يحيى زيدو: حماقات المثقفين و خياناتهم
من الكتب الممتعة التي قرأتها مؤخراً كتاب بعنوان (جنون الفلاسفة).
يتناول الكتاب حياة ثمانية فلاسفة كبار: (جان جاك روسو، آرثر شوبنهاور، فريدريك نيتشه، بيرتراند راسل، لودفيغ فيتغنشتاين، مارتن هايدغر، جان بول سارتر، ميشيل فوكو).
و يحاول الكتاب أن يوضح أن «حياة العقل لا تقود بالضرورة إلى حياة عاقلة»، فالفلسفة، كما تستطيع أن تنير عقل الإنسان، تستطيع أن تخدعه و تضلله أيضاً.
يقول ديكارت: «تستطيع النفوس العظيمة القيام بأعظم الرذائل كما تستطيع القيام بأعظم الفضائل».
ربما يتقبل البشر السلوكيات و التصرفات الشاذة أو المخالفة للفنان أو الموسيقي او الرسام او الشاعر، و ربما كانت هذه السلوكيات سبباً في تعزيز سمعتهم و شهرتهم حتى بعد وفاتهم. لكن الناس في العموم لا يقبلون ذلك من المفكر أو الفيلسوف.
هذا الكتاب يوضح الصورة المناقضة لصورة المفكر أو الفيلسوف التي وصلتنا عن هؤلاء، و يبين لنا كيف أنهم عاشوا بشكل مخالف لما تم تنميطه من صور لهم، فبعضهم مارس كل أشكال الخيانة للأصدقاء، و للناس الذين ساعدوه، و بعضهم لم يتورع عن إغواء زوجات اصدقائه، و خيانة زوجته. و منهم من وضع نظريات في التربية لكنه ترك أولاده الخمسة يموتون في ملجأ، و منهم من تزعم التظاهرات ضد استخدام القنبلة النووية لكنه لم يتورع عن الدعوة لضرب الاتحاد السوفياتي بالقنابل النووية حتى قبل أن يمتلك السوفييت سلاحاً نووياً.
و من هؤلاء من عمل بوق دعاية للنازية.. و منهم من تقلب في مواقفه بلا مبدأ، و فيهم الذي احتقر المرأة، و احتقر أيضاً الجنس البشري، و كره الناس جميعاً، و قطع الروابط العائلية مع أسرته. *
بعد الانتهاء من قراءة الكتاب لا بد أن يتبادر إلى الذهن عشرات الأسماء التي كانت تصدع رؤوسنا لسنوات خلت بأفكار التنوير، و العقل، و الحرية.. بعضهم درسنا عليه في المرحلة الجامعية، و بعضهم قرأناه، و بعضهم عرفناهم شخصياً في العمق او بشكلٍ عابر..
أسماء مثل: صادق جلال العظم، أحمد برقاوي، عارف دليلة، برهان غليون، عبد الباسط سيدا، عبد الرزاق عيد، ميشيل كيلو، يحيي العريضي، جورج صبره، عزمي بشارة، سمر يزبك، ديمة ونوس، فؤاد حميرة.. و عشرات آخرين من كتَّاب و فنانين و إعلاميين.. كانوا يعيشون على موائد الأثرياء، يحظون برعاية أصحاب النفوذ، و يأخذون ما شاؤوا من الامتيازات و المكاسب و المناصب.. و ممنوع نقدهم.. حتى أن بعضهم صار ظاهرة ثقافية قائمة لوحدها بلا شريك..
هؤلاء و غيرهم كانوا أول الخائنين.. أول الهاربين حين وقعت الواقعة. لم يتجرؤوا حتى أن يدافعوا عن امتيازاتهم، و جلَّ ما فعلوه أنهم بحثوا عن أسياد جدد يقدمون لهم المال والرعاية، فوجدوا في حكام الخليج الراعي المالي، و في أقبية المخابرات الأمريكية و الفرنسية و البريطانية و الصهيونية مدارس توجههم، و تعيد تصنيعهم ك«ثوريين جدد»، يقفون على الضفة الأخرى ناطقين باسم الظلاميين التكفيريين، مبررين كل أعمال القتل و العنف و التخريب التي مورست على أرضنا، و مسوغين لتواجد عشرات آلاف الجهاديين من عشرات الجنسيات لقتل السوريين باسم «الثورة» أو «الحرية».
قد يتصالح السوريون يوماً.. و يعرف فقيرهم أن الفقير الذي قاتله في الجهة الأخرى لم يكن سوى أداة بيد آلة دعائية صخمة جعلت من شريكه في الوطن عدواً له.
هذه الآلة كان العاملون فيها، بتوجيه من أعداء السوريين جميعاً في أجهزة المخابرات الغربية و الخليجيةو التركية، كانوا أولئك الذين اعتبرناهم لعقود مثقفين، و ربما مخلِّصين بحكم القيمة الرسالية السامية، أو الرسولية المقدسة للثقافة التي استمد المثقف قداسته منها.
عندما يتصالح السوريون يجب ان يتذكروا أعداءهم.
إن أعداءهم هم المثقفون الذين خانوهمو (كتاباً، شعراء، مسرحيين، روائيين،أساتذة جامعات، مدرسين، إعلاميين، صحفيين، فنانين..) بنفس الدرجة التي يكون فيها (الصهيوني، و الوهابي، و العثماني) هم أعداء السوريين، من دون أن ننسى أولئك الذين حملوا السلاح خدمةً للخارج المعادي و قتل بسلاحه سوريين، و دمر و احرق و خرب مؤسسات و منشآت و بيوتاً على امتداد الأرض السورية.
أيها السوريون: تصالحوا و تسالموا. لكن لا تصالحوا و لا تسالموا أعداءكم.
........
* كتاب (جنون الفلاسفة) تأليف: نايجل رودجرز- ميل ثومبثون.
ترجمة: متيَّم الضايع.
-الترجمة غير جيدة أحياناً، خاصة في ترجمة بعض الأسماء و المصطلحات، و بعض الشواهد للمفكرين الذين ورد ذكرهم في الكتاب ربما لأن المترجم ليست لديه معرفة كافية بالفلسفة.