كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: خرافة المجتمع... و التاريخ.. خرافة "الثّقافة" المجتمعيّة.. و استحالاتها في "السّياسة"

[الحلقة الخامسة والأربعون “45“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي" عن]:

{خرافة المجتمع... و التاريخ}

(خرافة "الثّقافة" المجتمعيّة.. و استحالاتها في "السّياسة" و في "الخطاب" السّياسيّ)

* د. بهجت سليمان

وجَدْنَا في وقتٍ سابق من الحديث كيف تُبدي "المؤسّسة" الاجتماعيّة (أو بالأحرى المجتمعيّة) "المحدوديّة" في "المقول"، و كيف تستهلك "الجملة" بصمت، و كيف تستثمر "الثّقافة" في "المؤسّسة"، و كيف، تجعل من نفسها، ذاتها، "نُواةً" لخطابها السّياسيّ في "العبارة" العابرة للمكان و الزّمان.

و لقد تمكّن "النّصّ" الثّقافيّ، بمختلف أنواعه و أشكاله، من تصدير "المقول" أو "المعمول به" و جعله جسراً للمؤسّسة من أجل قيامها بإنتاج "الخطاب" الذي استطاع في كثير من الظّروف التّفوّق على "قوّة" الدّولة.

في هذه العلاقة المعقّدة، تتراكبُ جملة من المعطيات القادمة من الماضي و المدوّرة و المكرّرة في الحاضر، و هي تتبنّى نمطاً خرافيّاً من المحفوظات و الثّقافات و المعتقدات، و تدرك، في الوقت عينه، أهمّيّة ذلك من جهة أنّ للخرافة الاجتماعيّة و السّياسيّة "قوّة" لا يُبليها الزّمان و المكانُ..
طالما أنّهما يُحافظان ، و يستطيعان الحفاظ ، على بنية اجتماعيّة راكدة و مستنقعيّة، تنمو فيها كلّ الوسائط المستحضِرة للمقاطع التّاريخيّة العمليّة و الخاصّة، التي تستعملها النّصوص الرّجعيّة المعاصرة في إنتاج "خطابها"، بحيويّة و مضمونيّة، بما في ذلك المعتقد و السّلوك و مبادئ السّلوك و شبكة "الأخلاق" الغادرة للاجتماع.

أعني بالخرافة، هنا، كلّ "معقوليّة" تمكّنت من ممارسة أدواتها ضدّ "العقلانيّة"، و كلّ "مشروعيّة" استطاعت أن تتحدّى "الشّرعيّة"، و بخاصّة من جهة تفشّي "خطاب العنف" و الانعزاليّة و الجريمة و الخيانة الصّريحة، بمختلف حقائقه التي تتجاوز "الظّاهرة" في ما وراء الممارسات وصولاً إلى "الغيبيّات" الاعتقاديّة المجتمعيّة التي تمأسَسَتْ في الثّوابت العمليّة ذات البطانة الأخلاقيّة المحصّنة بالتّقديس.

و على هذا الأساس، نحن يمكننا أن نصادف هذه "الخرافة" في كلّ الحقول الاجتماعيّة التي تنوي أن تكون، و تستطيع أن تكون، فضاءات لِ"الدّولة" نفسها عندما تتحصّن، و قد تحصّنتْ.. في خطاب المؤسّسات المؤلِّفةِ للشّرعيّة التي تعوّل عليها "الدّولة"، في مختلف المناسبات و المؤسّسات الوظيفيّة المختلفة كما في المؤسّسات الأكثر صُنفيّةً و تمايزاً، و أعني ما تُسمّى بالسّلطات الأساسيّة الثلاث، للدّولة، و لو أنّنا علينا أن نضيف إليها، هنا، أيضاً، تلك الوظيفة المسمّاة "السّلطة الرّابعة" المتمثّلة بالإعلام.

بالنّسبة إلينا، لم تشكّل "الحرب" مفاجأة لأيّ منطق عقلانيّ نقديّ ينظرُ من خلال الفقه الاستراتيجيّ، إلى تاريخ يُحَوصَلُ في واقعٍ كثيفٍ، كان أَوْلَى بهذا التّاريخ و هذا الواقع أن يُنظرَ إليهما بجدّيّة في قراءة الهندسة البنائيّة للمجتمع، و من دون أن يوضع هذا المجتمع في قفص الاتّهام..

و أما و قد حلّت "الحرب" و تعرّت أدواتها الاجتماعيّة و السّياسيّة و أهدافها و آلاتها أمام أكثر العقول تواضعاً و سذاجةً، فإنّ على "النّظريّة"، و لكي تكون نقديّة، حقّاً، أن تضع، اليومَ، المجتمع كلّه في خانة المساءلة، إذ لطالما يتّضح باستمرار أنّ هذا المجتمع يتشاطر، بأهمّ استراتيجيّاته الكامنة و المُمارَسَة، مع هذه "الحرب" الاعتماد المتبادل في علاقات اقتصاد و تبادل منفعة الجريمة و التّخريب و "الدّمار"..

شكّلت نتائجُ الحداثة العالميّة تفاوتاً شديداً في مفهوم "الإنسانيّة" عندما مُورِسَ هذا المفهوم بانتقائيّة شاهدة على التّمييز السّياسيّ الذي مارسته و تمارسه الدّول التي نشأ "المفهوم" نفسه في مجتمعاتها، فمارسته ممارسات لا متكافئة مع الشّعوب و المجتمعات الأخرى في منظومة دوليّة "إخضاعيّة" و مُذلّة..
و لكنّ تجاهل "محميّات" الحداثة العالميّة للأمم الأخرى و منع شعوبها و مجتمعاتها، من تحقيق حرّيّات اختيار الاندماج في نظام العالم الحداثيّ منذ نهايات القرن الثّامن عشر و حتّى اليوم، و فقدان الدّول الهامشيّة و مجتمعاتها للثّقة باليقين البشريّ الذي قالته "الحداثة"..
لا يعني أن تخرج المجتمعات المهزومة من التّاريخ بالعودة إلى ما قبل التّاريخ..؛ إذ لا يشكّل هذا الواقع الحقيقيّ أيّ عذرٍ للنّظريّة السّياسيّة في انسحابها من المشهد السّياسيّ الماثل في أفق مجتمعاتها كحقيقة يجب أن تكون واقعيّة أيضاً..
كما أنّ مقاومة التّقاليد للتطّور الثّقافيّ التي تُبديها المجاميع الاجتماعيّة في "الدّول التّجريبيّة".. التي لم تضع قدمها، بعد، على طريق العالم، يجب ألّا يشكّل مناسبة لإدّعاء التّعذّر أو استحالة الوجود.

إنّ المشروع الوجوديّ للدّولة، و مهما كان يأتلف على مجتمعات أو أسس واقعيّة بائسة، هو، بحدّ ذاته، مطلبٌ اجتماعيّ، أوّلاً، و لو لم يقله "المجتمع" أو لم يعرف كيف يقوله، للتّأسيس لوعي ثقافيّ عامّ و بديل يؤهّل "الاجتماعيّ" لِ"السّياسيّ" المعاصر و العالميّ.

و حيث، في السّياق، يظهر ذلك الّلاتكافؤ بين التّقليد الاجتماعيّ، أو المجتمعيّ، و بين التّقليد السّياسيّ الذي تصنعه "الدّولة"؛ تبرز المشكلة الأصليّة في أنّها، في رأينا، تكمن في السّؤال على ما إذا كانت "الدّولة"، أوّلاً، تمتلك تقليدها السّياسيّ "المتجاوِز" أم لم تمتلكه، بعد..!؟

إذ منالملاحظ أنّ "تصديق" الدّولة، في الممارسة، على "النّصوص" الاجتماعيّة التّقليديّة الخالقة للواقع المؤسّسيّ الاجتماعيّ السّميك، هو ما يجعل "الدّولة" تدخل، مختارة، في التّشكيلة الخطابيّة للنّسق الاجتماعيّ الأكثر سطوة و الأكثر تخلّفاً أيضاً.

لقد اشتعلت حداثةُ العالم في القرن الواحد و العشرين في نظام للفوضى، دقيق و متين، إلى درجة جعلت من الثّقافات الاجتماعيّة العنيفة و الرّاكدة، تُعيد تكريرَ المجتمعات في الأنساق ذاتها، تلك التي جعلت منها مجتمعاتٍ ما قبل حداثيّة؛

و لقد مورست هذه الجبريّات السّياسيّة العالميّة، الصّادرة عن القوى المُحرِّكة، في طقوسٍ و "نظريّات" و "إعلام"، جعلت من مفهوم "الدّولة"، نفسه، واقعاً ملتبسَاً، مكّنت، معه، "عقل الدّمية" الاجتماعيّ.. من أن يصنع له تحدّياتٍ سياسيّة، في "الاجتماعيّ" و "الثّقافيّ"، في معقوليّات تتحدّى عقلانيّات "الدّولة"، و تجعل من شرعيّتها، نفسها، محلّ "السّؤال الاجتماعيّ" المزيّف القائم على المساءلة التّاريخانيّة الهوجاء و التي لا يُشرّعها "العقل"، و هو الواقع الذي أصبح تهديداً لمشروع "المُتّحد الاجتماعيّ" كما للكيان السّياسيّ للدّولة، بالذّات.

تجاوزَ التّاريخُ مفهومَ "الثّنائيّات" (و لقد كنّا بحَثْنا هذا مفصّلاً، في أحاديث سابقة)، فلم تعد المسألة مندرجة في قالب "الخير" و "الشّر"، و إنّما تعدّتها إلى البحث، من جديد، في طبيعة الخير و الشّرّ في الجذور الثّقافيّة، نفسها، و في الطّيفِ الشّاسع و الغادرِ ما بينهما، و في خلع "الإشكاليّة"على أكثر البديهيّات مصادَرَةً للتّفكير.

و تُثبتُ بعض "المخلوقات"، في بعض الظّروف كظرف "الحرب على سورية ".. مثلاً، أنّه حتّى مفهوم "الإنسان" و "المجتمع" و ما إلى ذلك، إنّما هي مفاهيم ليست على هذه الدّرجة من توهّمنا للبداهة و الوضوح.

الذي يُخشَى، اليومَ، في العالم، مع كلّ اتّجاهات "العولمة" المزعومة، فعلاً، هو تناهي مفهوم "الاجتماع"، نفسه، إلى كَومَاتٍ من الخليقة يتراءى لها، وحدها، أنّها تدخل في "علاقات" اجتماعيّة أو إنسانيّة، فيما هي تنسج حولها شباك العناكبِ في رطوبة العزلة و الانعزاليّة التي تتقاسمُ فضاء الوهم المتنامي في الأفكار و المعتقدات، التي يضمحلُّ فيها أصحابها باطّراد؛

و من المرجّح أن تكون قسمة "التّجمّعات" الكائنيّة، هذه، أشدَّ صرامةً و وحشيّةً و جرثوميّةً، في "المجتمعات" التي لم تُدرج، بعد، على قائمة البشريّة..، كما هو الحال مع بعض أطراف "مجتمعنا السّوريّ" السّاذج، في بعض أرقى إبداعاته..، و المنتفخ في أورام سرطانيّة أو في فقاعات من غازات ضارّة و أفكار سامّة.

يدخل مجتمعُنا، و منذ زمنٍ سحيق، في دوّامة ثقافة "التّعريفات" و "الحدود" المفصليّة و الثّنائيّات الحاسمة، هذه "الثّقافة" التي تدخل بدورها في انقسامات على "الحقيقة" المزعومة، هذه "الحقيقة" التي تنفتح، أخيراً، على خواءٍ أو فراغ يلتهم القيم في طريقه إلى الجريمة، أو أنّه يجري بحريّة حمقاء في اعتقاده بِدِينيّةِ "الجريمة" بحثاً عن "القيم" و "الأخلاق"!

لم يسبق أحدٌ فلاسفةَ اليونان، و بخاصّة منهم (افلاطون)، في إرساء نظريّة عقلانيّة، في مؤدّاها، على المجتمع و الدّولة.

إنّ القطع المعرفيّ (الفلسفيّ) التّاريخيّ مع "الخرافة" و الخلاص من كلّ ما هو خرافيّ في الثّقافة و السّياسة و المجتمع، هو ما قامت عليه الرّيادة الفكريّة العقلانيّة اليونانيّة، و هكذا، كان على الأمم القادمة و المجتمعات المقبلة أن تعمل في إطار معطيات تلك "العقلانيّة" المبكّرة في التّاريخ، بعد أن قدّمت تلك "العقلانيّة" نظريّة متكاملة في "الحرّيّة" و "المعرفة" السّياسيّة الواقعيّة، و لا يُدهش العقل إذا عرف أنّ (أوربّا) لم تتجاوز غيبوبتها الثّقافيّة إلّا عندما بدأت "نهضتها" تؤسّس على التّاريخ المعرفيّ السّياسيّ اليونانيّ العريق..

لهذا فإنّنا نرى أنّ "النّظريّة" النّقديّة قديمةٌ في "العقلانيّة" و لو أنّنا نُدهشُ، نحن، إلى اليوم، من غربة ثقافتنا عنها و من كلّ هذا الاستهتار "السّياسيّ" بنقد "الاجتماعيّ" و "الثّقافيّ" الخرافيين.

و على رغم جسامة فكرةِ أنّ "السّلطة" هي دائماً رهانٌ متوتّرٌ بين "الدّولة" و "المجتمع"، فإنّ ثمّة هزالة تصدمنا عندما يراهن "المجتمع" على ممارسة "السّلطة" بواسطة أدوات غير واقعيّة و غير عقلانيّة، مستمدّة من خزّان الخرافة التّاريخيّ الذي يسكن فوقه مجتمعنا السّوريّ.

لقد أوعزت هذه "الحرب" إلى جميع جنودها الخفيين في طبقات الثّقافة السّوريّة المترسّبة كالصّخر الرّسوبيّ في الوعي الجمعيّ، بأمرها، لاستعادة "معقوليّة" واقعيّة من أقربِ الكلمات المتحفّزة لإنعاش خطابها الثّأريّ، العنصريّ، الخرافيّ، و لقد استطاعت ذلك في غضون "إشارات" ضئيلة و "صلوات" استسقاءٍ دمويّة.. قليلة كانت كافية لإحداث هذه المذبحة.

بوجه عام، ُتشكّل كلّ حرب، ذات طابع اجتماعيّ، مناسبةً أو مناسباتٍ للفكر السّياسيّ التّحليليّ، و بخاصّة منه ذلك الجزء المتعلّق بالدّولة أو ما يخصّ الدّولة أو ما يجب أن يكون شاغلاً للدّولة، و ذلك في سياق تحليل الدّافع الإنسانيّ أو الدّوافع الاجتماعيّة للحرب (أو للحروب)، أو الأثر الاجتماعيّ الذي تخلّفه الحرب.

و من جهة واضحة جدّاً، فإنّ تحليل "المجتمع" و تحليل الثّقافة الاجتماعيّة، كلّاً منهما، طريق مباشر إلى تحليل البنية الفكريّة السّياسيّة للدّولة بوصفها ناتج الثّقافة الاجتماعيّة السّياسيّة في المؤسّسة (المؤسّسات)، و هي ما يُقال عليه تحليل "النّصّ" الثّقافيّ في "الخطاب" السّياسيّ الذي تعتمده الدّولة كخطاب مستحيل، من أصل واقعيّ و عمليّ في كثافة المفهوم الاجتماعيّ و قد تجلّى و ظهر في صيغته الخطابيّة السّياسيّة النّاجزة في الدّولة.

و إذا كان هذا حقّاً، أو حقيقة، فإنّ المهمّة الملقاة على الفكر، و على عكس جميع التّصوّرات، هي مهمّة شاقّة و شاقّة جدّاً عندما يكون هدفها أو من أهدافها الحكم على "الاجتماعيّ" الذي تبخّر بحرارته الشّديدة.. فتكاثف و تقطّر في أروقة مناخ برودة "السّياسيّ"؛

و لكن من غير الممكن أن يُقرأ "الاجتماعيّ" في السّياسيّ"، ما لم تجرِ قراءته، أوّلاً، في ذاته، بوصفه كياناً له حيّز و حقل، و ذلك قبل أن يكون له ذلك "الفضاء" السّياسيّ في "الدّولة"؛

و عندما يتمكّن "الفكر" السّياسيّ، النّقديّ، التّحليليّ، من اكتشاف تلك التّحوّليّة الخطابيّة (والاستحالة الخطابيّة في الأثر السّياسيّ) التي شقّت طريقها من "الاجتماعيّ" (الثّقافيّ) إلى "السّياسيّ"، فإنّه في هذا الوقت، بالضّبط، يمكن للفكر التّقدّم في "النّظريّة" نحو البحث المستقلّ في "السّياسيّ" المؤسّسيّ، كأثرٍ بنيويّ "مستقلّ"، نسبيّاً، و من أجل الضّرورة النّظريّة النّقديّة، في "الدّولة"، و ذلك لكي يكون ممكناً الحديث على نظريّة في "الدّولة"، بما هي الدّولة ذلك الخطاب السّياسيّ، الذي يختزل الاجتماعيّ و التّاريخيّ في ذاته و لذاته و من أجل ذاته.

و على هذا، سيجري بنا الحديث، الآن، على مرّتين:

الأولى: و هي قراءة "الخرافة" الثّقافيّة، النّصّيّة، الاجتماعيّة، السّياسيّة، في البنية التّحتيّة المصدّرة للخطاب الاجتماعيّ- السّياسيّ..

و الثّانية: و هي قراءة الأسطورة في "الدّولة"، و ذلك من جانبين:

أوّلاً، من حيث أنّ "الدّولة" قوّة فوق واقعيّة، أو خارقة للواقع بالخطاب السّياديّ، و أي في "أسطوريّة" قوّة "الدّولة"..

و ثانياً، من حيث أنّ "أسطرة" الدّولة كمفهوم، إنّما هي توهّميّة أسطوريّة ينبغي عليها أن تستعيد ذاتها في قراءة متأنّيةٍ، تأخذ الواقع مأخذاً أكثر واقعيّةً و أكثر جدّيّة و أكثر مسؤوليّة.

و بشكل طبيعيّ و ضروريّ، و لعدم الإخلال بالإيضاح و الوضوح، سنتحدّث، هذه المرّة، على "المجتمع" بوصفه "خرافة" ثقافيّة، واقعيّة و حقيقيّة، و ذلك في معايير "النّصّ" الثّقافيّ و استحالاته "السّلطويّة" كرهانٍ لا يُلقي سلاحه.. و يُريد أن يكون آبداً في "الخطاب" السّياسيّ بواسطة مؤسّسة "الدّولة"؛

و على أن نترك، إلى المرّة المقبلة، الحديث على "أسطرة" الدّولة و "أسطوريّتها" المحلّقة في "واقعٍ" مانع.. و منيع!

تعوّدنا في أحاديث سابقة على أن نقول للقارئ إنّ "الواقع" هو شيءٌ مختَلَف على تحديده، كجميع "المفاهيم" الدّاخلة في "النّظريّات" و المكوّنة لمشروع التّفكير، و ذلك من منطلق جدّيّ يتعلّق بإطار الفكرة المطروحة أو بمشاغل النّظريّة التي تتفاوت بين الكتابة و القراءة، و بين التّفكير و الاستهلاك..

و لذلك سنحدّد، الآن، لنعتبر واقعاً كلَّ ما هو في عداد ما يُشارك في إنتاج و إنجاز الواقع الاجتماعيّ، و ذلك سواءٌ أكانَ هذا الواقع "نصّاً" أم "سلوكاً"أم "معتقداً" أم "قيمة" أم "أخلاقاً" أم "منظومة" للعلاقات أم "نسقاً" لمنظومات و علاقات و شبكات، بما في كلّ ذلك من إنتاجات ثقافيّة في الحقول و في البنى الفوقيّة المعبّرة عن مجالات و فضاءات.

و ما يُسوّغ لنا هذا الاعتبار أو هذه الاعتبارات الواسعة للمفهوم، هو حقيقة أنّ كلّ ذلك يشترك في مُخرَجَات المواقف و الأفعال، انطلاقاً، إذاً، من معطيات حقيقيّة قلنا إنها "الواقع"..
إنّه ليس أدلَّ على "واقعيّة" اعتباراتنا، أكثرُ ممّا عشنا و شاهدنا و عانينا من "منجزات" هذه "الحرب" في أصولها و فروعها و حقائقها، في المقتنيات و الأسباب و الأداء و النّتائج و الآثار.

لا تنقطع الخرافات الاجتماعيّة التّاريخيّة أو تتجزّأ، فهي سلسلة ثقافيّة و سياسيّة و أخلاقيّة و شعوريّة واحدة..
و على أنّ "الخرافات" الثّقافيّة "النّصّيّة"، هي كثيرة في مساهماتها لتغذية "الخطاب" الاجتماعيّ – السّياسيّ الذي يؤمّن لها، حتّى اليوم، و يضمن، "معقوليّتها" في "المشروعيّات" الطّائلة؛ فإنّنا سنتوقف، فقط، و لأسباب المناسبة، عند تلك الخرافات التي تحميها "الدّولة"، حصراً، سواءٌ بواسطة تجاهلها لها أو بواسطة جهلها لها أو بواسطة عدم انفكاك "السّياسيّ" - السّياديّ عن السّياسيّ – الاجتماعيّ، ما يجعل التّضامنيّة الخطابيّة في البنية الفوقيّة للدّولة جزءاً من مشروع اتّصال دائم، في تبادل مكوّنات الخرافة مع خطاب السّيادة الذي يُرتهنُ للماضي و الحاضر و يتردّد في ولوج فكرة المستقبل.

إنّ أوّل خرافة علينا أن نتخلّص منها، الآن، إنّما هي خرافة "الثورة" و "الحرّيّة"..، إلخ؛ على اعتبار أنّ كلّاً منهما لا تتحقّقان في العدائيّة المباشرة التي تجسّدتا بها، في هذه الحرب، ضدّ "المجتمع" أوّلاً، قبل أن تكون هذه العدائيّة ضدّ "الدّولة"؛ و هذا ما سنؤجّل فيه الحديث بخصوص تماسك "خطاب" الدّولة في "العمل" الحكوميّ، بما في ذلك نقدنا لهذا و ذاك، إلى حين حديثنا على "أسطورة" الدّولة على الشّكل الذي أوضحناه، أعلاه.

تتّصل دعوتي، هذه، بحقيقة أنّ هذه "الخرافة" التي صنعها أولئكَ المشعوذون المنحرفون، "الثّوّار"..، قد لاقت إلى الكثير من مجاميع هذا "المجتمع" طريقاً مُعبّداً بالجاهزيّة و التّلقائيّة التي جعلت من تلك "الخرافة"، عند الكثيرين..، "حقيقة" واقعيّة عمل على تصديقها وحوشٌ و خونة و حمقى، هم أيضاً كثيرون.
لقد أبدى لنا "المجتمع السّوريّ"(!) تحدّياً هائلاً، في ما أبداه قسمٌ كبيرٌ منه،… من لا عقلانيّة تعتمد مجموعة من "المعقوليّات"..
و إذا كان لنا أن ننقدَ هذا "المجتمع"، عقلانيّاً، يجب أن يتوجّه النّقد، أصلاً و فرعاً، إلى تلك "المعقوليّات" بواسطة نظريّة أو نظريّات لا يستطيع أحدٌ الادّعاء بأنّه يمتلك جميع مفاتيحها، و لكنّنا نستطيع، و بالتّأكيد، أن نضع لها الخطاطات الأولى في المفاهيم.

تتمتّع "الخرافة" الثّقافيّة في "المجتمع" بحصانةٍ اجتماعيّة منسوبة إلى "المقّدس" أوّلاً؛ ثمّ، ثانياً، إلى "الإنسانيّ" و "العاطفيّ" و "الجماهيريّ" العريض؛
فإذا أردنا أن نواجه "خرافات" المجتمع، فما علينا إلّا أن نقوم بنقد "الدّينيّ" في أثره الثّقافيّ بوصفه أصبح أثراً مقدّساً، هو الآخر، و لكنْ مزيّفاً يتنافى مع الإيمانيّات و العبادات الأصليّة؛ ثم أن نقوم بنقد "الإنسانيّ" بوصفه زَيفاً حيوانيّاً مسعوراً و قد ارتدى جِبّة البشر.

إنّ نَقْدَنا للخرافة الثّقافيّة الاجتماعيّة ينطلق من طبيعة "الواقع" نفسه، ذلك الذي تعمل "الخرافة" الثّقافيّة على تحويره اجتماعيّاً لإنتاج "النّصّ"، بمفهومه الشّامل الذي اعتمدناه، و ذلك سعياً وراء تصدير الخطاب السّياسيّ إلى فضاء "الدّولة" في "المؤسّسات" الخطابيّة الفاعلة.

غالباً ما تتجاهل "النّظريّة" السّائدة، على "الثّقافة" و "الاجتماع" و "السّياسة"، و هذا بشكل خاصّ، موضوعةَ المفارقة الكبيرة بين "الوجود" كوجود ("الواقع الكلّيّ")، و بين "كيفيّات" هذا "الوجود" ("الواقع التّحليليّ")؛

و إنّه يمكننا، أيضاً، صياغة هذه "الملموسيّة" بتجريد فلسفيّ، فنقول إنّ الجهل الذي تسلكه "الثّقافة"، و بخاصّة منها السّياسيّة، و التي توزّع في "المجتمع" توزيعاً منظّماً بواسطة العاطفة الشّاسعة و القصد الكاسح، لا تدرك، معه، أو أنّها لا تريد أن تدركَ، مع واجبها الفكريّ التّاريخيّ و الأخلاقيّ في أن تُدرك، ذلك الفرق الواقعيّ الجوهريّ بين "الأونتولوجيا: علم الوجود "كنظريّة على حالة من حالات "الوجود" (مثلاً، هنالك شيءٌ ما)..، و بين "الإبستمولوجيا: نظرية المعرفة، أو علم المعرفيّات" كنظريّة على كيفيّة هذا "الوجود" (مثلاً، كيف وجد أو كيف يوجد هذا الشّيء).

تتحدّد الوقائع و الظّواهر و المعتقدات الخرافيّة التي نسلكها أو نعايشها، بمرجعيّاتها الثّقافيّة، أولاً؛ ثم، ثانياً، بتوفّر الظّروف و الشّروط الخارجيّة التي تجعل منها وسطاً للعمل أو أدوات للممارسة. و باختصار فإنّ البيئة هي التي توفّر لثقافتنا الاستمراريّة و التّحوّل و التّزمّن و المكوث..
يحصل هذا بشكلٍ منظوميّ، اجتماعيّاً، بمعنى أنّ "العلامات" التي يجب أن تخضع للنّقد هي ليست، و حسب، موجودة في الأفراد، بقدر ما هي توجد، جذريّاً، في النّسق الاجتماعيّ لعلاقات هؤلاء؛ و هذا ما يحتّم على "النّظريّة" أن تسلك، أيضاً، سلوكاً اجتماعيّاً في التّأثير و أعني بواسطة "المؤسّسة".

إنّ ما يجعل الخرافة الثّقافيّة بمعناها الواسع (كأن تكون معتقداً أو فكرة أو موقفاً عاطفيّاً أو طريقة في التّعاطي مع "الآخر" أو عداءً لفكرة أو مؤسّسة.. إلخ) تقاوم الانحلال في التّحوّلات التّاريخيّة، إنّما هو واقع أنّها تتمأسس على أرض صلبة في مؤسّسات اجتماعيّة متينة و مقاومة (كأن تكون الأسرة أو الجماعة أو العصابة أو الحزب.. أو "المفهوم" الاجتماعيّ المضلّل و الواسع..) لها أهداف "سياسيّة" (أهليّة)، أمام غياب المؤسّسة الاجتماعيّة "المدنيّة" (التي تتأسّس على مفاهيم غير أهليّة) و غياب المؤسّسة "السّياسيّة" النّوعيّة التي عليها أن تقود التّغيير.

و يمكن لنا أن نستوعب، بسرعة، أنّ ما استقرّ و تعمّق و تكرّس في أوقات "السّلم"، سوف يؤدّي وظيفته، ببساطة، في "الحرب"، نظراً لإمكانيّة "الحرب" على إثارة الشّحنة العاطفيّة و النّفسيّة التي يحتاجها الهياج البدائيّ ليؤجّج فوضى الوجدان و الوجود.

و نلاحظ، على ما تقدّمنا به من "مثال"، كيف انطلقنا من "الوجود" (في السّلم) إلى "إحدى كيفيّاته"، فقط، (في الحرب)؛ و عليه نستطيع أن نقيس مجمل المظاهر الوجوديّة الثّقافيّة في الأحوال "العاديّة" و "الطبيعيّة"، في تحوّلاتها "الكيفيّة" في الأحوال الاستثنائيّة..
هنا نحن ننطلق من "الأونطولوجيا" إلى "الإبستمولوجيا"، مع اعتقادنا أن التّصنيف الذي نعمل عليه ليس تصنيفاً نهائيّاً أو وحيداً في الأسباب و النّتائج.

و إذا كانت "النّظريّة" النّقديّة قد جهلت أو تجاهلت هذه المضمونيّة المفاهيميّة – المجتمعيّة العمليّة، فإنّها قد عملت على ذلك بمؤازرة "المؤسّسة" السّياسيّة في "الدّولة"، و التي كان عليها هي، في الأصل، أن تتولّى هذه المهمّة في "المؤسّسة".

ربّما نبدو مُتَطَلِّبِينَ "كثيراً" في هذا التّصوّر العمليّ على مهمّات "الدّولة" في "المؤسّسة"، لولا أنّ شرعيّة السّيادة، نفسها، تشترط كفاياتها.. الضّروريّة، لمأسسة المجتمع، في الطّموح الكبير لضمان "الاجتماع" في "السّياسة" و هو ما يُسمّى، أيضاً، ضمان "السّياسة" في "السّيادة" و هو كذلك، بالضّبط، ضمان "السّيادة" في "الدّولة" و "المؤسّسة السّياسيّة".

تُقَصّر "الدّولة" في مواجهة تأبيد "الخرافة" المؤدّية إلى "الجريمة"، بتجاهلها مؤسّسات "الثّقافة" الأهليّة – الدّينيّة فيما هي هذه "المؤسّسات" تتجاوز "المجتمع الأهليّ" (العادات و المعتقدات و النّظاميّات و التّنظيمات الخاصّة) إلى "المجتمع المدنيّ" (المنظّمات و التَّجَمُّعات المُمَأسسة اجتماعيّاً بشكل عابر للجماعات المحليّة، و العصبويّات السّياسيّة على جذرٍ قبليّ و عنصريّ) و من ثمّ إلى "المجتمع السّياسيّ" (الدّولة في المؤسّسات المختلفة)؛

كما تبدو إسهاماتها صريحة في قابليّاتها لنفاذ "المجتمعيّ السّائل" في جدران "المؤسّسات السّياسيّة" السّياديّة، و في قلب هذه "المؤسّسات"، و ذلك عندما تُمَكِّنُ، هي، "الدّولة"، الخطابَ الاجتماعيّ – السّياسيّ (الأهليّ) من السّطوع الثّقافيّ المتحوّل في الخطاب السّياسيّ السّياديّ، لتبدو معه "الدّولة" أنّها تتبنّى ما تتبنّاه الجماعات المنغلقة في ثقافتها الانغلاقيّة التي أسّست للخطاب الثّقافيّ المعاكس لخطاب الدّولة السّياسيّ.

ربّ قائلٍ، هنا، إنّ المسالة مترابطة بتعقيدٍ كبيرٍ في "السّببيّات" المختلفة لتراجع "الدّولة" أمام مدّ "الثّقافيّ" (الأهليّ)؛ و هنا لن يعدو جوابنا أن يكون أنّه ما من صعوبات عمليّة "حقيقيّة" أمام "شرعيّات" الدّولة السّياسيّة؛ ذلك لأنّ الممارسات و المؤسّسات الثّقافيّة المنغلقة، إنّما هي "مؤسّسات" قابلة للإحصاء بقدرة "الدّولة" على جعلها "مؤسّسات" بصفاتها الحقيقيّة، و أي بما هي "محلّيّة" و محدودة الفعل و الانتشار و السّطوع.

إنّ المشكلة، أنّ المفارقة، تكمن في ذاتيّة محدوديّة السّطوع الذي تملكه المؤسّسة الاجتماعيّة "الخاصّة" و "الشّخصيّة" في أفكار الثّقافة الأهليّة، في نصوصها المحدّدة أصلاً في القابليّات التّاريخيّة و الحضاريّة و العالميّةالمحدودة.. من جهة؛ و من جهة أخرى، في تحوّلاتها "الشّرعيّة" السّياسيّة السّياديّة بفعل "الدّولة" و برضاها و على ملأِ السّياسة السّياديّة التي تتطلّب العكس، تماماً، و من دون طول شرح و تفسير..!

و يدخل، هنا، في حديثنا، ضمناً، مسؤوليّة "المؤسّسة" السّياسيّة عن انتشار الخطاب الثّقافيّ المجتمعيّ الأهليّ، و انتقاله من محدوديّة المشروعيّة التّاريخيانيّة، إلى انتشاراتٍ رسميّة في الشّرعيّة السّياسيّة و برعاية مؤسّسات الدّولة بالذّات!

تعتمد النّظريّة النّقديّة للدّولة و المجتمع على معرفتنا، بعقلانيّةٍ، كيف توجد الأمور عليه في "الخارج"، خارج تصوّراتنا "القاطعة".

ليس على مؤسّسة السّيادة السّياسيّة أن تتبنّى أيّة قطعيّة ثقافيّة و بخاصّة من تلك القطعيات الثّقافيّة القادمة من قاع الزّمان الاجتماعيّ، الذي أصبح خارج السّياسة العقلانيّة الكفيلة بتحقيق الاندماج حول مؤسّسة "الدّولة"، في "المجتمع"، كمجتمع حقيقيّ.. و ذلك تحت ضغط أيّ من الظّروف التي لا نعتبرها من ظروف الشّرعيّة الوطنيّة السّياسيّة..
هذا على أنّ المجتمعات و الشّعوب التّاريخيّة، التي استطاعت أن تواكب التّاريخ..، لم تنتقل إلى عصر الدّولة المدنيّة الحديثة إلّا بتجاهل أعداء المعاصرة العالميّة هذه المعاصرة التي لا تفلح، اليومَ، دول العالم، و مهما كانت فلسفاتها السّياديّة، بالإفلات من فروضها الآمرة.

إنّ من يودُّ إحصاءً لخرافات الثّقافة الاجتماعيّة السّوريّة، في البنية المجتمعيّة التّحتيّة، و التي استطاعت النّفاذ إلى قاعات مؤسّسة الدّولة، لن يعوزه التّعداد، و لكنّنا، هنا، لسنا بصدد إحصائيّة لتلك الخرافات الثّقافيّة، الاجتماعيّة، السّياسيّة، و إنّما نشيرُ إلى المبدأ العامّ الذي تشتغل به الخرافة في استحالاتها التّطوّريّة من "الأهليّ" إلى "العموميّ" إلى "الدّولة" بواسطة آليّات استحالات "النّصّ" و "المؤسّسة الاجتماعيّة" في الخطاب السّياسيّ المنتج للدّولة، لحقوق الدّولة، كشخصيّة اعتباريّة، و لحقوق المجتمع و الأفراد النّاجمة، بالتّبعيّة، عن حقوق "الدّولة"، السّياسيّة، و أي عن الحقوق السّياسيّة للمجتمع كعنصر من عناصر الدّولة و مقوّماتها، و ليس بوصفه محلّةً ثقافيّة مجتمعيّة متباينة في أرجاء تشرذمات الجماعات و الأفراد و المشاريع السّائبة.

إنّ من شأن حديثنا، إذاً، أن يُبيّن الآليّات التي تجعل من محدوديّة الثّقافة الاجتماعيّة التجزيئيّة خطاباً عامّاً يستقرّ في مؤسّسة الدّولة بكيانها الاعتباريّ، الذي يجب أن لا يُحتكر لثقافة اجتماعيّة، جزئيّة، دون أخرى، من الثّقافات المتفاعلة في أرض الدّولة و المجتمع، أو لمصلحة جزئيّة دون أخرى اجتماعيّة و عامّة..
و إنّما عليها، كدولةٍ من أجل الجميع، أن تمنع طغيان ثقافة على ثقافة أخرى أو على ثقافات متعدّدة، أو مصلحة على مصلحة أخرى، في التهامٍ فعليّ و اعتباريّ يقوم به الأكثر عنفاً من "الثّقافات" إزاء الثّقافة أو الثّقافات المسالمة، أو الأكثر قدرة من الفعاليّات الاجتماعيّة إزاء النُّوى الضّعيفة و الضّئيلة في قدراتها في الوجود.
لا تعمل "الدّولة" في خطابها السّياسيّ بمنظوريّة انتقائيّة وافدة مع الخطاب الاجتماعيّ (المجتمعيّ) الذي تسلّل إلى مؤسّسة السّيادة في فضاء "الدّولة" و مؤسّساتها بنيتها الفوقيّة، هذا مع العلم أنّ "الدّولة"، كلّها، كمؤسّسة، يجب أن يُنظر إليها كبنيةٍ فوقيّة مستقلّة، بالنّسب الواقعيّة و الظّرفيّة، عن البنية التّحتيّة المتمثّلة بالجماعات و المجاميع الاجتماعيّة في أطرها الثّقافيّة المختلفة.

إنّ "المنظوريّة" الأحاديّة، في الخطاب السّياسيّ السّياديّ، ليست شيمة من شيم "الدّولة" الرّاعية أو الضّامنة.. أو الحاكمة للجميع..
و على العكس، فإنّ هذه "المنظوريّة"، هي بحدّ ذاتها، تعتبر اعتداءً على "المجتمع" تمارسه "الدّولة" في التّمييز الثّقافيّ ما بين الموجودات الاجتماعيّة بصيغتها التّاريخيّة التي يجب أن تكون مفروضة، بالكلّيّة، في الخطاب السّياسيّ للدّولة، في الاهتمام و الرّعاية و المساواة السّياسيّة و الاقتصاديّة (العدالة الاجتماعيّة!) في الانتقال الثّقافيّ من المجتمع إلى الدّولة في المؤسّسة.

و عندما تعجز "الدّولة" عن هذه "المنظوريّة"، فإنّ ثمّة "منظوريّة" اجتماعيّة طاغية تكون قد تسلّلتْ إلى فكرة الدّولة و منعتها من ممارسة الفكر النّظريّ (الفكر السّياسيّ) في السّيادة، بما هو الفكر معرفة و بما هي المعرفة قوّة.

و من النّافل – ربّما – أن نعدّد هنا الأشكال المختلفة للنّظرة أو للمنظوريّة الأحاديّة السّياسيّة للدّولة، و كيف تخضع لها مؤسّسة الدّولة تبعاً لمراكز القوى الاجتماعيّة المادّيّة منها و الاعتباريّة، مع أنّ لهذا "الواقع" الوصفيّ.. حديثاً آخر ليس هنا مقامه بالكلام.

إذا تابعنا الفكرة، نفسها، هنا، و أعني تمكّن الخرافة الثّقافيّة المجتمعيّة من أن تحتلّ المنظوريّة السّياسيّة الواحديّة و الضّيّقة للدّولة في المؤسّسة بخطاب متحوّل و خبيث، فإنّ علينا أن نقوم برصد بعض الآليّات التي يتمّ بها هذا التّحوّل الغادر لشيوع الدّولة بالنّسبة إلى كلّ المواطنين.

يأخذ البعد الثّقافيّ للنّصّ الاجتماعيّ المغلق أشكالاً متعدّدة في تحوّله إلى خطاب عابرٍ للمجتمع إلى الدّولة. و كما تتّبع "الدّولة" خطّة أو مخطّطاً في إنفاذ سياساتها المختلفة - أو هكذا يجب أن يكون عليه الأمر - فإنّ "المجتمع" بجماعاته الثّقافيّة و نصوصها الأثيرة، كذلك يقوم بوضع المخطّطات المتوالية فيجرّبها و يعدّل عليها و يُحدّثها وفق استراتيجيّات عمليّة باستمرار، تطوّر من تمثّلاتها و امتثاليّاتها و أدواتها و مناصريها و محازبيها و تُضيف إليها المزيد من المتاح وفقاً للظّروف.

و تعتبر مناسبات التّعديل و المراجعة الاجتماعيّة للثقافة المتراكمة و المتراكبة مع التّجارب المجتمعيّة في الفعل و ردّ الفعل، و تحسينها و تطويرها المنظّم، تعتبر هذه المناسبات من أخصب الأوقات و الظّروف، بالنّسبة إلى القوى الماضويّة، من أجل تعميق الوقائع و تكريسها بانتقائيّة عمليّة و تجريبيّة عالية، لا يمكن أن يحدّها إلّا خطاب سياسيّ، للدّولة، مناهض و معاكس و يعمل في اتّجاه آخر هو نقيض لاتّجاهات سياسات النّصّ الثّقافيّ الاجتماعيّ في تحوّلاته في الخطاب..
و هذا أمر يعني، ببساطة، أن تستقلّ استراتيجيّات الدّولة، نهائيّاً، عن استراتيجيّات القوى الاجتماعيّة الرّجعيّة (الماضويّة) في إنتاج خطاب السّيادة، استقلالاً صريحاً في "النّصّ" و "المؤسّسة" و عناصر "الخطاب".

إنّه إذا كانت "الوقائع" أو "الظّواهر" هي ما يجعل من "الأحكام" حقائق فعليّة، فهنا نستطيع التّحدّث بِلا أيّ حرجٍ على غزارة "الخرافة" في البنية التّحتيّة للدّولة (في المجتمع) و من دون أن نعاني من التّركيز الشّديد أو إنعام التّفكير أو إمعان التّأمّل؛ غير أنّ المسألة في "الثّقافة"، كما نوهنا بهذا، مراراً، لا تتّخذ لها هذا الوضوح، إذ أنّ من "النّصّ" الثّقافيّ ما هو غير معلنٍ و إنّما يقع في ما يُسمّى بِ"الخلفيّة" الدّلاليّة لسلوك الأفراد و الجماعات..

و في مثل هذه الحالات فإنّه يتعذّر نقاش أو "نقد" أو معالجة مضامين هذه "الخلفيّة" على نحو تقليديّ.. أو مستهلكٍ كان أن أثبت فشله..، أو، كذلك، تحريم "النّصّ" بالوسائل الرّادعة لأنّه "نصّ" خفيّ..
و إنّما للنّظريّة السّياسيّة، فقط، أن تشتغل على نقد الظّروف التي تؤهّل إعمال "النّصّ" في السّلوك و "الممارسة" المتعلّقة بالحاضر و المستقبل، و كبح هذه الظّروف عن طريق إنشاء السّدود "الثّقافيّة" الحضاريّة البديلة و التي تتمتّع بقدرتها على إزاحة "النّصّ" الثّقافيّ الخرافيّ، بواسطة ما تستطيع هذه "النّظريّة" من ممارسة جاذبيّتها السّياسيّة بما تقدّمه من إغراءات حقيقيّة للأفراد..

و هذا ما لا يمكن أن يكون أمراً اعتباطيّاً أو إجماليّاً أو "شعاراتيّاً".. أو "أمنيّاً"(!)، و إنّما عليه أن يتّخذ له، في "الممارسة"، حصراً، في "النّصّ" و "الخطاب" السّياسيين، بعداً عمليّاً في خطاب دولة آمنة.. و ضامنة و راعية و عادلة و قادرة على ممارسة قوّتها بمعرفيّة لا تقدّمها لها اعتباطيّات الموظّفين منتفخي الأوداج و المزايدين المتسلّحين بولاءات كاذبة و منافقة.

فالتّغلّب على "الخلفيّة" الثّقافيّة الاجتماعيّة الخرافيّة لا يُعتقد أنّه ممكنٌ إلّا بواسطة تأهيل نظريّ سياسيّ لخطاب عموديّ سياديّ (عمقيّ) فاعل و قادر على اختراق "الثّقافة" الاجتماعيّة الانعزاليّة و الخرافيّة، أفقيّاً و عموديّاً، بأسلحة و منظومات و أدوات و وسائل و مغريات "المعاصرة"، و التي انتشر خطابها العالميّ على رغم إرادة من يُريد و من لا يُريد..
و ذلك ما ينبغي أن يكون أو أن يبدأ، على الأقلّ، من أضعف النّقاط في البنية "الثّقافيّة" الاجتماعيّة المنحرفة في "التّعصّب" للتّخلّف ، و التي تتيحها "المعرفة" بقوّة سحريّة، لا يمكن أن تعجز أمامها، لأنّ "الجهل"، و مهما كان عنيداً، لا يمكن أن يتفوّق على "المعرفة" بشرط أن تكون هذه "المعرفة" هي كذلك، حقاً، في إطار منظومة معرفيّة و سياسيّة، نظريّة، و مؤسّسيّة واسعة و قادرة و كُفْءٍ و شاملة و موثوقة..!

كثيرة هي النّتائج "الكارثيّة" المستمرّة في فعلها ، من غير كلل، و النّاجمة عن احتواء الخطاب السّياسيّ لآثار من خطاب التّخلّف الاجتماعيّ و التّاريخيّ، في سورية، و التي تظهر منفردة أو مجتمعة.. في تمزيق العيش السوسيولوجيّ للقاعدة الاجتماعيّة للدّولة؛

و تتظاهر هذه "الكوارث" التي لم تُعِرْها "الدّولة" الأهمّيّة الكافية، في ما هو أبعد من السّلوك "السّياسيّ" للكثير من المأجورين و رعاة الفوضى و الفساد..

و نحن إذا أردنا البحث، بدقةٍ و علميّة، في هذه المعطيات ذات البعد الاجتماعيّ المدمّر ، فإنّ علينا أن نبدأ قراءة و نقد "المنظومة الكلاميّة" و "منظومة الأداء" و بدءاً ممّا يُسمّى في "النّظريّة" النّقديّة بِ"أفعال الكلام" و سطوة المنظومة الثّقافيّة الكلاميّة بدءاً من تحليل "الأمثال الشّعبيّة" و نهايةً بتحليل مضمون "الدّعاء" و "الأداء" و "الوعد" و "السّؤال" و "الأمر" و "الرّغبة" و "القرار"..!

و لا تتحرّج "المعرفة" من أن تدخل إلى ثقافات "بيوت الهوى" و نصوص "دورات المياه العامّة" و "غير المنزليّة".. لتكون أمينة في قراءة الثّقافة الخرافيّة الاجتماعيّة من أصدق منابعها و أفضل مصادرها على الحقيقة العفويّة الكاملة.

لا يمكن لمجتمع متخلّف و "لا أخلاقيّ" أن يتقدّم و هو في حالة من المرضِ المزمن المسمّى "ثقافة اجتماعيّة"؛ و يكفي أن نلقي الضّوء بسرعةٍ على مجتمعات العالم "المتحضّر" و "المتقدّم"، و مقارنة ثقافاته و طرق أدائها، لندركَ ذلك المأزق التي نعيشه في مجتمعاتنا و الذي يكابر الجميع على أنّه ليسَ كذلك .
هذا بحدّ ذاته "ثقافة" نرجسيّة و فارغة و سخيفة و نتائجها مرئيّة، على كلّ حال، في كلّ شيءٍ نعيشه في هذا المجتمع الّلا تاريخيّ و الذي يكاد يضيعُ من بين يديّ التّاريخ..! و عندما يضيع "المجتمع" عن سكّة العالم فإنّ "الدّولة" التي تتأسّس عليه هي التي تضيع.

لقد صار بإمكاننا ، الآن، أن نتأكّد من استحالات الثّقافة الاجتماعيّة في الخطاب السّياسيّ للدّولة في الّلغة و الأداء و القرارات و المؤسّسات..
و هذا ما يمكن أن نلمسه بسهولة في مدى تطابق "الثّقافة" الخرافيّة في مؤسّسة الدّولة، أو في مؤسّسات الدّولة المختلفة، و التي تراها تدافع، باستماتةٍ، عن "ثقافة" الخرافة في المجتمع و التي أثبتت، دائماً، أنّها ثقافة انحرافيّة و عصبويّة و انعزاليّة و خائنة.

و نحن لا يمكننا، بالتّالي، أن نبرّئ "الدّولة" من مسألة هي غاية في الخطورة، و أعني بها ذلك الصّمت المرعب على الكثير من الوقائع و الظّواهر السّياسيّة في "المؤسّسات"، هذا الصّمت المريع الذي لا يمكن تفسيره إلّا بإحدى جريمتين سياسيّتين:

فإمّا أن تكون "الدّولة"، فعلاً، راضيةً على خرافات بعض "أبنائها" منممارسي خطاب الخرافة في السّياسة و السّيادة؛

و إمّا أنّ "الدّولة"، عاجزة، فعلاً، عن مصادرة هذا الخطاب و أمثاله من الخطابات التي تقترن بالخرافة و لو كانت خطابات صادرة عن بعض المنابر و الوظائف و المسؤوليّات العليا.

إذا عدنا، قليلاً، إلى بدايات "الحرب على سوريّة"، و راجعنا بعض تصرّفات و أفعال و شذوذات و انحرافات و جرائم بعض "السّاسة" (و لا أقول السّياسيين)، لَفَهِمْنَا على أيّ من الأشياء و الخطابات السّياسيّة الممارسة ممارسة فظائعيّة، يجري الحديث الآن، و أدركنا حجم "الخرافة" الثّقافيّة الاجتماعيّة الانغلاقيّة التي صارت، هناك، مستويات عليا من مستويات القرار السّياسيّ، خطابات سياسيّة أدائيّة و كلاميّة و ممارساتيّة و تآمريّة و خيانة.
هذا هو ما تُحذّر منه "النّظريّة" النّقديّة السّياسيّة المعرفيّة، من أجل الحيلولة دون تمكّن هذا الخطاب السّياسيّ من إحياء تقاليده مجدّداً في "الدّولة" و مؤسّساتها ، بالتّعاضد مع قيعان الخرافة الثقافيّة الاجتماعيّة السّاكنة و المقيمة في أحضان ظلام "المكان الاجتماعيّ" العصيّ على التّغيير.

لقد فعلت الخرافة الثّقافيّة الاجتماعيّة و السّياسيّة انطلاقاً من الحقول الواقعيّة في النّصّ" الانتقائيّ، واستطاعت الجماعات الضّامنة لِ"النّصوص" أن تصدّر مضامين "النّصوص" في خطابٍ سوسيولوجيّ مزيّف اخترق البنية الفوقيّة للدّولة، فاستحال خطاباً سياسيّاً لمؤسّسات الدّولة، وتَصامَنَ، في الخرافة، و بالخرافة، المجتمع و الدّولة في إنتاج الثّوابت الخطابيّة السّياسيّة السّياديّة ، لتعود هذه التّشكيلة الخطابيّة المعقّدة و المركّبة، فتعمل، من جديد، على تحليليّة نصّيّة جديدة تنشرها القوّة (الدّولة) في الحقول الاجتماعيّة، مؤيّدَةً بروادعها و نواهيها الآمرة..
فإذا بالخرافة تتعزّز من جديد في تبادليّة مادّيّة و رمزيّة حيويّة و دائمة بين "الخطاب" الخرافيّ الاجتماعيّ، و بين خرافيّة "الخطاب" السّياسيّ؛ و هذا ما جعل اليأسَ المعرفيّ يتفاعل مع الشّرط التّيئيسيّ السّياسيّ، فإذا بالدّولة وحيدة "اجتماعيّاً"، بالنّصّ و بالفعل، و عقيمة سياسيّاً بالممارسة، و مخطوفة بخطابها السّياسيّ، فانفضّت من حولها "النّظريّة" العقلانيّة بعد أن عملت، هي، على استبعادها، بدرايةٍ و بغير دراية، و انفردت بها قطعان الثّقافات الخرافيّة و أئمة الخرافة التّاريخيون..

لقد فعلت الخرافة الثّقافيّة في سورية ما تجاوز و يتجاوز المعضلة التّكوينيّة النّظريّة للمجتمع، بعمومه، عندما كانت "الحرب على سورية" حرباً قد شكّلت و تشكّل، و ستبقى كذلك ، سابقة تاريخيّة أشبه بالرّواية الخياليّة..
و عندما ستؤبّد في كونها الشّاهد الأمضى على خرافيّة الثّقافة الاجتماعيّة و على طغيان هذه الخرافيّة المأثورة على المجتمع و الدّولة ، و ما بينهما من مسافة تكوينيّة و بنيويّة، غرقت في التّلاشي الأعمى المسحور بظلام الدّافع و عتمة الرّافعة و وساخة البيئة الحاضنة و قذارة الخلفيّة التّبريريّة و فجائعيّة الدّماء المهدورة و آلام الأحلام المسروقة و المتبدّدة و الضّائعة، التي ختمت فيها أجيالٌ نهايات أعمارها البائسة و عشّشت في وجدان أجيال أخرى لن تنشأ في بيئة العالم الموعود.. و المجتمع الآمن و العلاقات الإنسانيّة الطّبيعيّة..

هذا و غيره، أيضاً، ممّا شكّلته "الثّقافة" المشبوهة التي نراها مناسبة دائمة للحديث و التّكرار، مع أنّنا سنجد في كلّ مرّة نستعيد فيها هذا المجتمع الخرافيّ ، بالقراءة و إعادة القراءة، ما هو جديدَ المفاجأة و حديثَ الاكتشاف و دائمَ الإيلام و التّحريض على واجب المعرفة أن تقول أكثرَ على وجوهٍ عديدة و عديدة للثّقافة الخرافيّة، التي تتشكّل في ألفِ حرباءٍ و حرباء مغيّرة في كلّ تشكّل نعوتها و أسمائها و نواياها، التي لن تنتهي ما لم تُحذفُ نهائيّاً حذفاً حاسماً من أصدائها، في هيئة المدافعين عنها و المناضلين لاستدامتها، في كلّ مفصلٍ و في كلّ جانب و ركنٍ من حقول المجتمع و مؤسّسات الدّولة و وجدان "الكثيرين".. في مؤسّسات الدّولة التي تعمل بوعي و بغير وعي، على استدامة الجريمة، بالتّحديد..

***

كتب الأديب والشاعر ياسين الرزوق زيوس التعقيب التالي:

في سلاسلك لذة تقتضي منا أن نبحث عن نشوتنا في كلّ أنحائها الفكرية المعرفية النورانية.أ ياسين زيوس

هناك مقولة شهيرة للمفكر الدكتور "علي شريعتي" مفادها: (لا فائدة من ثورات تنقل الشعوب من الظلم إلى الظلام).

و هنا يحق لنا أن نبدأ من خرافة الخطاب المجتمعي في طريقة رد الظلم ببؤر ظلامية لا حصر لها تتجمع لتشكّل أمماً من خرافات الظلام و خرافات من أمم الظلام التي لم تقولب خطابها بانتقائية خطابية غرائزية فحسب و لم تؤطر تكتيكها الثوري.
" و هنا لا نقصد الثوري في ترتيب الدولة السياسي و لا في خطاب السياسة الواضح لا المبهم و المتحول ليكون عبئاً على الدولة نفسها بل الثوري الرجعي.
فرجعية الثورات تقتضي انقلاب مفهومها إلى عورات و تقدمية العورات تقتضي انقلاب مفهومها إلى ثورات تعري الزيف بدءاً من النفاق الديني إلى الخرافة المتأصلة باسم الأعراف و التقاليد.
و التي لا يجب للدولة في ظلها السيادي أن تبقيها في صدارة الوجود بالمهادنة و التراضي".

كما قلنا لم تؤطر تكتيكها الثوري الرجعي بجهالة الخطاب الجمعي القطيعي الحاقد فحسب و لم تستنجد بجموع غفيرة من عقليات الجهاد الاجتثاثي فحسب بل انقلبت على نواة الدولة لتجعل من نواة المجتمع خرافة دولة.
و راحت تجمّع حولها كلّ مأسسات الخرافة و إرهاصاتها و سبل تسيدها على الدولة باسم حرية المعتقد و حرية الرأي و حرية الناخب في اختيار النظام الديمقراطي.

هذه الأمم نفسها التي قبلت في الحقائق التاريخية المزيفة أو الغارقة في زيفها مهما اقتربت من حقيقة الممارسة الخرافية نصاً و تطبيقاً واقعياً أسطورة البيعة و الخلافة بل و قدستها باسم الدين و عدم جواز الخروج على الحاكم و هي التي دحضتها عند أول هزةٍ.
بدأ فالقها في الغرب و فلق مشرقيتنا إلى أنصاف بل إلى أرباع بل إلى أجزاء لا حصر لها من التكتونات المتناحرة و بشعارات براقة رفعت راية الظلام و هي تظنه ضوءاً.

حتى أنني استحضرت أحد أغبياء القلمون عندما انحسرت الدولة بقوة إرهابهم المسلح خوفاً على المدنيين و هو يقول من خارج القلمون لا نريد هذا النظام و ما من داعٍ لمهاجمتنا.

فإذا كان العقل الجمعي يقتضي خرافة التأسيس خارج الدولة بإسقاطات الدين و بنصوص الشريعة المعوجة دون أن يبحث في تقويم اعوجاجها المسقط منه عليه.
فمن سيحيل الدولة بسلطاتها الثلاث التي كادت تنهار أمام غياب سلطتها الرابعة الإعلامية عن ساحة السيادة بعد ان جعلت من نفسها فرع مؤسسة دينية مجتمعية متناقضة لا دينية تخرج النص الديني بمخرجات العقل لتجعله تطبيقياً انحسارياً لا انحسارياً تطبيقياً.

و عليه لا بدّ من إخراجه من تعاريف و تبنيات الدستور و من قوانين الأحوال الشخصية الذي ما زال يتصارع في ميدان الهوية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية أي الوطنية بشكل عام..

عاد الخطاب السياسي كي يخرج من أدلجته برؤى سيادية و بواقعية فوق مجتمعية ترى المجتمع و لا تنحدر إلى خرافته و ترفع خرافته و لا تسقط فيها.
و اقتضى الخطاب السياسي ممارسة سياسة الأمر الواقع لكن في فضاء يتسع لمأسسة التغيير و التدوير لا في حيزٍ خاضع انهزامي يضع الدولة في الزاوية الضيقة فلا تقدر على التنفس و لا تقدر على تطهير الهواء و تنقيته من ملوثات الحياة في الدنيا و الآخرة.

و ما الخرافة في وجه السيادة و النص الجامد في وجه النظرية التطبيقية التحليلية إلا مقتلة ما زلنا نعيشها و لا ندري متى سنخرج من بنيتها و تبنيها في مقتضيات العالم الثالث المقهور بالنص و الخرافة و الموت!...

لك النور يا عاشق الحياة دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود