كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: الدّولة و المثقّف.. و إشكاليّة الدّولة السّوريّة المزمنة مع المثقّفين

{الحلقة الثانية والأربعون "42“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"}


[الدّولة و المثقّف.. و إشكاليّة الدّولة السّوريّة، المزمنة، مع المثقّفين]


* د. بهجت سليمان

في العلاقات التي تخلقها الدّولة في توزيعها لمراكز القوى السّياسيّة و جوائز الشّرف، و في انتقائها لمن يُمثّلها في فضاء السّيادة و حقول السّياسة و العلاقات و التّصرّف و الأداء، و لما يجعلها مكوِّناً سياسيّاً للثّقافة السّياسيّة، و لما يجعل منها ظاهرة حاضرة في نقاط التّأثير، و لما يرتّبُ لها من هيبةٍ، ليست الدّولة شيئاً من دونها، و في أثناء تحديدها للسّقوف السّياسيّة في مواقع الأمكنة الاجتماعيّة المختلفة في "المجتمع"..

و في اقتصاداتها السّياسيّة للقوّة و استخدام أدوات القوّة و المعرفة، و في استثماراتها المُجدية لأدوات العنف في الشّرعيّة و المشروعيّة و تناهي التّفاصيل المؤلِّفة لممارسات السّلطات الاجتماعيّة و التّاريخيّة و التّاريخانيّة، التي لا ترمي السّلاح في مقاومتها للتّنظيم و التّحديد و التّصرّف و التّصريف، الذي تعمل عليه الدّولة كجزء من شخصانيّتها الاعتباريّة..

و في قدرة الدّولة على جعل مشروعها السّياسيّ مشروعاً اجتماعيّاً مفضّلاً أو مفروضاً بأدوات الإخضاع المختلفة التي تمتلكها، دون أن يستطيع "الآخرون" منازعتها عليها، و في عمليّاتِ النّحو السّياسيّة بما هي صَرفٌ للطّاقات الاجتماعيّة و طاقات الأفراد و الجماعات السّالبة، التي تشكّل جزءاً من المادّة المظلمة التي تعمل على لصق و التصاق أجزاء التّاريخ المتنافرة، لتبدو بهيئة واحدة و كتلة منسجمة في مواجهة مشروع الدّولة المتجاوِز في الواقع و في الحاضر؛

و في قدرة الدّولة على ممارسة ذاتها ممارسة فوقيّة، من دون أن تكون مضطرّة للكلمات و الجمل و النّصوص و الخطابات الرّامية إلى الإقناع..

و من أجل أن تتمكّن الدّولة من أدواتها و أدوات الآخرين التي تُشهَرُ في وجهها السّياسيّ بين فينة و أخرى، قادمة من قاع المجتمع المتخلّف و المحدود بمشاريع جماعاته و أفراده الاستقلاليّة و الانفصاليّة و المتمايزة دوماً، طامحةً إلى التّعضّي المقاوم في شدٍّ فيزيائيّ كتلويّ بعكس شعاع سرعة الدّولة و تسارعها، وفقاً للمشروع النّافع و الضّروريّ للمُتّحَد في هيئة الأغراض و الأهداف..

و في ممارسة الدّولة شرعيّتها أو شرعيّاتها دون جميع "المشروعيّات" الأخرى.. و في مصادرتها لتلك "المشروعيّات"..

و في سبيل حمايتها للمجتمع و الدّفاع عنه ضدّ أعدائه و حمايته من نفسه و من مكوّناته، متبادلة التّحدّي الذي حنّطته ذكريات التّفوق في السّوق أو في الحقل أو في المنظومة أو في الثّقافة أو الثّقافات...، إلخ، إلخ؛

إنّه في كلّ ذلك؛ و في غيره، أيضاً، ممّا يتّصل به أو يتعلّق بتفاصيله أو إجماليّاته الأخرى؛

يبدو مشروع "الدّولة" مشروعاً مستقلّاً عن مشاريع الأفراد و الجماعات و الفئات و الطّبقات و الاتّجاهات و القناعات و المصالح و المعتقدات، و عليه أن يكون كذلك، ما أمكنها كلُّ ممكن و متاح و ضروريّ و مدبَّر إلى هذا السّبيل.

في حديث سابق، كنّا قد رسمنا صورة تخطيطيّة للعلاقة التي تحكم "المثقّف"، بوجه عام، مع "الدّولة" التّاريخيّة، بما هو "المثقف" صاحب السّلوك الإيجابيّ الذي يقوم به في فعل غير إيجابيّ إزاء "الدّولة "..
كما كنّا، أيضاً ، قد خصّصنا جزءاً من حديثنا، اهتمّ بظاهرة "المثقّف" السّوريّ، بخاصّة، حيث أوضحنا في سياقه كيف كان "المثقّف" السّوريّ نقمة على "الدّولة" التّاريخيّة، و على الدّولة الوطنيّة السّوريّة منذ "الجمهوريّة الأولى"، و على مدى أكثر من نصف قرن.

و كنّا قد رفعنا الحديث عن علاقة "الدّولة" بِـ"المثقّف"، إلى هذه الّلحظة بحيث أنّه يتحتّم علينا، هنا، أن نبحثَ في هذه العلاقة، تاريخيّاً و وضعيّاً، على عكس ما كان حديثنا فيه، سابقاً، على علاقة "المثقّف" بِـ"الدّولة"؛ و أعني أنّه علينا، الآن، أن ننظرَ إلى المشكلة (أو الإشكاليّة) من باب كون "الدّولة"- هذه المرّة - هي الطّرف الإيجابيّ في هذه العلاقة في السّلوك.

و سنلجأ إلى تقسيم الحديث إلى محورين:

الأوّل... و هو علاقة "الدّولة" التّاريخيّة بِـ"المثقّف"، بوجه عام.. و

الثّاني... و هو علاقة "الدّولة الوطنيّة السّوريّة" بِـ"المثقّف" السّوريّ، بوجه خاصّ.


- أوّلاً: في الدّولة التّاريخيّة

نشأت المشكلة "الثّقافيّة" بين "الدّولة" و "المثقّف"، في التّاريخ، منذ أن ظهرت البوادر الفكريّة المؤسّسيّة الموضوعيّة للإنسان، عندما بدأت المؤسّسة "تتدخّل"، لسبب أو لآخر، بحياة الأفراد؛ و منذ أن أدركتْ مؤسّسة الدّولة التّاريخيّة استقلالها النّسبيّ عن حياة الأفراد و الجماعات التي ترى الدّولة في نفسها، و تبعاً لأشكال الدّولة المختلفة مع الزّمن، "مالكة" أو "مفوّضَةً" أو "ممثِّلةً"، أو "حاميةً" أو "راعية" أو "مستثمرة" أو "متسلّطة" أو "متسيّدة".. على مقدّرات و مصالح و حياة هؤلاء.

لا أتحدّث، طبعاً، عن سلوك "الدّولة" كردّ فعل على الحركات الفرديّة أو الجماعيّة المتمرّدة و الطّامحة و المتطّلعة إلى استبدال السّيطرة و الحكم و السّيادة، فهذا لا يؤصّل للعلاقة التي نبحث فيها و لا يشرحها بالفعل الأصليّ؛ و لكنّني أتحدّث عن السّلوك الإيجابيّ المحض الذي تسلكه "الدّولة" وفق تصوّراتها، هي، عن "الحكم" و "السّيادة"، نحو "المثقّف" أو "المثقّفين"..

إذا تتبّعنا تاريخيّة بعض أشكال الدّول، على العموم، فإنّنا نجد أنّ "الدّول" صاحبة المواقف المجرّدة في تهيّبها من "المثقّف" و استبعادها له من مشروعها العامّ، و إهمالها له أو التّضييق عليه، أو محاصرته و نبذه، و أحياناً التّخلّص منه جسديّاً؛ إنّما كان يقترن، عادة، بالدّولة التي تعاني من نقص في "الشّرعيّة" الذي يُصاحبه جهلٌ في طبيعة المشروع السّياسيّ و وظيفيّة الدّولة، أو تجاهل للوجود الاجتماعيّ و السّياسيّ للقوّة البادية على أصحابها من "المثقّفين"، كمعرفة، أو كتهديد عصبويّ آخر في شكل من الأشكال؛

و غالباً ما كان يترافق هذا الأمر مع أشكال الدّول الاستبداديّة و الدّكتاتوريّة و الثّيوقراطيّة، في التّاريخ القديم و الحديث و المعاصر، تلك الدّول التي تتصوّر أنّ اقتصاد القوّة أو العنف.. يعني الضّعف أمام القوى الاجتماعيّة و السّياسيّة و الثّقافيّة الجانبيّة؛ مع أنّه ليس ثمّة سياسة حصيفة لدولة ناجحة و قويّة و مسيطرة، ما لَم تعرف كيف تقتصد من "سلطتها" و "قوّتها" و "عنفها" الضّروريّ و المشروع، و أعني في الأحوال "العاديّة" التي لا تكون "الدّولة" فيها، أو لا تشعر فيها "الدّولة" بالتّهديد الدّاخليّ أو الخارجيّ المباشرين.

في التّاريخ العربيّ- الإسلاميّ..، و كذلك في التّاريخ "الأوربّيّ"، نماذج معروفة من تلك "الدّولة" الهيّابة أمام المشروعيّات و الشّرعيّة و الحقوق و الثّقافة و المثقّفين..؛ فما من داعٍ لضرب الأمثلة، إذْ أنّنا نتحدّث في "النّظريّة"، بوجه عام.

و إذا استطعنا أن نفصلَ "الدّولة التّاريخيّة"، في سياق الكتابة، فإنّنا، على التّأكيد، لا يمكننا في الفكر السّياسيّ، بل و لا حتّى في "فلسفة السّياسة"، أن نتّبعَ خطّة "متعالية" أو "علائيّة" (ترانسندنتاليّة) عندما يكون الحديث على "الدّولة"، مجرّد دولة، مطلق دولة، لأنّنا لا يمكننا كدارسين أن نتصوّر أو نضع أنفسنا خارج "الدّولة" أو فوق "الدّولة" أو تحت "الدّولة"..
و هذا لعلّة أنّنا حتّى في مفهوم "الدّولة" الأونتولوجيّ ذي البعد الميتافيزيقيّ، نحن محكومون بِـ"الوضعيّة" الفلسفيّة و السّياسيّة بواقع "الدّولة" و ممارساتها، هذه الممارسات التي، هي، نحن، جزءٌ منها، بما في ذلك وعينا بخصوص الكثير من القضايا التي تنتجها "الدّولة" أو تنتج عكسها، من مثل العدالة الاجتماعيّة، و أعني بالعدالة الاجتماعيّة، على عكس ما قرّره "المثقّفون" و غالى به "الفلاسفة" و المفكّرون، و أيّ تلك العدالة السّياسيّة ذات الأثر الاجتماعيّ في توزيع أثر الدّولة و مؤسّساتها و أدواتها و شخصانيّتها، ناهيك عن شخصيّتها الاعتباريّة، توزيعاً معرفيّاً لا تحدّه "الثّقافة".

من الواضح أنّ هذه المسألة هي على جانب من الغموض و الإبهام، و لكنّ لها، بكلّ تأكيدٍ، معانيَ أو "دلالات" وافية ممّا يُمكن التّشخيص عليه.

و في سبيل المثال، فيمكننا، إذا كنّا محايدين و موضوعيين، و لو بالزّعم، أن ننظرَ إلى "الدّولة" غير العادلة، وفق مفهومنا المقدّم على هذه العدالة، في سياقِ تخلّيها عن "العدالة المعرفيّة" التي ذكرناها منذ قليل، و التي تقود، عند توفّرها، "الدّولة" إلى مختلف "العدالات" و تمكّنها منها، في شتّى صور و حقول التّوزيع الاجتماعيّ و السّياسيّ و كذلك الاقتصاديّ، أيضاً.

و للتّشخيص الواقعيّ التّاريخيّ (و هذا لمن لا يُحبّ التّجريد!)، فلم تكتفِ "الدّولة" التّاريخيّة، بخروجها - مثلاً، مثلاً..!- عن "التّوصية الأفلاطونيّة"، أو بالأحرى عن "الوصايا الأفلاطونيّة"، بشأن "المعرفيّة" التي عليها أن تحكم "الدّولة"، أوّلاً، لتكون قادرة على أن تكون حاكمة؛ بل و تجاوز هذا الخروج عن (أفلاطون) إلى ما هو خروج "على أفلاطون"، و أعني التّمرّد المقصود، أو غير المقصود لعلّة في "الحاكمين"..، جعل من "الدّولة" التّاريخيّة عدوّة للمعرفة.

أكيدٌ أنّني لا أقول كلاماً مرسلاً على "المعرفة"، و لكنّني أحدّد بِـ"المعرفة" ما هي العقلانيّة السّياسيّة التي تُنجي الدّولة من ذاتها، أوّلاً، باعتبار "العقلانيّة" شيئاً ضدّ التّجريبيّة "المجانيّة"، و لكنْ تلك التي تحصد حياةَ الشّعوب، و باعتبار "المعرفة" هي تلك "العقلانيّة"، أيضاً، التي تعترف لنفسها.. بوصفها شيئاً من تقليد "الآلهة" في رعيِ "المؤمنين" في تشخيص حيّ للأخلاق السّياسيّة التي حارتْ العقول في خلطها بالسّياسة و في خلط السّياسة بها، و ما زالت إلى الآن!

طبيعيّ أنّ هذا يقودنا إلى القول بأنّ "المعرفة" هي الجزء الخالد من "العقل" البشريّ، أو الذي يُلهمه "الخلودُ" إدراكَ شؤون "النّاموس"في الممارسة و في "القانون" و في مختلف العلوم.

هذا أقصى ما يمكن لنا أن نتهافتَ بهِ إلى استبعاد "المعرفة" من "المثاليّات" الأخلاقيّة المستحيلة، و الكاذبة على كلّ حال، و لكنْ، و في الوقت نفسه، هو أقصى ما هو مسموح فيه للعبارة بتقريب "العقل"، و ما هو، أيضاً، مسموح فيه للعقل بتجويد الواقع في التّشخيص.

جهلتْ الدّولة التاّريخية، بما فيها الدّولة المعاصرة، و أنتجت جهلها الذي صار نموذجيّاً في "الثّقافة" و في الثّقافة السّياسيّة على الأخصّ، و الذي، أيضاً، انقسم عليه "المثقّفون" فيما بينهم، كما انقسموا مع "الدّولة" عليه..

و إذا كان صديقنا (بيير بورديو)، الفيلسوف و عالم الاجتماع السّياسيّ الفرنسيّ المعاصر، قد اعتبر "الخيانة" في معرض نقل المشفوه إلى الكتابة، هي "شرط الوفاء الحقيقيّ"، و هو يعني الوفاء المعرفيّ، بالطّبع؛ فإنّ ممارسة "الدّولة"، في رأينا، عبر التّاريخ ضحّت، في وقت معاً، بالوفاء و بالخيانة معاً، عندما استطاعت أن تتجنّب المعرفة العقلانيّة في كلا "المشفوه" و "المكتوب"..
و هو ما أنتج للدّولة ثقافتها السّياسيّة الخاصّة التي "وزعتها" بالممارسة توزيعاً، هو الآخر، غير عادل و غير "اجتماعيّ" و لا حتّى "سياسيّ"!

ليسَ للدّولة كثير من الحقوق في ذمّة "المثقّفين".. (!؟)، ذلك لأنّها هي التي خلقت الثّقافة غير المعرفيّة، كأداة سياسيّة، فظنّ بها "المثقّفون" نموذجاً و مثالاً و خطاباً مشتركاً لهم فيه أن يقارعوا الدّولة به، فيما عزّز هذا الأمر تلكالانطوائيّة الثّقافيّة في الدّولة، فتحوّلت في "أدمغة" المثقّفين الذين لا عقلَمعرفيّاً لهم..، بوجه العموم، إلى سلاح تجاوز الانطواء إلى الجريمة و الثّورة و الانقلاب و الكيديّة و الثّأر.

هذه صورة عامّة و شاملة لنموذج الدّولة التّاريخيّة، و من الطّبيعيّ أنّه مقياسٌ مثاليّ أو مُعَادِلٌ نموذجيّ (ستاندرد)، تتوزع "الدّول الوضعيّة"، هنا و هناك، على تقاسم مساوئه و محاسنه.. هذا إذا كان له من المحاسن نصيب.

لا يمكن فهم "الدّولة" أو مقاربتها وفقاً لعلم الاجتماع التّقليديّ أو السّوسيولوجيا العفويّة (بورديو)، و نضيف إلى هذا، بطبيعة الحال، "المثقّف"، أيضاً.

غير أنّ للدّولة، كظاهرة ثقافيّة، و كظاهرة ثقافيّة- سياسيّة،اتّصالاً شديداً بالمجتمعات التي تقودها، و بخاصّة تلكّ الدّول "المركّبة" بالهجين المعقّد المؤلّف من "تاريخيّة" غير مفكّكة، بعد، مع "تاريخانيّة" ثقافيّة استحالتْ في السّياسة إلى أعراف و قواعد عامّة و عموميّة، تُطلُّ برأسها في كلّ مناسبة يكون التّحدّي الاجتماعيّ و السّياسيّ من قبل قوى الاستراتيجيّات التّاريخيّة السّياسيّة التي احتفظ بها "المجتمع" و حافظ عليها كسلاحٍ ثأريّ في وجه الدّولة قائم أو مستمدّ من "المحرّم" التّاريخيّ الذي يتّصل، بواقعيّة و استمراريّة، بِـ"المحرّم" المعاصر، كمشروع "شرعيّة" مناوئ أو شرعيّات متعّدة..

و هذا في كلّ الدّول و المجتمعات التي ما تزال تقتات ثقافتها من الماضي، اختياراً أو جبراً، ما يوحي بأنّنا أمام دولة مختلطة اجتماعيّاً و سياسيّاً، و لا يمكن لها أن تختار مشروعها الخاصّ، نظراً لتوازي فاعليّات و ديناميّات جميع المشاريع الموازية أو المتوازية، و تناظرها في الفعل و التّأثير.

إنّ للدّولة، في المجتمعات الرّاكدة تاريخيّاً، و التي تتميّز هي حالة جميع المجتمعات التّاريخيّة التي حرمها "تقسيم العمل" العالميّ من حظّها و فرصها في الانعتاق من ذاتها الرّكيكة، استثناءات، أيضاً، من تاريخيّة الدّولة التّاريخيّة العالميّة، مع أنّها تتقاسم ، جميعها، فيما بينها مشكلّتها "النيويّة" الأساسيّة القائمة على، أو المتمثّلة في، الّلا تكافؤ أو الّلا تناسب، بين مشروع الدّولة الذي تمثّله و بين انتقائها لأفضل الأدوات و الأفكار و الاستراتيجيّات الاجتماعيّة التي تستطيع بفضلها ممارسة ما تدّعي التّعبير عنه.

و إذ حُرمت "الدّولة" المتخلّفة تاريخيّاً من منظّرين استوعبوا، بقوّة و بحريّة عقليّة عالية، واقع "الدّولة" الثّقافيّ، و طرق و وسائل ضرورات تجاوزها؛ نجد، على العكس، أنّ "النّظريّة" العالميّة، بوجه عامّ، على "الدّولة" الواقعيّة و ما وراء "الواقعيّة"، إنّما قد ظهرت و ازدهرت في "الغرب" الصّناعيّ (و أعني الحضاريّ) الذي تجاوز، أصلاً، البنيةالمتخلّفة للدّولة التّاريخيّة و لمشاكلها الحَالّة و الملحّة، فكانت أن تكرّست "الفجوة" التّاريخيّة الفاصلة بين "الغرب" و "الشّرق"، أو "الشّمال" و "الجنوب"، عندما أضافت "النّظريّة" حمولات الثّقافة المعاصرة إلى حمولات الدّولة المتجاوِزة..

مع أنّ "المشكلة" الثّقافيّة الجذريّة لمؤسّسة "الدّولة" بقيت معلّقة، تاريخيّاً، و محلّا للنّقد (النّقد، و ليس الجريمة المسلّحة..!)، في النّظريّات الفكريّة التي أسّست لثقافات مختلفة عمّا نعرفه في مجتمعاتنا، نحن، من "ثقافات".

إنّني أريد القول إنّ المشكلة الثّقافيّة للدّولة التّاريخيّة، بقيت قائمة في "بنية" المؤسّسة السّياسيّة للدّولة التي لم ترتقِ إلى الحاجة المعرفيّة (و الثّقافيّة) المتمثّلة في النّظريّة".

يُفسّر لنا هذا الواقع، أو بالأحرى نجد، نحن، له تفسيراً ثقافيّاً و سياسيّاً حديثاً و معاصراً، في نظريّات فكريّة ثقافيّة و اجتماعيّة و سياسيّة، شهيرة و متعدّدة و بخاصّة منها تلك النّظريّات التي قامت على اختراع مفهاهيم "الّلبيراليّة" و "النّفعيّة" "البراغماتيّة" و "الذّرائعيّة" و "الاقتصادويّة" الماركسيّة بمدارسها الّلاحقة المتعدّدة، و "الوضعيّة" و "الوضعيّة الجديدة" و "الوضعيّة المنطقيّة"، منذ الإنكليزيّ (جون لوك) (1632- 1704م) و الإنكليزيّ (جيرمي بينثام) (1748- 1832م) و الإنكليزيّ (جون ستيوارت مِل) (1806- 1873م) و الأميركيّ (وليام جيمس) (1842- 1910م)، مروراً بالفرنسيّ و "أبو الفلسفة الوضعيّة" (أوغست كونت) (1798- 1857م)، و الألمانيّ (كارل ماركس) (1818- 1883م)، و الفرنسيّ (إميل دوركهايم) (1858- 1917م) و الألمانيّ (ماكس فيبر) (1864- 1920م)، و الألمانيّ "الوضعيّ المنطقيّ" (رودولف كارناب) (1891- 1970م)، و "الوضعيّة الجديدة" مع أهمّ أعلامها النّمساويّ الإنكليزيّ الأميركيّ (كارل بوبر) (1902- 1994م)..، إلخ؛

و غيرهم كثيرون، أيضاً، ممّن خرجوا على "قواعد" الدّولة الحديثة و المعاصرة، و ربّما باستثناء (ماكس فيبر) كمنظّر كان، في رأينا، أكبر معبِّر نظريّ و مسوِّغ "اجتماعيّ" و "ثقافيّ" لسياسات "المستشار الألمانيّ الحديديّ" (بسمارك- أوتو ليوبولد فون)، و موحّد (ألمانيا الحديثة) (1815- 1898م)، و ذلك بفضل "الاستثناء الثّقافيّ" و "السّياسيّ" الذي شكّله (بسمارك)، نفسه، في "الدّولة"، و ذلك في "التّوازن" و "القوّة" و "السّياسات الصّارمة" و "الحزم الإداريّ" و "التّنظيم".

لقد بقيت، إذاً، "الدّولة" بما هي مؤسّسة مقيّدة ثقافيّاً، متخلّفة عن الّلحظة الحضاريّة العالميّة، حتّى اليوم، و ربّما ستبقى أبداً، كذلك، بحيث أنّنا أمام تناقضٍ تناضديّ بين "الفكرة السّياسيّة" و "الممارسة السّياسيّة" في "المؤسّسة، بحيث نستطيع أن نقول على "الغرب"، بوجه العموم، إنّ الثّقافة"، في "النّظريّة" قد قطعت أشواطاً معرفيّة بالمقارنة مع "المؤسّسة الثّقافيّة" للدّولة، ما جعلنا أمام نتيجة "منطقيّة" في التّناقض الطّبيعيّ بين "قيود المؤسّسة" الذّاتيّة و الموضوعيّة (الدّولة)، و بين فضاء الحريّة الفكريّة في العقلانيّة (النّظريّة)..
و هذا ما لن نجده، على الأكيد، في حديثنا على "الدّولة" المشخّصة سياسيّاً أمام مهمّاتها في "المشروع الوطنيّ"، كما هو الأمر، مثلاً، بالنّسبة إلينا؛ على أنّ الأمر ليسَ ناجماً عن فراغ..


- ثانياً: في الدّولة الوطنيّة السّوريّة

أذكر أنّني، و منذ عدّة عقود، قد قرأت لِـ(ماركس)، في "رأس المال"، ما يتحدّث به على الظّلم الإنسانيّ الذي يقوم في العلاقة ما بين "الرّأسماليّ" و "العامل البروليتاريّ"، بحيث أنّ "الرّأسماليّ" (أو البورجوازيّ)، في المجتمعات و الدّول الرّأسماليّة، ما قبل "الاشتراكيّة" أو ما قبل "الشّيوعيّة" (حسب ماركس)، هو أيضاً كائن مظلومٌ بما هو يحتقر فيه، هو، نفسه، القيمة الإنسانيّة المجرّدة في الفكرة و الوجدان (أو بهذا المعنى، فالصّياغة، هنا، كلّها لنا)، عندما يمارس الظّلم الإنسانيّ على كائن بشريّ هو "البروليتاريّ"؛
هذا و لو أنّ "البروليتاريّ" مظلومٌ ظلماً مضاعفاً، مرّتين، وفق التّفسير السّابق، من حيث أنّه مضطهدٌ في قيمته الإنسانيّة المجرّدة، بالإضافة إلى أنّه مضطهد "اقتصاديّاً" (و "اجتماعيّاً " و "سياسيّاً") كبروليتاريّ لا يملك سوى "قوّة عمله"..

أرجعتني الذّاكرة إلى هذه "الأمثولة" المنحوتة بعناية فائقة، عندما أردتُ أن أقارن بين "الدّولة الوطنيّة السّوريّة"، و بين "الدّولة التّاريخيّة"، و طبعاً، أيضاً، بما هي "الأولى" داخلة بالضّرورة الموضوعيّة (العالميّة) في عداد المجموعة الثّانيّة في واقع عالميّ يتقارب و يتّصل، أكثرَ، يوماً بعد يوم.

إنّه، و علاوةً على التّمييز "الثّقافيّ" و الحضاريّ الشّامل، الذي تمارسه نتائج التّاريخ ضدّ الدّول ذات المجتمعات "المتخلّفة"..، مع الاضطهاد السّياسيّ و الوجوديّ القاهر؛ فإنّ "الدّولة الوطنيّة" في "العالم الثّاني" (دوماً و في كلّ التّاريخ كان ثمّة عالمان، و حسب !) تقوم باضطهاد نفسها، ثقافيّاً و سياسيّاً، فتضاعف تراكبيّة التّهميش الثقّافيّ و الاجتماعيّ و الاقتصاديّ و السّياسيّ..، إلخ..
فإذا بها في اضطّهادٍ "مربّع" أو اضطهادٍ مضاعف، و هذا إذا قبلنا أنّ "دول العالم الأوّل" و "مجتمعاتها"، أيضاً، تكتفي باضطهادنا، فقط..، لتخسر إنسانيّتها المفترضة في التّأويل؛ مع فارقٍ جوهريّ عن "مثال" (ماركس)، و هو أنّنا نحن، بصفتنا "الدّول" المتخلّفة و المجتمعات المحدودة و المقيّدة، من يقوم، بالظّلم الذّاتيّ الممارَس على الذّات نفسها، بمضاعفة هذا الظّلم و ذاك الاضطّهاد.

لا يمكن، أكيداً، أن ينظرَ "الفكر" إلى "الدّولة" بوصفها حيّزاً أو كائناً محايداً أو منفصلاً أو مستقلّاً عن المجتمع، هذا مع اعتبارنا بقضيّة مفهومة و هي ذلك الاستقلال النّسبيّ للدّولة عن "الشّخصانيّة"، و عن الأفراد و عن المجتمع..
و لكن عندما لا تكون الدّولة مبدأ أوّليّاً لعناصرها، و ليس العكس، فإنّها تكون قد كفّت عن حيّزها في ازدحام المقوّمات التي يجبُ أن تكون تابعة لمبدأ الدّولة، و أعني كفكرة يجب الدّفاع عنها و تعزيزها في جميع المناسبات.

في مسيرة "الفكرة" التّجسّديّة تتوالى أسماؤها في المراحل و الأمكنة و المواصل و القواطع و الانقطاعات و المنعطفات؛ و هي ينضافُ إليها أعراضاً تطرا عليها، إمّا ذاتيّة أو خارجيّة، و لكنّ عليها، في جميع الحالات، ألّا يُستبدلُ بها أحدُ أعراضها أو أحد نعوتها المرحليّة، إذ يجب أن تمثّلَ "نُواتها" مركزاً ثابتاً و قويّاً و منيعاً بحيث تكون من الصّلابة التي لا يمكن معها أن تتفتّت في المدارات..
و عندما تكون، على العكس ، فكرة غير متماسكة و غير أصيلة و غير عمليّة و فاقدة لمرونتها، فإنّها ستتلاشى في أيّ من المواقف الصّعبة أو في أيّ امتحانٍ تاريخيّ أو عِباريّ (تعبيريّ يعكس "العالم"، و معبّر يساهم في صناعة "العالم").

و إنّها كذلك هي "الدّولة"، بالضّبط ، كفكرةٍ "أونتولوجيّة" (وفق رؤيتنا) لا يمكن أن تُعلّلَ أو تسوّغ إلّا في "الممارسة" (البراكسيس :Praxis) التي تحمل بالإضافة إلى معانيها الشّائعة، ممارسة المستقبل في الواقع..!

إنّ "ثقافة الدّولة"، إذاً، متوقّفة على فكرتها الخاصّة كما على فكرتها عن نفسها، و هي إذ تستطيع التّوفيق بين هذين "الشّرطين" فإنّها، و عندها فقط، تتمكّن من تحقيق أو إدراك الجوهر المعرفيّ لفكرتها ، كفكرة في الدّولة و فكرة على الدّولة ، و هو الأمر الذي يؤهّلها من نشر "ثقافتها" الخاصّة المرتبطة بدورها، نشراً متوازياً، في مسارات متوازية، و لو في حقول و فضاءات و سرعات و تسارعاتمتباينة و غير متكافئة، إلّا أنّها يجب ألّا تكون في خطّيّات شعاعيّة متناقضة الاتّجاه.

هذا الحديث يقودنا إلى مفهوم "الانسجام" الذي على "الدّولة" أن تسعى وراءه في "الممارسة" (البراكسيس) و إنتاج الثّقافة الخاصّة المناسبة لهذه الممارسة المعرفيّة، و التي لا تتوقّف على "الثّقافات" الاجتماعيّة و السّياسيّة الموازية و المنافسة (و أحياناً المتمرّدة) للسّياسات السّياديّة، مع أنّها لا تهملها هي في الواقع و لكن باعتبارها، فقط، جزءاً من الواقع إلّا أنّه ليسَ جزءاً شارطاً في الاستراتيجيّات. الدّولة قائدة للاستراتيجيّات الاجتماعيّة و السّياسيّة الأخرى، و لكن في إطار رؤية "منفصلة" نسبيّاً و أي "مستقلّة" في أفضل الغايات.

يمكننا، بدقّة و واقعيّة و سهولة و معاصَرة..، أن نرصدَ سياسات "الدّولة الوطنيّة" في (سورية) في إنتاجها و توزيعها للثّقافة أو للثّقافات، منذ "الجمهوريّة السّوريّة الأولى" عام (1963م)، كدولة مستقلّة بالقرار السّياسيّ السّياديّ.

و على هذا الأساس يمكننا، أيضاً، و بالتّبعيّة، أن نقف بالنّظريّة النّقديّة العقلانيّة على جملة من الظّواهر الثّقافيّة التي أنتجتها "الدّولة" في سياق تاريخها المعاصر.

واضحٌ التّاريخُ الذي يقول إنّ التّكوّن المعاصر للدّولة السّوريّة يتّصف بأنّها تكوّن إشكاليّ و مركّب و معقّد أيضاً، بالنّظر للمسافة التي كانت و ما زالت تفصل "الدّولة" في بنيويّتها الحديثة عن "المجتمع" المتفاوت بالأزمنة و الأمكنة الاجتماعيّة و التّزمّنات. و لقد كنّا تناولنا هذا الأمر غير مرّة فيما سبق لنا، هنا، من أحاديث.

ما يعنينا من مجمل الظّواهر السّياسيّة لِ"الحداثة" السّوريّة، هنا، وفق ما نقوم به، هو الظّاهرة الثقافيّة للدّولة و علاقتها، من هذا المنطلق، بالمثقّف السّوريّ.

سابقاً، تطرّقنا، هنا، إلى علاقة "المثقّف" السّوريّ بالدّولة الوطنيّة السّوريّة؛ و إذ لسنا بصدد استعادة هذه المناسبة ، بالذّات، فإنّنا سنحتاجها في استعارة ضروريّة للوصول إلى ما نريد من جديد في بحثنا علاقة الدّولة بالمثقّف، من حيث الدّولة هي "الطّرف الإيجابيّ" في هذه العلاقة، بعد أن كنّا تحدّثنا على "العكس"، سابقاً.

نشأت الدّولة السّوريّة المعاصرة في محيطٍ من مشاريع "الدّولة" المختلفة و التي صدّرتها إلينا عهود الاحتلال العثمانيّ و الاستعمار الأوربّيّ المباشر..
و في تناقضات تلك التّيارات السّياسيّة و الثقافيّة، حملت الدّولة النّاشئة الكثير من المواصفات الثّقافيّة الاجتماعيّة التّاريخيّة، موضوعيّاً، لتظهر آثار هذه الاتّجاهات العاصفة في البنية السّياسيّة المباشرة في الدّولة، و التي كان متوقّعاً أن تُنتج ثقافتها انطلاقاً من مراكز القوّة في المتناقضات. و هذا شيءٌ طبيعيّ و تاريخيّ بقدر ما يعكس حيوّيّة "الجمهوريّة الأولى" باعتبارها التّجربة الوطنيّة الأولى و "الشّاملة" مع "السّيادة".
إلّا أنّ الذي لم يكن طبيعيّاً، في الموضوع، هو تكلّس هذا "الوضع" العامّ و وجموده الذي ظهر في التّردّد التّاريخيّ في مسارات مستقبل الدّولة الحديثة على ما سنوضّح في الحال.

قامت "الدّولة" بمعبّراتها و عباراتها المختلفة في إطار سياسيّ واحد سياديّ و لكنّه لم يكن (و هو لا يستطيع في الواقع!) "مانعاً" أو "منيعاً" لغيره من الثّقافات التي تستبطنها السّياسة.

في المقابل حافظت أكثر القوى رجعيّة و عزلة، من جهة؛ و أكثرها انتهازيّة و نفعيّة اجتماعيّة و سياسيّة، من جهة أخرى؛ حافظت على "مشاريعها" الثّابتة تاريخيّاً (و هنا، تاريخانيّاً)، و تمسّكت بكلّ روابط الشّدّ "الثقّافيّ" المعادي و المضادّ لثقافة الدّولة، و ذلك في مشاريع سياسيّة متناقضة و أحياناً، أو غالباً، متناحرة مع سيادة الدّولة في الثّقافة و في السّياسة و في غير ذلك، أيضاً.

أعادت تلك القوى المناوئة "ثقافيّاً" (سياسيّاً) للدّولة، بسهولة، إنتاج خطابها الانعزاليّ و الرّجعيّ و المتآمر و الخائن..، إلخ؛ و المعزّز بالتّاريخ و الجغرافيا.. و ما إليه، في نصوص و ممارسات علنيّة تنظيميّة و إداريّة و أخلاقيّة، و في أشباهها، و ينوف، في محافلها السّريّة. و هذا أمرٌ، أيضاً، طبيعيّ و متوقّع و ضروريّ و حتميّ تاريخيّاً..

بالمقابل، فإنّه كان للدّولة تصوّرها السّياسيّ على "الثّقافة"، و على غير "الثّقافة"، و الذي عملت عليه في "النّصوص" الرّسميّة و المؤسّسات الموازية، في محاولة لإنتاج ثقافتها الوطنيّة "الخاصّة" الجديدة، إلّا أنّها فشلت، كما يجب أن يكون متوقّعاً، في إنتاج و توزيع "الخطاب" الموازي و المجاوز للنّصوص، و أي في الوجدان الجمعيّ و السّلوك المباشر نظراً لتواشج المكوّنات الواحدة، الاجتماعيّة، للدّولة و لأعداء الدّولة ، في مكان اجتماعيّ واحد أو متشابه، و في مكان سياسيّ، رسميّ، سياديّ، أيضاً واحد، تقريباً..
و ذلك بقدر ما أنّ الأمر يعود إلى التّشارك التّاريخيّ الحتميّ بالعتلة الاجتماعيّة الواحدة التي تدور بها الدّولة في إنتاج ذاتها و إنتاج المجتمع، باستمرار.

من وجه آخر للمشكلة التّاريخيّة التي تفسّر ذلك "الفشل" الذي مني به "مشروع الدّولة"، فإن الأمر يعودُ إلى أنّ "المفارقة" الحداثيّة التي أحدثتها الدّولة الوطنيّة "المعاصرة"، بما هي قطيعة "سياسيّة" بمضمون ثقافيّ نسبيّ، قد حرمتها، أيضاً، من تعاطف الوجدان الجمعيّ المتخلّف و الرّجعيّ و المحافظ على "مواقعه" و الذي هو مستعدّ للموت و التّضحية بكلّ شيءٍ في الدّفاع عن تلك "المواقع" التي أُسبِغت عليها، ثقافيّاً، صفةُ القداسة الدّينيّة(!) في الوعي الاجتماعيّ؛ و هذا، طبعاً، بالإضافة إلى أسباب أخرى و التي لطالما كانت مصدر عزاءٍ سخيف للموضوعويين من المثقّفين و السّياسيين و الأكاديميين.. المعاصرين..!

جميعنا يعرف أنّه في وقتٍ ما، أو بالأحرى في أوقات متواليّة و متراكمة كثيرة، اشتدّ النّزاع بين "ثقافة المجتمع" السّياسيّة المواجهة للدّولة، بصنوفها و صفوفها و فصولها المتعدّدة، من جهة؛ و بين "ثقافة الدّولة" السّياسيّة، بوصفها نظاماً سياسيّاً و مؤسّسات حقوقيّة و اعتباريّة، من جهة ثانية..
وفيما كان طبيعيّاً أن يتطوّر هذا النّزاع التّاريخيّ إلى تناقضات غير محلولة ثقافيّاً و سياسيّا ثمّ اجتماعيّاً..، وصلت إلى مرحلة التّضادّ و العداوات التّاريخيّة و السّياسيّة بما تجاوز الخصومة السّياسيّة إلى النّزاعات المسلّحة (و الفصل الذي نشهده اليومَ، هو أحدث الفصول في ذلك..!)..

أقول في هذه الأثناء كان داخلاً في هذه المواجهات، أيضاً، مختلف النّصوص و الخطابات السّياسيّة ذات الجوهر الثّقافيّ لكلا طرفيّ هذه المواجهة التّاريخيّة، و أعني للدّولة و لأعدائها، معاً، على التّوازي و في سباقٍ محموم في "تطوّراتٍ" مضمونيّة و مفهوميّة جاوزت كلّ معقوليّة و عقلانيّة!

إنّ للدّولة، لأيّة دولةٍ، منظورها الخاصّ و الوسائليّ (الذّرائعيّ) في الدّفاع عن نفسها و مؤسّساتها، و هذا الأمر واقع و "حقّ" مشروعان، في مختلف النّظم و الأنظمة السّياسيّة و الشّرعيّات التّاريخيّة للدّول في كلّ مكانٍ و زمان..

و هنا، بالضّبط، حصلت "مشكلتنا" المعاصرة في موقف "الدّولة" إزاء "الثّقافة"، بعموم، و إزاء "المثقّف"، و هو ما يدور حديثنا عليه.

اعتبرتْ الدّولة، في سياق "حقّها" المشروع في الدّفاع عن نظامها السّياسيّ بما هو وجود لها و بما هو نظامٌ "ثقافيّ"، أيضاً، و بما هو واقع اجتماعيّ بُحيط بها و يدخل في عناصرها و مقوّماتها الطّبيعيّة..، اعتبرتْ بأنّ كلّ نظريّة أو حالة ثقافيّة أو مشروع ثقافيّ أو كلّ مثقّف سياسيّ..، إلخ؛ إنّما جميع ذلك ما هو إلّا مظاهر مختلفة لأعداءٍ، للدّولة، متعدّدين..!

و لقد دعّم "مشروعيّة" هذه "النّظرة" المنغلقة للدّولة، إزاء الثّقافة و المثقّفين، واقع أنّ "المشاريع الثّقافيّة" و "مثقّفيها"..، هم، بالفعل، ليسوا أكثرَ من أعداءٍ حقيقيين للدّولة و السّيادة و المجتمع، إلى درجة من المهزلة، عاصرناها، جميعاً، و هي أنّ كلّ "مثقّف" من هؤلاء الدّاخلين في مشاريع "المعارضات" الثّقافيّة – السّياسيّة الهابطة، كان يُمثّل في قرارته و سلوكه وأوهامه و تنظيره، "مشروع رئيسٍ للجمهوريّة".. (!؟)، بما ينطوي عليه كلُّ هذا "الوهم" من تضحيّة بالمجتمع على مذبح النّزاع المسلّح مع "الدّولة".

إنّ التّاريخ ملكٌ للجميع، و الجميع قادرٌ على أن يتذكّر ببساطة هذه المهزلة الثّقافيّة – السّياسيّة- الاجتماعيّة، المعاصرة، و أن يكون شاهداً على ما عِيشَ في (سورية) و يُعاش.

و في إطار "ردّ الفعل" هذا، اكتسبت السّياسيّة الثّقافيّة السّياديّة طابعاً متكلّساً و حذراً و متردّداً، بل و أكثر من ذلك، و أعني معادياّ (و هذا عمليّاً، على الأقلّ!) و رافضاً لكلّ صيغة "ثقافيّة"، سياسيّة و غير سياسيّة (هذه المرّة)، و ذلك نتيجة لما كوّنته لها "الثقّافة" (المعارِضة) من ظاهرة سيئةٍ لا تؤدّي إلّا إلى الجريمة السّياسيّة و الاجتماعيّة، و هذا ما هو لا يتّفق و طموح الدّولة إلى الاستقرار الاجتماعيّ.

لا أعني أنّ "الطّالح" قد حذف "الصّالح" من الواقع و الآفاق..، و إنّما لم يعد بإمكان "الثّقافة" نفسها أن تنتج لها وجهاً آخرَ، نظراً إلى أمرين:

الأوّل، و هو القيود السّياسيّة الموضوعيّة للثّقافة، و التي مارستها و تمارسها "الدّولة" كردّ فعلٍ على الثّقافة من حيث المبدأ و الأيلولة؛

و الثّاني، هو أنّ "الثّقافة" بعمومها قد أصابتها "عدوى" المعارضة السّطحيّة، باعتبارها تعيد إنتاج نفسها بمزيد من الشّعور بالغبن، إزاء موقف الدّولة من الثقّافة و المثقفين!

بالنّتيجة انهار النصّ "الثقافيّ" الأصيل، كما انهيار في ثنياته و مفاعيله "الخطاب" الثقافيّ الّلائق بالمعاصرة، و الذي هو، في الوقت نفسه، حاجة إلى التّطوّر الشّامل الذي يُفضي إلى تصحيح "الظّاهرة الثّقافيّة" السّوريّة، لدخولنا عصر العالم..

و بالفعل، و بقليل من التّدقيق نستطيع القول، بالمطلق (و لو أنّنا، هنا، نجافي، العقلانيّة..) إنّنا لو نظرنا إلى النّتاج الثقّافيّ "الأكثر رقيّاً" في المجتمع السّوريّ، فإنّنا سنصاب، و بعمق، بخيبة الأمل المفجعة نتيجة لهُزال النّصوص و الخطابات..
و هنا، أنا أستعير "مقياساً"، دقيقاً في "التّقويم"، على الأقلّ، من (سارتر) الذي يقول:

"إنّ الفكر الأصيلَ، حقّاً، لا يجد، قطُّ، أحداً في انتظاره"..!

على أنّ كلّ ما يُنتج، اليومَ، من "إبداعات"(!) ثقافيّة دعيّة، يكون "الجميع" بانتظاره. و ليست الثقافة هذا، إذاً.

فهل أقول أخيراً، إنّ معظم ما يُنتج,  في (سورية)، اليومَ، في "الثّقافة" و "المثقّفين" - مع عدم الدّخول في مجاملات النّفاق التي تقول "مع احترامي"، أو غير ذلك - إنّما هو لا يتجاوز أن يكون صادراً عن مهرّجين؟

و مع ذلك، فإنّ موقف "الدّولة" من الثّقافة" و "المثقّفين"، هو أيضاً موقف فيه الكثير من العسفِ النّاجم عن عدم شعور الدّولة، عل الأقلّ، و عدم إدراكها حاجتها إلى "الثّقافة" و "المثقّفين"، و لو إلى أولئك الذينَ لم يطرحوا أنفسهم، كمثقّفين و لا كمخلّصين، و لكنْ ربّما أنّهم يُدركون كيف يؤسّسون، على الأقلّ، للمؤسّسات الثقّافيّة المعرفيّة و المعاصرة، و التي هي البيئة الوحيدة لإنتاج هويّة ثقافيّة للدّولة و المجتمع و الأفراد السّوريين.

من طبيعة واجبات "الدّولة" أن تفترض، دائماً، أسوأ الاحتمالات في التّعامل مع "الظّواهر" الثّقافيّة و السّياسيّة و مع "المثقّفين" و "السّياسيين"..

إلّا أنّه، و بالمطلق (مرّة أخرى)، ليس من واجباتها كما أنّه ليس من حقوقها (ناهيك عن أنّها لا تستطيع) أن تعقّم التّاريخ من ضروراته، و بخاصّة، تلك التي تعترضها كحتميّات في الصّراع الإنسانيّ –الاجتماعيّ- و السّياسيّ الثّقافيّ؛ كمأ أنّها "المؤسّسة" التي يجب عليها الإحاطة بكلّ الوقائع غير العابرة، و التي من شأنها أن تؤسس لظواهر معاصرة و ضروريّة للمجتمع و الدّولة، و هذا ما لن تجده "الدّولة" خارج "الثّقافة" و خارج "المعرفة".

                                                                                                                                                                                                                                              

                                                                                                                                                                                                                              

 

 

 

 

 

   ***                                                                                                                                                                                                                                            أدناه تعقيب الأديب ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الزروق

في قلب العواصف الفكرية تثلج سلاسلك على نيران ما يحاصرنا من خرافات تنتشر في هشيم المجتمعات التي ما زالت قاصرة رغم أنها قطعت السن الشرعي و القانوني في الوصول إلى الرشد المنشود و مع ذلك لم تصل و لا يبدو أنها ستصل في المدى المنظور لا في الثقافة البنيوية و لا في البنيان الثقافي!

كنت أقرأ عن أمةٍ تصلي بالخرافة فلم أجد أقرب من خرافة الإسراء و المعراج كتعريف مكاني زماني يضرب كل مدى للروح و استغربت كيف بمن ينتصر لهكذا خرافة في التأويل أن لا ينتصر للتنين الصيني أو لكل الأساطير الإغريقية مبعث الفن و الجمال.
و لماذا من أسرى بمثقف الأوطان المقهورة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لم يبارك ما حوله بأن يجعل العقول تعرج بالتفكر و البرهان دون أن تتسمر في محراب الترهات و من هذه الترهات أو غمس المعتقدات بها ننطلق لنعرف أن البنيان الثقافي في أجساد هذه الدول متداعٍ حتى قبل أن يبنى!...

إشكالية المثقف مع الدول هي خرافة الدول نفسها في خوفها من ترسيم الحدود بينها و بينه إذا لم نقل إزالة هذه الحدود نهائياً و ما حديث ماركس عن ظلم أحادي للراسماليين أو البورجوازيين و عن ظلم مضاعف للبروليتاريا إلا دلالة على فجوة في كل بنيان إنساني لم يعرف أن الدرجات هي أصل تأسيس الكون ما بين خالق و مخلوق ليس بالمفهوم النكاحي بل بالمفهوم الإبداعي الفكري المعرفي.

و أصل قيام الأديان بما يخالف رؤية نبي توحيدي هو مؤسس الإسلام الشمولي اسمه محمد عليه صلوات محبيه عندما قال كما يروى "لا فضل لعربي على أعجمي و لا لأبيض على أسود إلا بالتقوى", "و كلكم سواسية كأسنان المشط".
و هنا نبحث في درجات القرآن و مدى إسقاطاته التأويلية و مدى انحراف المؤولين إلى جعل النص مسيساً بالأعراف الثقافية و المجتمعية التي تخشى الاستمرار المعرفي و تخشى من وصول المعرفة إلى مكان يلامس تأويل الدولة للفكر الثقافي خارج إطار المتداول..
بما يبقي هذا الثقافي لغة من لغات الجمود التي تعيد الدولة إلى المربع الأول في التضييق على المثقفين أو تصفيتهم هذا إذا ما اعتبرنا ان المثقف من لغات التأثير و التأسيس الوجودي لا من تداعيات الانهيار الهامشي.

و ما ذوبان ماكس فيبر في السياسة الألمانية إلا فرع من فروع التأويل لكن في اتجاه الرجعية المعرفية المندفعة لصالح التقدمية السياسية.
و ما يلمح إليه أو ينادي به بيير بورديو ما بين الخيانة و الوفاء ما هو بترجمة الحكام السلطويين إلا ليالي فلسفة تاريخية مستشرية لن تسقطها النزعات النورانية في نقل الحق و الحقيقة.
لأن العجز ما هو إلا لغة النقل و العنعنة سبيل المعرفية التاريخية و الاسترسال التواتري السلطوي!...

أما و قد وصلنا إلى إشكالية الدولة الوطنية السورية في فتح طاقات المعرفة لكن على غير ذوي الكفاءة و على غير ذوي الرؤى و على ذوي الأحقاد بتبني من جعلت من بعضهم ظواهر لامعة ك اصالة نصري التي لا تحسب على البنيان الثقافي بقدر ما تهد بعثه الفني الذي تنكرت له في أول هزة أتاحت لها البوح بمكنونها الحاقد.

و لا ندري هنا هل الحقد بحد ذاته هو وسيلة معرفية تدلل على ثقافة الانحطاط بالانسياق وراء كل رغبة تلوح في الأفق و كل مصلحة تطرب مكنوناتنا المنساقة وراء غرائزيتها في الشهرة و كسب المال قبل مد جسر إنساني يصل ثقافتنا بمعرفة متكاملة و يصل معرفتنا بثقافة تتيح التواصل لكن ليس ذاك التواصل الغارق بأبجدية الأحقاد أو أبجدية عدم الانتماء.

فالانتماء ليس سلعة نتداولها على هوانا كما فعل محمد فارس و همام حوت و جمال سليمان و رياض حجاب و الطيب تيزيني و صادق جلال العظم الذين لم نرد منهم الوفاء لبشار الاسد بقدر ما أردنا منهم الإيمان بتعاريف صموا آذاننا بها و تخلوا عنها عند أدنى هزة دموية لا غرض منها غير رشق الوطن بالتبعية و بإسقاط كل انتماء.

و مع ذلك ما زالت الدولة الوطنية السورية تعاني تشوهات مخلة على مستوى البناء الفكري الثقافي المعرفي و على مستوى تعريف الهوية.
عليها ان تردم فجواته ما بين رئيس ينظر إلى المستقبل البعيد و ما بين أفواجٍ من حجيج الطواف المنافقين المتهافتين حول السلطة و مكاسبها يسقطون الدولة و يجعلونها سوق خميس وطني أو سوق جمعة وقفي عند أدنى هزة تغتال الأوطان باسم الوطنية التي ضاعت نطافها في جعبة الفراغ و الخيانة و القصور.

و ما زال المثقف العارف او العارف المثقف الحقيقي تائهاً في مشاويره ما بين سجن البالونة و سجن التوبة فهل سيصل إلى مسعاه؟!

لنا الدفء بسلاسلك المنيرة دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني