د. بهجت سليمان: المثقّف و الدّولة... و المثقّف السّوريّ و الدّولة
{الحلقة الأربعون “40“ من “سلسلة الفكر الإستراتيجي"}
[المثقّف و الدّولة... و المثقّف السّوريّ و الدّولة]
* د. بهجت سليمان
بعد أن رأينا، في حديث فائت، كيف تتداخل عمليّات التّبادل المعكوس بين "الثّقافة" و "المجتمع"، و هو ما نسمّيه بالعلاقة الجدليّة بين "سلطة" القوى الاجتماعيّة التّاريخيّة و الثّقافة أو الثّقافات التي أفرزتها هذه القوى، و بين ما تتعزّز به قوى المجتمع بالأفكار التي تناسبها خالقة منها أنساقاً للعلاقات و أنساقاً للثّقافة و الأيديولوجيا و النّصّ و الخطاب؛
فإنّ من الّلازم الوقوف، أيضاً، على ديناميّات هذه الحمولات النّسقيّة التي تتفعّلُ و تتفاعل بواسطة الحامل الاجتماعيّ و السّياسيّ لهذه الحمولات المنظومويّة التي يحركها الفرد الاجتماعيّ و يتحرّك بها و يُضيفُ إليها و تُضيف إليه بوصفه "مثّقفاً"، و أعني الحامل الحَيّ للثّقافة و المشتغل بها و المدافع عنها في مجرى "السّياسات".
لا يحدّ "المثقّف" في هذا السّياق سِوى مشروعه الذي بات، على الأكثر، مشروع النّسق الاجتماعيّ الذي يُمثّله و مشروع الخطاب السّياسيّ الذي يُجسّده في المعتقدات و المحفوظات و الأفكار التي يحملها في مختلف النّصوص.
و نحن يعنينا، هنا، بشكل أكبر، المثقّف السّوريّ المحدّد و الموصوف، على الخصوص، باعتبارنا قد رصدنا، سابقاً، الكثير من ملامح "المجتمع"(!) السّوريّ، كما عالجنا أغلب الصّيغ الثّقافيّة التي سادت التّكوين البنيويّ لهذا المجتمع..
غير أنّ الأمر لن يمنعنا من "مقاربة" المثقّف و الثّقافة، أوّلاً، كإطار مفهوميّ و عالميّ ضروريّ لتوضيح "التّرسيمة" المعرفيّة التي نقصدها في حديثنا على "المثقّف". و فيما بعد، يمكننا، إذاً، الحديث، ببساطةٍ، على "نمطٍ" من الأفراد الذين يمثّلون نسقَيّة الثّقافة الاجتماعيّة السّوريّة في أنساق العلاقات الاجتماعيّة و "الوعي" السّياسيّ المتكوّن في الفضاءات الذّهنيّة للموقف "الثّقافيّ" و سِماته المحدّدة و المشخّصة في أهداف "الفاعلين" أو "الحاملين".
لذلك سيكون حديثنا موزّعاً على ثلاثة محاور هي:
"المثقّف" في المفهوم و الواقع؛
و "المثقّف و الدّولة"؛
و "المثقّف السّوريّ في علاقته مع الدّولة".
- أوّلاً: في المثقّف
ليسَ للموقف النّقديّ من "المثقّف" و "الثّقافة" أن يتجاهل الدّور السّلبيّ أو الإيجابيّ للمثقّفين في المجتمعات، لأنّ الدّور الثّقافيّ نفسه يعكس ما هو أعمقُ من مجرّدِ التّراتبيّة الاجتماعيّة و مغزى السّلوك عندما ينصرف هذا الدّور إلى وظيفيّته البنائيّة في المنظومة الاجتماعيّة العامّة هذه التي يعتمد الوعي العام عليها في إنتاج المواقف الاستراتيجيّة في الانتماء السّياسيّ، ليس للمجتمع كجزء من الدّولة و صوابيّتها و عقلانيّتها، بل أيضاً بما تتشكّل قوّة الدّولة نفسها و قدرتها على مواجهة التّحدّيات في الّلحظات التّاريخيّة المصيريّة أو الحاسمة..
إذْ يُعرِّف السّلوك الثّقافيّ للمثقّف عن نفسه بواسطة ما يتركه من مآثر أو آثار تدخل في جوهر موقف المجتمع ككلّ من الأسئلة التّاريخيّة و التّحدّيات الحضاريّة، التي تنطلق من الهويّة الاجتماعيّة و السّياسيّة للمواطنين في اجتراح المواقف الوطنيّة التّاريخيّة، التي يتطلّبها الواقع المتغيّر للسّلوك إزاء القضايا الكبرى في حياة الشّعوب.
و يفعل حَسَناً النّقد الفكريّ عندما يستطيع ربط الثّقافة الاجتماعيّة و دور المثقّف بالسّياسة بما هي ممارسة للوعي النّقديّ من العالم الذي يُترجم إلى قوّة و قدرة على تجاوز المعضلات الذّاتيّة للأمم و المجتمعات في إطار "الموضوعيّ"، الذي هو الشّرط النّظري و العمليّ لعضوية الأوطان الفاعلة في إطار إدراك الآخر، بوصفه بُعداً من أبعاد "الذّات" عندما تستطيع الذّات أن تدخل في صيغة الحضور المتبادل و الفاعل مع الآخر، و التي تختلف من عصر إلى آخر و من مكان إلى آخر ، بتوجّه أوّليّ من الدّرجة العالميّة التي حقّقتها الثقافة في خلق النّماذج الفرديّة للمثقّفين.
يفترض بالثّقافة أنّها تجعل من "المثقّف" جسراً اجتماعيّاً بين السّلوك اليوميّ للأفراد الاجتماعيين، و بين آفاق الخطاب السّياسيّ الوطنيّ في أمّة من الأمم، ناهيك عن تمثيل "المثقّف" للانفتاح المجتمعيّ على العالم و على الآخر، و ذلك بما يجب عليه أن يكونَ صورة الرّوح الاجتماعيّة الخاصّة، التي تعكس الآخر في مرآة الممارسة التي تجسّده بالتّواصل، خلا تلك الأفكار التي تعبّر عنه في المناسبات المختلفة التي من شأنها أن تكون مناسبات ثابتة في الوعي الاجتماعيّ و الحضاريّ، في إطار السّياسة كبنية فوقيّة و مجرّدة للممارسة العامّة المتّصلة بالأهداف الاجتماعيّة العموميّة، التي تجد تعبيراتها المكثّفة في المؤسّسات السّياسيّة ذات الأدوات الاجتماعيّة أو المؤسّسات الاجتماعيّة ذات المضمون السّياسيّ.
في هذه النّقطة، على التّحديد، فإنّ "المثقّف" مرشّح ليكون، و هو يجب أن يكون، ذلك "الشّيء" الذي تنتظم فيه الفوضى العيانيّة في المجتمع، أو الذي يُعبّر عن أسرار "النّظام" في "الفوضى"، و ليس العكس.
من الدّارج محلّيّاً، عطفاً على "الطّقسيّة" التي ألمحنا إلى مضمونها أعلاه، و كذلك عالميّاً عن "المثقّف" أنّه جزء من "الفوضى" و ليس من "النّظام"، و يعود هذا الأمر، في رأينا، إلى طبيعة النّقص الذي يداخل "الثّقافة" نفسها، كما إلى وهم "المثقّف" نفسه، كلّ مثقف، و توهّمه على قيمته كَ"فاتح" أو كمكتشف لما لم يسعف غيره في "الاكتشاف"..
و هذا بكلّ تأكيد جزءٌ من القصور الثّقافيّ في كلّ مرّة و في كلّ حالة يفترق فيها "المثقّف" عن المعرفة.
صحيحٌ أنّ "الثّقافة" أضيق بكثير من "المعرفة"، و لكنْ لا يُمكن أن نفصل، نهائيّاً، بينهما، مع أنّ السّيرة التّاريخيّة للثّقافة نفسها تقدّم مثل هذه "المادّة" المضمونيّة للفعل و الأثر الثّقافيين، على أنّهما نِتاجٌ "اعتياديّ" لمحفوظات جامدة.
يتورّط الكثيرون، و حتّى منهم أولئك الذين احتسبوا أنفسهم، أو احتُسِبُوا، مفكّرين ذوي صولة في "المعرفة"؛ مع أنّ أهمّ ما يُميّز "المفكّر"، إنّما هو تحطيم حدود "العرف" المتردّد للمعقوليّة التّاريخيّة، في صيغة تجاوزات "عقلانيّة" للشّرعيّات المتعدّدة التي استقرّت في الأذهان كمحرّمات مقدّسة و كمبادئ عاقلة أو فوق عاقلة و أي مقدّسة.
كثيرةٌ هي الأمثلة على ما نُخضعُه، هنا، الآن، للتّفكير العقلانيّ النّقديّ، ضدّ أعراف "المثقّفين"؛
إلّا أنّ نموذجاً "عالميّاً" مُعتبراً من أولئك الذين احتُسِبُوا في عداد "المفكّرين"، يُردّد ما يقوله غيرُ الرّاشدين سياسيّاً من "المثقّفين"، عندما يُحاول تعريف "المثقّف".
فعندما يَفخر بنفسه، في مناسبة تعريفيّة به أملاها عليه سياقٌ ما..، يقول (إدوارد سعيد)، في موقفٍ لل(بِ. بِ. سي) "الّلندنيّة":
"و كانت المفارقة أنّها تؤيّد ما أقول به في محاضراتي عن دور المثقّف في الحياة العامّة باعتباره الّلامنتمي أو الهاوي الذي يُعكّر صفو الحالة الرّاهنة".
[إدوارد سعيد. المثقّف و السّلطة. ترجمة و تقديم الدكتور محمد عناني. رؤية للنّشر و التّوزيع. القاهرة. الطّبعة الأولى (2006) م. ص(18)].
الّذي يعنينا في هذا التّعريف، أكثر من أيّ شيءٍ آخر، هو أمر كيف ينظر "المثقّف" إلى نفسه. فبدلاً، مثلاً، من القول إن "المثقّف" يحتفظ دوماً بمسافة بينه و بين "الحالة الرّاهنة" ليستطيع التّأثير بها من "خارجها" كي لا يندغم بها، ليكون قادراً على "تحريفها" كما يتطلّب الواقع و تتطلّبه حلول مشاكل و أسئلة هذا الواقع، نجد أنّ التّوجّه "التّقليديّ" و الممجوج للتّفكير، مرتّبٌ، سلفاً، على أساسِ "اللانتماء" (بمفهومه الواسع) الذي "يناكد"، و حسب، مشهد "العالم".
إنّ "التّهويمات" الفارغة و المجانيّة التي يُمارسها "المثقّف" في استيهامات قصديّة، إنّما تعبّر عمّا اقترحناه، أعلاه، من "طقسيّة" هي أقربُ إلى الجمود التّكراريّ في التّفكير و أساليب التّفكير، منها إلى جماليّات بعض "العادات" الشّخصيّة التي يمكن أن ننسبها، إيجابيّاً، إلى "الطّقوس".
يقرن (إدوارد سعيد) (1935- 2003م)، كنموذج عن "المثقّفين"(!)، طبيعة "المثقّف" بِ"سجيّة".. "الخيانة" أو بضرورة أن يكون المثقّف "خائناً" في شجاعةٍ ضدّ "السّاحة الاجتماعيّة.. المنوّعة و الوَعِرة و التي يصعب اجتيازها" (ص24)، و ذلك في معرضِ "دحضِهِ" لهجوم (بول جونسون) "المقذع و السّاخر" (حسب وصف سعيد) على "المثقّفين" عندما يقول: "إنّنا إذا أخذنا عيّنة عشوائيّة لا تزيد عن عشرةٍ من السّابلة فسوف نجد لديهم من الآراء المعقولة في المسائل الأخلاقيّة و السّياسيّة ما يُضاهي آراء أيّ قطّاع يمثّل طبقة المثقّفين" (ص24- 25).
يُقارب (بول جونسون) هذا، المؤرّخ و الكاتب الإنكليزيّ (المولود في 1928م)، و الذي يتحدّث عليه (إدوارد سعيد)، يقارب مسألة جوهريّة لطالما تحدّثنا عليها و هي مسألة أنّ "الوعي الاجتماعيّ" للعامّة هو، على الأغلب، ما يقود "المثقّفين"، و ليس العكس و ذلك بقدر ما هو "العكس" يجب أن يكون صحيحاً و لكن بلا طائل.
في كتابه "المثقّفون"، و في استعراض شَخصيّات لامعة في تاريخ الفكر و الثّقافة العالميّة، يلجأ (بول جونسون)، في حديثه على البريطانيّ (جورج أورويل) [إريك آرثر بلير]، الفقيد الشّابّ.. (1903- 1950م)، يلجأ إلى الحديث على فكرةٍ مركزيّة في الأهمّيّة في وصفه للمثقّف المفكّر، غير المريض بِ"الثّقافويّة"، تتعلّق بالعمقِ الذي على "المثقّف" أن يسبره، قبل أن تستبدّ به الأفكار الجامدة التي توصّل إليها في ظروف غامضة، فأسَرَتْهُ و جعلت منه ببغاءً يُغنّي كلمات ليسَ له فيها اهتداء؛ و ذلك بما في حديث (جونسون) من سخرية و احتقار مريرين لواقع "خيانة" المثقّف لمبادئه "المحفوظة" و المحفوفة بخطر تهديدها الدّائم، الذي يُشكّله عليها "المثقّف" اليساريّ، نفسه، عندما يتجاشع نحو "السّلطة" باسم "المبادئ" فيما هو يتخلّى عنها بخيانة منظّمة و مثقّفة..!
يقول (جونسون):
"كان (أورويل) دائماً من النّوع الذي يضع التّجربة قبل النّظريّة و قد أظهرت الأحداث أنّه كان على حقّ.
"كانت النّظريّة تقول أنّ اليسار عندما يُمارس السّلطة سوف يسلك سلوكاً عادلاً و يحترم الحقيقة، و لكنّ التّجربة أظهرت أنّه كان على درجة من القسوة و الظّلم غير معروفة و لا ينافسها سوى جرائم النّازيّة، و أنّاليسار يمكن أن يقمع الحقيقة في سبيل الحقيقة العليا التي يُخفيها. كما أكّدت له التّجربة [أي لأورويل] أيضاً، بما حدث في الحرب العالميّة الثّانية، حيث ارتبكتْ كلّ القيم و المبادئ، أنّ الإنسان أكثر أهمّيّة من المبادئ المجرّدة، الأمر الذي كان يشعر به دائماً في قرارة نفسه، فلم يتخلَّ (أورويل) أبداً بالكلّيّة عن اعتقاده بإمكانيّة خلق مجتمع أفضل بقوّة الأفكار، و بهذا المعنى [فقط] فإنّه ظلّ مثقّفاً".
[بول جونسون. المثقّفون. ترجمة طلعت الشّايب. دار شرقيّات للنّشر و التّوزيع. القاهرة. الطّبعة الأولى. (1998م). ص(325- 326)].
في الحقيقة، لقد بقي فهم "المثقّف" للعالم فهماً خطّيّاً أو واحديّاً أو أحاديّاً، بمعنى أنّه لم يتمكّن، حتّى الّلحظة، من أن يُركّب الجملة التّاريخيّة، الاجتماعيّة و السّياسيّ، تركيباً مفيداً أو ذا مغزى عمليّ.
و "التّاريخ" ليس هو من يواجه "في ثوبه الجديد عدداً من القضايا المنهجيّة التي لا شكّ أنّ أغلبها طرح من قبل، لكنّ ميزتها حالياً هو أنهّا تُطرح مجتمعةً" (كما يقول فوكو في "حفريّات المعرفة")؛
و إنّما الحقيقة أنّ ذلك الطّرح التّعجيزيّ لا يتحدّى سوى "المثقّفين"، أنفسهم، أولئك الذين تحدّثنا عليهم في "المحدوديّة" (الأحاديّة و الواحديّة و الخطّيّة)، بحيث أنّهم شوّهوا حتّى طرائق الفهم و الإدراك، بقدر ما استطاعوا أن ينفذوا، بالتّأثير، إلى الثّقافة و المجتمع و السّياسة.
- ثانياً: في المثقّف و الدّولة
تطرح مشكلة (أو إشكاليّة) علاقة "المثقّف" بالدّولة تلك العلاقة ذات الإسم الأثير عند "المثقّفين"، و أعني بها العلاقة مع "السّلطة".
و غالباً ما تتمّ التّضحية الفكريّة النّقديّة (العقلانيّة) التي يقوم بها "المثقّف" بالفكرة من حيث هي معطى غير مطلق في "المعقوليّة"، ناهيك عن أنّها كذلك، ليست مطلقة، في "الواقع"، و هذ إذا أحسنّا العلاقة السّابقة بين "العقلانيّة" و "المعقوليّة" و اعتقدنا، اعتقاداً، بأنّ "الواقع" هو ما يشرط كلّاً من المعقوليّة و العقلانيّة، و لو أنّنا، هنا، نأخذ بالإدراك الموسّع لمفهوم "الواقع".
يتعلّق الأمر، هنا، بقضيّةٍ أخرى، تتلخّص في "الثّقافة" و علاقتها، بواسطة "المثقّف"، بموضوع معقدّ هو "الدّولة". إنّ تركيبيّة "الثّقافة" و "المثقّف"، تبدو شيئاً بسيطاً أمام تعقيد مفهوم "الدّولة".
يرجع هذا التّعقيد، في الحقيقة إلى أمرين؛ واحدٌ منهما "ذاتيّ" و الآخر "موضوعيّ"؛ هذا مع العلم أنّنا نستطيع، ببساطة، اختزال كليهما إلى "الموضوعيّة" الخالصة، بوصفها حالةً "جبريّة" بذاتها، و ما على الفكر إلّا أن يُحيط بهذه "الجبريّة" ليستقي منها أدوات جديدة في التّفكير.
أمّا ما يبدو أنّه "ذاتيّ"، فهو يتعلّق بالمثقّف، نفسه، و بكيفيّات قناعاته و معتقداته، و إلى أيّةٍ من الدّرجات يكون فيها واثقاً من تلقيه لمعطيات و إشارات الواقع أو لما تيسّر منها للفهم الإنسانيّ كحالة عامّة تتمايز في خصوصيّتها مع الفرد "المثقّف".
و أوّلاً، يتوقّف وصف أو تحليل "الفهم"، عموماً، على استعدادات و قابليّات و عادات تفكيريّة و ذهنيّة و شعوريّة و عاطفيّة و شخصيّة و نفسيّة..، إلخ؛ سابقة على التّعاطي مع "المُعطيات" كما تبدو للوهلة الأولى مع أنّها في علاقة تبادل راسخ مع تعاطيها، إذْ لا يمكن الوقوف، بدقّة أو بوضوح، على وصفيّة أو ضبط هذا التّزامن أو المزامنة أو التّحديد.
و لم يعرف التّاريخ "البيولوجيّ" أو العضويّ أو "الفيزيولوجيّ" للحياة الإنسانيّة، أبداً، تلك الموثوقيّة و الوثوقيّة في عمليّة وعي الإنسان لعالمه الخارجيّ، بوجه عام، و لمعطيات حياته "الواقعيّة" على الخصوص.
يُعمِّق "الموقفَ" المنطلقَ من "كلّيّة صِدقيّة" في الزّعم الإنسانيّ، هذه الإشكاليّةُ الفهميّة في "المفهوم" بحيث يكون، هو، أوّلاً، المسؤول عن هذا "الّلبس" بقدر ما يدّعي أنّه قد تجاوزه في كلّ مرّة يُريد فيها أن يتطاولَ على "عدم اليقينيّة" الذي يغشى العالم بما فيه من معطيات و مظاهر و ظاهرات يطمس بعضها بعضاً في النّظرة المبتسرة للثّقافة إلى الأشياء.
و تقوم الاحتمالات "العلميّة" و غير العلميّة و المناهج الدّرسيّة و التّحليليّة و القراءات المختلفة للأشياء فيما هي في مُختلَطٍ من الصّواب و التّعثّر و النّتيجة المطابقة أو المجانبة للحياة..؛ و هذا في المرجعيّات الجدّيّة و المجرّدة عن المصلحة الشّخصيّة، على الأغلب؛
في الوقت الذي يُعجَبُ بنفسه "المثقّف"، أيّما إعجابٍ، إذا عرف، مثلاً، مبدأ "الأواني المستطرقَة"، مع أنّه غير قادرٍ، و أيضاً، مثلاً، على الاستفادة التّطبيقيّة منه في الحياة الفرديّة و اليوميّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة.
و على سبيل التّحديد، فإنّ "المثقّف" لا يمكنه، بالعموم، فهم آليّة "المؤسّساتِ المُستطرَقة" في الدّولة، بمعنى ظاهرةِ أنّ ما تفقده "الدّولة" في "مؤسّسة" واحدة، إنّما هو ينعكس بالتّساوي و التّطابق، فقداناً في جميع مؤسّساتها العامّة؛ و بالعكس، أيّ أنّ ما تُحقّقه "الدّولة" من نجاح أو إنجاز في حقلٍ من الحقول، فإنّ هذا الإنجاز يمتدّ إلى مختلف الحقول الأخرى، بحيث أنّه في الحالتين السّابقتين، ستشهد الدّولة و المجتمع ذلك التّوتّر و القلق و اللا استقرار، حتّى يستقر المنسوب الواحد في الحقل الواحد من بقيّة المناسيب الأخرى في المنظومة مجتمعةً و ككلّ.
نتحدّث، نحن، هنا، على موقف "المثقّف" بوصفه الطّرف الإيجابيّ و الفاعل، الذي يطلب منه الموقف "الثّقافيّ" ذلك التّفاعلَ مع الواقع و الدّولة كعالم صغير يُحيط به و هو رمز لعالم كبير. و هذا مثالٌ بسيط كما يُدرك القارئ، إذْ أنّ الأمثلة كثيرة و لكنّها أكثر تعقيداً من هذا التّبسيط.
و فيما نفترض، هنا، كما قلنا، أنّنا نتحدّث على "المثقّف" كطرف "إيجابيّ" في العلاقة مع الدّولة، مؤجّلين دور "الدّولة" كطرف مسؤول و "إيجابيّ" في علاقتها مع "المثقّف" إلى الحديث المقبل؛
فإنّنا يجب علينا أن نكتشف، في هذا الحيّز، ظاهرة المثقّف السّلبيّة، على وجه العموم، في علاقته مع "المؤسّسات"؛ و هذا تقليدٌ واسع الانتشار ينقله "المريدون" عن القدوة و "الرّموز" و هلمَّجَرّاً؛ و كما اتّضح يمكننا، إذاً، أن نجازف بالفصل بين "الذّاتيّ" و الموضوعيّ"، بحيث نستطيع الانتقال، الآن، إلى الأمر الثاني، "الموضوعيّ"، الحاكم لهذه العلاقة.
تحكم "الموضوعيّة" عجز الإرادة الذّاتيّة للمثقّف، في علاقته بالدّولة، من واقع أن "الدّولة"، نفسها، هي جسمٌ مستقلٌّ موضوعيّاً عن "المثقّف"، و حتّى كذلك عن الأفراد و الأشخاص الطّبيعيين الذين يُساهمون في تجسيد الدّولة.
تنشأ هذه "الموضوعيّة"، ليس من واقع أنّ "الدّولة" مفهوم مركّبٌ و معقّدٌ من حيث البنية و المؤسّسة و درجة شخصانيّة أو عدم شخصانيّة كلّ منهما، و حسب، و لكن، أيضاً، من واقع أنّ "مفهوم" الدّولة، نفسه، هو مفهوم ملتبَسٌ في أقلّ تقدير.
غالباً ما تقصّر دلالات "المفهوم"، أو تقعُد عن أدائها ما هو منتظر منها في الاستيفاء التي تمنحه للإدراك الإنسانيّ، و بخاصّة مع السّيرة التّاريخيّة للمفهوم بما هي لا تنفصل عنه و لا تتجزّأ و لا تقبل الإحاطة في وقت واحد، و عندما، أيضاً، على الأخصّ يتعلّق "المفهوم" بشأن حيويّ متجدّد و متكاثف و تربطه، في الأصل، علاقة أو علاقات بمقولات "أونتولوجيّة"، و أعني بفهمنا، نحن، للأونتولوجيا، و ليس بالفهم الفلسفيّ السّائد لها، و أي بوصفها تؤدّي غرضاً ميتافيزيقيّاً، أيضاً.
إنّ اختزال "الظّاهرة" في "مفهوم" لا يعفينا من تحليل هذا "المفهوم" بوصفه، أيضاً، مفهوماً ثقافيّاً، أي أنّ للإنسان دوراً في صناعته و تكوينه بنسبيّة تتفاوت بين مجتمع و آخر و موقع أو آخر و بين منظور و منظور.
يُقالُ إنّ "القراءة" فنٌّ من الفنون؛ و هي ربّما تتفوّق على "الكتابة" بدلالاتها الواسعة كقراءة تشتمل على أدوات خطيرة و حسّاسة في سبيل الفهم و الإدراك، و بالأخصّ الظّروف التي تعاصرها القراءة من ظروف ذاتيّة و موضوعيّة، بحيث نصل في النّهاية إلى حالة من عدم البراءة التي تكتنف القراءة و الكتابة، معاً، و لا يُستثنى من ذلك أيٌّ من الفاعلين.
و من الطّبيعيّ أن ينطبق هذا الأمر على الظّواهر التي يحكمها و يضطهدها الأشدّ فالأشدّ من تحيّز الفهم و القراءة و الإدراك؛ و "الدّولة"، ببساطة، هي إحدى تلك الظّواهر في التّاريخ و الثّقافة و السّياسة، و في الذّاتيّة و الموضوعيّة في وقت واحد و في كلّ وقت و أعني بما هي ظاهرة تاريخيّة من غير تحديد.
عَلَيَّ أن أصل إلى القول بأنّ علاقة "المثقّف" بالدّولة، غالباً ما تعاني من سوء فهم أو من إساءة فهم يتبنّاها "المثقّف" في مواجهة "الدّولة"، و قد حوّل في وهمه "الدّولة" إلى "سلطة"، و هو بظنِّهِ أنّه يعملُ على تقزيم "الدّولة" إلى إحدى مكوّناتها غير مدركٍ أنّه يُغالط "المفهوم" و "المقولة" فيخسرهما معاً في التّفكير، فإذا به في خواءٍ واقعيّ يلتحف ضبابَ أصداء الكلمات التي لا تقول شيئاً مفيداً أو له دلالته في المعرفة..
فيحقّق "المثقّف" جهله المؤكّد و يُصدّر هذا الجهل إلى حقول الفراغ الثقّافيّ فيكرّسها في راديكاليّة محمومة و محدودة في إعداده (كجماعة) و صناعته لمكان اجتماعيّ ممسوخ بفعل انصباب غرائزه في الدّعامات التي يجب أن تتشكّل من الوعي الهادف ذي المضمون، إلى الدّرجة التي تكرّر مثقّفاً و مريداً تابعاً كلّاً منهما، و يُخيّل إليه أنّه يمثّل "الظّاهرة الدّيموقراطيّة" الشّجاعة.. أمام ما أنتج له وعيه ما أسماه "السّلطة" بجبروتها و ديكتاتوريّتها المانعة للمجتمع..
في الوقت الذي يكون فيه هذا "المجتمع" المزعوم قد أصبح نسخة مشوّهة عن أفكار "المثقّفين"، بعد أن قادتْ غرائزيّة المجتمع التّفرّديّة، نفسها، بالتّلقين و القابليّة و المصلحة، هؤلاء "المثقفين".
لسنا في معرض الحديث في تحليل مصطلحات كالدّولة و السّلطة و ما إليهما، فلقد كنّا قد قاربنا ذلك، هنا ، في مناسبات سالفات؛
على أنّه ما من مانع من أن نقول بأنّ "الدّولة"، بِشَكْلٍ من الأشكال، إنّما هي جزء من "السّلطة" و ليس العكس. و ما أظنّ أنّ مثقفاً سياسيّاً، بخاصّة، قادر على استيعاب هذه العلاقة ما بين السّلطة و الدّولة، ما لم يُحضّر نفسه لطريقة معرفيّة خالصة في الفهم و الإدراك، و هذا، ربّما، لا يكون حتّى من حظّ الكثيرين من "الفلاسفة" و "المفكّرين"، و بخاصّة "فلاسفتنا" و "مفكّرينا" الذين يتْبعون "المثقّف" و "الثّقافة"، بدلاً من العكس.
لقد عملت "الثّقافة" تاريخيّاً، في الشّرق و الغرب..، على تفريغ الكثير من المصطلحات من شحنتها الدّلاليّة، فصار "المثقّف" يلغو، مجرّد لغوٍ، فيما "الدّولة" التّاريخيّة تستمع و تُصغي باستمتاع بجهل المثقّفين؛
و هذا ما جعل العلاقة بين "المثقّف" و "الدّولة" علاقة غير متكافئة، و لكن ليس على طريقة "المثقّفين"، أعني على عدم التّكافؤ بالحقوق المسخّرة للمثقّفين، و إنّما أقصد العكس، تماماً، و أعني بالواجبات المترتّبة على هؤلاء.
ربّما كان تخلّف "المثقّف" عن أداء "الدّولة" و ماكينتها السّياسيّة التي تؤسّس، تلقائيّاً، لثقافتها الخاصّة بالمؤسّسة، هو ما جعل "الدّولة" التّاريخيّة، نفسها، و أعني في كلّ مكانٍ..، تجحد قيمة "الفكر" و "الكلمة"، بعد أنْ طابقتْ "الدّولة" و ماثلتْ، و تقريباً ماهَتْ (حيث لا شيء بالعالم و التّاريخ، باستثناء ما يذوب في الماء..، يُمكن أن يُسمّى تماهياً أو مماهاة !) ما بين "الكلمة" و "المثقّف"، و بين "الفكر" و "المثقّف"، و بين "النّظريّة" و "المثقّف"..، في تهمة كبيرة و فاجرة أطلقتها الدّولة التّاريخيّة ضدّ آثار "المعرفة"؛ و أرى، أنا، أنّها معذورة في ذلك..!
و فيما يتقدّم التّاريخ، في الزّمان، كان، و هو، أمامنا، كائنٌ أيضاً، أن تراجعت و تتراجع جميع الأمنيات الخاصّة بدولة المعرفة في التّاريخ! أحياناً ينظر المرء إلى تعاقب و توالي و تراكم.. أثر الثّقافة و المثقّفين، من جهة؛ و إلى الدّولة التّاريخيّة، من جهة أخرى؛ فيأسى على حال التّاريخ الإنسانيّ البسيط و المُغرَّمِ بغُرْمٍ لا يد له فيه..، و الذي كان أَوْلَى بالكلمة من "هؤلاء".. المثقّفين..
- ثالثاً: المثقّف السّوريّ في علاقته مع الدّولة
تتألّف الحمولة الثّقافيّة، عادة، من تركيبة نسقيّة مركّبة و معقّدة و متشابكة من الأفكار و المعتقدات و القناعات و الاستعدادات و القابليّات و العواطف و المحفوظات و الأعراف..، إلخ؛ بما في ذلك موقف الانتماء من الهويّة و التّاريخ و الواقع و العمل و السّلوك.
و في هذا، كما هو واضح، يتداخل الماضي مع الحاضر في صورة تطلّعات بأهداف تقع، بأغلبها، في المستقبل تأسيساً على الواقع اليوميّ الذي يُعاشُ بِ"السّياسيّ"، بخاصّة، طالما أنّه موثوق المصدريّة الاجتماعيّة المتجذّرة في الخلفيّة الجمعيّة للمثقّف أو لنمطٍ غالبٍ من هؤلاء المثقّفين.
و عندما نتأمّل أبعدَ من الوصفيّة المباشرة للمثقّف السّوريّ، فإنّنا نواجه مشكلة فيه هو على الأغلب و لو أنّه لا يُدركها كمشكلة، و لكنّه يعيشها كما لو أنّها سجيّة بيولوجيّة خالصة تتظاهر في وظيفيّة اجتماعيّة و سياسيّة، تعكس وضعيّة شاذّة من وضعيّات الثّقافة، و هي تُؤدّى أداءً كيديّاً لا يمتّ بأيّة صلةٍ إلى ما يصدر أحياناً عنه، إن صدرَ، بعمليّة من عمليّات التّقليد الثّقافيّ لمضامين روح العصر العالميّ.
يمكننا مقاربة حالةَ المثقّف السّوريّ، على أنّها حالة من حالات "التّعويم" الثّقافيّ الذي يُترجَم، تلقائيّاً، بواسطة التّخلّي عن "الانتماء" الوطنيّ، بخاصّة، تخلّياً متعاقداً مع الجحود التّاريخيّ الذي ينعكس عزلة واقعيّة و جحوداً اجتماعيّاً و طقساً سياسيّاً يتندّر فيه المثقّفون، بحكم المحفوظات، و هو طقس مضمونه معروفٌ في الألمعيّات الاعتقاديّة و الخمريّات و التّشاطر الكلاميّ و التّهازُج المُناسباتيّ و المواقف الموسميّة المقلِّدَة لمواقف الذّكور.. و ثقافة المقاهي، و ثقافة "المنتفخين"؛
و يتلخّص هذا "المضمون" كلّه، مع ملحقاته، في أنّ "المثقّف" هو بطبيعته التّكوينيّة فرد "معارض"..، معارض لشيءٍ ما، أو لكلّ شيء..، فالمهم أن "يتشرّفَ"، تقليداً، بوصمة "المعارضة".
يعودُ الأمرُ ربّما إلى "خِصَائيّة" نفسيّة أو عضويّة..، لا يمكن تعويضها أمام النّفس إلّا بممارسة صاحبها لِ"الثّيرانيّة" الفكريّة التي تعني عنده "المناطحة" السّياسيّة و المبارزة الثّقافيّة، بعد أن استولى عليه عجز عضويّ و فاقة نفسيّة منعاه من ممارسة المناطحة و المبارزة كما يقوم بها أصحابها المختصّون..!
في علاقة "المثقّف" و "الدّولة"، في سورية، تغيب "التّرابطيّة" الطّبيعيّة لتتشكّل مع هذا "العلامة" الجوهريّة التي يتّسمُ بها الاجتماع ببعده الثّقافيّ، في علاقته بالدّولة؛ و لعلّ هذه "العلامة" هي علامة خاصّة بالتّاريخ العربيّ الإسلاميّ الذي تميّزت فيه "الدّولة" أو "المدينة" بوصفها مجمّعاً للسّلطات الدّينيّة و الثّقافيّة و السّياسيّة و الأخلاقيّة و السّلوكيّة، التي، و في اجتماعها، منعت التّمايزات التّاريخيّة الطّبقيّة أو النّمطيّة التي نعرفها، تقليديّاً، في "الغرب" الذي سلك مغامرة تحييد"المحرّم" عن الحياة اليوميّة.. ما ترك أثره في "ثقافة" متمايزة، نسبيّاً، عن المجتمع، على عكس ما نعيشه نحن في مجتمعاتنا "المختلطة" اختلاطَ المرض بالمرض و الدّاء بالدّاء.
في هذه النّقطة، بالتّحديد، أرجو أن أكون مفهوماً أكثر ممّا أتوقع.
إنّني أعني بخصوصيّة تاريخنا العربيّ الإسلاميّ المفضي إلى ثقافتنا السّوريّة، و على النّحو الذي كانته هذه الثّقافة باستمرار، و أي مولّدة لأسوأ ما يمكن أن يُطيق العقل من أفراد مثقّفين و مدّعين و جاحدين و خونة؛ إنّني أعني أنّه كان علينا بالأصل ألّا نلتفت بالثّقافة إلى الماضي أو المستقبل، كلّا! و لكنْ فقط إلى حاضرنا الذي علينا، أوّلاً، أن نمسكَ به، أن نتفقده، أن نعتمده، أن نراه أوّلاً..، ذلك أنّ الأمر على هذا النّحو هو ما يولّد عبارة المستقبل و الضّرورة؛
و على العكس، فإنّ مثقّفنا، في علاقته بالدّولة، كرّس الماضي من حيث هو الماضي جُمَلٌ و قضايا غير معبّرة على الواقع، و منع "الدّولة"، حين لم يتبنّ مشروعها الوطنيّ التّقدّميّ، و أعني المدنيّ و العلمانيّ، بحكم زمنيّتها و عالميّتها، على الأقلّ، و عارضها في المبدأ و الأداء، و لو أنّه تجاوزها بالجملة غير المفيدة، سياسيّاً و حضاريّاً، و تخلّف عنها بالعبارة المؤدّيّة للأغراض.
أذكر أنّني قرأت شيئاً مجرّداً عن "الجملة" و "العبارة"، عند (فوكو) (في "حفريّات المعرفة")، و لكنّني أعمل، هنا، على تشخيص هذه الفكرة الجميلة المؤدّية إلى خطاب حقيقيّ يتجاوز المحفوظ و المألوف و يتجاوز معهما المثقّف الذي أكبّ عليهما و لا يُفيق..
إنّ "البرهان" و "القضيّة" و "الجملة" و الأحرف المجرّدة المنفردة، و التي تقول شيئاً يستطيع الجميع أن يقولوه، عمليّاً، هو ما ألمّ بالثّقافة الاجتماعيّة و السّياسيّة في سورية، كما عبّر عنها "المثقّف" في مواجهة الدّولة، بحيث استطاع، بالفعل، كسب الجولات المختلفة في صراعه غير المشرّف مع "الدّولة الوطنيّة" في مشروعها التّاريخيّ الصّعب؛
فكان أن منع العبارة "المؤلّفة" للمغزى في مواجهة صمت الخطاب التّاريخيّ عن الصّواب السّياسيّ، عن أن تدخل فضاء الثّقافة، باحتكاره المحدوديّة الاجتماعيّة و التّاريخيّة و الأخلاقيّة، و عن أن يستطيع أن يمثّلها أو يتمثّلها؛
و كان في الوقت نفسه أن منع "الدّولة" من أن تفكّر و تقول "عبارتها" الخاصّة، عندما تفرّغت لتسويغ شرعيّتها (أعني بل تفرغت مضطرّةً..)، عبر أكثر من نصف قرن من الزّمان، بدلاً من أن تكون قد تجاوزت هذا الأمر و تفرّغت لحاضر "المدينة" (الدّولة و مؤسّساتها)؛
فكانت علاقة "المثقّف" السّوريّ بالدّولة السّوريّة، علاقة من علاقات الكيديّات الثّأريّة التّاريخيّة التي خلق لها المثقفون أنظمة و منظومات و فضاءات خانقة للحضارة، عندما كرّسوا واقع "المدينة" الإسلاميّة بمجمل اختلاطات أمراضها الدّينيّة و الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و السّياسيّة و الثّقافيّة، التي اجتمعت كلّها في جُمَل ظرفيّة ينقصها التّعبير، و لكنّها جملة ركيكة تقول الماضي على الطّريقة التي يقول فيها المثقّف ذلك الماضي نفسه، فكان المثقّف السّوريّ أن استطاع أن يتحوّل بالدّولة إلى الماضي في القضايا بدلاً من المستقبل في التّعبير أو في العبارة.
لا نحتاج إلى أمثلة؛ و لكنّنا إذا بدأنا بالأمثلة فإنّنا لا ننتهي، أبداً، من هذا الحديث.
إنّ الشّعوب التي تنتج ثقافات و مثقفين يدفعون بالدّولة إلى تبنّي أصعب الحلول في كلّ سؤال تاريخيّ أو مسألة واقعيّة، إنّما هي شعوبٌ راكدة أو مستنقعيّة..، هذا إذا وجدت لها، بعد حين قليلٍ..، مكاناً في مستنقعات التّاريخ، لهذا الرّكود.
ليسَ هذا الضّربُ من الكلام جلداً للذّات. إنّه صيحة العقل في وجه الجهل الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه، اليوم، و ذلك مهما كان السّبب الكامن.. وراء ما دخلنا فيه من نفق تاريخيّ طويل..!؟
لم يسبق المثقّفَ السّوريّ كائنٌ في الأرض بالتّلَوُّن و الرّياء، و لو أنّ هذا الوصف ينطبق على سائر مثقفي العرب و المسلمين تقريباً؛
هذا، كما لم يسبق المثقّف السّوريّ كائنٌ على وجه البسيطة بالتّخَلّي والأنانية و الجحود لِ"ذات" المجتمع و "لذات" الأمّة و "لذات" الدّولة.
إنّ العدوان على "الذّات" الثّقافيّة في النّسق الثّقافيّ السّوريّ تجاوز كلّ توقّع كان على الفكر أن يحترسَ فيه! و هنا، ناهيك عن "السّياسة" العامّة و التي لا يمكنها، أصلاً، أن تتجاوز الفكر في أقصى حساباتها التي أبدت، حتّى الآن، تواضعاً منقطع النّظير.
إنّه لا يمكن للسّياسة أن ترتقي إلى امتيازاتها الفعليّة على جميع الإنتاج الإنسانيّ، ما لم تتبنّ من أجل ذلك هويّة معرفيّة محدّدة و صريحة.
و إذا كان هذا الأمر يدخل، بالعكس، في علاقة "الدّولة" بالمثقّف، من حيث أنّ الدّولة هي، هنا، من يمثّل الطّرف الإيجابيّ في العلاقة؛ فإنّنا نفضّل، كما قلنا، أن يكون لهذا البحث متسعٌ مستقلٌ و منفرد في وقت مقبل.
****
تعقيب المهندس والأديب ياسين الرزوق زيوس:

دكتورنا العزيز لك النور و لنا في صفحتك أن نقرأ المعرفة و الجمال.
مع سلاسلك نستمر في تعليق قلادة الفكر التأملي بثقافة الفائض فلا نخرج عن علاقة الدولة بالمثقف إلا لنرجمها بعلاقة المثقف بالدولة و إذا ما كان المثقف السوري غير مترفٍ بالثقافة و هو عاجز عن ارتداء ثقافة الرفاهية أو تفصيلها في علاقته بالدولة..
فهو لم يعجز يوماً عن الخطو إلى ثقافة الدولة بمزاجية لا بهوية و بعقائدية لا بانتماء و بمصلحة بعيدة أو آنية لا بواجب ملح و ما تلك الارتدادات السوداء من ربيع أحمق فقد نضارة العقل و سقط في قتامة و عتمة الروح إلا دليل لا تهمشه آفاق التنظير في لجة التجارب المخزية..
لكن ليست تلك التجارب التي رآها بول جونسون في طريقة أورويل بأن التجربة تسبق النظرية و نراه بكل ما يجري لم يندهش بقدر ما صفع اليسار بحقائقه المخفية التي تدحض الحقيقة حينما كان يستنير بشمعتها البعيدة حتى أطفأها بالنفخ الواقعي و بالصفير الذي يستحضر المستقبل..
قبل أن يتعمد بالحاضر ليروضه بماضٍ من التراكمات الحاقدة لكن ليسما حسن ترويض بل لإخراج أسوأ ما في النفوس من صراعات الأزمنة التي تساقطت من ثقافة الدواء إلى ثقافة الداء من ثقافة الخوف إلى ثقافة النفاق من ثقافة الهوية إلى ثقافة التجرد من كل تعريف وطني و طابع خاص
ما بين المطلق و النسبي.
ما زالت ثقافة الدولة هشة أمام المثقف و ما زالت ثقافة المثقف كما قلت طقسية مزاجية تخضع لتغيرات المحاور المصالحية التي يلتف بها المثقف السوري و ينفرد بتحولاته.
فمن كان يتجمهر في أقصى اليسار يستدير بسهولة إلى أقصى اليمين و العكس صحيح و الأمثلة كثيرة و لكن الغالب في تيارات المثقف السوري التي يصعد بها مع أخيه العربي إلى سلم الأخلاق الشعوبية و الشعبوية هو تيار التأسلم و المذهبية و الطائفية و المناطقية مهما كانت زاوية الالتفاف..
حيث يبقى مركز الثقافة طارداً لا جاذباً لأن من يقتربون منه ظاهرياً هم في أكثر تيارات التملص انحساراً و ارتداداً عن الهوية و المواطنة.
و هكذا ما بين الدولة و المثقف مشوار طويل فيه من الشد و الجذب ما يستدعي كل ثقافات التجهيل المقدس كي تنقلب أول ما تنقلب على نفسها لتقطع كل حبل يربط دروبنا بمجهول إثر مجهول..
بعد سقوط المعرفة معرفة الثقافة من حيث الماهية و من حيث التطبيق و بعد انهيار المثقف بكل بناه أو ذوبانه في شخصية و مؤسسات الدولة التي يجتاحها التشويه الممنهج!...
لك النور يا مثقف المعرفة و يا عارفاً بثقافات الجهل و العلم دكتورنا الغالي بهجت سليمان.
****
كما عقبت الدكتورة رشا شعبان:
كل الشكر و التقدير لجهودكم دكتورنا الغالي، التي تدعونا دائماََ إلى مراجعة مقولاتنا و جملة الأفكار التي تجذرت في أذهاننا، لدرجة أننا حسبنا وهماََ استحالة الاشتغال عليها أو زحزحتها عبر تاريخ من العلاقة بين الموقف و المجتمع، و المثقف و الدولة، و المثقف و السلطة، و التي استحالت إلى علاقة إشكالية أنتجت واقعا ثقافيا مأزوما.
و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن مشكلة المثقف، في مجتمعنا، هي مع أفكاره بالدرجة الأولى، إنها مشكلة الشعارات لدى النخبة الثقافية التي غاب عنها أهمية إخضاع أفكارها للنقد و التفكيك.
و مما لاشك فيه أن المثقف ليس مجرد مناضل في الميدان للدفاع عن الحريات أو الديمقراطية أو العلم وو...
و إنما هو الذي ينتج مواقف جديدة أو يبتكر صيغاََ جديدة لزحزحة المشكلات من مكانها أو لإعادة بناء المواقف و تطوير التصورات و المفاهيم و قوالب العلاقات، التي تصوغ السياسي و المجتمعي.
و عندما نتحدث عن المثقف التنويري، نكون بصدد ذلك المثقف القادر على إعادة العقل إلى ذاته، بالنقد و تعرية البداهات اللامعقولة أو فضح الممارسات المعتمة أو تفكيك الأدوات القاصرة.
فالعقل ليس جوهراََ ما ورائياََ أو مبدأ مسبقاََ أو هدفاََ مقدساََ، و إنما هو فاعلية فكرية تتيح للإنسان ابتكار القيم و المعايير أو المفاهيم و المناهج أو الصيغ و النماذج التي يضيف بها معنى على وجوده.
وقد وقع مثقفنا في فخ المقولات و الممارسات المقدسة غير النقدية، بدلاََ من ممارسة فاعليته المنتجة و المبتكرة و الإبداعية في علاقته مع الواقع.
و كان تبرير عجزه دائماََ يقوم على عداء السلطة و الدين له، و اعتباره أن دورها هو الكابح لدوره و المضاد له بالضرورة، و انبرى وفق تلك المعادلة لتسويغ الشعارات المعادية للسلطة و الدولة و الدين، دون أن يمتلك القدرة على إعادة إنتاج علاقة منتجة و فاعلة و مؤثرة مع كل ما سبق.
إن مشكلة المثقف في مجتمعنا هي النخبوية و الاستعلاء، التي أنتجت الهشاشة و العزلة عن السياق الاجتماعي، بدلاََ من ممارسة الفاعلية الفكرية في تغيير الواقع، و إنتاج الأفكار و المفاهيم الفاعلة في قراءة الواقع و التشخيص.
تلك النخبوية الثقافية المريضة التي عملت على المطابقة بين السياق الاجتماعي و السياق الثقافي، تلك المطابقة التي جعلت من المثقف عاكساََ مرآتياََ لعلاقات الاجتماعي، ليبرز الثقافي متخلياََ عن مسؤولياته في القيادة الريادية للمجتمع و السياسة بحيث يرتقي بها متقدّماََ عليها، عبر إعادة إنتاج ما هو كائن نحو ما يجب أن يكون، لا أن يعكس ما هو كائن فيستقيل من دوره النهضوي المنشود، لا بل أحياناََ برز الاجتماعي متقدماََ عن الثقافي في الأفكار و الطروحات و المقولات و هنا الطامة الكبرى.
و ذلك بالتأكيد جعل الثقافة فاقدة للحامل الاجتماعي المعوّل عليه في عملية التغيير و التقدم.
من هنا فإن التغيير عبر الفعل الثقافي، لا يتم فقط بمواجهة الممنوعات من الخارج، بل أيضاََ و خاصة بالعمل على تفكيك الممتنعات من الداخل، كما تتجسد في التصورات و المفاهيم و القيم و المعايير التي تنتج العقليات و السياسات و الزعامات، و التي تتحكم بعلاقات المرء بالعمل و الإنتاج أو بالغير و السلطة أو بالأحداث و الوقائع، و ذلك وفق عمل و نهج نقدي تنويري يطال بنية الثقافة و نظام الفكر، للكشف عن آليات المصادرة و حجب الحقائق و تفكيك منطق السيطرة على العقول و الوصاية.
إن المنازع النخبوية و الفوقية الاستعلائية للمثقف، جعلته يفشل في ممارسة الأفكار واقعياََ و مجتمعياََ..
و كذلك نستطيع القول أن تفكير المثقف في السلطة و الدولة، كان تفكيراََ مائعاََ زئبقياََ يقوم على سياسة المصالح و المساومة و الخلط الاستنسابي.
لقد نصّب المثقف نفسه في مجتمعنا بوصفه عدائياََ للسلطة حين اختزلها إلى مفهوم الدولة، مما أدى إلى اختزال دوره و تقويض مهامه، و من غير المسموح لمثقف تنويري يستنهض الوعي الاجتماعي و السياسي أن يقوم بخلط كهذا، و كان الأجدر به أن يفعل فعله الثقافي الناقد في حقل السُلَط بكل أشكالها، لا أن يطابق بين مفهوم السلطة و الدولة، ليرفع شعاره: أنا ضد السلطة، إذن أنا موجود، و كأن وجوده التمردي من الدولة هو الرهان الوحيد أمام احتلال مكانته الاجتماعية و كسب الثقة و المصداقية و المشروعية.
هذا في الظاهر طبعاََ، إلا أن مثقفنا الواعد كان يساوم السلطة التي اختصرها في الدولة، و من تحت الطاولة، لحيازة مكاسب خاصة، على حساب مشروعه الثقافي الشمولي و العام.
لقد طغت معطياته الذاتية على المعطى العام، وبذلك استعمل ما هو عام في المجتمع ليساوم من خلاله السلطة في الموقف و المبدأ.
نحن لسنا بصدد الدفاع عن السلطة، لكننا بصدد العلاقة الاستغلالية التي نشأت بين المثقف و السلطة و التي جعلت من الثقافة و الفكر منتجين للأزمة، بدلاََ من إبداع الحلول و إعادة ضبط العلاقة البنيوية بين المجتمعي و السياسي.
نعم مهمة المثقف أن يجعل من الواقع عقلانياََ معقولاََ، عبر الاشتغال عليه وفق نهج عقلي، و جعله مفهوماََ و مدركاََ من العقل، أي تمكين المجتمع و الأفراد من امتلاكه عقلياََ.
لقد جسّد المثقف الأصنام الفكرية، عن قصد أو غير قصد، بدلاََ من زحزحتها و كسرها..
نعم لقد جعل المثقف اليوم من وجوده عالماََ مفارقاََ، غير قابل للصرف على أرض الواقع، لتستقيل الثقافة معرفياََ و جمالياََ و أخلاقياََ.
نعم نحن مدعوون لإعادة إنتاج مشروعنا الثقافي، عبر نقده أولاََ، و ليس بمعنى جلد الذات، بل بمعنى كشف مكامن الخلل، في قوالب العقل، و مسبقات التفكير، و بنية الثقافة ذاتها.
كل الشكر و الإجلال لك دكتورنا الغالي و حكيمنا الرائع..
آمل أني استطعت الوقوف عند بعض الأفكار الغنية التي أوردتها في مقالكم الثري و العميق.