"العروبة" بين سؤال أ. آدم سليم وجواب د. بهجت سليمان
علّقَ الأستاذ "آدم سليم", في صفحة د. بهجت سليمان, بما يلي: "يجب الفصل بين العروبة كحالة حضارية وثقافية ولغة... وبين الفكر القومي العربي العنصري والذي اساسه مذهبي (ديني سياسي)".
فَرَدّ عليه الدكتور بهجت سليمان, بما يلي:
•
ياصديقي الأستاذ "آدم سليم":
1 • أعتقد أنّ المشكلة "الأساسيّة"، وفق ما قد توضّعت تاريخيّاً، تغيب عن بال مثقفينا عندما يتجاهلون "الثقافة" التي يبنون عليها قواعدهم الفكريّة، بحيث أنّهم يخرجون من الثّقافة إلى "الّلغو" الكيديّ المبنيّ على عواطف عابرة أو متأصّلة في النّفس، نتيجة لردود أفعال دخلت عندهم في صيغة "الفعل" الثّقافيّ، زعماً و زوراً، من دون أن يدركوا أنّهم قد ألغوا أنفسهم ك حالات "ثقافيّة" فاعلة، عليها أوّلاً أن تنتمي إلى ذاتها، و لا نطلب منها "انتماءً" آخر، فلهذا له حديث مختلف.
2 • ما نحتاجه هو التّمييز، أوّلاً، بين "المفاهيم" المختلفة التي تدخل في محدّدات "العروبة" كمفهوم "ثقافيّ" و حضاريّ، أهمّ ما يرفعه و يقوم عليه هو "الّلغة"، بما هي "الّلغة" تتجاوز كونها وسيلة للتّخاطب و التّفاهم، لتدخل في البنيّة النّفسيّة و العقليّة للشّعوب، مكوّنةً جذر الوجود، جاعلةً البنى الفوقيّة للتّفكير الاجتماعيّ، شيئاً يتماسك في المحصّلة على أنّه جذر تكوينيّ لا يمكن تجاهله، ما لم نتجاهل الإنسان نفسه الذي يتبنّى (بنيوياً) هذه "الّلغة"..
و أمّا من أراد التّوسّع في فهم ما نقول، فليعد إلى علم "الّلسانيّات" و "السّيمانمتيك" (السيميولوجيا) عند (ليفي شتراوس) و (فرديناند دو سوسير) و (لوسيان غولدمان) و آخرين غيرهم أيضاً.
3 • الّلغة هي التي تصنع البنية الجذرية للشّعوب، و بخاصّة إذا دخلت في أدواتها "الثّقافيّة" الأساسيّة، كالقراءة و الكتابة و التّفكير و الحلم و الأمل..
و في هذا "الثّبات" تختفي قيمة كلّ "الآراء" الأخرى التي تنتج من مواقف عارضة تبنى على "ردّ فعل" له أسبابه "السّياسيّة" السّطحيّة المقترنة بالظّروف و الأعراض و العوارض الطّارئة في حياة "الأمم".
4 • و طالما أنّنا نتحدّث عن "الأمم"، فعلينا ان نتذكّر أنّ "الأمّة" هويّة طبيعيّة تدخل في التّصنيع "السّياسيّ" عندما تريد لها "دولة قوميّة" و حضوراً سياسيّاً دولياً بوصفها "أمّة" دخلت طور الوجود الاعتباريّ العالميّ.
5 • و أمّا "القوميّة" هذه، فتعتمد، أوّل ما تعتمد، على الجذور التي أوجدت الأمّة، قبل أن تعتمد على "الأيديولوجيا" نفسها بكلّ أنواعها، سواء كانت "أيديولوجيا دينيّة" أو "أيديولوجيا عنصريّة" أو "أيديولوجيا حزبيّة" أو "أيديولوجيا سياسيّة".
6 • إنّ التّظهير الأوليّ للقوميّة هو تظهير "وجوديّ" يخرج إلى الفناء العالميّ بوصفه مشروعاً سياسيّاً في "دولة"، و عندها نستطيع التّحدّث عن الأمّة – الدّولة، و عن الأمّة – القوميّة، و عن "القوميّات" السّياسيّة، سواء أكانت دينيّة أو حزبيّة أو غير ذلك.
7 • ولا أنصح بردود الفعل التي تخلط بين الدّعوة السّياسيّة (الدّينيّة أو الحزبيّة) إلى القوميّة في خطاب يستهدف "الأمّة".. و بين الدّعوة الوجوديّة التي تنتهي في مشروع سياسيّ هو "الدّولة القوميّة".
و هنا أيّاً كانت "القوميّة" (سوريّة أم عربيّة) فإنّها تنطبق عليها هذه الشّروط التي ذكرناها، على "الأمّة" و على "القوميّة" و على "الدّولة القوميّة".
8 • و لا يقبل العقل مهما كان الأمر، حديث الصديق (آدم سليم) بالخلط بين "القوميّة العربيّة" و بين "جامعة الدّول العربيّة"؛ إذ أنّ معلومات المدارس الابتدائيّة تقول إنّ "الجامعة العربيّة" (جامعة االدّول العربيّة) مؤسّسة سياسيّة في ظروفها المعروفة، بينما القوميّة ليست مؤسّسة، و إنّما كما قلنا عنها هي التّظهير الوجوديّ - السّياسي الأوّل للأمّة.
ةفما هي علاقة "القوميّة العربيّة" بجامعة "الدّول العربيّة"؟!
9 • إنّ الخلط المتعمّد بين السّياسيّ و الوجوديّ و الجذريّ و القوميّ و العنصريّ و الدّينيّ.. إلخ؛ يبدو هنا، في حديث صديقنا الاستاذ (آدم سليم) وبعض الأصدقاء الآخرين، يُشَكّل قفزاً على، أصول الحديث "الأنثروبولوجيّ" عن "الأمّة" و "القوميّة" و "الدّولة"... و هذا الشّرط لا يمكن التّنازل عنه في "الثّقافة" لأيّ سبب كان..
10 • هنا، فقط، أرجو أن أكون قد دلّلت من جديد على أن معظم "المثقّفين" لا يقتنون ثقافاتهم، غالباً، إلّا لاستعمالات مناسباتيّة تخدم نزعاتهم التي تكوّنت على طريقتها المجهولة!