كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: حول نظريّة [أثر جناح الفَراشة].. و عناصرُ نظريّةٌ على "الفوضى السّياسيّة"...

{الحلقة الثالثة والثلاثون “33“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"}


حول نظريّة [أثر جناح الفَراشة]

و عناصرُ نظريّةٌ على "الفوضى السّياسيّة"...


د. بهجت سليمان

{[نظرية أثر جناح الفراشة] هي: جزء من نظرية الفوضى (chaos theroy) التي تقول أن هنالك مجموعة كبيرة من الأحداث... قد تؤدي، أي حركة صغيرة جدا، في مرحلة معينة الى حصولها والتسبب بكوارث.. فمثلا يمكن لرفة جناح فراشة في دولة إفريقية مثلا، أن يؤدي إلى قيام إعصار في "ميامي" الأمريكية.}


غالباً، لا يمكن التّنبّؤ على أحوال عمل النُّظم و المنظومات التي لا تعمل أو تؤدّي ذاتها بتواترٍ دوريّ، بشكل دقيق أو ثابت، على اعتبار أنّ الجانب المجهول فيها هو أكبرُ، بالقياس، من الجانب المعلوم، و لو توفّر لذلك قاعدة بيانات أوّليّة تبدو أنّها متينة و كافية في ضبطها المعطيات المتوفّرة عندما تتناول أحداث الماضي و الحاضر، بشكل واضح و دقيق و سليم بالنّسبةِ إلى هدف التّوقّع أو الاحتمال.

و على رغم أنّ عبارة "معطيات قاعدة البيانات" تبدو أنّها متماسكة منطقيّاً بما تخصّ، أكثر ما تخصّ، أرقام الأعمال؛ إلّا أّنها، في الواقع، تحتوي على مشكلاتها الخاصّة التي تحرفها عن "الواقع" الفعليّ لإمكانيّات التّنبؤ عند الاستثمار و التّطبيق؛ وذلك من جهة الأخطاء البنيويّة الأساسيّة فيها، تلك التي لا تنحصر بالخطأ البشريّ أو خطأ أدوات القياس و التّقدير، الأوّليّة، و درجة الانحرافات التي تختزنها معطيات هذه الأدوات، التي أصبحت من "المعطيات" الماضية، فحسب؛ و إنّما أيضاً بخطأ أنّ واقع أيّ انحراف أساسيّ أو بنيويّ، و مهما بدا ضئيلاً أو مهملاً، فإنّ تطوّراته المستقبليّة الأكيدة تفوق التّوقّعات الجارية على الانحرافات التي تتجاوز قياسيّتها المفترضة.

ينطبق هذا الأمر على واقع التّنبّؤات العلميّة التّجريبيّة التي تتعرّض ديناميكيّاتها غير الدّوريّة للتّغيّر المستمرّ و غير المتوقّع، و هو الأمر الذي يُعلّل أخطاء العلماء الفيزيائيين، بشكل خاصّ، في احتمالات نتائج محتوى نشاطاتهم العلميّة.

و عندما تتعرّض النّظم الفيزيائيّة للتّحليل و التّجربة لهذا الإشكال الدّائم و الذي لا يُمكن تلافيه، فإنّه من الطّبيعيّ أن تتعرّض النّظم النّظريّة للعلوم المختلفة لهذا المشكلة، تعرّضاً أكبرَ ممّا تتعرّض له النّظم الفيزيائيّة التي تتمتّع بأدوات و عناصر ثابتة أكثر دقّة من تلك التي للنّظم الأخرى، و أعني النّظم الاستدلاليّة النّظريّة الخاصّة بالعلوم الإنسانيّة؛ بحيثُ تبدي نتائج التّخطيط الاجتماعيّ و الاقتصاديّ و السّياسيّ للفعّاليّات، نتائج معقّدة و غير مفهومة عند محاولات تعليلها تعليلاً مباشراً أو قريباً.

يدخل في هذا الارتباك النّظريّ، أيضاً، نتائج المؤشّرات الأخرى في صياغة و تحديد النُّظُمِ النّظريّة الإنسانيّة، كعدم الكفاءة و القصور و التّقصير و الإهمال و التّعمّد القصديّ، أحياناً، للتّضليل، و الذي يُؤشّر إلى تناقضات المصالح و الأغراض و الأهداف في عمل "المنظومات" الجماعيّة المؤسّساتيّة؛ كما يدخل في ذلك، أساساً، و بالأوليّة، غياب الدّيناميكيّة النّقديّة للنّصوص و الإدارة، هذه التي تقوم مقام ديناميكيّات القياس في نظم العلوم التّجريبيّة.

و يبدو، كما هو معلوم للجميع، أنّ ما يُسفِر عنه الانحراف أو الخطأ البسيط في النّتائج و التّوقّعات التي تدخل في نتائج العلوم الإنسانيّة المتعلّقة خاصّة بالسّلوك و الدّوافع و الحوافز و الإشراف و اتّخاذ القرار، إنّما هو أكبر و أخطر بما لا يُقاس من ذلك المرتبط بالعلوم التّجريبيّة، من واقع ارتباط نتائج الأولى ارتباطاً أوثق و أكثر حيويّة بحياة الأفراد و المجتمعات و الدّول و تفاعلات ذلك التي غالباً ما تكون خارج التّوقّعات النّهائيّة من طبيعة و درجة "الفوضى" (بأوسع مدلول الكلمة) التي تنجم عن تلك التّفاعلات..
و هذا ما يختلف، مطلقاً و نسبيّاً، عن ارتباط نتائج الثّانية ارتباطاً جماعيّاً و شاملاً في الوقت الواحد، إذ يمكن للفيزياء أن تُصلح من أخطائها المكتشفة، الأوّليّة بخاصّة، و المبكّرة في زمن التّجربة قياساً إلى درجة من إصلاح "مُعامِلات الأمان"(الثّوابت المجرّبة)، فيما لا تسمح أو تسنح السّياسة و المجتمع و الظّواهر الإنسانيّة الحيويّة و المتفاعلة بقوّة، غالباً، بهذا التّعديل الرّقميّ و بهذه الإصلاحات الصّامتة..

يُلاحِظ الفكر السّياسيّ النّقديّ، و غير المعمَّم كعلمٍ و مهارات فلسفيّة سياسيّة في أدوات ممارسات النّظم السّياسيّة للسّلطة و للإدارة، يُلاحِظ أنّ دراسة "الفوضى" الاجتماعيّة السّياسيّة و الإداريّة التي تحدث في الدّول، عادة، و المجتمعات، لا يمكن أن تنفصل عن دراسة طبيعة "النّظام" العام، و درجته، بذاته، في الدّولة، و أعني بما هو مانعٌ للفوضى الشّاملة أو متيحاً لها أو يعمل عليها بالقصد و العمد و التّقرير..؛

كما لا تنفصل، كذلك، عن دراسة طبيعة "النّظام السّياسيّ" للدّولة، و درجة انسجام هذا "النّظام" في تمثيله السّياسيّ لآليّات و قوى المجتمع، تمثيلاً واقعيّاً و تقريبيّاً، بحيثُ تستطيع الدّولة أن تتشكّلكمرآة للمصالح الاجتماعيّة في اتّجاهاتها السّياسيّة و الثّقافيّة، تعكس، بعموميّة و إحاطة، هذه المصالح و الاتّجاهات، لضبط الطّاقة المنفلتة خارجَ "النّظام العامّ"، و للتّقليل من "الأجسام الحرّة" (الشّوارد الحرّة، بلغة الطِّبِّ الإكلينكيّ و المِخبريّ) التي تتسبّب بأمراض غير محصورة، نظريّاً و عمليّاً، لجسد المجتمع و الدّولة، في خطّة "النّظام".


و على أنّ هذه "الصّورة" النّقديّة تمثّلُ حيلةً و ذراعاً نموذجيّة لحلول وقائيّة عالية نظريّة و عمليّة، و هذا واقع حقيقيّ، فإنّه من الواضح أنّ السّياسة النّموذجيّة المعاصرة، في الدّولة السّياسيّة المعرفيّة، القويّة..، يجب أن تتْبَعَ في أجهزتها التّخطيطيّة و التّنفيذيّة، دون القانونيّة و القضائيّة(!)، ما يُمكن أن نسمّيه استعمال معطيات "نظريّة الفوضى" في أساس علم الحاكميّة و فنّ السّلطة و مقتضيات السّيادة؛
بحيث تقوم المؤسّسات الدّرسيّة و البحثيّة المتخصّصة و الخاصّة بوضع "فرضيّاتٍ" واقعيّة، مستمدّة من التّجربة و الاحتمال، على "الفوضى" الاحتماليّة، الاجتماعيّة و السّياسيّة و الإداريّة و التّنظيميّة، تلك التي لا يمكن أن تكون محلّاً للقوانين و القضاء، كما أسلفنا و أشرنا..
كما لا يمكنها الاعتماد على النّظريّة أو النّظريّات المقترحة وفق "التّخطيط" التّقليديّ بالمؤشّرات المعروفة، كرفدٍ للحلول "الوقائيّة" المذكورة؛
و بخاصّة في إطار النّظام العالميّ للعولّمة، و الذي اخترق "القانون" الوضعيّ للدّول كما اخترق الأنظمة القضائيّة لها، بمحاولاته العمليّة و المباشرة و النّاجحة..، كما يظهر حتّى الآن، و التي تمكّنتمن تعطيل "القانون" الوضعيّ، نفسه، و احتقاره و التّنكّر له عن طريق إغراقه بسلسلة من التّعليمات و التّفسيرات التّنفيذيّة و المراسيم التّظيميّة و القرارات و الأوامر الإداريّة و تشكيلات "الّلجان المختصّة"..

إضافة لرفد هذه القائمة من الالتفافات على "القانون" بجهازٍ إداريّ و تنفيذيّ، "عولميّ"..، تقع مصالحه الحقيقيّة في "مكان" اجتماعيّ و سياسيّ مستقلّ و "غير مندمج" و في خارج إطار أهداف الدّولة و الوطن، في البنية المعاصرة و المتطوّرة جدّاً لأجهزة الفساد و تَقنيّات الإفساد التي تتجاوز، كما هو معلومٌ و مؤكّد، النّطاق الوطنيّ للدّولة المعاصرة.

يمكن تصوّر نظريّة "الفوضى السّياسيّة" التي نقترحها، هنا، كأثرٍ تطبيقيّ و مباشر لأحدث المنجزات العلميّة الفيزيائيّة في العالم في Chaos theory)) أو "نظريّة الفوضى" (الكايُوس أو الكِيَاس، أو الشِّواش) التي انبَنَتْ على النّتائج التّجريبيّة الواسعة لمُنتجات و نتائج الفيزياء الكوانتيّة في الظّواهر المُجهريّة الصّغيرة كما في تلك الكبيرة أوالفلكيّة الكونيّة، كثالث أحدث النّظريّات الفيزيائيّة العالميّة بعد "النّظريّة النّسبيّة" و "نظريّة الكوانتم"؛

و ذلك انطلاقاً من أنّ "العمل" السّياسيّ و الإداريّ في المجتمع و الدّولة، ما هو إلّا "جملة فيزيائيّة" حقيقيّة، لها "عطالتها" (قصورها الذّاتيّ) الخاصّة، و ذلك من دون أن نضخّمَ، كثيراً، ما يُقال على أنّ "الخصوصيّة" الإنسانيّة في "الاجتماع" تجعل من "الإنسان الاجتماعيّ" ظاهرة غير قابلة للقياس، بالمطلق، هذا مع اعترافنا بتلك الجوانب الإنسانيّة "الخاصّة"، بالعموم، و التي لا يُمكن التّنبّؤ بها، و هذا ما يُمكن أن يُشكّل في نظريّتنا المقترحة استثناءً معُتبراً، عمليّاً، عند وضع ما يُسمّى في المعطيات "قواعد البيانات" الّلازمة للدراسة و التّحليل كأسس أوّليّة و مُقارِنة في "القياس".

تسمح لنا "نظريّة الفوضى" الجديدة بقياسات إحصائيّة دقيقة و عمليّة و مختلفة للاتّجاهات الاجتماعيّة و السّياسيّة و الإداريّة و الاقتصاديّة الخاصّة بالمجتمع و الإدارة و الإنتاج و سوق العمل، إلى درجة يمكن، فيها، التّحكّم بتوزيع نقاط التّأثير المنتجة للسّلطات المختلفةو موارد العمل و العمالة، و ذلك في المجتمع و المؤسّسة العموميّة على حدّ سواء؛ و هذا من أبسط ما يحتاجه صانع "القرار السّياسيّ" في مفاصل الحكومة و ذُرى السّيادة.

غير أنّ "الفوضى" أو "العشوائيّة"، التي تعمل فيها "النّظريات" المختلفة و من ضمنها نظريّتنا في "الفوضى السّياسيّة" التي هي من صلب كلّ نظامٍ سياسيّ و بدرجات تختلف قليلاً أو كثيراً وفق المعطيات التّاريخيّة و الواقعيّة للمجتمعات و الدّول، أقول إنّ هذه "العشوائيّة" المرصودة، فعلاً، هي ليست سوى "نظامٍ" آخر، دقيق، مشروط ببنيته و بجملة من "المنظومات" التّأليفيّة، و الذي لا يُظهره إلّا "نظريّة" على "الفوضى".

في الكون و العالم و المجتمع و المؤسّسة، ليس ثمّة ما هو عشوائيّ أو ارتجاليّ، و بخاصّة عندما نفهم كلّ ذلك على أنّه جزءٌ من "سياسة" كلّيّة ناجمة عن "السّلطة المطلقة" التي كنّا قد اقترحناها كعلّة أصليّة و أوّليّة للوجود، و ذلك في أحاديث لنا، هنا، في مناسبات سابقة؛ إذ ليس ما يُسمّى بالعشوائيّة سوى النّتيجة المترتّبة على انفلات هذه الظّاهرة الكونيّة من الإمكانيّات المتاحة للإدراك.

يحلو للفيزيائيين التّندّر بظاهرة ما يُسمّى "أثر جناح الفراشة"التي تعني نظريّتها أنّ أيّ تغيّر في المعطيّات البسيطة للوقائع الأوّليّة التي تُبنى عليها "قاعدة البيانات" (و هذا بلغة حديثنا، نحن)، يُفضي إلى انحرافات و تغيّرات هائلة و غير قياسيّة (وفق المتّبع من "نظام" القياس) في المحتسبات النّهائيّة للدّراسة الخاصّة بمفردة (بند) من "المفردات" التي تجري عليها عمليّة القياس و الدّرس.
واضح أنّ المدلول المباشر لنظريّة "أثر جناح الفراشة"، هو أنّ أيّ تخلخلٍ للهواء المحيط بحركة جناح الفراشة في مكان، يُحدث في مكان آخر، بعيد..، رياحاً و يُحدث العواصف!

يقتضي هذا الأمر شيئاً بسيطاً في الواقع "السّياسيّ" للنّظام..، و هو ضرورة التّدقيق الأوّليّ و المستمرّ و الدّائم و المقارِن، بالوقائع و المعطيات، و أخذ البنية الأوّليّة للجملة القياسيّة بالاعتماد الحسّاس على هذه "الأوضاع" التي هي أوضاع يجب أن تُعتبرَ أوضاعاً دائمة و لو كانت تلك التي انطلق منها العمل في بداية الملاحظة و التي يمكن أن تكون قد أهملت و غابت من الاعتبارات و النّتائج المتواليّة الأولى و التّالية.

من الواضح أنّنا نقترح شيئاً من النّظريّات الدّقيقة في "الفوضى السّياسيّة"، كما نسمّيها للاختصار، و التي هي، بطبيعة الحال، نظريّة على ظاهرة أو ظواهر الفوضى المختلفة و التي تشكل جميع المظاهر العامّة النّافرة في الدّولة و المجتمع، و ذلك في الثّقافة و العلاقات النّاشئة في مجرى الثّقافة و المبادلات الدّلاليّة التي تتضمّنها تلك العلاقات و التي تُضفي المغزى على الدّلالة..، و في الأخلاقيّة الاجتماعيّة و الاقتصاديّة في التّعامل مع العمل و مواضيع العمل و منتجات العمل، أو في الصّورة العامّة للمسلكيّة الإداريّة في مؤسّسة الخدمة العامّة، أو في ما هو أعلى في المستويات الإداريّة المتّصلة مباشرة بالسّياسات.

يمكن أن نمثّل، بمثالٍ، هنا، على ما قصدناه في الصّيغة التّعبيريّة الأقلّ وضوحاً و الأكثر غموضاً - بالنّسبة إلى العقول التّحليليّة - و أعني على ما قلناه من "الثّقافة و العلاقات النّاشئة في مجرى الثّقافة و المبادلات الدّلاليّة التي تتضمّنها تلك العلاقات و التي تضفي المغزى عل الدّلالة" (العبارة أعلاه)؛

كأن تكون المفردة الخاضعة للدّرس، مثلاً، ذلك السّلوك الفرديّ أو الجماعيّ المنعكس عن ثقافة بيئيّة معيّنة، و أثره في التّبادل الاجتماعيّ و المسلكيّ في حيّز المؤسّسة العامّة على إنتاجيّة العمل، و أثر ذلك علىتبادل العلاقة ذاتها و ترويجها و تسويقها ما بين أفراد المؤسّسة نفسها و ما بين المؤسّسة و وظيفتها الاجتماعيّة و علاقاتها الخارجيّة، كأن تكون المؤسّسة مؤسّسة خِدميّة أو إداريّة و على احتكاك مباشر مع المجتمع..، و انتهاء بتقدير النّتائج المرغوبة و غير المرغوبة و التي تؤثّر مباشرة على أهداف العمل في المؤسّسة المدروسة.

للتّشخيص، أكثر، يمكن أن تتصوّروا أنّني أتحدث على ظاهرة كظاهرة التّرويج لفكرة "اجتماعيّة" لها أثر سياسيّ سلبيّ، متأصّلة في بيئة اجتماعيّة "متعصّبة"، و بالتّالي كيفيّة انتشار أثر هذا التّعصّب الثّقافيّ (دينيّ، قبليّ، اجتماعيّ، إقليميّ، عنصريّ، و تَعاطفيّ، أو حزبيّ..، إلخ) في المؤسّسة و أي إعادة إنتاجه في المجتمع و السّياسة (إضفاء المغزى على الدّلالة)، كما إعادة إدخاله في "اقتصاد ترويجيّ" اجتماعيّ و سياسيّ جديد (في داخل المؤسّسة و في علاقاتها الخارجيّة) و هذا هو المقصود بالمبادلات!

أظنّ أنّ الفكرة الأساسيّة لأكثرِ الصّيغ المقصودة بالحديث، غموضاً في التّوصيف التّأسيسيّ التّجريديّ، لوظيفة "النّظريّة السّياسيّة" للفوضى و المقترحة في هذا السّياق، قد أصبحت، الآن، اكثر وضوحاً و عمليّة؛

و عليها يمكن قياس الصّيغ الأخرى المقترحة كأهداف للنّظريّة السّياسيّة في الفوضى (أو "نظريّة الفوضى" السّياسيّة).

و إذا كان هذا الحديث، و "النّظريّة"، شيئاً يتّصل بعلم "الاجتماع السّياسيّ" (السّوسيولوجيا السّياسيّة)، فإنّه لا يقف عند هذه الحدود، و إنّما يتعدّاها إلى أعمق علوم السّياسة، و بخاصّة فلسفة السّياسة، و ذلك عندما ستظهر الحاجة إلى مختلف هذه العلوم، عند دراستنا و تحليلنا للظّواهر الأكثر تعقيداً و خطورة من الظّاهرة "الثّقافيّة" التي أجرينا عليها المثال العمليّ السّابق.

من أمثلة الظّواهر المعقّدة و الخطيرة، و هذا على أهمّيّة و خطورة الظّاهرة موضوع مثالنا، أعلاه..، ما هو متّصل بمنظومات "الفساد" و "الإفساد"، و "التّخريب" المتعمّد للإدارة و القانون، و الهدر المنظّم للموارد، و التّساهل في معالجة الانحرافات الأخلاقيّة المسلكيّة، و الاحتكار المتعلّق بالإنتاج و الاستيراد و التّصدير، و احتكار الإدارة و الاضطهاد الإداريّ المقنع أو الصّريح..، و ظواهر العُصبويّة المؤسّساتيّة، و إنشاء منظومات التّآمر و الخيانة العظمى بأشكالها المعروفة..، و ما إلى ذلك من ظواهر اجتماعيّة سياسيّة تدخل، مباشرة و بعمق، في جذور البنية العامّة لمؤسّسة الدّولة بأركانها المتعدّدة؛

إذ من المعروف أنّ الأمور تخرج على السّيطرة و الضّبط و العلاج، منذ أن تصلَ إلى لحظاتها الحرجة التي تؤدّي إلى تضخّم أتفه الأسباب و الوقائع لتجعل منها أموراً تأبى التّقييد و تتمرّد على كلّ علاج.

تعمل نظريّة "الفوضى" في أشدّ الظّروف و الأحوال تعقيداً و تحلّلاً، إلى درجة يستغرب معها الفكر السّياسيّ كيف لا تكون هذه "النّظريّة" من أبجديّات "العمل السّياسيّ" في "المؤسّسة" في مجتمعنا اليوم..!؟

و عندما يحاول البعض تعليل الكيفيات الارتجاليّة لأعمال الحكومات و الدّول و غياب المناهج السّياسيّة الوقائيّة في التّصدّي لزوابع هذا العصر المعرفيّ، التي لا يصلنا منها، نحن، مثلاً، إلّا الآثار التّدميريّة بعد أن تكون قد انقلبت معاييرها في وعاء جديد من التّنظيم، بحيث نحصد منها، نحن، أقصى أطرافها المتوسّعة و الحاملة معها لأكبر قدر من "الطّاقة المظلمة" في سياسة "نظام العالم"..
فإنّه لا يلجأ، عادة، إلى أيّة قواعد نظريّة "منظومويّة"، أو إلى دراسة تحليليّة متخصّصة و نوعيّة، و هذا ما يجعل تعليل الظّاهرة العامّة تعليلاً جزئيّاً و ناقصاً و غير علاجيّ لوقائع ربّما تكون جدّيّة و لكنّها منفردة و مستقلّة عن منظومة أسبابها التّخريبيّة أو التّدميريّة، أو غير جدّيّة في قدرتها على الإحاطة بالظّاهرة إحاطة نموذجيّة؛ و في كلتا الحالتين فإنّ المتوقّع بسيط و واضح و هو الفشل في قراءة الواقع جهل المستقبل.

في العالم الفيزيائيّ الذي يُحيط بنا و نعيش فيه، تصدر "الفوضى" عن الأشياء في حركتها الميكانيكيّة كما في حركتها الدّيناميكيّة، بما في ذلك عن الأشياء "الصّغيرة" أو "الصّغائر".. ،بحيث أنّ قانون الفيزياء الكوانتيّة الذي اكتشفه الألمانيّ (هايزنبرغ)(1901- 1976م) على "الّلايقينيّة" (عدم التّعيّن)، هو قانون عامّ و شامل لجميع الوقائع المادّيّة و الدّيناميكيّة بخاصّة، ليَمدّنا بحقيقة كثيراً ما أهملها الفكر السّياسيّ؛

مع أنّ سلوك "الموجودات" الفيزيائيّة "الصّغيرة" (الجزيئات) المكوّنة لعناصر الذّرة، بخاصّة، كواقعٍ مثاليٍّ للتّجربة المتضمّنة لمشاهدة قانون أو مبدأ "عدم التّعيّن"، يُماثلُ، بوضوح، واقع سلوك الأجسام الأوّليّة الصّغيرة في بنية "المنظومة" أو "المؤسّسة"، و التي هي بمثابة المكوّنات الدّقيقة لهذه المنظومات؛

و ذلك من جهة أنّ كلّ فرد عضو في المكوّنات البنيويّة للمؤسّسة يُقابل المكوّن الجزيئيّ (الصّغير) للذّرة الذي تمرّد على كلّ "يقين" في تحدّيه للتّوقّعات من حيث الحركة و الاتّجاه و الموقع التّالي للمشاهدة و القياس في توجّهه الحركيّ و الاستقرار.

إنّ الوحدات الاجتماعيّة و السّياسيّة تُقابل ذلك الوسط القياسيّ للإلكترون، و الذي هو الذّرات الفيزيائيّة، في سلوك مكوّناتها التي يستصغرها، عادة، الفكر السّياسيّ النّقديّ الكموميّ (أي على الكمّيّ الضّئيل أو الصّغير أو الدّقيق)، عند المكوّنات الدّقيقة لسلوك الأشخاص و ديناميّات السّلوك و التّحدّيات التي تصدر عن هذه الجزيئات البنيويّة للوَحدة الدّيناميكيّة في المجتمع و المؤسّسة و الدّولة.

نحن، إذاً، في واقع سياسيّ عولميّ حوّل الظّواهر الإنسانيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة إلى وحدات قياسٍ تحكّميّة، تجاوزت فيها الحقائق إمكانيّات قراءتها وفق العلوم الوصفيّة الكلاسيكيّة في الإدارة و الاقتصاد و السّياسة و الثّقافة و السّلوك العامّ، بحيث أنّ مضمونَ قاعدةِ "إذا توفّرت مجموعة الشّروط ذاتها و تكرّرت، فلا بدّ أن تؤدّي إلى النّتائج ذاتها.." أصبح من "المنطق" المنقرض في عصرنا البشريّ الدّيناميكيّ المُروّع هذا، من جهة أنّ النّتائج المتغيّرة و المتغايرة للتّجربة العلميّة الفيزيائيّة و السّياسيّة أصبحت تتطلّب من النّظريّات المتوجّهة إلى تحديدات العالم أن تتبنّى معطيات تشبه وقائع علم فيزياء "الكوانتم"..
إذ عليها أن تأخذ بالاعتبار درجات الاحتماليّة و الّلا يقينيّة التي بدأت تتكشف فيها "عناصر" عالمنا المعاصر عندما تطوّرت القدرة النّقديّة النّظريّة و التّجريبيّة في وسائلها و نتائجها العلميّة و التي هي في اطّراد.

إنّ تطوّر "المعرفة" جعل من عالمنا عالماً غرائبيّاً أو شبه غرائبيّ، يُحب البعض أن يَصِمَه بعالم من المصادفات، فيما هو في، الحقيقة، شديد التّنظيم و الضّبط و الإحكام.. في هذه الفوضى التي يُبديها في نتائج الملاحظات..
"نعم تحكم عالمنا الاحتمالات ممّا يؤدّي إلى قصور في التّكهّن الدّقيق مبدئيّاً، و كلّ استقراء أو تنبّؤ بالمستقبل سيكون بالضّرورة قاعدة احتماليّة أكثر منها قاعدة يقينيّة.
و مع هذا، و كما يقول عالم الطّبيعة الأميركيّ (ريتشارد فينمان): "بالرّغم من ذلك يواصل العلمُ الحياة".".

[ ليونارد راستريغين. مملكة الفوضى- محاولة في فهم آليّات عمل المصادفة و السّيبّرنيتيّة. ترجمة د. عبد الهادي عبد الرّحمن. دار الطّليعة. بيروت- لبنان. الطبعة الأولى – 1995م. ص(15)].

و على رغم أن (راستريغين) هو من دعاة "الصّدفة" الخالصة، فإنّنا نرى أن هذا "المبدأ"، عند إطلاقه بالمطلقيّة، يُعيب باقي جميع نتائجه في كتابه المذكور، كما يُعيقُ أيّة إمكانيّة على تبنّي أيّة "قاعدة احتماليّة" وفق ما يقترح..

بوجهٍ عام، جرى في تاريخ الفكر و النّظريّة اتّجاهٌ غَلّبَ "الصّدفة" على "اليقين" في العلوم التّطبيقيّة و التّجريبيّة، و امتدّ إلى خارج ذلك ليدخل في حظيرة "العلوم الإنسانيّة"؛

إلّا أنّ تطبيق نتائج هذا "الاتّجاه" العلميّ، في مدى شموليّته، و عموميّته، و بخاصّة صياغته المعرفيّة، يتبع الأشخاص المشتغلين بالعلوم كأفراد ينطلقون من منطلقات أوّليّة مختلفة، كما هم مختلفون في الأغراض و الغايات و القناعات التي تسير جنباً إلى جنب مع التّجربة و نتائجها الثّابتة أو المتغيّرة باستمرار؛ بحيث صدرت عنهم مواقف متباينة إلى درجة التّناقض في الاختلاف.

و على كلّ وجه فثمّة اختلافات نسبيّة و حقيقيّة ملموسة، وفق عتبات إدراكنا كبشر..، بين النّظم التّجريبيّة المحضة في العلوم، و بين النّظم الإنسانيّة التي منها السّياسة، بحيث أن انطباقاً كلّيّاً في المناهج المتّبعة لإدراك نتائج التّفاعلات الحيويّة في جميع النّظم، على حدّ سواء، إنّما يبدو أنّه أمرٌ فيه من المبالغة العمليّة و الفعليّة ما يحجب عن الأذهان تلك الاختلافات التي تميّز عالم الطّبيعة الفيزيائيّ، كوسط محض تجريبيّ، عن عالم الاجتماع و السّياسة من حيثُ "الغرض" الذي تظهر آثاره متباينة الوضوح، بالنّسبة إلى الغايات الإنسانيّة في السّياسة، على الأقلّ؛

ممّا يُعطينا ذلك الحقّ في عدم التّحلّل من مسؤوليّاتنا البشريّة و محاولات العمل على الواجبات، على نحو أعقل، تمييزاً لاستحقاقاتنا في العقلانيّة الإنسانيّة التي لا يمكن لها أن تبادل بها "فوضى" الاحتمالات، الخالصة.

تَظهر الفوارق التي تؤكّدها علاقات السّيادة و الطّاعة في سياق الاجتماع، بشكلٍ جليّ عندما نريد أن نتوجّه في العدالة إلى تلبية واجباتنا في الخير و المعرفة، و هي واجباتٌ فوق اختياريّة أو اتّفاقيّة كما يُظهرها تاريخ العقل الإنسانيّ في مراكمة المغزى، و ذلك تحت ضغط "الغايات" التي تفرض نفسها، يوماً بعد يوم، على العمل الإنسانيّ في السّياسة و الاجتماع، و لو أنّ هذا يجري عليه، في الوقت نفسه ، محاولات من الاستئثار بنتائج تطبيقات العقلانيّة في مبتكرات إنسانيّة جديدة من التّعصّب و الاحتكار.

و من الطّبيعيّ أن نظريّة على "الفوضى السّياسيّة" لا يُمكن لها أن تتجاهل معطيات العلوم الاجتماعيّة الخاصّة بالتّحليل النّقديّ للمؤسّسة، مع أنّ ما تلجأ إليه نظريّتنا المقترحة في محاولة الإحاطة القصوى بفوضى "النّظام"، في الاجتماع و السّياسة و الإدارة، من أدوات فيزيائيّة، هو ليس سوى الجوهر النّظريّ و الأدواتيّ بالنّظر إلى مقتضيات الفشل التّعبيريّ التّقليديّ و الصّريح في صوغ النّتائج المبنيّة على "علم الاجتماع" المطبّق على المجتمعات الأكثر فوضى في "النّظام" (مثلاً)؛ بالإضافة إلى استعادة للعلوم السّياسيّة وفق محدّدات من مرتبةٍ أكثر واقعيّة و فعليّة و ديناميّة و أعني المحدّدات الفيزيائيّة- السّياسيّة لفكرة الفوضى و النّظام و القوّة و المعرفة و التّأثير.

من بين جميع المفاهيم "التّقليديّة" في علم الاجتماع السّياسيّ، فإنّ على "النّظريّة" المقترحة ألّا تتجاهل ظاهرة اجتماعيّة- سياسيّة أثبتتْ شدّة واقعيّتها و ديناميكيّتها المتعاظمة و المؤثّرة تأثيراً مخرّباً و ناسفاً للقيم في "العمل" و في "الأخلاق السّياسيّة" (لا حظوا دوماً أنّنالا نقول بِ"سياسة أخلاقيّة"!)؛ و أعني بها ظاهرة "العدوى" السّلوكيّة.

و لنا في هذا المكان أن نتعمّق قليلاً فيما يقول عالم الاجتماع الأميركيّ (تالكوت بارسونز) (1902- 1979م):

"إنّ الأنساق الاجتماعيّة تميل إلى تدعيم وجودها عن طريق إزاحة التّوتّرات أو حصرها في حيّز محدود. و يعود ذلك إلى أصالة عمليّة الضّبط الاجتماعيّ، و بالمقارنة للميول العدوانيّة و الخيال الجامع، و التي تكون هامشيّة البناء و يسهل مواجهتها، و لأنّ الارتباط بها جزئيّاً. هذا بالإضافة إلى أنّ الذّات تميل، باستمرار، إلى الاحتفاظ بعلاقة استقرار مع الآخر، من أجل تجنّب الصّراع و العزل".

[علم الاجتماع عند تالكوت بارسونز- بين نظريّتيّ الفعل و النّسق الاجتماعيّ - دراسة تحليليّة نقديّة. تأليف د. محمد عبد المعبود مرسي. مراجعة و تقديم د. أحمد رأفت عبد الجواد. القصيم – بريدة. الطبعة الأولى - 2001م . ص(173- 174)].

و في فهم تحليليّ لقول (بارسونز)، من قاعدةِ "من بابٍ أَوْلَى"، يمكننا الاستنتاج أنّ انحراف النّسق الاجتماعيّ الثّقافيّ الخاصّ في إطار النّمط الأوسع، إنّما هو، أيضاً، محكوم بضوابط يجب اكتشافها في البنية النّفسيّة لشخص أو لمنظومة الشّأن العام، موضوع الدّراسة و الرّقابة و الملاحظة و التّحليل و الثّواب و العقاب، لأنّ فيها من الضّعف ما فيها من القوّة؛

و لكنّ تغليب جانب على جانب آخر هو مقرونٌ بالحرّيّات "المسلكيّة" و الهوامش الشّرعيّة التي يضمنها و يُضخّمها النّسق الاجتماعيّ- الثّقافيّ بالعدوى و بالقصد المباشر و المنظّم، إلى حدّ سرطانيّ، عند عدم وضوح واقعيّة و فعليّة الضّوابط الظّرفيّة و البنيويّة التي تشكّل، وحدها، كوابح الضّبط الذّاتيّة في إطار الرّدع العام؛ و هذا ما تتضمّنه، بالتّحريك (أي في ظروف اقتصاد أو انعدام محصّلات الحركة)، تلك الميول نحو المسالمة و عدم تفجير الصّراعات.

نحن لا نفترض في العلاج الذي تقترحه نظريّة "الفوضى السّياسيّة" أنّه شفاءٌ سحريّ للمشاكل التّاريخيّة التي دخل فيها مجتمعنا و راكم عليها، ثقافيّاً و سياسيّاً، و لكنّنا، و هذا في الأقلّ، إنّما نبحث عمّا يُسمّيه (بارسونز) "تحقيق توازن النّسق" الدّاخليّ لعدم طغيانه على "الأنساق" الأخرى، بالإضافة إلى تحقّق هذا التّوازن "خارجيّاً" في إطار النّمط الاجتماعيّ في الحيّز العامّ المدروس.

عندما "يزدهر" و "يُثمر" و يتضخّم "الاجتماعيّ" في "السّياسيّ"، فهذا يعني اكتساب "النّسق" الاجتماعيّ- الثّقافيّ حصانات جديدة و نهائيّة في "الأقليّة السّياسيّة" التي هي "الدّولة"، مستحيلاً إلى نسقٍ سياسيّ متواشج، مباشرة، مع "الاجتماعيّ"، بحيث أنّ دفاع "النّسق السّياسيّ" عن مصالحه في "الدّولة" سيشكّل من جديد ضامناً للانحراف في "النّسق الاجتماعيّ" المُغذّي له و المعبّر عنه في الدّلالات الواسعة..

كما سيشكّل تشجيعاً ثقافيّا للانحرافات في ديناميّات متطوّرة، ممّا سيؤدّي إلى "تبادل قيميّ" مطلق في الانحراف، بين "الاجتماعيّ" و "السّياسيّ"، الأمر الذي سيحسم مستقبل تفوّق الظّاهرة التّدميريّة تفوّقاً يكون معها تفشّيها في النّسق السّياسيّ "الضّامن" جسراً لانتقال الانحرافات المعنيّة و تبادلها السّهل ما بين مختلف الأنساق السّياسيّة في "الدّولة"، ما سيؤدّي إلى فوضى سياسيّة عارمة تتناول أسس الحكومة السّياسيّة صانعة و منفّذة قرارات السّيادة التي ستحيلها إلى ضربٍ من ضروب الفوضى و العبث السّياسيّ.

عندما بدأت نظريّات "علم الاجتماع" بالتّكوّن منذ نهاية القرن التّاسع عشر، كانت أوائل أسئلتها العمليّة المباشرة تدور حول أسئلة هي بالنّسبة إلينا، اليومَ، أسئلة معاصرة جدّاً و تكاد تكون الأسئلة الوحيدة التي تساعدنا على الّلحاق بباقي المجتمعات و الدّول.

إنّها الأسئلة ذاتها حول:

"كيف يتماسك المجتمع؟"

و "كيف يُفرضُ النّظام السّياسيّ؟"

و "ما الّذي يوجّه فعل الأفراد؟"

و "ما هي التّفسيرات و المعالجات المقدّمة إلى الظّواهر الاجتماعيّة مثل الجنوح و الفساد و العنف؟"

و "هل هناك قوانين اجتماعيّة و سياسيّة و إداريّة و تاريخيّة عامة بخصوص مختلف المجتمعات و الثّقافات، فقط؛

أم أنّ هناك قوانين عامّة بالنّسبة إلى ذلك، مع قوانين خاصّة بحكم التّباينات الاجتماعيّة و الثّقافيّة في إطار الحضارة الإنسانية الواحدة؟"..، إلخ؛

أقول إنّها الأسئلة، نفسها، اليوم، التي تُطرح علينا في إطار السّياسات الوطنيّة لإنتاج المجتمع و الدّولة من جديد، فيما تجاوزت مجتمعات و أمم و دول العالم الأخرى هذه الأسئلة بعد أن أجابت عليهاعمليّاً؛

و هذا ما هو يُلحّ جدّاً علينا، اليوم، للانطلاق ممّا انطلق منه الآخرون منضافاً إليه اجتهادات النّظريّة السّياسيّة المعاصرة في العالم ما بعد بعد الحداثيّ و المتعلّقة بفوضى "النّظام العالميّ" العولميّ كما كنّا قد أشرنا أعلاه.

و من المفهوم أنّ السّبب الذي يدعونا اليوم إلى هذا الإلحاح، إنّما هو ذلك المتعلّق عمليّاً بتطبيقاتٍ عمليّة في مفاهيم الإدارة و السّياسة هي أقرب إلى البديهيّات السّياسيّة في العالم المعاصر..

و أعني ضرورة اقتران "السّوسيولوجيا" بالعقلنة الاجتماعيّة و العقلانيّة السّياسيّة التي تميّز الدّول المصطفّة في الرّتل الطّويل باتّجاه أهداف العالميّة المعاصرة المسمّاة بالعلمنة الواقعيّة للمجتمع و السّياسة خارج خرافات التّلقائيّة الاجتماعيّة و السّياسيّة التي تنحدر مباشرة، و قد انحدرت عندنا..، إلى جميع صنوف الجهل و العنف.

من الطّبيعيّ أنّ تصوّرنا النّظريّ على "الاجتماع" و "السّياسة"، لا يطمح، عمليّاً و لا نظريّاً، إلى تعقيم الهواء و الأرض من جميع توقّعات نتائج السّياسة على تعقيدات المجتمع، أو العكس، و لكنّنا نطمح إلى التّمييز بين ما هو طبيعيّ و ضروريّ و صحّيّ من أشكال المنافسة النسقيّة بين المجتمع و الدّولة، كحكومتين متباينتيّ التّكوين و الأغراض، و بين ما هو أجنبيّ عن "الاجتماع" و عن "السّياسة" في ديناميّات التّعبير و الكمون التي تضطرم في الدّولة المعاصرة، المعاصرة بالزّمن و حسب..، و التي هي من صنوف الدّول المستيقظة متأخّرة على صوت ضوضاء نظام هذا العالم، كما هو الأمر بالنّسبة إلينا، بالتّأكيد.

يقول (ماكس فيبر) (1864- 1920م) بشأن "الصّراعات" الحاكمة للاجتماع و السّياسة:

"يمكن تسمية العلاقة الاجتماعيّة "صراعاً" إذا انطلق الفعل من نيّة تنفيذ الإرادة الذّاتيّة مع وجود مقاومة من "الشّريك" أو "الشّركاء".

"وسائل الصّراع السّلميّة هي تلك التي لا تتمثّل في استخدام مباشر للعنف البدنيّ. و الصّراع السّلميّ هو ما نسمّيه "التّنافس" عندما يأتي في صورة محاولة ذات شكل سلميّ للحصول على "سلطة" التّصرّف في فرص و إمكانيّات، يرغب فيها آخرون أيضاً.

"أمّا "التّنافس المنظّم" فيمكن أن نسمّيه تنافساً إذا كانت أهدافه و وسائله موجّهة وفقاً لنظام معيّن.

"و يمكن أن نسمّي صراعاً صراعَ الأفراد و الأنواع (الضّمنيّ) بعضهم ضدّ بعض على البقاء، دون وجود رغبة مقصودة في الصراع..

"و يمكن أن نصادف- بِلا أيّ نقصان- جميع المراحل المتباينة تماماً في الصّراع، في كافّة أنواع الصّراع بدءاً من الصّراع الدّمويّ الذي يستهدف إنهاء حياة الغريم، و لا يعترف بأيّ التزام بقواعد للصّراع..".

[ماكس فيبر. مفاهيم أساسيّة في علم الاجتماع. ترجمة صلاح هلال. مراجعة و تقديم و تعليق محمد الجوهريّ. المركز القوميّ للتّرجمة - إشراف جابر عصفور. القاهرة. الطّبعة الأولى - 2011م. ص(73- 74)].

و نحن أيضاً، بدورنا، يمكن أن نصادف- و بدون أدنى نقصان!- في مجتمعنا، جميع أنواع الصّراع الاجتماعيّ و السّياسيّ التي يتحدّث عليها (فيبر) مضافاً إليها أنواعٌ مستحدثة من الخسّة و الحماقة و السُّعار، ما لم يكن يخطر ساعتها في ذهن (فيبر) أو في ذهن غيره، ممّن لم يعيشوا ظروف المجتمعات المغلقة بالكيديّات الثّأريّة القبليّة و العنصريّة التي "طوّرتها" الأغراض في "الاجتماع" و في "السّياسة"، و التي استحدثت لها وسائل جديدة و متطرّفة استعادت فيها أكثر أشكال البدائيّة توحّشاً و أنانيّة و خساسة و دناءة.

في "الغابات البشريّة"، لا يُمكن أن يُطلب إلى النّظريّات الفكريّة أن تكونَ مسالمة ومهادنة و موضوعيّة و إنسانيّة، في النّزاهة (مثلاً ما هو عاطفيّ و مريض من شاكلة المسامحة و الحرام و الحلال!)..
و إنّما ينبغي أن تقابلَ الظّروف المنحرفة بنظريّات استثنائيّة أيضاً، تبعاً للاستثنائيّة و الشّذوذ و الانحرافات الشّاملة التي أدخل فيها "المجتمعُ"، في إطار الفوضى الزّلزاليّة..، الثّقافةَ و الاجتماعَ و العمل و الأخلاق و السّياسةَ في معطيات و مكوّنات و أدوات و أهداف الصّراع.

بالعموم، فإنّه لا يُمكن أن تكون "النّظريّة" وافية و ممكنة في اقتراح وسائل العلاج، ما لم تكن وصفة واقعيّة تخصّ المرضَ المحدّد التي تطمح إلى علاجه.

و إذا كان لا بدّ لنا من "الاندماج" (و الانسجام) في العالم، و هذا أكيد، فإنّ علينا أن لا نأخذ ما صنّفته علوم السّياسة و الاجتماع المعاصرة، على أنّه ممكن التّطبيق في "مجتمعنا"، و ذلك مثل ما اشتهر من علوم "إدارة التّفاوض" أو "إدارة المفاوضات" أو "إدارة الحوار" و "إدارة الأزمة" و ما إلى ذلك..
على اعتبار أنّ هذه التّصنيفات النّظريّة قابلة للتّطبيق في المجتمعات التي تجاوزت صراعاتِها المُفضيةَ إلى التّشرذم الاجتماعيّ العنصريّ و التّشرذم الثّقافيّ و السّياسيّ و الأهليّ..، و ليس في مثل أنظمتنا الاجتماعيّة و الثّقافيّة و السّياسيّة التي ما زالت تقتات على غذاءٍ فكريّ و أيديولوجيّ محنّط يعود إلى مئات السّنين الماضية، على الأقلّ؛

و الأجدى، في حالتنا، أن ننظر إلى إجراء المطابقة النّقديّة و المقارنة النّسقيّة، الإجرائيّة، بين المكوّنات التّاريخيّة و المعطيات المعاصرة لطبيعة و آليّات و ديناميّات الحركة الاجتماعيّة و فعاليّاتها السّياسيّة، و بين المعطيات النّظريّة التي تمدّنا بها مختلف علوم الحضارة المعاصرة القابلة لتكون جزءاً أساسيّا من ثقافة الانتقال و التغيير.

نحن نقترح نظريّة على "الفوضى السّياسيّة" لتمحيص هذه "الظّاهرة العامّة" التي تعمل على الاستقرار و الطّغيان..، ثقافيّاً و اجتماعيّاً و اقتصاديّاً و سياسيّاً؛

ذلك لأنّ ما يقابل هذه "الفوضى" من النّظام المبدئيّ الضّروريّ، هو شيءٌ مفقودٌ إذا، و على الأقلّ إذا..، بقينا، في إطار "علم الاجتماع"؛

ذلك لأنّنا..

"يمكن أن نتحدّث عن "تطبيق" نظام..، إذا كان ذلك النّظام فقط توجّهاً حقيقيّاً تبعاً لمبادئ موجِّهة بصورة متوسّطة أو تقريبيّة".

[المصدر. ص(63)].

و من الواضح أنّ تجربتنا الاجتماعيّة و السّياسيّة، في المجتمع السّوريّ، لم تصل، بعد، إلى هذه العتبة الشّرطيّة الأوّليّة؛ و هذا ما يُلزمنا بالبحث النّظريّ خارج أسس "السّوسيولوجيا" التّقليديّة التي ألّفها العقل التّنظيريّ العالميّ و طبّقها، أيضاً.

يتّصل بحديثنا على "الفوضى" و "النّظام" بما يتعلّق، بالجوهر، بطبيعة المجتمعات "المغلقة" و المجتمعات المفتوحة"..

و إذا كنّا قد تناولنا، سابقاً، هذا الجانب النّظريّ بالتّفصيل، على انغلاق المجتمعات و انفتاحها، و في غير مناسبة، فإنّما كنّا نتناوله - في الأغلب - بما هو ينطبق على أوضاعٍ انغلاقيّة إزاء "الآخر" و حضارته، بوصف "مجتمعنا" كتلة واحدة منغلقة بالتّكوين التّاريخيّ و الثّقافيّ..، فيما كان حديثنا على "الانغلاق" الدّاخليّ مجرّد مقاربات مؤيّدة لفكرة "الانغلاق" الخارجيّ..

فإنّه؛ و مع احتفاظنا بصلاحيّة تلك الأفكار، نفسها، هنا، في مناسبة بحثنا في نظريّتنا على "الفوضى السّياسيّة"، و إسهام ذلك "الانغلاق" الاجتماعيّ الحضاريّ بالفوضى التّدميريّة..

يجب أن نقول شيئاً جديداً على "الانغلاق" الدّاخليّ لمجتمعنا، بحيث تكتمل "الصّورة" المؤدّيّة إلى ما أسميناه بالفوضى الاجتماعيّة و السّياسيّة، على الأقلّ.

يأخذ مفهوم "الانغلاق" الاجتماعيّ المؤدّي، تلقائيّاً، إلى الفوضى السّياسيّة، أشكالاً متعدّدة في جسم الدّولة.

و سنقف، هنا، على مثالٍ واحدٍ، و لكنّه مثال شامل و موحٍ أكثر - أو ربّما أقلّ..! - ممّا تتطلّبه الدّلالة!

إنّ الاتّفاق "الثّقافيّ" التّواطئيّ و المُخطَّط.. (و هذه المرّة، الإداريّ و السّياسيّ، أيضاً)، بين أفراد "الجماعة" الفاعلة الواحدة (أو العصابة، بالأحرى) "الفاعلين" سياسيّاً، أو بين "جماعات طوبولوجيّة، اجتماعيّاً و سياسيّاً و إداريّاً متعدّدة "حاكمة" و فاعلة سياسيّاً، في "المجتمع"أو في المستوى السّياسيّ و الإداريّ و الوظيفيّ..
انطلاقاً منمرجعيّات مُدنّسة و دَنِسَة و "ثابتة" (جامدة) رُفِعَتْ إلى مستوى "التّقديس"، مفادها أنّ حرمان (أو منع) "البعض" من الحقّ الوظيفيّ أو الإداريّ "المفتوح" بالتّقرير تبعاً إلى أنّ القابليّات "الحضاريّة" لشغل بعض الوظائف العامّة (هنا أنا أتحدّث على وقائع..!؟) هي لا تتوفّر في "فئات" اجتماعيّة و تتوفّر في أخرى..، أو أنّها تتوفّر في "فئات" دون أخرى، و ذلك تبعاً لمواصفات أو صفات ثقافيّة أو عنصريّة..، إلخ؛

إنّما هو ليس "انغلاقاً" اجتماعيّاً داخليّاً، وحسب، بل هو يذهب إلى أبعد من هذا بكثير من التّكديس و الغَلْقِ المنظّم و المتوحّش.. للرّئات و الأدمغة و الفرص و الحقوق..، إلخ؛ ممّا يُشكّل روح الفوضى التّدميريّة المنظَّمَة.. للمجتمع و الدّولة بتوجّه مباشر، بالتّخريب، إلى أركان الدّولة السّياسيّة على الحصر..!

تُظهر الوقائع المختلفة و المتعدّدة المشابِهة، إذاً، حاجتنا إلى التّنظير و الدّرس و البحث المعمّق، أكثر بكثير ممّا تقوله "النّظريّات" الإداريّة و نظريات علم "الاجتماع السّياسيّ" المعروفة؛

و هذا شيءٌ مُشَخَّصٌ واحدٌ، فقط..، ممّا هو يكمن وراء الأسباب التي دعتنا إلى اقتراح "نظريّة" جديدة و خاصّة على "الفوضى السّياسيّة" في المجتمع السّوريّ.

الآن أصبح من الضّروريّ أن نقول إنّه من الطّبيعيّ أنّ حديثنا الأخير، هذا، لا يتّجه إلى التّسويغ لمقترحنا "التّنظيريّ" الضّروريّ، واقعيّاً و تاريخيّاً، على ما كان عليه؛ بل ربّما كان من الضّروريّ جدّاً أن نتوسّع في بحث الوقائع المختلفة التي تجعل هذه "النّظريّة"، على "الفوضى"..، شيئاً وحيداً، ربّما، من بين سائر كلّ "الأشياء" التي تحاول أن تقولَ "الواقع" وتعالجه معالجة أكيدة.

هكذا هو ما يمكن أن يُقالَ، على الأقلّ، في "أثر الفراشة".. التّدميريّ، بالتّفاعل و التّراكم؛

فكيف إذا كان "الأثر" هو أثر الغُول الموصوف و الذي هو هذا "الإنسان" المسعور الذي لا يستطيع أن يكون مؤهّلاً، أبداً، للانسجام و التّقدّم إلى اختبارات هذا العالم التي تختزن، فيما تختزن، المُحال..؟!

***

كتب المهندس ياسين الرزوق زيوس, التعقيب التالي:أ ياسين الرزوق1

في سلاسلك تنتظم الفوضى لتعلن بفوضاها تكاتف الأنظمة العالمية على خلقها وفق محورين محور يعطيها طابعها العشوائي المدروس و محور يعطيها عشوائيتها الحمقاء.
و ما زلت من المتمعنين في سلاسلك الفكرية لأتفكر طارحاً تعقيباً بمثابة سلسة تكميلية و لا نريد القول موازية...

لقد خالطت ذهني نظرية الفوضى التي تتماهى مع دواخلنا المبعثرة بقدر ما تقترب من التنظيم و مع أكواننا المنظمة بكل فوضاها على صعيد الفلك و المجموعة الشمسية برمتها و الهالات و الشهب و النيازك و المذنبات.

و لعل ما يتوجها هو الحيوان بصيغته العاقلة الإنسانية و بصيغته البهائمية غير العاقلة بما يتماهى مع مفهوم الدواب التي تسير وفق نظام غرائزي عشوائي بما نظنه غياب العقل منتظم بما نظنه انفلات الغريزة و هو نظام مغلق غير منفتح على عكس نظام الكائن العاقل الإنساني المنفتح على الخارج بفوضاه المبعثرة و المنتظمة.

فما يجري من أثر و لو كان أثر جناح بعوضة يقولون أن الدنيا عند الله لا تساويه يؤثر على منظومة الحياة البشرية النظمية مهما ظننا انهيار بنيانها بالعشوائيات و بالفوضى و ما الفوضى إلا كائن هيكلي متحول وفقاً للتغيرات في الخطط و في تنفيذ هذه الخطط بما يخلق المنتظم تارة و غير المنتظم تارة أخرى الشريف تارة و الفاسد تارة أخرى.
و كأن كل مرحلة تهيئ لبعثرة نهايتها أو تنظيمها من أجل بعثرة او انتظام بداية مرحلة جديدة.

ربما كتاب مملكة الفوضى ل ليونارد راستريغين يجب ان نقابله بكتاب أينشتاين و النسبية ل مصطفى محمود لا لنقول ان الفوضى جزء من النسبية أو أن النسبية هيكل فوضوي غير منتظم بل لنقول إن وحدات القياس و أدوات تنفيذ القياس تختلف من منظور داخلي عن منظور خارجي و العكس صحيح.

و ذلك لأن أي تطور و تغيير ضمن المنظور الداخلي سيشمل حتى الناظر و لن يدرك هذا الناظر من الداخل مقدار التغيرات بقدر ما سيدركها الناظر من الخارج.
فمثلاً قائد المؤسسة لن يرى كأعضائها أو كمدرائها الفرعيين لأنه أكثر شمولية سواء في تنفيذ الفوضى او في خلق و تحديد نسبيتها الضرورية او الطارئة مع الاعتراف بأن عامل الزمن في الداخل يخلق تغييرا شكليا وفق المراحل المتغيرة زمنياً و سيفنى إن لم يوائم وحدات القياس المتأثرة بعامل الزمن.

ثم إن بارسونز الذي تحدث عن النمط الاجتماعي و صعوبة اختراقه من عدمها ربما يحيلنا إلى الاختراق البنيوي في طبيعة المجتمعات في سبيل إسقاط الأوراق التي اصفرت و لم تسقط بعد على قاعدة أن خريف النمط الاجتماعي يحل إذا لم يغير أبجديات نموه في السنوات المتوالية على الفصول.

و لا بدّ من هزة حقيقية في أي مجتمع تسقط الهيكليات الدينية و الأصنام الهزلية التي لا تسعف مملكة الفوضى و لا تقرئها نسبية العشوائية او الانتظام في تطبيقها مما يجعل النمط العربي مجتمعاً متشققاً و بنياناً متساقطاً و فوضى تائهة لا يدري حكامها بأية نسبية كيف يوجهونها و لعل المسار السوري هو المسار الأقدر على جعل نسبية الفوضى بعشوائيتها و تنظيمها خططاً ممنهجة للنهوض بالبنيان و بالإنسان...

ثم إن ماكس فيبر الذي ضاع و هو ينوي بإرادة الشخص الذاتية كسر المقاومات المخالفة و لو عن غير قصد بما يجعل هذه البنى متنافسة ضمنيا بالسلم و مقتتلة شكلياً بالحرب في سبيل بناء فكري يعلو من فوضى إلى فوضى بنسبية لا بد منها في إدارة السلم و الحرب!...

لنورك أن يعطي سلاسل أفكارنا بكل نسبية فوضاها العارمة كي تعصف بالجهل و المجهول..

لك الحب دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

***

كما عقّب الأستاذ فهد ملحم:

قرأت مفهوم (أثر جناح الفراشة) في سلسلتكم الثمينة؛ وعلى الفور جال بذهني كيف أن "اسرائيل" حاولت تدريجيا أن تغير في الوقائع الأولية للخطوط الحمر في عز المد القومي؛ فأولا كان السعي للإعتراف بها من قبل بعض الدول العربية (وهو بداية الطريق للخلخلة في البيانات المرسومة) وبناء على (الخلخلة الأولى) ضمنت لنفسها موطئ قدم في مفاوضات مباشرة مع العرب (وهذا ما حققته في مؤتمر مدريد) وبعد ذلك تذويب المصطلحات العربية (كخطوة ثانية في خلخلة البيانات المرسومة) وتمييعها وإغراقها في بحر المصطلحات المتوسطية.

وتتوالى الإرتدادات والنتائح الإيجابية بالنسبة للعدو، والسلبية بالنسبة لنا، لتصل كارثية هذه الارتدادات بجعل "اسرائيل" زعيما إقليميا، وجعل جميع من وضعوا الخطوط الحمر يدورون في فلكها وتحت إمرتها..

وباعتبار النظام الدولي نظاما فوضويا (أي أنه ليس ثمة من حكومة مركزية) تصبح الولايات المتحدة و"إسرائيل" اللاعب الأساسي المسؤول عن كل الاهتزازات الزلزالية في المنطقة دون حسيب أو رقيب..

وهنا نصل لما تم ذكره في سياق المقال ، بأن أي انحراف أساسي أو بنيوي، مهما بدا ضئيلا أو مهملا، فإن تطوراته المستقبلية ستكون كارثية.

فالتراكمات البسيطة الخاطئة في الديناميكيات النقدية للنصوص والإدارة، في النظم الاستدلالية النظرية (كما أسماها المفكر بهجت سليمان) يكون خطؤها أشنع من الأخطاء في ديناميكيات القياس في نظم العلوم التجريبية..

وفي هذه النقطة يمكن أن نتطرق للكيانات الإدارية الاستبدادية التي لا تقبل على الإطلاق توجيه النقد لسلوكها..
وهذا ما يقود دائما إلى تفجير أزمات عاصفة في هذه الكيانات (والتي غالبا ما تستخدم الإرتجالية العشوائية في معالجتها لهذه الأزمات)..

في حين بالمقابل نلاحظ أن الكيانات الإدارية (سواء أكانت دولة أو مؤسسة) المنفتحة والمرنة على كل نقد, يكون بمقدورها معالجة أي أزمة أو ارتدادات أزموية..
وهذا ما يرخي بظلال إيجابية على مسيرة عمل هذه الكيانات..
وهنا حري بنا أن نعترف بأن الكيانات الليبرالية الغربية، سبقتنا بأشواط إزاء ذلك.

وفي الواقع إن طبيعة الأنظمة في منطقتنا، ترخي بشكل عام، ظلالا سلبية على معالجات الواقع الاجتماعية؛ وعلاقة هذه الانظمة بالفوضى الإجتماعية والسياسية والإدارية...

لا يمكن الإحاطة بسلسة فكرية كهذه، بسطرين من التعليق؛ لكن لا ضير بإبداء الرأي المختصر السليق...

- ليس من المعيب أن نعتمد على تجارب الغير، الناجحة ولكن المعيب أن نبقى عقولنا في ظلام جهلنا سارحة...

- المفكر السوري الكبير بهجت سليمان.. شكرا دائما لإطلالتكم الفكرية الاستراتيجية؛ وعذرا لاستطرادي قليلا في اتجاه قد يبدو بعيدا للقارئ عن موضوع الحلقة.

/ وجهة نظر /

***

كما عقبت الدكتورة رشا شعبان بالتالي:أ رشا شعبان


دائماََ تدعونا مقالتك دكتورنا الغالي إلى العودة إلى منابع التفكير الأصيلة للسؤال في الأسباب و النتائج و أثرها في عالمنا المعاصر، الذي طغى عليه غياب المنطق و الحق و العدالة و القانون.

و لا شك أن نظرية الفوضى و أثرها، من الأسئلة المركزية التي تصب في السؤال عن العوامل و الأثر و الضرورات المنطقية، في إطار المفارقة بين العلوم التطبيقية و العلوم الإنسانية، و إمكانية التجريب و التنبؤ و التحكم الحاصل بين منظومة العلوم التجريبة التطبيقية و بين العلوم الإنسانية.

إن نظرية الفوضى أو الفوضوية، هي ذلك التصور السياسي الذي يهدف إلى إنشاء مجتمع دون سلطة أو هيمنة، حيث أن مبدأ الشيء أو جوهره أو طبيعته هو المانح قانون صيرورته و وجوده، مما يبرّر غياب النفوذ أو السلطة السياسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو القانونية، لأن صيرورته في الجوهر ستمنحه التحولات الممكنة أو الضرورية.

إنها النظام دون قيادة أو قائد، في إطار فلسفة تبريرية تقوم على حرية الصيرورة النابعة من أصل الأشياء و ليست من خارجها، و التي سوف تفضي إلى تحقيق مجتمع تجد فيه الحريات فضاء تحققها بشكل متناغم و تشكل أساس التنظيم الاجتماعي و العلاقات الاقتصادية و السياسية.

وهنا تُعدّ الدولة و السلطة و النفوذ، العدو المشترك للصيرورة الطبيعية التي تمتلك تحولاتها في طبيعتها الحرة.

و ينطبق ذلك على القواعد الأخلاقية في المجتمع و السياسة، حيث تدعو الفوضوية إلى استقلالية الوعي الأخلاقي في إطار الرفض المطلق للتدخل في تحديد الفعل و توجيهه.

فالمجتمع يتحول إلى نظام طبيعي بشكل تلقائي بمجرّد تحرره من العوائق الاصطناعية التي تفرضها الدولة، و المفارقة هنا أننا لا ينبغي أن نفهم الفوضوية على معنى رفض النظام، بل ينبغي أن تفهم على معنى "النظام دون سلطة".

و هنا تتوضح العلاقة بين ما هو ضروري ميكانيكي، و بين ما هو احتمالي في إطار صيرورة المجتمعات و سيرورتها.

و لا شك أن النظرية الفوضوية التي تبناها النظام العالمي تحمل تناقضاتها في أعماقها، عندما تنفي التدخل في صيرورة المجتمعات على كل المستويات من داخلها و محلياََ، لكنها عملياََ تعمل على التدخل و التحكم الخارجي، في إعادة تكونها داخلياََ وفق مبدأ التحكم عن طريق اللا تحكم، أو النفوذ بواسطة اللا نفوذ.

إنها إرادة سلب و إغتيال النفوذ الداخلي و استقلالية الفعل المحلي، لإعادة إنتاج الدول وفق نظام الكانتونات التي تتشكل وفق مبدأ الأثر المنفعل، و مركزية التوجيه و الفعل الخارجي المتمثٌل بقوة قطبية واحدة تحدّد صيرورتها و تكونها، وفق معايير الوصفة الواحدة لكل المجتمعات و إرادة القطب الواحد.

إنها سلب الحرية، بمنهجية قائمة على الحرية المزيفة الواهمة و الخطيرة و التدميرية لمفهوم الدولة و الكيانات المستقلة.

و الأخطر هو تمثّل المجتمعات لتلك الفلسفة الفوضوية في علاقتها مع السلطة المحلية، عبر مؤسسات الدولة و المجتمع في الممارسات السياسية و الاجتماعية و الأخلاقية، و هي تمارس فعل الأثر للنظام العالمي التخريبي و التدميري للهوية الذاتية، و تعتقد واهمة أنها تندمج في الصيرورة الحضارية العالمية في محاولة الحفاظ على وجودها و تثبيته، في حين أنها فعلياََ و واقعياََ تسير نحو اللا وجود و اللا كينونة.

نحن هنا أمام واقع يوهمنا بالمصادفة و اللاحتمية، في حين أنه يسير وفق خطة ممنهجة و مضبوطة و مسبقة الصنع في الإحكام و حتمية النتائج المرجوّة و الخطيرة.

نعم أستاذنا الغالي الدكتور بهجت سليمان، إننا مدعوون إلى إعادة إنتاج وعي سياسي و اجتماعي و ثقافي و علمي، يتّسم بالعقلانية و العلمية و نابذ لكل الخرافات السياسية و الاجتماعية و حتى الدينية، التي باتت منظومات معطِّلة للنهوض و الديمومة الخلاقة و المنتجة.

لقد آن الأوان للبحث عن السبل التي تنقلنا من عالم الأثر و النتيجة، إلى عالم الفعل وفرض المقدمات في التقدم و التغيّر الناجح المفيد.
آن الأوان ل امتلاك جناح الفراشة، لا أثرها.

و من الأهمية بمكان التأكيد أن انتصار سورية على المخطط العالمي الصهيوني، في إعادة تشكيل العالم وفق الرؤية الأمريكية و الصهيونية و الغربية و هزيمة المؤامرة التي زعم هؤلاء حتمية نجاحها، كان له الدور الأساسي و الجوهري في إعادة تشكيل العالم وفق توازن جديد للقوى العالمية، و هنا بالإمكان القول أننا كنا جناح الفراشة و ليس الأثر، لأن الأثر قد ارتدّ على من خطط له.

و الآن لا بدّ من استمرار الفعل الإيجابي من استثمار النصر، في إعادة إنتاج العقل العربي انطلاقاََ من المركز السوري، وفق ما ينبغي أن يكون عليه هذا العقل في معركة إثبات الوجود و الهوية و الإنتاج الحضاري، وفي إطار العلاقة الجدلية البنيوية و المنظوماتية بين الجزء و الكل.

و كل الشكر و الامتنان لك أيها الحكيم و لموضوعاتك و ل الأسئلة الملحّة التي تخوضها في نهجك التنويري الوطني.
نفخر بك دائماََ و أبداََ.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود