كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الدكتور بهجت سليمان يكتب عن: الدّولة الأسطورة.. و أسطورة الدّولة.. و "المَناقبيّات" الضّائعة

[الحلقة السادسة والأربعون "46" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"]


عن {الدّولة الأسطورة.. و أسطورة الدّولة.. و "المَناقبيّات" الضّائعة}

* د. بهجت سليمان

كان أوّل ما عرف تفكير "الإنسان"، بالتّجربة و بغير ذلك.. كيف يستطيع مراكمة المفاهيم أن انشغل بأهمّ ما يُحدّد أسباب إمكانيّات استمرار وجوده البيولوجيّ؛ و من ثمّ انتقل إلى مرحلة أخرى، جديدة، كانت أن انشغل فيها باهتمامات ، استمدّ ضرورتها من سابقاتها على نحو أرقى و أكثر تنظيماً و اتّساعاً و اجتماعيّة و نوعيّة تواصليّة، فعرف التّفكير بالتّجمّعات البشريّة و تنظيمها و تعزيزها و حمايتها إلى أن صار عليه أن يُفكّر بكيفيّات حماية نفسه من الاجتماع و من "التّنظيم" الاجتماعيّ الذي أبدعه.

في سياق كهذا نشأ مفهوم "الدّولة" كتنظيم لظاهرة موضوعيّة في "الاجتماع"، و هي ظهور العلاقات التي تجاوزت إرادة الإنسان الفرد، نفسها، و من ثمّ، و في المراحل التّاليّة، ظهر التّنظير على تلك "الظّاهرة" التي بدا أنّها دائمة و خالدة، فكانت "الثّقافة".. ثمّ كانت، في السّياسة و الاقتصاد و الاجتماع الموسّع، نظريّات "الدّولة".

يمكن أن نعثر في الأدبيّات السّياسيّة التّاريخيّة على الكثير من التّشابيه التي تعمل على إبراز "الدّولة" كقوّة خاصّة و مفارِقة للمجتمع و الأفراد و منطق الأشياء اليوميّة، بما هي هيئة سياسيّة للقرار و الحكم؛ و هنالك، من أجل ذلك، الكثير من الأقوال المأثورة و الأفكار المُشتهَرة لفلاسفة و مفكّرين سياسيين، شبّهوا "الدّولة" بالمخلوقات الأسطوريّة، أو نسبوا إليها صفاتٍ تجاوزت "الأسطورة" في التّمثيل.

و أمّا على سبيل التّمثيل، فإنّ "الجغرافيّ يعرّف الدّولة من خلال تراب وطنيّ محدّد، و السّوسيولوجيّ لا يفصلها عن واقعة التّمييز بين الحاكمين و المحكومين، و يرى المؤرّخ أنّها تعبير عن نمط وجود أمّة، كما يعتبرها القانونيّ بمثابة نسق من الضّوابط، و ينظر إليها الفيلسوف مثل (هيغل) على أنّها الجوهر الأخلاقيّ الواعي بذاته"..

ففي رأي النيوزيلانديّ (جورج بوردو) (1909- 1981م) فإنّ ثمّة "صعوبات تكشف عنها الّلغة عندما يتعلّق الأمر بمفهوم الدّولة، تعود إلى كونها لا تنتمي إلى عالم الظّواهر الملموسة" فهي عبارة عن "فكرة"، "فلم يسبق قطّ أن رآها
أحد"، و مع ذلك "فهي ليست لغزاً" و إنّ بساطة هذا الّلغز هي بساطة ساطعة:

"فالإنسان ابتكر الدّولة لكي لا يُطيع الإنسان الإنسان". [جورج بوردو. الدّولة].

و نحن نرى في هذه الكلمات، بما فيها "التّعريفات" التي سبقتها، شيئاً من التّبسيطيّة و شيئاً من القصور عن الإحاطة بمفهوم الدّولة، على رغم أنّه مفهوم شديد التّعقيد؛

و لكنْ أن تُحيط بالمفهوم، ليس بالضّرورة أن تستهلكه استهلاكاً كاملاً في الفهم، و أن تحوّله إلى شيء من المقتنيات المادّيّة التي تستطيع الرّجوع إليها، على ما هي عليه، في أيّ وقت تشاء.

لقد شغلت "الدّولةُ" مختلف "المفكّرين"، و نرى أنّ جميع المقاربات التي قاموا بها لم تَتَعدَّ المقاربات "الأدبيّة السّياسيّة" أ كثر ممّا كانت، بالفعل، داخلة في الفكر السّياسيّ الذي غالباً ما يحتاج إلى "فلسفة السّياسة" عند دراسة الظّواهر المعقّدة.

و لن يعنينا، هنا، هذا "الأدب السّياسيّ"، و حتّى منه ما صدر عن فلاسفة و مفكّرين، و إنّما سيقودنا "الفكر السّياسيّ"، كنوعٍ، إلى "مفاهيم" تنتمي إلى "قاموس" الممارسات، حصراً، و لو أنّ هذا القاموس هو قاموسٌ واسع و يتّسع يوماً بعد يومٍ في إثراء الممارسة السّياسيّة لمفرداته و خلق الظّروف الجديدة التي تحتاج إلى توصيفها مفاهيم جديدة.

سوف يكون، من جانب آخر، حديثنا، هنا، استكمالاً لفروض "النّظريّة" السّياسيّة النّقديّة التي بدأنا بها، سابقاً، في مناسبات مختلفة، و هي لم تتأطّر، بعد، بمفاهيمها الضّروريّة التّأسيسيّة..
و علينا أن نواصل، إذاً، تحديدها في "المفاهيم" و "المصطلحات" و "العبارات"، لتشكّل مشروعاً في إطار التّشكيلة الخطابيّة السّياسيّة التي نقترحها في المنظور السّياديّ للدّولة السّوريّة، على أساس من "العقلانيّة" الواقعيّة المتجاوزة لمختلف صنوف "المعقوليّات" المتصارعة، بتكافؤ و بغير تكافؤ في المجتمع السّوريّ.

و إذ سوف يكون حديثنا على "الدّولة" كأسطورة، حقّاً، فلقد مهّدنا، في البحث السّابق على خرافة الثّقافة الاجتماعيّة و استحالاتها في الخطاب السّياسيّ السّياديّ للدّولة، و نوّهنا بأنّ الكلام النّظريّ الذي سيكون مادّة لهذا الحديث المتعلّق بكائنيّة "الدّولة"، كأسطورة، إنّما سيتّخذ له خطّين متوازيين، على أن يلتقيا في خاتمة المطاف.

و في إطار هذا التّوازي، نفسه، إذاً، يمكننا الفصل السّياقيّ لحديثنا على مرحلتين:

سنبحث في أولاهما في "الدّولة" كقوّة "فوق واقعيّة"، أو "خارقة للواقع" بالخطاب السّياديّ، و أي في "أسطوريّة" قوّة "الدّولة"؛

و في ثانيهما، سنبحث في أنّ "أسطرة" الدّولة كمفهوم، إنّما هي "توهّميّة أسطوريّة" عندما ينبغي على "الدّولة" أن تستعيد ذاتها في قراءة متأنّيةٍ، تأخذ الواقع مأخذاً أكثر واقعيّة و أكثر جدّيّة و أكثر مسؤوليّة في الاعتبارات الجادّة على أرض الممارسة، في تأثيرها و في صناعتها لمحوريّات الأنساق الاجتماعيّة – السّياسيّة التي للدّولة فيها حضور، أو التي يجب على "الدّولة" أن يكون لها، فيها، حضور.

أوّلاً - الدّولة كأسطورة:


ترجع إشكاليّة طبيعة "الدّولة" و اختلاف الآراء فيها تبعاً لجهات النّظر إليها و كميّة الإضاءة الموجَّهة إلى جوانبها، ترجع إلى كونها، ظاهرة معقّدة و غامضة، و يتجلّى هذا الأمر في صعوبة و تناقضات تعريفها أو تعريفاتها، بما يجعلها ظاهرة تاريخيّة تزداد غموضاً و إبهاماً مع تعقّد المفاهيم السياسيّة "المتطوّرة".. و هي التي تشكّل أساساً جوهريّاً لفهم و تعريف "الدّولة" أو ظاهرة الدّولة في التّاريخ.

طبعاً، هذا لا يمنع الاجتهاد من مقارباته الدّائمة، في المدارس السّياسيّة النّوعيّة و النّظريّات مختلفة المنطلقات و الأهداف، لتعريف "الدّولة" بحكم أنّها أمر واقع، و لو كان من تلك الأمور الواقعيّة الإشكاليّة و المبهمة و التي ستبقى تحتضنُ الصّعوبات الجمّة، في تحديدها و الوقوف على يقينيّاتها الثّابتة الصّالحة و الدّائمة لعصور تدوم.

و لأنّ "الدّولة"، في الأصل، تقوم على خرافات (و تُسمّى حقائق، أيضاً..) في ما نُسمّيه، نحن، "مشروعيّات" متناقضة أو متوافقة، و التي منها التّاريخيّ و منها الاجتماعيّ و منها الثّقافيّ و منها الإنسانيّ الذي اتّخذ له طابع السّياسيّ، عندما استطاع جعل "مشروع" ما، محدودٍ بمصالحه الخاصّة، مشروعاً "عامّاً" يتبنّاه الخطاب السّياسيّ للدّولة في التنظير و في الممارسة في آن..

فلذلك، من "الطبيعيّ" أن تكتسب الدّولةُ "هيبةً" فعليّة و اعتباريّة، مادّيّة و مجازيّة، تبعاً لاختلاط وسائل الدّولة و تركّبها الواقعيّ الذي لا يكون كذلك، ما لم يُحاطُ بالأسطوريّة الإدراكيّة و الطّقسيّة المؤسّساتيّة و الأعراف الشّكليّة، المنفّذة لقراراتها تنفيذاً مادّياً، يختلط فيه القسر و الإكراه بالتّرغيب و التّرهيب الذي يصنع منها الإشهار و الإعلان و الإعلام، أوامرَ بالإيحاء الصّارم و المصلحة الكلّيّة العليا و بالزّجر المادّيّ المؤيّد بالقوّة و العنف الذي يخلقه "القانون"الموضوع، في الأصل، لغايةٍ أو أخرى، معروفة، و منها هذه الغايات على التّحديد.

ربّما يبدو الفارق بين "الخرافة" و "الأسطورة"، على ما تقدّم، فارقاً واهياً أو غير حقيقيّ، بحيث، بالفعل، يختلط عند الكثيرين مفهوم الخرافة بمفهوم الأسطورة، كمفهومين، و ما ذلك إلّا لاشتباه و نقص في أدوات الفهم و استيعاب الإنسان، في مظاهره و عمليّاته الإدراكيّة و ممارساته الغيبيّة و الواقعيّة، و تكوينه غير السّارّ لمن لا يُحبّون المفاجآت.

هنالك فوارقٌ متعدّدة، في الحقيقة و الواقع و تاريخ "المفهوم"، بين كلّ من "الخرافة" و "الأسطورة"، و لكنْ علينا أن نعمل على اختصارها و اختزالها في تركيبات دلاليّة وجيزة و لازمة.. و ربّما كافيّة في غرض هذا الحديث، أيضاً.

تفترض الخرافة عالماً أفقيّاً تتساوى فيه الأفراد مع الوقائع و الظواهر اليوميّة بحيث أنّ الأفراد، و كلّ منهم على حدة، ليسوا حاكمين على أقدارهم و مصائرهم و لو أنّ كلّ ذلك يجري بطريقة غير مفهومة، و ذلك في تباينٍ غير مفهوم و غير محدود للواجبات و الحقوق، و الأهمّ من كلّ ذلك أنّ هذه الإنجازات العابرة خاضعة لخوف داخليّ واحد و قلق شامل و مصير سائل، ليس للإنسان فيه موقع فاعلٌ، و إنّما هو مجرّد صدى للقوى المبهمة و من دون أيّ توصيف لهذه القوى..
و الأرجح أنّها، هي أيضاً، لا تميّز و لا تتمايز و لا تدخل في مقارنات و لا حتّى هي تقبل التّسمية أو المصطلحات، بحيث أن إدراكها الرّمزيّ يتمّ بتواطؤاتجماعيّة و رمزيّات سرّيّة و غير سرديّة، من جهة أنّها لا يجرؤ أحدٌ على البوح بها، عادة، و لكنّ لها أوقاتاً محدّدة يُباح بها فيها، تحت طائلة العقوبة الخفيّة و الأقدار الغاشمة، و هي قائمة و قريبة و موجودة على طريقتها المقبولة في إطار ضرورة جهلها، لتأكيد مفارقتها الإنسانيّة الشّاملة التي لا تتّصل بأيّ منظومة إلهيّة أو ألوهيّة أو ربوبيّة.

يمكن أن نقول إنّ "الخرافة" حكاية غير مفهومة و غير سرديّة و غير مقولة و لكنّها، بالفعل، تعاش، متكرّرة من دون تواتر أو إيقاع خاصّ، و هي مقبولةٌ من دون تفكير أو مطاليب أخرى مترتبةً على القائلين بها أو المؤمين بنظامها الغامض.

و أخيراً فإنّ "الخرافة" تتميّز بالتّناقض البنيويّ لمنظومتها العباريّة، هذا إذا كان لها أصلاً أيّة منظومة خارج التّفكّك المفهوميّ في النّقد الدّقيق..

و ليست "الأسطورة" كذلك. فالأسطورة هي الرّواية السّرديّة العُمقِيَّة الشّاقوليّة التي تحشر المقدّسَ، الإلهيّ و الألوهيّ، أو البطوليّ المُجرّد، في تنظيمٍ دراميّ أو دراماتيكيّ، يحكمه الانفعال الحادّ في إطار قسمة للقوى، أحدها حاكمٌ بِعَمًى مطلق مانحٍ للمغزى المبهم، و الآخر قابل مستكينٌ يتلقى و يقبل و يُذعنُ في إيمان بضرورة هذه القسمة، التي قد تسمّى عادلة أو غاشمة وفق طبيعة النّاظر إلها و القائل في خضمّها و ذلك، أيضاً، بحسب موقعه الطّبيعيّ أو الاجتماعيّ أو السّياسيّ و درجة ربوبيّته أو تديّنه، و هنا نكون قد دخلنا في إطار أسطورة الحضارة.

و تمتاز الأسطورة بأنّها تقبل التّصنيف و التّقسيم و التّرتيب، و لو أنّ علّة ذلك هي التي تبقى خارج المدرك أو المعلّل أو المفهوم، بحيث يُنسب، تعليلها، غالباً، إلى قوى خارقة..

و الأسطورة، على ذلك، هي رواية "فنّيّة" متماسكة و تزعم لها فهماً يمكن أن يؤهّلها لتدخل في المقول و المحكيّ، بنظام متكرّر و متعارف عليه بل و متوقّع و مألوف، بغضّ النّظر عن "العدالة" التي تبطّن المنظومة الأسطوريّة في ما يترتّب عليها في الواقع اليوميّ المشبّه بالغيبيّ، و في ما، كذلك، تفرضه أو تفرزه من العلاقات الاجتماعيّة و السّياسيّة و غيرها من العلاقات المحكومة بفنّ خاصّ أو ربّما بجماليّات، أيضاً.

فالأسطورة سرديّة متماسكة وفق "منظومة" منطقيّة لا يمكن أن تفقد تماسكها، إلّا إذا طُبّق عليها "منهجٌ تفكيكيّ" في النّقد و التّفكير، و هذا أمرٌ دونه أن يكون لهذا "المنهج" نفسه شرعيّة الوجود و البنيان و النّظام و العقلانيّة في التّفكير.

و إذا أخذنا بهذه الاختلافات الحقيقيّة بين "الخرافة" و "الأسطورة"، يُمكننا أن نضيف أنّ للأسطورة عاملاً أو عواملَ من الأمان العاقل و الواعي و المتطلّب للإيمان، على عكس الخرافة التي لا تبحث في هذا الإطار و لا يعنيها، ناهيك عن أنّ هذا "العامل" لا يمكن أن ينتظم، هو، في إطار فوضى الخرافة على عكس التّنظيم الحازم الذي تدخل فيه الأسطورة، كضرورة عاقلة تمنح المغزى "العرفيّ" و "الثّقافيّ" للإدراك.

إنّ "الدّولة" تقبل ببساطة هذا التّشابه السّرديّ و الدّراميّ مع "الأسطورة" الجليلة في عنصرها المأساويّ، بخاصّة، و تنفر من أطرِ سَخافات الخرافات بحيث أنّ أيّة تشابهيّة ما بين "الدّولة" و "الخرافة"، إنّما مردّها إلى العجز الثّقافيّ و العجز الإراديّ، اللّذَيْنِ كلّ يتعلّقان بموقفٍ مسبقٍ من مضامين الدّولة التي لا تتقاطع مع نشاط الأفراد.

تعتبر "الدّولة"، في كثير من جوانبها، نتاجاً للثّقافة، أكثر ممّا هي من نتاجات فوضى الجهل المنظَّمة على طريقة فيزياء الوجود.. و هي لأنّها "مؤسّسة" أو "مؤسّسات" خاضعة للقانون الكونيّ أو الاجتماعيّ أو الفرديّ بما في ذلك "السّياسيّ"؛ كان حريّاً بها أن تُنسبَ إلى "الأسطورة" في كلّ ما توحي به المعقوليّة فيها من ضرورة في التّنظيم، و لو أنّه لا يمكن له أن يُعلّل، في حيّزه الإبهاميّ أو المبهم، بأيّة عقلانيّة تتجاوز مفهوم الضّرورة.

و يتفاقم مفهوم "الأسطورة" في الدّولة مع كلّ مفصليّة للقوّة فيها، خارجة على التّفسير المُحدِّدِ لمنطقيّات المعقوليّة أو العقلانيّة، التي تحتاج إليها الدّولة في ترسيخ واقعيّتها النّظريّة و الثّقافيّة و المادّيّة و الرّمزيّة، قبل أن تحتاج إليها، و هي تمارسها بطبيعة الحال، في التّقنين و القرار، و ممارسة قوّتها بشرعيّتها النّاجمة، أصلاً، عن هذه القوّة.

تتنامى أسطورة الدّولة، بخاصّة، مع الأجيال التّالية من المجتمعات، تلك التي لم تعاصر زمن التّأسيس الذي جعل الدّولة على ماهي عليه من واقع للحكم و المؤسّسة" النّافذة و المُطاعة؛

و يمكننا، هنا، أن نتكلّم على جميع عصور المجتمعات التي دخلت في هذه "الموضوعيّة"، على اعتبار أن زمن تأسيس الدّولة ليس له حدٌّ زمنيٌّ واضحٌ أو محفوظٌ أو حالٌّ، كواقعة معروفة و ناجزة في وحدة للزّمن.

إنّ نشوء و تطوّر وعي المجتمعات الثّقافيّ و السّياسيّ على إيقاع "الدّولة"، و ليس العكس، هو ما يجعل من الدّولة قوّة أو ظاهرة منفصلة أو مستقلّة تماماً عن وعي الأفراد و ثقافة الجماعات..
و من المفهوم كيف يتمّ توارث هذه "الموضوعيّة" في "الثّقافة" و الأنثروبولوجيّا و السّيكولوجيّا الخاصّة بالشّعوب الخاضعة للتنظيم، الذي تعتبر فيه مسلّمات "الثّقافة" و الإدراك، أحد أهمّ عواملها التي تستديم ذاتها في التّفاعل و الحاجة و "الضّرورة" الواقعيّة للدّولة كمؤسّسات.

نحن، الآن، إذاً، أمام واقع تاريخيّ جرى فيه التّسليم الاجتماعيّ و الثّقافيّ و السّياسيّ بظاهرة "الدّولة"؛

هذه الظّاهرة التي يتوالى فيها تعزيز الاستقلاليّة المؤسّسيّة للقوّة (و بطبيعة الحال، للعنف المنظّم بالأجهزة و المؤسّسات، أيضاً) في انفصاليّة متراكمة تتكرّس في الوعي، لتنتقل إلى نقاط التّفاعل و التّأثّر و التّأثير في البنى المختلفة لحقول المجتمع، و لتتوزّع بنظاميّتها الخاصّة، غير المدركة و غير المفهومة، توزّعاً يضمن لها، في الحدّ الأدنى، أن تكون مقبولة من دون "طول" تفكير، مع ما يُدعّم هذا الواقع من طموحات جميع القوى و الأفراد، لتشاركَ في هذه "الأسطورة"، من دون أن تناقش كيفيّات ذلك..
يشدّها، في الأساس، هذه الجاذبيّة التي تمارس فيها "الدّولة" إغراءاتها بوصفها "أسطورة" تمنح القوّة و الجاه و "السّلطة" و المال و الحاكميّة و السّطوة و القرار.. و هذا كلّ شيء فيما يخصّ أو يهمّ طموحات جميع الطّامحين، و هو "شيءٌ"، أو أشياء، مثلما نعلم، جميعاً، ليس بالشيء البسيط أو المتواضع أو العاديّ أو العابر أو اليسير.

ليسَ ثمّة قانون واحد أو قوانين.. واضحة و مفهومة كلّيّاً، تنظّم هذه "الثّقافة" البنيويّة التي يجد فيها "المجتمع" و الأفراد، أنّهم أمام ظاهرة، أسطورة، هي "الدّولة"؛

هذا مع أنّ هذا الأمر يحمل طابعاً مزدوجاً من "الإغراء" الذي يمارس نفسه على الأفراد و تطمح به إلى جاذبيّاته القوى الاجتماعيّة و الثّقافيّة، و كذلك القوى السّياسيّة "غير الشّرعيّة"، المتعدّدة و المختلفة، لتمسك بزمام الحكم و الدّولة، و هذا من جهة؛ و من "الرّفض" الدّاخليّ الصّامت الذي تمارسه قوى "المجتمع" لأسطوريّة "الدّولة" في عدم الاعتراف بشرعيّتها، من باب "الحقوق" المتماثلة (طبعاً، و فقط في الأوهام، و هذا في كلّ دول العالم) للجميع في أن يتنكّبوا صولجان "السّلطة" و عدّة "الملك"..، و هذا من الجهة الأخرى.

إنّنا، على كلّ حال، أمام ظاهرة استثنائيّة يمكن أن تدخل في رواية منظّمة و سرديّة ثقافيّة معتبرة في دراماتيكيّة أخّاذة.. و كلّ هذا من صفات الأسطرة التي يخلعها "الوعي" على ظاهرة "الدّولة"، وفق القوانين الدّاخليّة الخاصّة بتشكّل "الأسطورة"، كما وفق القوانين الغامضة التي تنتهي بها "الدّولة" إلى هذا الموقع المتمّيز و الحصين و "الرّفيع".

تتكرّس الدّولة "الأسطورة"، إذاً، في نظرة "الثّقافة" إليها و في الممارسات الاجتماعيّة و السّياسيّة، الفرديّة و الجماعيّة، إزاءها، و كذلك في طبيعتها من حيث فهمها و العجز عن فهمها، و استحالة الإحاطة بجميع جوانبها إحاطة مادّيّة و مباشرة، و لو قضت محاولات التّعريف بها، أو تعريفها، شطراً كافيّاً من الكلام.

و نحن لهذا نستشفّ، علاوةً على الاختلافات و التّناقضات التي جاءت به تعريفات "الدّولة"، ما يتجاوز ذلك إلى الاختلاف في تعريفها و النّاجم عن حلقة مفقودة، دوماً، عند "الجميع" في مقاربتهم لها؛ و في رأينا، يعود هذا الأمر إلى واقع "أونتولوجيّة" الدّولة في النّشوء و الظّهور، هذه التي لا يأخذ بمفاعيلها إلّا من تجاوز التّقاليد الوضعيّة للفلاسفة و المُفكّرين السّياسيين، في تناقضات الوقائع المباشرة فيها، و لكنْ التي تنطوي على مفارقات في الأخلاقيّات السّياسيّة و مناقبيّاتها الدّلاليّة في التّعبير..

دخلت، في طور ثقافيّ جديد، إشكاليّة "الدّولة" مرحلة فكريّة و إنسانيّة و تاريخيّة سياسيّة أكثر تعقيداً في الممارسة و التّنظير..
و لقد كان عليها أن تفعل، نظراً لأنّ سطوتها تشعّبَت و دخلت في منافسات مع نفسها و مع الآخرين، بكلّ ما يجسد هذا و ذاك الجرأة و الخوف و القلق و التّحفّظ و الشّطط و الاقتصاد و المحدوديّة و الانطلاق و الإقدام و الإحجام..، و في تناقضات كونها، الدّولة المعاصرة، حاميةً و راعيةً و ضابطةً و مانعةً و مانحةً و عادلة و حاكمة و سيّدة و حارسة.

و في إطار ذلك كان طبيعيّاً أن تدخل "الدّولة" في تناقضات و صعوبات و محالات و ممكنات.. شتّى، إلّا أن اسحالتين متناقضتين، بل و متضادّتين، لم يكن يمكن للدّولة أن تجمعهما، معاً، أو أن توفّق بينهما، و هذا هو ما حصل، بخاصّة، مع "الدّولة" المعاصرة في (سورية)، في (سورية) الدّولة و المجتمع.

و أمّا الاستحالة الأولى، فهي ما سنبحثه، الآن، في هذا الجزء (الأول) من حديثنا الذي، خطّطناه على مرحلتين، سيعقب هذه المرحلة الأولى منهما مرحلة ثانية، بعد قليل..

أقول، من المُحَالِ أن تُسوّى كلّ استحالة من الاستحالتين تسويةً واقعيّة هادئة و مثمرة، بحيث تقبل أن تحلّ فيها تناقضاتها العضويّة حلّا مرغوباً و مرضياً لجميع الأطراف الدّاخلين فيها، و هم المجتمع و الجماعات و الأفراد و القوى المختلفة و الاستراتيجيّات "السّلطويّة" و "التّسلّطيّة".. و الدّولة، أيضاً.

إنّ حديثي، هنا، يدور على تلك "المفارقة" التي لا يمكن أن تدخل في أيّة عقلانيّة اجتماعيّة أو ثقافيّة أو فكريّة أو سياسيّة في تاريخ العالم..
و أعني من جهة أنّها حازت "بنيويّاً" على كلّ رمزيّات و مادّيّات "الأسطورة"، بما في ذلك نظرة "القوى السّياسيّة" إليها (هنا، حصراً السّياسيّة..).

لقد ظهرت "الدّولة" في (سورية)، مؤخّراً، مثل أيّة دولة معاصرة في أنساق "العلاقات الاجتماعيّة" الدّاخلة في "تنظيمات ثقافيّة" و "فكريّة"، بالإضافة إلى تلك البنى الاجتماعيّة المتأطرة في "معقوليّات" حداثيّة أو معاصرة، ضمن تشكيلات خطابيّة كوسموبوليتيّة مستوردة أو طبيعيّة، و باختصار كلّ القوى التي تعتبر في "النّظريّة السّياسيّة" التّقليديّة، غير النّقديّة و غير العقلانيّة، قوى "معارضة" أو قوى مناوئة للدّولة..؛

فيما أكّدت "الثّقافة السّياسيّة" (الوظيفيّة، طبعاً، و البنيويّة) للدّولة تلك "النّظرة" المفارقة، و قبلت خطاب "الدّولة" الرّمز، "الأسطورة"، فيما لم تستطع.. أو لم تُرِد.. أو لم تتمكّن من الأدوات.. أو لم "تعرف".. أو لم تحاول أن تمارسَ ذاتها وفق "النّظرة الاتّهاميّة" لها، على أنّها "أسطورة" السّلطة المتغوّلة، أو، بالحدّ الأدنى، تلك القوة الرّادعة التي تسوغ مضمونها النّظريّ في الممارسة العمليّة.

ظهر هذا الأمر في كثير من "المناسبات" التي كان، فيها، على "الدّولة" أن تكون فعلاً تلك "الأسطورة"، التي ينبغي أن لا يقف أمامها عائق "اجتماعيّ" أو "ثقافيّ" أو "سياسيّ" أو "سياديّ" (بما في ذلك "الدّوليّ")، و لا حتّى عائق "إنسانيّ" أو "عاطفيّ" أو غير ذلك.

ظهر ذلك قبل "الحرب"، و أثناء الحرب، و يظهر حتّى اليوم!

تمسّكت "الدّولة" بحقّها في أن تكون "الأسطورة" السّياديّة، نظريّاً، و هذا طبيعيّ..؛ على حين أنّها أهملت ذلك الأمر "عمليّاً"، و هذا ليس طبيعيّاً و هو غير مفهوم و لا مقبول و أعني غير عمليّ.

لن ندخل في سفاسف التّفاصيل، مع أن الكثير من تلك التّفاصيل لا تبدو سفاسفَ، أبداً...

إذاً، فقد حصل ما يُشبه "تمزّق الدّولة" (يُسمّيه البعض توزّعاً أو تشتّتاً..) في خطابها السّياسيّ بين "الرّمزيّة" السّياسيّة السّياديّة الضّروريّة و الطّبيعيّة ("الأسطورة")، و بين الممارسة العمليّة لهذه "السّيادة" في إطار مؤسّساتها في "السّلطة" و "النّظام"؛

و لقد كان لهذا الأمر تبعاتٌ معروفة من حيث وهن "هيبة" الدّولة و التّطاولات الكثيرة التي وقعت على "المؤسّسات"، و أحياناً بما تجاوز هذا التّطاول على المؤسّسات، إن لم نقل أكثر..؛

و يحتفظ "كثيرون".. بوثائقَ و شواهد عمليّة و شهود معاصرين و أحياء، على ذلك، و روايات و حكايات و مأثورات و ذكريات على الكثير من تلك "التّجاوزات" (و هذه الكلمة لمن لا يعرف هي كبيرة من الكبائر السّياسيّة التي تلخّص فيها أكثر ممّا يُسمّى بالاستهتار..)، و ذلك في صيغ مادّيّة و شعوريّة و نفسيّة تتراوح بين الدّهشة و الاستنكار و الألم..!

بهذا، كما نلاحظ، فقدت "الدّولة" عنصر "الأسطوريّة" أو "الأسطرة" في الوقت الذي كان، فيه، عليها أن تمارسَ ما هو فوق "الأسطوريّة" في الظّروف القاضية بذلك، ضماناً للحقوق المتعلّقة بالأشخاص و الأفراد و المجتمع، و ضماناً للحقوق المتعلّقة بشخصيّة الدّولة الاعتباريّة منها و غير الاعتباريّة.

و فيما بقيت تلك "النّظرة" إلى الدّولة، من قبل أعداء الدّولة و أعداء المجتمع و أعداء الحقّ، اجتماعيين و سياسيين و ثقافيين و غير ذلك، على أنّها "الدّولة المتغوّلة" في "أسطوريّتها" (و هنا، الظّالمة)، وجدنا أن "الدّولة"، على العكس، قد انحسرت إلى بضع وظائف دستوريّة و سياديّة و هي غير كافية لوجود و تأمين و تحقيق و تكريس هيبة الدّولة.

ثانياً - "أسطرة الدّولة" في "المفهوم":

قلنا، أعلاه، إنّ الدّولة" قد تظهّرت و لم تظهر و اختفت، في وقت واحد، من المشهد الرّمزيّ السّياسيّ السّياديّ، في سورية، أمام "القوى السّياسيّة" الطّموحة إلى "الشّرعيّة" المزيّفة، و سوف نرى، الآن، كيف بدت "الدّولة"، "الأسطورة"، في نظر "القوى الاجتماعيّة" الحقيقيّة.. و التي لم يكن لها "موفدون" أو "سفراء" إلى "القوى السّياسيّة" المعارِضة..!؟

هنا، نحن لا نتحدث، على الشّيء نفسه الذي تحدّثنا عليه، أعلاه، و أعني على "الدّولة"، "الأسطورة"، الضّائعة..
و إنّما سيكون حديثنا على "الدّولة"، "الأسطورة"، في مفهوم "الدّولة"، ذاتها، على ذاتها، و لكن في "البيئة الاجتماعيّة" الضّائعة و العلاقات الاجتماعيّة الواهنة!

من المقبول و الطّبيعيّ أن تتفاوت "الدّولة"، كظاهرة "أسطوريّة"، بين أن تكون "الأسطورة" نفسها، و بين أن تكون شبيهة بالأسطورة أو أنّها تأخذ من مفاهيمها الكثير..
و لكن غير المقبول و غير الطّبيعيّ أن يكون نَوَسَانُ "الظّاهرة" (الدّولة) بين وصفها، كأسطورة، صادراً عن المراقب الخارجيّ، و في الوقت نفسه مُصادَقاً عليه من قبل "الدّولة" في الممارسة..
و بين أن يكون الوصفُ "ذاتيّاً" من قبل "الدّولة"، نفسها، لنفسها، حيث يدخل في التّوّهم و الاستيهام؛ و بخاصّة عندما لا تستطيع "الدّولة" إثبات "ذاتها"، أو "إثبات" أسطوريّتها، و فاعليّتها و كفاياتها التي لا تنتهي، في المجالات الاجتماعيّة و الأنساق الثّقافيّة و الأنماط العمليّة اليوميّة و المباشرة.

و المشكلة هي ، في الحقيقة ، تتجاوز مجرّد ظاهرها الثّقافيّ و حتّى السّياسيّ؛ إذ أنّه عندما تفقد "الدّولة" أسطوريّتها، فعلاً، و تضيع في مرآة ذاتها بواسطة مؤسّساتها و "رجالاتها" الفاشلين.. فإنّها، و هذه الحالة، تدخل في ضياع مزدوج، بحيث أنّها لا تضيع، بمفردها، و إنّما تضيّع معها "المجتمع"، حيث يبرز في مثل هذه الحالات الأثر الحقيقيّ لمغزى أنّ عنصريّ "الدّولة" و "المجتمع" (الحقيقيّ!) هما عنصران متلازمان.
و هناك ما هو أكثر من هذا، أيضاً.

إنّ القوى الاجتماعيّة التي فضّلت المدارات التي تدور في أفلاكها حول نواة "الدّولة"، عادة ما تنتظر من "الدّولة" التّدخّل المباشر و الطّاغي، عندما تتعرّض تلك القوى للتّهديد التّاريخيّ المرتبط بعدوّ داخليّ أو خارجيّ..
و أمّا أن يكون هذا "العدوّ" هو من التّشكيلة السّياسيّة المباشرة للدّولة، فهذا ما يجعل تلك القوى تتخلّى عن يقينيّتها في طمأنينتها، إلى أنّها تحيا في كنف الدّولة – الأسطورة؛.

بحيث أنّه ما من غافرٍ يغفر أن يكون "النّظام السّياسيّ"، و ضمناً الاقتصاديّ و الاجتماعيّ و الأمنيّ.. عدواً لذاته ، إلّا في حالة واحدة يكون فيها الانقسام السّياسيّ في "النّظام" حالة واقعيّة لا تحتاج إلى برهان..
و من حيث أنّه ما من "نظامٍ سياسيّ" كبطانة للدّولة أو كإطار لها بالأحرى، يسقط إلاّ من داخله؛ فإنّ علامات الفقدان "الأسطوريّ"(!)لمفهوم الدّولة - الأسطورة، و ممارساتها في المؤسّسات، إنّما هي علامات تؤشّر، مباشرة، إلى محنة كبيرة تهدّد بقايا الثّقافة الاجتماعيّة الدّائرة في فلك "الدّولة"، بالانفلات و الانفصال الذّرّيّ بين المدارات و النّواة، لتبحث لها عن "مدارات" أخرى، حول "نُوى" جديدة، بعد أن تكون قد خسرت ذاتها في "النّظام"..

و هو ما يجعل "النّظام السّياسيّ"، نفسه، في حالة من اللااستقرار البنيويّ، و هذا ما يُهدّد "الوجود الذّريّ" الاجتماعيّ و السّياسيّ، كلّه، بالتّلاشي و الضّياع.

و من يعود إلى "الكتاب الأوّل" من "جمهوريّة أفلاطون"، سوف يُدركُ فكرة عميقة لم تخطر ، بعد ، على ذهن معظم من فكّر بالسّياسة ، إلّا النّذر القليل.
ما يعمل عليه (أفلاطون)، أوّلاً، إنّما هو "إثبات" أنّه (و لو بمقاربة للمعنى، بتصرّف..) لا يمكن لنا أن نقرأ "الإنسان" - الفرد قراءة نقديّةاجتماعيّة و سياسيّة و أخلاقيّة (عامّة)، ما لم نستطع، أوّلاً، قراءة البيئة الاجتماعيّة و السّياسيّة المحيطة بهذا الكائن، و بمعنى آخر، ما لم نحكم، أوّلاً، على "النّظام السّياسيّ" و الاجتماعيّ بحروفه الواضحة هنا و الغائرة، في "الكائن"، في الإنسان - الفرد، هناك.

سينالنا الكثير من الغلط عندما نتوهّم إمكانيّة "إصلاح" المجتمع قبل إصلاح "الدّولة"، نفسها، و "النّظام السياسي".

و نحن عندما نتحدّث على "الدّولة"، إنّما نقوم بنقدٍ تمهيديّ للظواهر الاجتماعيّة الخطرة التي عاصرناها منذ ردح من الزّمان السّوريّ المعاصر، بما فيه زمن الحرب، هذا "الزّمن" الذي لن ينتهي، الآن، بل و إنّه سوف يطول...!؟

غير أنّه من غير المجدي ، كما أظهر لنا "التّأمّل السّياسيّ" المبنيّ على "التّجربة" الواقعيّة الحيّة، أن نتصوّر إمكانيّة لإصلاح اجتماعيّ (و الأنكى، أخلاقيّ!) من دون أن يسبق ذلك استعادة "الدّولة" لأسطوريّتها في الوقت الذي أفقدتها فيها "الظّروف" الموافقة للحرب كلّ هيبتها و مؤسّساتها الفاعلة و الحاكمة.

لا تُمارسُ، بعد، "الدّولة" في سورية، استقلالها كنظام تدبيريّ منفصل عن أصوله "العاطفيّة" في المجتمع. و يؤدّي هذ "المبدأ" إلى الكثير من الاختلاطات العجيبة بين "العاطفيّ" و "النّفعيّ" و "الأسرويّ" و "العشائريّ" و "القبليّ".. و ما إلى ذلك؛

و هذا "الوضع" لا يوحي بأنّ "الدّولة" قد استقلّت في "مؤسّساتها"، فعلاً، و بخاصّة في مؤسّسة "القانون".

عندما تحدّثنا، سابقاً، هنا، على تلك "المحلّيّة" العائليّة التي يُمارَس فيها "القانون" و يطبّق، فلقد رأينا أنّ "القانون"، عندنا لا يُطبّق و لا يمكن أن يُطبّق في "ظلّ" مؤسّسات "أهليّة" لم تدخل عصر البيروقراطيّة، حتّى الآن..
و مع هذه التّشكيلة "الإداريّة" في "الدّولة"، لا يمكن "الحديث" عن أيّة "أسطوريّة" تستمدّها "الدّولة" من المجتمع.

و حتّى ذلك الوقت..، فإنّه يترتّب على "الدّولة" أن تُمارسَ أسطوريّتها بمعزل عن الرّأي الاجتماعيّ العاطفيّ المُمأسس في الدّولة و النّظام..
و هذا ما يتطلّب استعادة نظريّة "الدّولة – الأسطورة"، بما في ذلك من اعتقاد للدّولة ، نفسها ، بأسطوريّتها و قبول تلك "التّهمة" السّياسيّة التي ألّفتْها قطعان السّياسة الدّاشرة في فلوات أسيادها "الأجانب"، بأنّ الدّولة "طاغية"..
و هذا في الوقت الذي لا يُمكن لهؤلاء، فيه، التّمييز، و لو "ثقافيّاً"، ما بين "التّغوّل" و "الفاعليّة"، و لا كذلك بين "الطغيان" و "الأسطرة"، هذه الأسطرة، و الأسطوريّة، الحاكمة للتّاريخ و للسّياسة التّاريخيّة و الإنسان الاجتماعيّ في مؤسّسة "الدّولة" و في "النّظام"..!

بنظرة "واسعة".. لا شيءَ يُحتّمُ على "الدّولة" أن تتنازل عن أسطوريّتها؛ و لكن المبدأ "الكونيّ" يقتضي الكينونة المتشارطة في المكان و الزّمان و الأبعاد المعلومة للتّوافق الاجتماعيّ، و تلك الأخرى غير المعلومة، أيضاً، و لكنْ، فقط، بالنّسبة إلى "البعض" دون "البعض الآخر"، و هذا ما تتطلّبه "الهارمونيّة" السّياسيّة التي تأتّتْ عن السّلطة الأونتولوجيّة التي سطّرتها الدّنيا بوصفها أسطورة عادلة، و هي من حقّها أن تكون "عادلة"..
إنّني أعني أن "العدالة" هي امتيازٌ و ليست واجباً ثقيلاً و حادّاً، كما يتصوّر الجهلة و الهواة في السّياسة و المعرفة..

و عندما تقضي "العدالةُ" ما قضته، أصلاً، السّياسة، و ليس العكس ، فإنّ "الدّولة" تستطيع استعادة ذاتها و استعادة المجتمع، أيضاً، هذا الذي مورِسَت عليه الصّعوبات القاهرة، في الحرب، بخاصّة، و بنتائج هذه الحرب في التيئيس الاجتماعيّ الذي مارسته عليه القوى الاحتكاريّة الأنانيّة و الجاهلة بالإنسانيّة، سواءٌ في السّياسة أو في الاقتصاد أو في غير ذلك، أيضاً..
و التي أسهمت فيها الدّولة، من حيث هي قد تخلّت فيها عن "الأسطورة" التي تُبيحها و تسوّغها..

ذلك أنّ أيّة دولة في العالم، و بقليل من الواقعيّة، عندما تتخلّى عن أسطوريّتها، فإنّها تبدو و تغدو مجرّد خرافة "وظيفيّة" علىملأ التّاريخ

إنّ البحث في نظريّة "الدّولة – الأسطورة" التي نقترحها، هنا، هي تتمّة لحقيقة سياسيّة يجب أن تكون واقعيّة، ولو أنّها قد لا تبدو للجميع، شأنها شأن الكثير من دلالات "الواقع"؛ كما أنّها تشكّل التّوسّع الضّروريّ للنّظريّة العقلانيّة النّقديّة التي وزعناها في أحاديث سابقة عديدة، و لم تنتهِ، بالطّبع، بعد؛ على اعتبارها شموليّة بقدر ما يُفترض بنا أن نحيط بالعالم، الطّبيعة و الدّولة و المجتمع و الإنسان.

***

أدناه تعقيب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

سلاسلك تغرق الأسطورة بحقيقتها و تخرج الأساطير إلى عالم الحقائق الأسطورية و ما الوطن إلا أساطير أبنائه المخلصين الحقيقيين و حقائق أبنائه الأسطوريين الذين فاقوا ترجمة الأسطورة و إسقاطاتها عمودياً و أفقياً.

نعم الأسطورة ليست ظلاً يقينا حرارة الشمس بل شمساً تقينا عتمة الظلال و بردها و هنا لن نجري من أسطورة إلى أسطورة لنبحث عن دولة بل سنبني الدولة لنرسخ أساطير الحقيقة و حقيقة الأساطير في سبيل البنيان المنشود..

من واجب القيادات عدم تسليم مفاهيم الدولة للرؤى الاجتماعية و عدم القفز فوق الرؤى الاجتماعية دون تغييرها بأسطورة الدولة كي تتجه بها و معها إلى الدولة الأسطورة و هذا ما يجعل واجب القيادات السياسية مضاعفاً في الولوج إلى تعاريف الدولة و فهمها كي تقدر على هد الشرذمات و الخرافات المتجمعة كالبنيان المرصوص..
بدلاً من تجمع التجانس و المتجانسين و الحقائق العقلانية في بلدانٍ تغزوها الخرافة كالنار في الهشيم و كذلك الإشاعات و الغرائز الجنسية و الطائفية..

بينما تبقى كل أفكار التنوير محاصرة بالخرافة الدينية التي على جهلها تضرب مفهوم الأساطير و تحاول دفنه ميتا أو وأده حيا..

فالخرافة الإسلامية مثلاً لا تقبل بأسطورة التنين الصيني أو حتى الفينيق السوري بينما تقبل بإسراء و معراج خرافي مخالف لكل لغات العقل في أي نص ديني مهما قالوا أن ذلك من البديهيات الربانية أو أدنى متطلبات قدرة الإله و لو قالوا ما ذلك على الله بعزيز أو أن الله على كل شيء قدير..

لكن ما يبقى راسخاً في الوجدان المدرك هو أن الأسطورة التي تبني ليست كالخرافة الهدامة فمثلاً هناك فرق بين أن تكون فيلسوفاً مبدعاً في مقتبل الخصب الإبداعي مهما بلغت من العمر عتيا و بين أن تبلغ أرذل العمر الذي تصاب فيه بالزهايمر و التخريف و عدم الإدراك و لو في مقتبل العمر كإسقاط زمني تخرجه الأسطورة من معايير بنائها..
لأن الأسطورة باقية و الخرافة زائلة و لأن الأسطورة أزلية أبدية و الخرافة آنية مرحلية..

فمن يستعيد أسطورة بناء دول و ممالك لا يستعيدها ليفتح دار فكاهة و ضحك بل ليبني دولة أسطورة حقيقية يتغير شكلها في مسارها الأزلي الأبدي..
و هنا فن الإسقاط و التعامل مع مجسم الدولة المختلف من مجتمع إلى مجتمع لا ليركن له و يحترم خرافاته بل ليحاول بكل ما أوتي من عقل محو الخرافات من بنى الأساطير الراسخة كالقلب في الضلوع بينما تتغير ملامحها تبعاً لمعالم الوجه الإنساني المتناسل و المتعاقب على مر العصور.

و هنا ضرورة توافق الأسطورة سواء أسطورة الدولة أو أسطورة قادتها إذا ما فصلنا و كانت هناك فسحة تمايز ما بين عقل الدولة الذي لا يبحث عن الأمجاد بل الرسوخ الأسطوري و ما بين عقل القادة الذين من حقهم الانفصال التجميعي ليس بمعنى الانفصال عن الدولة بل بمعنى أخذ مجدهم الشخصي الأسطوري ليواكب انتزاع الخرافة من المجتمعات الهشة..

كما قلنا توافق أسطورة الدولة و القادة مع خصوصية كل مجتمع كي تنجح مقاربة الخروج بأسطورة الدولة من خرافات الدول و هامشيتها إلى حقائق الدول الأسطورية بكل تعاريف العصر الذي تاه ما بين حداثته أو ما بعدها و لو بأبعاد كثيرة و ما بين الخرافة بكل أزمانها السوداء!

لك المنى الأسطورية و نحن معك بالوصول إلى الدولة الأسطورة مع قادة التغيير الأسطوري الأسطوريين دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

***

كما عقبت الدكتورة رشا شعبان بالتالي:أ رشا شعبان

كل الشكر و الإجلال لك دكتورنا الغالي لجهودك الكبيرة و البالغة العمق و التأثير، و التي تعمل عل فضّ إبداعي للعلاقة بين ثنائيات مفهومية لم يعتد العقل السياسي و لا الاجتماعي الخوض فيها، في محاولة الامتلاك المعرفي و الفكري لواقع تتزاحم في المتناقضات المعقولة و غير المعقولة، و التي من الواجب إخضاعها للتحليل و التمحيص و النقد.

نعم أيها الحكيم، لكل مجتمع أنظمة رمزية تعبّر عن تصور ما لعلاقة الإنسان بالعالم و علاقة الإنسان بالإنسان، و تمثّل الأسطورة نموذجاََ تفسيرياََ للعالم عاكساََ للوعي المتعيّن اجتماعياََ لمحيطه و للظواهر التي شغلت وجوده.

إنها الشكل الذي يكشف عن اقتحام المفارق في حياة الإنسان في لغة الخيال و وفق تصوّر كل عصر للعالم، عندما تحكي الأسطورة على نحو مجازي و رمزي كيف حدثت واقعة ما، فإنها تعطي دلالة للعالم و الوجود الإنساني، و تقترح بذلك على الإنسان نموذجاََ أو طريقة مثلى للوجود و الفعل.

إنها تستحضر في كل مرحلة من مراحل التاريخ و الثقافة كل ما يتجاوز بعد التنظيم العقلي للعالم.

إنها النشاط الإنساني الذي يستبق الواقع انطلاقاََ من الشروط التي يولد فيها، ليخبر الوعي عن غاياته الخاصة و مشاريعه، إنها مشروع يتعالى على موضوعه و يستبق واقعه سواء لتبرير النظام السائد أو للاحتجاج عليه و تغييره.

إنها محاولة لتفسير المرئي ب اللامرئي، و ذلك ليس ضلالاََ، بل شرطاََ لازماََ لكل جهد عقلي غرضه تجاوز التجربة و الوسائل الحسية الحركية، لتنتج عالماََ للأسباب المتخفية و الممتزجة بعالم الوقائع المحسوسة.

إنها عالم الحقيقة في وهميتها و إيهامها بآنِِ معاََ، تلك الحقيقة التي تراتبت في منظومة درامية صاغها العقل استناداََ إلى ما هو واقعي، و ليس بالضرورة امتلاكه لما هو حقيقي.

إنها الحقيقة الضرورية في وهمها و استيهامها و التي استندت لعلاقة السبب بالنتيجة في تصورها الدرامي.

و إذا ما تعمقنا في مفهوم الدولة و إسقاطات الأسطورة في تعيّنه وظائفياََ و بنيوياََ، و في صفات الأسطرة، التي تمثّلت به و فيه، نتلمّس هذا التعقيد في الدولة الأسطورة، و التي تعيّنت واقعياََ ب أسطورة الدولة.

إن الظواهر الحسية التي يتجلى بها وجود الدولة لا يفيدنا في التعرّف على كنهها..
و حسياََ الدولة تتمظهر بوصفها جهازاََ يتعيّن في مجموعة هيئات و هياكل تنظيمية و مؤسسات قانونية و إدارية تنظم حياة شعب داخل إقليم ما، إلا أن هذا التعيّن الحسي لا يمكن أن يمثل حقيقة الدولة، و هنا تظهر الدولة في تماهيها الأسطوري في جوهر و كنه وجودها.

فالدولة شأن ذهني، كامنة في أذهان الناس الذين لا يدركونها، و هذا لا يناقض أو يضاد حسيتها، بل يصب في وجوب التمييز بين المؤسسات و من يمارسون مهام الدولة، و بين الدولة في ذاتها.

و القوة أن الدولة بوصفها فكرة، يصبح لزاماََ علينا الفصل بين عمل السلطة السياسية و الدولة من حيث تمتّعها بوجود غير مرئي.

فما من أحد رأى الدولة، ولكن لا أحد ينكر وجودها، إنها الدولة الأسطورة.

و هذا الفصل يساعدنا على تفسير، كيف يمضي الحكام و تحافظ الدولة على ديمومتها؟!
و كيف تتعدد أنظمة السلطة السياسية و تختلف، و في المقابل تحتفظ الدولة بوجودها و تقاوم كل محاولات لإزالتها، و هذا ما استوقف "بيردو" في استكناه مفهوم الدولة.

و على هذا الأساس ليست الدولة واقعاََ خالصاََ، و إنما هي فكرة خالصة، و هذا التعيين المفهومي هو ما تفيض عنه حاجة الإنسان الضرورية للدولة، فقد اخترعها البشر حفاظاََ على إنسانيتهم و حماية لكرامتهم من الهوان، حيث لا يخضع البشر أو يتنازلون عن قوتهم لإرادة بشرية مثيلة له، فتتمظهر الدولة في قوة اسطورية مفارقة مقدسة متعالية عما هو بشري، ليهب البشر طاعتهم للدولة.

و هنا يتجلى الإلتزام بأوامر القائمين على تنفيذ القوانين، سواء كان مسؤولاََ أمنياََ أو أميناََ على المال العام أو حافظاََ للشأن القضائي، لا بوصفه طاعة لشخصهم و إنما استجابة للسلطة التي يمثلونها، إنها ليست الثقة في شخصهم، و إنما في سلطة الدولة التي يؤدون وظيفة لها.
وهنا يستحيل الموطن إلى مشارك في السلطة العامة، عندما يحترم سلطة الدولة الضامنة لسلطته.

و هنا الحلقة المفقودة، إنها في تمرّد المواطن على سلطة الدولة أمام خرافة العلاقة مع السلطة، و التي تمظهرت في المعارضة للدولة في علاقة توهمية مزيّفة، ب الثورة على الدولة بوهم تغيير الدولة نحو ما هو منشود في ضبابية العلاقة مع الدولة.

و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن الهجوم على الدولة بدعوى المعارضة و التغيير، كان هجوماََ. انفلاتياََ غريزياََ مسيّداََ من الأجنبي، و الذي يستهدف جوهر الدولة و أسطوريتها العادلة الضامنة للحق و العدل و القوة..

و الطامة الكبرى في تلك البؤر الكامنة في عمق الدولة و أشباه الرجال الذين عملوا تراكمياََ على بعثرة قوة الدولة و تشتيت أهدافها و إضعاف هيبتها، و بالتالي إزاحة الأسطرة عن جوهرها، لتستحيل خرافة و فوضى في منطوقها و علاقتها بواقعها و مواطنيها.

نعم دكتورنا الغالي إن استعادة الدولة الأسطورة، ليست علاقة بعيدة عن الدلالات الواقعية، بل هي إعادة لصياغة عقلانية نقدية لطبيعة العلاقة بين الدولة و المجتمع و الإنسان.

إنها استعادة للحكم المستقيم القائم على التنظيم الجيد و القاصد ل إنجاز القيم العليا الأخلاقية، و الفكرية، و تحقيق الرفاه الاجتماعي المتاح للكل، لتستقيم سيادة الدولة و تتاح للمواطن سيادته، في تعيّن وجودي فعلي، لا كياناََ صورياََ..
ولا مواطنة دون سيادة الدولة.

كل المحبة و التقدير لحكيمنا الرائع، و أتمنى أن أكون قد لامست بعضاََ من غزارة أفكارك و عمق تحليلك.

شكرا دكتورنا الغالي، بهجت سليمان.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود