسبيّاً" (هندسيّاً) عن المجتمع.

و إذ ذاك، فإنّ ما يصلُ أو من يصلُ إلى صفوف هذه "الطبقة"، هذه "الأقليّة"..، هو "أقوى" من يُعبّر بالملموس عن الطّاقة الجمعيّة و المجتمعيّة العامّة في لحظة تاريخيّة من لحظات السّيادة السّياسيّة، هذا و لو حتّى كان "الأضعف"!

و هذا يعني، ممّا يعنيه، أنّ الرّقم السّياسيّ، في الأقليّة، "يُكافئ" (هندسيّاً)، بالضّرورة، الرّقم الاجتماعيّ و يُعبّر عنه؛ كما أن المغزى السّياسيّ، في "الأقليّة"، ما هو إلّا اختزالٌ دلاليّ قويّ و غالب، و لو أنّه ليس تامّاً..، بحيثُ أنّ قوّته و غلبته كلّاً منهما كافيتين لتمثيل الرّقم و النّوع الاجتماعيّ التّاريخيّ السّياسيّ؛ و إنّه من المستحيل أن تتجلّى الصّورة بغير ذلك.

هكذا، إذاً، فإنّ "الأقليّة" لا تحتكر "الأكثريّة" أو حقوق الأكثريّة، و إنّما تُعبّر عنها، فعلاً، حتّى فيما "لا يجب" أن يكون - و بالأحرى فيما يجب أن لا يكون!- من اختصاص أو من مِلك أو من ممارسات أو من مسؤوليّات أو من تعبير أو من تَرَفِ الأكثريّة..!؟

يتبع هذه الصّورة أنّ الدّرجة التي يكون عليها الاجتماع من رقيّ أو تحضّر أو فهم أو إدراك، أو العكس، هي التي تنعكس كأكثريّة في مرآتها التي تظهر فيها على شكل الأقليّة؛

و يعني ذلك أنّ مفهوم "الأقليّة" و "الأكثريّة" لا يُمكن أن يحمل أيّة شحنة أخلاقيّة أو قيميّة أو حقوقيّة أو مظلوميّة..، بل و على العكس، فإنّما هو تعبير مباشرٍ و بسيط، تماماً، عن "واقع" كان أقوى، بمفرداته، لأسباب بعضُها قلناه و بعضُها لا يُقالُ و لا يُحصى، أقوى من وقائع أخرى هي أيضاً واقعيّة و لكنّها لم تستطع أن تمثّل "الواقع" الأكثر ميلاً و انحداراً أو "نزعةً" (بلغة الإحصاء بواسطة التّحليل الرّياضيّ و التّابع الرّياضيّ) نحو التّجريد، أو أن تُعبّر عنه.

و على كلّ حال، فإنّ التّاريخ يُقدّم لنا نماذج عكسيّة تماماً من النّماذج الثّقافيّة لهذا المفهوم، من جهة أن "الأكثريّة"، كائنة ما كانت و كائنة من كانت، هي التي كانت، و ما تزال، تمارس ظلمها على "الأقليّة" و تحنّ حنيناً شهوانيّا جامحاً إلى ممارستها ذاتها الظّالمة و الغوغائيّة و الرّعاعيّة، و ذلك في كلّ حيّز اجتماعيّ و في كلّ "مكانٍ" سياسيّ، إلى درجة سنتّهم، نحن، فيها المفهوم الثّقافيّ لِ"حكم الأقليّة و حكم الأكثريّة" كما تُروّجه "الثقّافة" السّياسيّة، و الذي يُراد له أنّ يكون قادراً على تقديم مفهوم مزيّف، "تقدّميّ" و " سياسيّ" عن مفهوم "رجعيّ".. و "قبليّ" أكثريّ، أو أن يُعبّر عن حالة "جماهيريّة" من الثّورة المظلوميّة..
سنتّهمُهُ بأنّه "مفهوم" كاذب - لأنّه، فعلاً، كذلك - و منافق و يحاول إخفاء حقيقة بطش الأكثريّات و استبداديّتها، و بأنّه كذلك مفهومٌ فوضويّ و انقلابيّ لا تحركه إلّا المؤثّرات الخارجيّة و الدّاخليّة التي تتمكّن بحكم عدديّتها الكثيرة من تنفيذ أحكام الخيانة و المؤامرة التي تتبنّاها في سعيها إلى إخضاع الأقليّة أو الأقليّات من جديد، بذريعة الحريّة السّياسيّة و الّليبيراليّة الاقتصاديّة و الثّقافيّة و الدّيموقراطيّة العدديّة، و بذريعة مبدأ "التّطوّر"..!

ثانياً - في فلسفة السّياسة:

بطبيعة الحال فإنّ هذه المسألة و مثيلاتها لا يمكن أن تُحلّل، كمشكلة سياسيّة تاريخيّة بالدّرجة الأولى، خارج "فلسفة السّياسة".

فمعالجة "المفاهيم" السّياسيّة و نقدها هو أمرٌ لا يصحّ بالأيديولوجيّات و معطياتها البسيطة في النّقد، مع أنّ جلّ من تصدّى لها، و بخاصّة في مجتمعنا، كان أن لجأ إلى مقتضيات التّحزّب و التّعصّب و الثّأر، و بخاصّة عندما تناولها تناولاً أيديولوجيّاً يغلب عليه التّفكير الفئويّ "الأكثرويّ" بمختلف حظائره و زرائبه.. و قيوده الإطاريّة، و خرج بنتائجه المقرّرة سلفاً و التي لم تكن من مخرجات التّفكير النّقديّ العقلانيّ أو ما يتّصل بذلك، من مناهج سياسيّة ثابتة في علوم السّياسة أو في ما يتّصل بالفلسفة السّياسيّة.

و إذا كانت "السّياسة"، في أوسع معانيها الواقعيّة، هي علم و فنّ التّنظيم العامّ للقوّة في المجتمعات و توزيعها توزيعاً "معقولاً" أو "عقلانيّاً" - و هي وظائف "الدّولة"، بالذّات، و أيّ وظائف "الأقليّة السّياسيّة"!- فإنّه من الخطير أن تُتركَ هذه "الوظيفة" الحدّيّة لحكومة "الأكثريّة" أيّاً تكن هذه "الأكثريّة".

فالأكثريّة لا يمكن أن تُشكّل "دولة" سياسيّة، و إنّما هي الأثر العامّ و الواقعيّ، كما كانت "الأصل"..، لوظيفة "الأقليّة السّياسيّة" في "حكومة الأقليّة" التي تمثّلها، دوماً، الدّولة؛ و على "الأكثريّة" يقع عبء رؤية ذاتها و قد انعكست في "الأقليّة" الاجتماعيّة و السّياسيّة التي هي "الدّولة"، و عليها أن تنصاع إلى هذه الضّرورات و أن تطمح في الاختيارات العمليّة في واقع الاجتماع.

و على "فلسفة السّياسة" يقع عبء التّنظير الواضح و الدّقيق و المعبّر على توافق (تكافؤ) "القوّة" و "المعقوليّة" في علاقة "حكومة الأقليّة" (الدّولة) بِ"حكومة الأكثريّة" (المجتمع).

الدّولة، إذاً هي "حكومة الأقليّة"؛ فيما المجتمع هو حكومة الأكثريّة؛ و من غير المعقول و من غير العمليّ و لا المتوَهَّم أن يحكم المجتمع ُالدّولةَ في ضرورات الانفراد بقرارات القضايا العامّة التي تنعكس في عقل الدّولة بوصفها دماغ المجتمع.

و لن يكون مفيداً، هنا، أن نناقشَ موضوعة عسف الدّولة و دخولها في ممارسات الظّلم الاجتماعيّ، إذ ما من دولة في التّاريخ، قاطبةً، إلّا و كانت تلجأ، بصورة أو بأخرى، إلى إرضاء المجتمع بوصفه صورتها العمليّة و الواقعيّة، و تهتمّ، أوّل ذلك، بأن تمثّل أهمّ طاقاته و سلطاته و قواه، و ربّما، في حالة من حالات ضعف الدّولة ، إنّما كانت تعمل؛ حتّى..، على تملّق المجتمع و التّواطؤ معه لغايات ظرفيّة أو استراتيجيّة عمليّة، و أعني تملّق "حكومة الأكثريّة" المتسلّطة في "الشّعب"- هذه الكلمة الهَزْليّة، على كلّ حال- و لو على حساب المعقوليّة أو العقلانيّة نفسيهما و الّلتين رُفعتا رفعاً "إيبوخيّاً" ("الإيبوخيّ السّقراطيّ"، و الذي هو مفهومٌ على الرّفع مع التّأجيل أو الاستثناء..) لأسباب تعود إلى وضوح الرّؤية الشّديد أو إلى عدم وضوحها ، بالمرّة..، أمام "الدّولة"..!

ما أعنيه في "فلسفة السّياسة"، إنّما هو أنّه ليس من الوارد العقليّ أو المعقول السّياسيّ، أو من الحاجة، بأيّ مكان و زمان، أن تلجاّ "الدّولة" إلى هذا "الإيبوخيّ" الفلسفيّ السّياسيّ، في معرض المقارنة بين "القوّة" و "العقل"، أثناء ممارستها كحكم أقليّة سياسيّة على "الأكثريّة السّياسيّة" (المجتمع)..
و ذلك لأنّ "الدّولة" الحكيمة هي التي تتجاوز شائعات الثّقافة المغرضة، لتدخل في طور "معرفيّ" لا يتطلّب منها تلك المفاضلة أو المقارنة أو الاختيار بين القوّة و العقل، و إنما هي قادرة، و يجب أن تستطيع، استخدام "المعرفة السّياسيّة" بكلّ اختلافها عن "الثّقافة السّياسيّة"..، لتجعل كلّاً من العقل و القوّة في الدّولة شيئاً واحداً "معرفيّاً"، مع ما يصنعه من وسائل و خيارات عمليّة؛ و هذا هو ما لا تقول فيه السّياسة، و لا تعرف أن تقول فيه، و لا حتى "فلسفة السّياسة" في التّاريخ، بعد..

" المعرفة "، بذاتها، عقل و قوّة في اندغامٍ كامل مع مغزى الوجود!

ننظر إلى "فلسفة السّياسة" بوصفها قادرة على الإجابة على الكثير من المشكلات الواقعيّة التي صنعت منها "الثّقافة" أسئلة سخيفة في السّياسة.

كنّا، أعلاه، قد تطرّقنا، سريعاً، إلى مفهوم "الدّستور"؛ و علينا، هنا، في "فلسفة السّياسة"، الوقوف مليّاً عند هذا المفهوم، و علاقته بمفهوم "حكومة الأقليّة" (حكم الأقليّة)، و "حكومة الأكثريّة" (حكم الأكثريّة).

على عكس ما يقوله جميع "علماء" و "فقهاء" الدّستور، أو ما يُسمّى بِعلماء و فقهاء "القانون الدّستوريّ" في العصر الحديث، فإنّنا ننظرُ إلى "الدّستور" بوصفه تقييداً لِ"حكم الأكثريّة" الاجتماعيّة أكثر ممّا يقولونه، هم، عليه، بأنّه تقييد للسّلطات و أي تقييد لِ"حكومة الأقليّة".

في الدّولة القوّيّة (و أعني المعرفيّة و العقلانيّة) فإنّ قيود الدّولة إنّما هي قيودٌ ملازمة لها و من طبيعتها بوصفها (الدّولة) انتقالاً كحكومة أكثريّة إلى مكان سياسيّ جديد "تبدو" فيه كحكومة "أقليّة".

أعني لا يمكن لدولة فيها عقلٌ سياسيّ أن تعمل بعكس متطلّبات الحكومة "الأكثريّة" التي يُمثّلها المجتمع.

و الدّولة، كما هو واضح، في هذه الحالة، ليست في حاجة إلى تقييدها بِ"الدّستور"، و إنّما يُقدّم الدّستور تظهيراً لها كقوّة وحيدة تمارس ذاتها في المعقوليّة و العقلانيّة.
و على العكس يَظهر الدّستور في "التّاريخ" الاجتماعيّ السّياسيّ كحدّ مفهوميّ و سلطويّ للمجتمع، الذي لا تُحدّ قواه بما هي سلطات مستبدّة، أصلاً، يغلب عليها الشّهوة و الحساسية و المنافسة..، إلخ؛ و ذلك من أجل أن يكون هذا المجتمع مستحقّاُ لهذه الدّولة التي تُنظّمه و لو لم يشعر كلّ فردٍ من الأفراد، على حدة، بخطورة و صعوبة مهمّة الدّولة في السّياسة.

إنّه عندما تفشل الدّولة، فشلاً حقيقيّاً و واقعيّا في أن تكون، هي، المُعبّرة عن المصالح العقلانيّة للأكثريّة الاجتماعيّة و الممثّلة الحقيقيّة لمصالح "الضّعفاء" و الذين هم "الأغلبيّة"..، فإنّه من "العقلانيّة" أننتصوّر أنّ "الدّولة"، في هذه الأحوال، تسقط بذاتها و لذاتها، فلا تعود قادرة على تمثيل نفسها كدولة، و لا تمثيل "الآخرين"، بما هي كأقليّة حكوميّة سياسيّة.

إنّ السّياسة و فلسفة السّياسة قد قعّدت هذه الحالة في مفهوم معروف و شهير يُعبّر عنه ما يُسمّى بِ"الدّولة الفاشلة"!

و هكذا لا تنتظر "الدّولة " كأقليّة سياسيّة، كحكومة أقليّة، لا تنتظر المجتمع كأكثريّة حكوميّة سياسيّة ليقوم بإسقاطها عند فشلها كمرآة للمجتمع، و إنّما هي "تختار" السّقوط، تلقائيّاً، (و أعني موضوعيّاً)، و هذا على رغم رغبة بعض القوى فيها (في الدّولة) في الاستمرار العبثيّ و المُزَوَّر..، عندما تُصبح عاجزة عن تمثيل اتّجاهات "الأكثريّة" في الحكومة السّياسيّة العامّة أو العموميّة.

و على ذلك نستطيع إدراك وظيفة "الدّستور" و الذي يجب دوماً أن يعكس إرادة "الدّولة" بوصفها قد انعكست عن حكومة أوسع و أصليّة و التي هي المجتمع ، هذه التي لا يُحدّها في "اختياراتها" المنطق أو العقل أو العقلانيّة ، كما هو واضح للجميع..؛
و لهذا كان "الدّستور" ضرورة تاريخيّة كسلاح بيد الدّولة، كحكومة أقلّيّة، خشية استبداد الحكومة الأكثريّة أو عسف الحكومات الأكثريّات، و اتّقاء شرّ الانتحار الجماعيّ الذي تختاره، أحياناً(!) حكومات الأكثريّة في "المجتمعات"، في المناسبات المعروفة للجميع..!

من بديهيّات وضع، صناعة، "الدّستور" أن يمثّل حالة "الثّبات" العقلانيّة التي تحتاجها المجتمعات الإنسانيّة، من أجل أن تكون مُعافاة في صلاحيّاتها للحياة، هذا "الثّبات" الذي لا يعرف المجتمع؛ و هو لا يستطيع بحكم سلطاته و رغباته و قواه غير المتجانسة و غير المنظّمة و الّتي هي تعبيرٌ عن الأرقام المتصارعة في الكثرة البشريّة؛ لا يعرف كيف يُحقّقه (الثّبات) و كيف يجعل منه عنصراً للتّفوّق على الذّات، بما يصنعه و يحقّقه "الدّستور" من أمانٍ شامل يحتمي فيه المجتمع من صروف "الاجتماع"!

نحن أمام حالة عقلانيّة في "الدّستور" تعكس دور "حكومة الأقليّة"، إذاً، في حماية "حكومة الأكثريّة" من ذاتها، أوّلاً؛ و ثانياً، من الطّغيان المتبادل في ما بين "الأكثريّات" المجتمعيّة، في حكوماتها الاجتماعيّة المتعدّدة، بغضّ النّظر، هنا، عن الأقليّات الاجتماعيّة و الأكثريّات؛ و ثالثاً، من طغيان الأكثريّة الاجتماعيّة على الأقليّة السّياسيّة.
ثالثاً - في الواقع السّياسيّ:

يُقالُ إنّ الفلسفات العظيمة لا تظهر أو لا تزدهر.. إلّا في أوقات انحطاط المجتمعات و أمراض الدّول و الحكومات و سَقْمِها، فيأتي الفلاسفةُ أطِبّاءً لتشخيص الأمراضِ و وصف علاجاتها المناسبة.

و بما أنّ "فلسفة السّياسة" تبحثُ أصلاً، في طبيعة المشكلات التّاريخيّة، الاجتماعيّة و السّياسيّة و الاقتصاديّة و الأخلاقيّة، و لا تقوم بمجرّد وصفها الإحصائيّ لمعالجة الأعراض التي تتظاهر فيها كما تفعل العلوم السّياسيّة..
فإنّ من واجب "فلسفة السّياسة" أن تغوصَ في عمق المشكلات التّاريخيّة، على مختلف أنواعها، و في الّلحظة المناسبة على ما تَقَدَّ مَ قولُه.

لقد ظهرت في أثناء "الحرب السّوريّة: الحرب على سورية"، و قبلها (كما كنّا قد تحدّثنا، هنا، في الحلقة السّابقة)، انحطاطات تاريخيّة شاملة كانت متواريةً و متخفّية تحت سطح الظّواهر و المظاهر "الاعتياديّة" التي ألفها المجتمع و ألفتْها السّياسة، إلى درجة إنكارها في التّنظير و في العمل و في الأخلاق، و تالياً في الممارسات الاجتماعيّة و السّياسيّة بتعدّد أشكالها و ظواهرها التي أغرقت بها المجتمع و الدّولة، إلى أن انفجرت في "الحرب" و مع الحرب و إمعاناً في "الحرب".

و لقد تجلّى كلّ ذلك في المواقف الاجتماعيّة الصّادرة عن حكومات اجتماعيّة "أكثرويّة"، و عن "أكثريّات" اجتماعيّة سياسيّة و اقتصاديّة و إداريّة و عرفيّة و أخلاقيّة، بالجملة، و ذلك في مواجهات شاملة و تصرّفات و أعمال صريحة لم تكن تحتاج إلى التّفسير أو التّأويل.

و أمّا شعاراتها السّياسيّة المعلنة منها، فقد تبنّتها "معارضات" و "قوى إرهاب" الثّورة المضادّة التي لم تمثّل أيّة "أقليّة" اجتماعيّة أو سياسيّة، مظلومة، بقدر ما عبّرت عن أصوات الضّجيج الغوغائيّ الرّعاعيّ "الأكثرويّ"، في المجتمع، فكانت كفيلة بأن تعكس لنا طبيعة الفهم و السّلوك السّياسيّينِ في "ثقافة" المجتمع السّوريّ و في المحيط الإقليميّ الرّجعيّ و في الأدوات الإمبرياليّة العالميّة المعاصرة، في تدجينها و دعمها لخرافات الأفكار السّياسيّة المنتشرة بقوّة "الجماهيريّات" الرّعاعيّة، عندنا، و في العالم عامّة في هذا العصر.

كان من أبرز الطّروحات السّياسيّة "الثّورويّة"(!) التّحريضيّة، تظهير الدّافع الاجتماعيّ، الذي عمل "مفكّرو ثورة النّاتّو" على تحفيزه اجتماعيّاً، حول "الأقليّة" و "الأكثريّة" و "حكومة" الأقليّة" أو "حكومة الأقليّات".

لم يكن النّفاق التّاريخيّ في هذه "الخطابات" التّاريخانيّة خافياً على الفكر السّياسيّ الحصيف؛ غير أنّ مواجهة ذلك لم يكن بسيطاً، بحيث أنّه لم يكن ثمّة ما يُعادله أو يقابله أو يضاهيه في فكرٍ سياسيٍّ"منظّمٍ"، آخرَ، بقدر ما كان ذلك الفكر المضادّ للحقائق و للواقع و للدّولة و لبقايا المجتمع..، و لكلّ صيغة من صيغ "حكومات الأقليّة"(!) منتعشاً..
إذا فهمنا كيفيّات الإعدادات "الشّعبيّة" الرّعاعيّة التي كانت قد انتظمت نهائيّاً في ذلك "الخطاب السّياسيّ" التّدميريّ، مدعوماً بكلّ "الحكومات الاجتماعيّة الأكثرويّة"، بحيث أنّنا شاهدنا "سابقة" في تاريخ المجتمعات و الأفكار السّياسيّة، عكست و لأوّل مرّة، في تاريخ "الحقيقة" السّياسيّة المعروفة أو المكتوبة، بوضوح إجراميّ، كيف تكون "حكومة الأكثريّة" عندما تختار التّعبير عن ذاتها، على حقيقتها، بمثلما كان، في "الثّورة السّوريّة"(!) ، في "العامّيّة السّوريّة"(!)، في "العموميّة السّوريّة"(!)..، من إجرامٍ و طغيان و استبدادٍ و خيانات و إفسادات و فسادات..، و شيطانيّة حاقدة بلا حدود و بلا ضِفَاف.

كان ذلك، أيضاً، فيما كان، أن أعلن عن تظهيرٍ سياسيٍّ عالميّ، في مفاهيم "دوليّة" رائجة، من صناعات "أهل التّطوّر الحضاريّ"، ألّفوه و صاغوه و نظّموه خصّيصاً للسّوريين في تجلّيّات حكومات الظّلِّ الاجتماعيّة و السّياسيّة، لمواجهة أقلّيّة في "الدّولة الوطنيّة السّوريّة"، و أعني أقلّيّة سياسيّة فعليّة و في "حكومة أقلّويّة"، أخلاقيّاً و سياسيّاً، و هذا إذا كنّا واقعيين بعيدين عن الشّعارات و الأيديولوجيا و نظرنا إلى الحقائق كما هي، و على ما هي في الواقع الفعليّ، عليه.

إنّ ربط "الخطاب السّياسيّ" ضدّ "الدّولة" بالعنصريّة الثّقافيّة و الدّينيّة و الاجتماعيّة، هو ربطٌ "الانقلاب" التّاريخيّ بمحرّكات الطّاقة "الأكثرويّة"، و الذي جهل (الخطاب) أن "الأرقام" ليست حقيقة سياسيّة ، و إنّما هي حقيقة حسابيّة بسيطة و عابرة و خادعة، و لا ترقى إلى أن تكون "حقيقة هندسيّة" في سياسة الأمم و المجتمعات و الدّول و الحضارة.

إنّ "الأقليّة السّياسيّة"، و الأخلاقيّة، و الاجتماعيّة، و الاقتصاديّة، السّوريّة، على أن نفهم هذه الكلمات بِحَرْفيّة و جِدِّيّة، هي الفئة التي دفعت و تدفع الثّمن الاجتماعيّ و الاقتصاديّ و الأخلاقيّ و السّياسيّ و التّاريخيّ، في مواجهة سيولٍ من "الأكثريّات" و "الأقليّات".. المعادية للاجتماع و للسّياسة المقرونة بمستقبل المجتمع و الدّولة الوطنيّة، و للأخلاق الفلسفيّة السّياسيّة الفاضلة التي من المفروض أن يكون قد آن أوانها من جديد.

لا يُقدّم لنا، إذاً، المفهوم السّياسيّ العَدَديّ، المقرون بالاجتماع و السّياسة و الحكومة، أيّة حقائق تعكس واقع الأمم و تطوّراتها السّياسيّة في التّاريخ؛ و هذا كما أنّه لم يُقدّم لنا ذلك، يوماً، في تاريخ الفكر السّياسيّ، على ما نراه، نحن، و نعتقده.

في حديثنا لم نكن نجافي الحقيقة التّاريخيّة السّياسيّة، و التي هي تسري بحكم تشابه "الإنسان" (الذي لا نراه نحن، هنا، من هذا الجانب، "يتطوّر"..) في كلّ زمانٍ و مكان.

لقد صَعدَ أوّل طاغيةٍ في التّاريخ المكتوب، على الأقلّ، في تاريخ (أثينا) عام (517 ق. م)، (بزيستراتوس)، مؤسّس "الدّيموقراطيّة" في التّاريخ، على أعتى موجةٍ للدّيموقراطيّة اليونانيّة الأولى، على أكتاف و أرقاب أفراد و رعاع أكبر حزب سياسيّ في (اليونان القديمة)، بدعاوى "حكم الأكثريّة" و "حكم الشّعب"..!

كان ذلك مقدّمة لانهيار "الحضارة اليونانيّة" إثر الصّراعات المريرة بين (أثينا) و (إسبارطة)؛ فكان القضاء على هذه "الحضارة" واقعاً أمام (أفلاطون) الذي كان أشدّ واقعيّة في "فلسفة السّياسة" (و كذلك تبعه أرسطو) من جميع من جاء، بعده، في تاريخ الفكر السّياسيّ، فيما بعد؛ حيث اعتبر (أفلاطون) أنّ الطّبيعة البشريّة مخيفة في انسياقها نحو الظّلم و الطّغيان، ما جعله مناهضاً، بشدّة، لجميع أشكال "الأكثريّات" الاجتماعيّة و السّياسيّة، على حدّ سواء..
و ذلك على الرّغم من نضاله الفلسفيّ الطّويل من أجل توضيح أهمّيّة "العدالة" التي اعتبرها، كفكرة، هي، "الدّولة" في توسّعها أو في إنضاجها في "السّياسة"، في التّشخّص الواقعيّ، و هي "عدالة الّلا مساواة" كما كان يُسمّيها (أفلاطون)، في وجه خرافة "عدالة المساواة"، حيث نعت (أفلاطون) "عدالة المساواة" بالعدالة "الحسابيّة"، فيما أطلق على "عدالة الّلا مساواة"، العدالة "الهندسيّة".

بقي أن نختم بملاحظات لا تنفصل عن الحديث، و لكنّنا تقصّدنا إرجاءَها إلى هذا الموقع من الكلام، مع أنّ موقعها المناسب هو في قلب الحديث على "حكم الأكثريّة"، و لكنّ موقعها المثاليّ هو هنا، نظراً لما قد تتخالط مع غيرها من التّأكيدات، كما قدّمنا، فنكون قد خسرنا الدّلالة التي سعينا وراءها في هذه المناسبة؛
و لقد كنت قد مررتُ سريعاً على إلماحة إليها، و لكنّ من الأفضل الوقوف على ذلك وقفة طويلة، نسبيّاً.

إنّ موقفنا الفلسفيّ السّياسيّ من مفهوم "حكم الأكثريّة"، تفنيداً و نقداً و رفضاً، كما كان صريحاً، وفق ما تقدّم، إنّما لا يعني تأييدَنا الجزافيّ، و المستنكر من قبلنا، لتجاهل "الأغلبيّة" الاجتماعيّة و السّياسيّة، و لكن بما هي "أغلبيّة" اجتماعيّة و سياسيّة أخلاقيّة و مهمّشة، و ليست بما هي "أكثريّة" سياسيّة عدديّة، إذ أنّه، هنا، بالضّبط، في هذه الجزئيّة، نكون قد دخلنا في الغلط السّياسيّ و الفكريّ.

إنّ الاعتداد العدديّ السّياسيّ و الاجتماعيّ الصّادر عن قوى معيّنة، إنّما يعكس، في قلبه و صلبه، تلك النّزعة المراهنة على الطّغيان العدديّ الذي تفترضه "قوّة" كافيّة للتّسلّط و قهر "الآخر" الذي ترى فيه عدواً بلا أدنى تعليلٍ، سوى التّعليل البعيد و القريب للوحشيّة السّياسيّة العدديّة، التي تتسلّح برعاعيّات الجماهير لتتفوق بها تفوّق الغلبة و السّيطرة و الطّغيان، تحت ذريعة الدّيموقراطيّة!

يحمل الاستبدادُ سماته المعروفة من الغرور العدديّ الأحمق و الأخرق، أو في الاعتماد على تأييد الأكثريّة بخصوص الأفكار التي لا يمكن أن تقبل أو أن تخضع إلى التّصويت، كأنْ تكون أفكار على الحقّ بالوجود، على سبيل المثال.

و عندما يستطيع فكرُ الدّولة تهميش هذا التّسلّط الأكثرويّ، بما هو مشروع حكومة استبداديّة و دولة طاغية، فإنّ من أبسط مهمّات الدّولة و واجباتها الالتفات الحصريّ إلى "الغالبيات" الاجتماعيّة المهمّشة تاريخيّاً و المقهورة اقتصاديّاً و سكّانيّا في الدّول المعاصرة، نتيجة تناقض مشروعات التّنمية مع أهدافها الأساسيّة في زواريب و دهاليز الفساد و الاستثمار و التّخصيص و الاستئثار و الاحتكار في الحقوق العامّة و العموميّة.

عندما لا تستطيع الدّولة، أو لا ترغب، أو تتجاهل، أن تُخصّص الجزء الأكبر من خططها المعاصرة من أجل إنقاذ الفئات السّحيقة، سياسيّاً و تاريخيّاً و اقتصاديّاً و ثقافيّاً، فإنّها تختار بنفسها أن تخسر مشروعها السّياسيّ الرّئيسيّ، كدولة سياسيّة معاصرة، و ذلك في دخولها الاختياريّ و الطّوعيّ في طور "الدّولة الفاشلة".

و على أنّه ليس ما يُميّز "الدّولة الفاشلة" سقوط نظامها السّياسيّ المباشر، و حسب، و بالتّالي سقوطها جميعاً؛ فإنّ للفشل السّياسيّ و الاجتماعيّ و التّاريخيّ الحقيقيّ، مقدّمة و تمهيداً يتجلّى، أوّل ما يتجلّى، في عجز الدّولة المعاصرة عن تحقيق الحدّ الأدنى من العدالات الاجتماعيّة المختلفة و التي أصبحت من البديهيّات السّياسيّة للمعرفة الحضاريّة التي تُعتبر مصدر القوّة و العقلانيّة العمليّة، في الدّولة المعاصرة..

***

عقب الشاعر ياسين الرزوق زيوس, على البحث, بما يلي:

مع سلاسلك أقف لأتأمل في مرآة أكثريتي الطاغية على كل المناحي فلا أجد إلا التشوهات فأعود مسرعاً إلى مرآة أقليتك كرجل دولةٍ يعصف بالأذهان و يشغّل آلات الفكر و يوقظ مسوغاته في فضاء معرفي ليس له بداية و لا نهاية لا أزل و لا أبد لا إيمان و لا كفر بل أبجديات جديدة في التعاطي مع السلاسل الجينية لتكوين الرؤى الصحيحة في بنى المجتمعات الإنسانية برمتها..أ ياسين زيوس

لم ينطق لورين إيزلي عن الهوى عندما تحدث عن خرافات المفكرين في مكان آخر يحاولون به إسقاط غيبيات و أساطير رجال الدين لكن ليس من باب متوالياتهم الهندسية المدروسة في تعقب أقليات ترى أكثريتها في مرآتها النور أو تعقب أكثريات ترى أقليتها في حضنها الدفء و الاستيعاب بل من باب التربع على عرش حقائق ربما صارت كيميائية بعد أن تداعت أنتروبيتها و كادت تفنى طاقتها بدلاً من أن تتحول من شكل إلى آخر.

بل و لربما صارت مركباً كيميائياً جديداً مختلف الصفات و مختلف الأنماط الميتة أصلاً في مجتمعات يخترقها اللاهوت ولا تبنيها العقلنة مما يجعل التراكمات العاصفة تسقطها بهشاشتها أو أقل ما يمكن بانسياقها وراء الترويج الإعلامي الممنهج الذي يصور الأقليات و الأكثريات كمفاهيم خارجة من نطاق كما تكونوا يولى عليكم مع أنها هي من روجت لها في مكان آخر بينما هنا تعطيها بنية كونوا بأكثريتكم العددية بنمط واحد أو أنكم لن تكونوا و لن تقوم لكم قائمة.

و هذا ما يجعل صناديق الاقتراع إعمالا غرائزيا مدروسا في سبيل ضياع الأنساب السياسية العقلانية المتعقلة و سقوط الهويات المدنية عند أدنى فتيل يشتعل باسم الدين و المذهب و تحت راية الانتصار لشرعة الله في الأرض ناسين أن الله قائل لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا و لم يدع الناس في سياق أكثرية قطيعية تسقط الشرائع و المناهج التفكيرية التي يبحث عنها سقراط بكل نقد فكري تتأتى منه الولادة الصحيحة و الطبيعية.

بعيداً عن قيصريات الإعلام الذي يلعب بالمخاض و يقلب الرأس ليصبح محل الأقدام و العكس مما يجعل أية ولادة متعسرة عندما يريدون إسقاط منهجيتها كما تسقط حالة التطور السياسي أنتروبيا بمحاولات فاشلة لقلب النظام السياسي من مكان إلى مكان .

و كأن النظام السياسي هو أداة تركب على هوى من يعبثون بطاقة الدولة وبكمون المجتمع المستقطب غرائزيا و عاطفيا و هذا ليس ذنبه بل ذنب بنى تلعب على جعله ينظر في مرآة الأكثرية ليرى وجهه ناصعا متناسيا كل قبح تزيله مرآة الأقلية بمعنى الدولة التي تخلق الصحوة و ترسم النظم و المسارات بعيدا عن الانزياحات العاطفية و عن ردود الأفعال الإمبريقية الحسية التي لا تغني و لا تسمن من جوع.

إلى السياسة و إلى تعاريفها الدستورية الشائكة و عليه فالارتهان عدديا في صنع مرآة الدولة و المجتمع ما هو إلا سعي إلى جر الوطن إلى مقتله بأيادي أبنائه...

و التهميش في السياسة لا يعني تغليب غراس الأحقاد في تربة تسقيها كلّ مياه الساعين إلى تحويل الديكتاتورية و الأتوقراطية إلى ليبرالية مقنعة و ديمقراطية هشة ناسين أن الاستبداد الديني هو البديل لهذه المصطلحات إن صحت في خانة القرضاوي و العريفي و الحويني و سواهم من أزلام السلطات التي تلعب على تشويه المجتمعات و الدول كما يحلو لها وفق تيار مصالحها الضيقة داخليا و خارجيا.

نعم دكتورنا العزيز سلاسلك تنقلنا بأكثريتنا الأقلوية إلى حيث نشتهي بعيداً عن أقليتهم الطاغية عددياً في تجمعات بشرية باتت كغثاء السيل و ما زالت تردد جزافاً : " و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني!"

لك النور أيها الإنسان في دولته المنتصرة لأقليته العددية إنسانياً و لأكثريته التأثيرية بهجت سليمان.

***

كما كتبت الدكتورة رشا شعبان التعقيب الآتي:أ رشا شعبان

كل الشكر و الامتنان لك دكتورنا الغالي لما تحفٌز به عقولنا، للخوض في قضايا باتت ضرورة البحث فيها من أهم المسائل الملّحة في واقعنا الراهن، و نحن نبحث في حلول واقعية و عقلانية و موضوعية ل إعادة بناء مجتمعنا و ثقافتنا و فكرنا نحو الدولة و المجتمع المنشود.

و لعلّ البحث في مفهومي الأكثرية و الأقلية و علاقتهما بما هو اجتماعي و سياسي، من الموضوعات الأهم في إعادة ترتيب تراتبية القوى و توزعها الوهمي في مجتمعاتنا.

نعم ، إن مفهومي الأكثرية و الأقلية، بقدر ما روّج لهما العقل الديمقراطي، بوصفهما من المفاهيم الضرورية في التحقق الديمقراطي في الدولة و المجتمع، عبر معادلة نسبية القوة، بقدر ما كان الأثر الواقعي و الفعلي لهما، مناقضاََ بل و مضاداََ لجوهر العقل الديمقراطي ذاته.

و يستدعي تجاوز أزمة العقل السياسي الراهن، الذي يسجننا و يحبس طاقاتنا و يسلبنا إرادتنا، عبر مفاهيم الأقلية و الأكثرية و الزيف الديمقراطي، أن نتطلّع إلى بناء جماعة إنسانية و تنمية انتماء وطني و ولاء جماعي..
هذا البناء الجديد الذي سوف يفضي إلى بناء الدولة النابذة لقهر و تسلّط الأكثرية و ابتزاز الأقلية في الصيرورة السياسية.

نعم علينا تجسيد الدولة بوصفها جهازاََ إجرائياََ، و إعادة التقدير للمجتمع و للسياسة، كقيم و سلوك و توجهات نابعة من المجتمع و مهيكلة له.

و هذا يدعونا إلى تجاوز نظام الجماعة الدينية و الإثنية و الطائفية، و تكوين اللحمة الوطنية و الإندماج الثقافي و الاجتماعي، و الذي سوف يفضي للإندماج السياسي، متجاوزاََ بالضرورة لوهم الأكثرية و الأقلية و الزيف الديمقراطي الناتج عنهما.

نعم نحن مدعوون لبناء الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية، التي تعمل على تجذير مفهوم المواطنة قولاََ و فعلاََ، بعيداََ عن جهوزية و أسبقية مفاهيم الأكثرية و الأقلية و تسلط العلاقة الرقمية العددية، و غلبتها على أصالة و نجاعة النوع و الكيف الاجتماعي و الثقافي و السياسي.

و لا شك أنه علينا تكوين اللحمة الوطنية ذاتها و إعادة التوازن بين الدولة و المجتمع، و جعل التنظيم الاجتماعي الواعي و الموضوعي، قاعدة لبناء الدولة في المفهوم السياسي و توسيع قاعدة المشاركة وفقاََ للأفضل و الأصلح، و ليس وفقاََ لمصادرة الأكثرية و الأقلية و قولبة المجتمعي و السياسي.

و لا نجانب الصواب في تأكيدنا أن ثقافة الأكثرية و الأقلية تمتلك من الوهم و الزيف التعسّفي و الأخلاقي، و الذي يجعل منها معوّقاََ ل البناء الحضاري و الإنساني في الدولة و المجتمع على حدّ سواء.

نعم إن تلك الثقافة تشكّل سجناََ يحكم الطاقات البناءة المبدعة في المجتمع، و المناط بها فعل التغيير و التقدم الاجتماعي، لأنها تغرق و توغل في العدد و الكم على حساب النوع و الكيف، و تمنح الحق لمجرّد انتماء الفرد لأكثرية ما، في التحكم و الفعل و التأثير، و هو فاقد لمقومات و مقدرات الفعل أساساََ.

إنها ثقافة التسطيح الثقافي و الاجتماعي و السياسي بامتياز.

و بقدر ما تقّدم تلك الثقافة ذاتها بوصفها الراعية لمبادئ الحريّة و العدالة الإنسانية و المساواة و الديمقراطية، بقدر ما تمارس أبشع و أقذر الممارسات في انتهاكها لتلك المبادئ جميعها.

و لا يغفل عن عقولنا، لعبة الابتزاز السياسي و الثقافي الذي مارسه من ادّعى الثورة تنظيراََ و واقعاََ، في استعمال مفاهيم الأكثرية و الأقلية في محاولة تدميرية للدولة و المجتمع.

نعم نحن مدعوون لبناء المجتمع العلماني على المستوى الأفقي، و الذي يعيد اصطفافه وفق معايير المواطنة الحقيقية، بعيداََ عن الانزياحات الدينية و الطائفية و الإثنية، وهو الاصطفاف الضامن لبناء الدولة وفق معايير العقلانية و العلمية و الموضوعية.

و أخيراََ لا بدّ من الاعتراف أننا نعجز في الكثير من مقالاتكم أيها الحكيم، عن الإضافة، لاكتمالها و كثافتها و شموليتها، و تبقى محاولاتنا نهرا في بحر اطلاعكم و ثقافتكم.

محبتي و تقديري و إجلالي لك أستاذي الدكتور بهجت سليمان.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود