كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

فادي نصّار: "أنطون مكارينكو" صاحب أرقى الطرق التربوية "قصيدة تربوية "نموذجا ً

"أنطون سيمونوفتش مكارينكو" (1888 ـ 1939) عالم التربية الروسي ويعتبر احد أعلام التربية الأكبر عبر القرنين الأخيرين, وصاحب الطريقة التربوية الجديدة والتي لم يكن لها مثيل سابقاً, طريقة أعطت نجاحات باهرة لا تكاد تصدق في ميدان إعادة تربية وتأهيل الأحداث الجانحين والأطفال "الصعبي التربية".

لم يكن مكارينكو تقليدياً مثل غيره حين اكتشف بذور نظريته التي جاءت كنتيجة لممارسات يومية طويلة أنشأ خلالها جماعة منتجة ومنظمة تنظيماً داخلياً ديمقراطياً رفيعاً، مجموعة من الشباب يتمتعون بوعي اجتماعي وأخلاقي رفيع, علما ًأن هذه المجموعة لم تكن سوى ثلة من "الأحداث الجانحين" و"الأطفال الصعبي التربية" سابقاً. وعندما تولى مكارينكو لأول مرة إدارة "إصلاحية غوركي"عام 1920 (لم يكن لديه اي نظرية جاهزة ولم يجد ما يحتاجه من معلومات مفيدة في كتب التربية, استقى مكارينكو من كمية هائلة من المطالعات حو التربية واساليبها ومن حصيلة الحوادث الواقعية التي مرت تحت ناظريه. وكان يقول بشكل دائم: انه لايحتاج إلى صيغ كئيبة لا يمكن الأستفادة منها في العمل, بل أحتاج إلى تحليل فوري مباشر وعمل فوري مباشر.

"قصيدة تربوية"

مؤلفه الأشهر والاضخم والذي يعتبر تلخيصا ًلتجربته العملية في إصلاحية غوركي الفقيرة وهي التجربة التي بلورت أفكاره التربوية,التي احدثت ثورة في عالم التربية والتعليم، يتحدث فيه و بأسلوب أدبي ممتع. عن كل التجارب مع تلك المجموعة من اليافعين السوفييت ذوي المزاج الصعب الذي انضموا الى فريق عمله، في اصلاحية كانت في فترة ماقبل ثورة 1917 معتقلاً للجانحين القاصرين ثم أُغلق بعد ذلك وظل مكاناً خرباً. في سياق الرواية يخوض مكارينكو نضالاً شاقاً مع الخلية الاولى للعمل فيجد صعوبة كبيرة في ضبطهم وهم في الاصل عبارة عن مجموعة شواذ من اللصوص، ولكن بعد سنة تحولت جهود الاستاذ انطون الى ثمار يانعة حيث صنع من خلية اللصوص القدماء مناضلون ضد العصابات اللصوصية، وضد التجاوزات على القانون التي كان يقوم بها الفلاحون بقطع أشجار الغابة "هذا النضال المليء بالمصلحة والنظام العملي الصرف" ادى في النهاية الى تطور الاصلاحية بوسائل وطبيعة انتاجها واسلوبه والانتقال بها من مجتمع مستهلك الى مجتمع منتج و من زراعي الى صناعي وان بالشكل البسيط جدا.وعمل مكارينكو بجد من اجل القضاء على اساليب العنف المتبادل بين السكان، وحارب قضية الشرب المفرط للكحول وعمل على محاربة القمار، وادخل فكرة أن المطالعة ممتعة واصبح التلاميذ الذين كانوا فيما مضى لصوصاً يستمعون إلى قراءة أحدهم ويعلقون على أحداث القصة وقد شغفوا خصوصاً بكتابات مكسيم غوركي, ربما لأن حياة غوركي في الطفولة التي عرضها في بعض مؤلفاته كانت تمت بصلة إلى طفولتهم هم.وربما من هنا تم اختار اسم غوركي للاصلاحية المذكورة انفاً.

ويرى مكارينكو أن "السبب الرئيسي في التغيير الجذري الذي حصل في الاصلاحية انما يكمن بشكل أكيد في العمل مع الجماعة باسلوب الندية بين المدير والأحداث (وهي علاقة تبدو في البلاد العربية مستحيلة!)

اتبع مكارينكوفي إسلوب ديمقراطي متطور جدا حيث جعل الجميع يشارك في إدارة الموارد الموجودة على قلتها، وقام بعمليات اقتراع سرية وشكل مجالس من القادة تولت الإدارة الداخلية للإصلاحية. وفي ظل هذا المجتمع المتطور حقق مكارينكو هدفه الصعب. لم يكن هدفه "إصلاح السلوك" وحسب قائلا ً: "بالنسبة لنا قلما كان لنا شأن في "إصلاح السلوك", وإنما كان علينا أن نعيد التربية لمعنى السمو بها بحيث ليس فقط لا يكون خطراً على المجتمع فحسب بل ينبغي له أن يصبح مواطناً فعالاً".

مفاهيم تربوية

لقد عمق مكارينكو "مفهوم" الجماعة واهتم بـ"شكلها" تعرض للنقد على ذلك من رؤساؤه في دوائر التربية (وكان يرد عليهم ضيق أفقهم وتمسكهم بمقولات وصيغ محفوظة جامدة معزولة عن الحياة) وركز في روايته على مفاهيم أخرى نذكر منها:

تقنيات الانضباط

الانضباط من وجهة نظر مكارينكو ليس وسيلة تربوية بل هدف يتحول بعدها إلى وسيلة" ويذكر أن مكارينكو كان يدافع عن ضرورة العقاب أحياناً ولكنه يرى أن العقاب المطلوب من نوع جديد حيث كان يدعو الى عقاب لا يتسبب بالالم؟ وسار فيما بعد على مبدأ يبدو غريباً وهو مبدأ "العقوبة للجيدين", معاقبة الجيدين أول الأمر ثم يأتي دور السيئين في النهاية أو لا يعاقبهم على الإطلاق "وحين تعرف الجماعة بأن الجيدين من بينها يتعرضون للمحاسبة قبل غيرهم, حينئذ يكتسب العقاب مسحة سوفييتية حقاً العمل: يقول مكارينكو: «إنّ العمل بوصفه وسيلة تربوية، ممكن كجزء من المنظومة العامة، ولكن ما لم يكن إلى جانب التعليم، وإلى جانب التربية السياسية والاجتماعية، فسيكون بلا فائدة تربوية».

اللعب: يربط مكارينكو بين اللعب والعمل، فيرى أنّ اللعب بالنسبة إلى الطفل كالعمل بالنسبة إلى الكبير، إذ يكتسب الطفل كثيراً من الخبرات والمهارات التي ترافقه مدى حياته.

الحب يحتاج الى التنظيم

اهتم مكارينكو بالحياة الجنسية والعلاقات الغرامية لطلابه حيث يقول "لقد انتهيت إلى الاقتناع بأن الحب ليس إلهاماً روحياً, كما أنه ليس وليد الصدفة والصدفة غير السعيدة, بل إنه أمر عادي يحتاج إلى التنظيم. ولهذا فإنكم بتربيتكم منظمين جيدين إنما تربون محبين جيدين. فالمقدرة على تنظيم السلوك يؤثر أيضاً من ناحية الحب. فالمآسي الكبرى تنتج عن الإحساس بعدم المسؤولية" لقد رأى أن الهدف الاول من التربية عموما ً لم يكن فقط تحويل الحدث إلى شخص صالح وكفى. وإنما تحويله إلى بروليتاري يمتلك وعياً سياسياً إجتماعياً رفيعاً. تعتبر نظرية ماكارينكو بمثابة بلورة حقيقية للممارسة التربوية القيادية في إصلاحية غوركي (من 1920 إلى 1928) وينظر العالم كله الى هذا المربي الروسي على أنه صاحب "طريقة تربوية" قبل أن يكون صاحب "نظرية تربوية".

تعتبر رواية "قصيدة تربوية" من اروع وامتع الكتب التي تحدثت عن تجارب تربوية مع اطفال صعبي المراس، حيث كتب عن احداث واقعية جرت في الاصلاحية التي تركها في عام 1928 وفي عام 1934، قُبِل مكارينكو عضواً في اتحاد الكتّاب السوڤييت، حتى وافته المنيّة عام 1939وهو في أوج العطاء التربوي والاجتماعي.

 

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود