د. بهجت سليمان: "النّظام السّياسيّ الدّستوريّ".. و تطوّرات تحدّيات "الصّراع" - الجزء الأوّل "1“
[الحلقة الثالثة والخمسون “53“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:
{"النّظام السّياسيّ الدّستوريّ".. و تطوّرات تحدّيات "الصّراع" - الجزء الأوّل "1“}
• د. بهجت سليمان
من الطّبيعيّ أن تأخذ "الحرب المفتوحة" لها مسارات و تجاوزات واقعيّة و عقليّة، إلّا أنّها تبقى في النّهاية في إطار الواقعيّة و العقلانيّة و ذلك مهما حملت من مفاجآت مزعومة؛ إذ لا تنتهي "الحرب"، كلّ حرب، في إطار "خطّة" مزعومة لها، و ذلك مهما كان ذلك ممكناً في دائرة التّصوّرات التي تسبق و تعاصر و تتجاوز زمن الحرب و مكانها و أهدافها الأصليّة منها و المتبدّلة في السّياق.
و لهذا فإنّه من باب خلق الذّرائع و تمثيل دور وضعيّات الدّفاع عن الشّعوب.. (!) أن تدّعي (الولايات المتّحدة)، اليوم، أنّ "قواتها العسكريّة" لن تخرج من (سورية) قبل إحلال "النّظام الدّيموقراطيّ" في (سورية) بواسطة "نظام دستوريّ سياسيّ برلمانيّ"؛
مع أنّها تعي جيّداً أنّها ليست في "الموقع" الذي تستطيع منه أن تُملي شروطاً على "السّوريين" مهما بلغت من قوّة "عالميّة"؛ بعد أن كان لها في وقتٍ سابق قريب تجارب عسكرية، بالتّحديد، مع السّوريين و غير السّوريين، في المنطقة، و غير مرّة، و كانت فيها خاسرة لرهاناتها الإمبرياليّة و أحلامها الإمبراطوريّة.
غير أنّه، و من باب "السّياسة"، ربّما، يتحتّم علينا أن نأخذ جميع "الأوضاع" و الظروف المتطوّرة في الحرب على (سورية)، بعين "الجدّ"، بعيداً عن التّهكّم و الاستهتار الّلذين لا يعكسان، بحال، موقفاً سياسيّاً حصيفاً في "عالم" متعدّد الأوجه و المصالح و المتغيّرات الاحتماليّة و غير الاحتماليّة، لعلّ "الواقع" يكمن في إحداها، أو في مجموعها، معاً، إذ لطالما كنّا نقول، و ما زلنا، إنّ "الواقع" مفهوم مركّب و معقّد أمام المشتغلين بالفكر السّياسيّ، حيث يعرض هذا الواقع نفسه بطرق فريدة و متنوّعة و كثيرة التّحوّلات.
و لكن لماذا لا نتساءل ماذا تريد (أميركا)، و من ورائها أتباعها في (سورية) ممّن صنّفوا أنفسهم في زرائب "المعارضات"..، لعلّ الأمر يتجاوز الأقوال إلى تجربة "الأفعال" الخاسرة، على اعتبار أنّ (أميركا) لا تعنيها الخسارات، كثيراً، حيث أنّها لا تخسر "شيئاً" كبيراً إن هي استعملت "أتباعها" الأغبياء من السّوريين و غير السّوريين، لتحقيق أهدافها أو لمحاولة تحقيق جزء من أهدافها المتمثّلة في رغبتها في "السّيطرة" على هذه المنطقة؛ و لتضحّي بهؤلاء عندها و لتخسر أتباعها، عندما تخسرهم، فهي غير معنيّة عاطفيّاً أو أخلاقيّاً بأيّة التزامات أو ارتباطات مع "الأتباع"؛
لأنّها، و كما بيّنت التّجارب البعيدة و القريبة، لا تقبل (أميركا) أيّ منطق في "الشّراكة" أو "الصّداقة" أو العلاقات "النّديّة" مع أيٍّ من الأطراف الدّوليين الذين تدخل معهم فقط على خلفيّة علاقات ظرفيّة و منطلقات و "مبادئ" عابرة كعبور سحائب الصّيوف؟!
في "السّياسة" يجوز الأخذ بِ"الفرض" و لو بدا "مستحيلاً"، و قبل أن تثبت براهينه في المعاينات الواقعيّة المباشرة؛ على أنّه ينبغي، بطبيعة الحال، على الفكر السّياسيّ أن يقرأ، في معرض "النّظريّة"، كل احتمال ممكن في "السّياسة" من احتمالات البراهين الممكنة؛
من واقع أنّ كلّ احتمالات السّياسة هي احتمالات عمليّة في "النّظريّة النقديّة" العقلانيّة السّياسيّة..، و من المفروض أن تقرأ على أنّها كذلك.
و ربّما ليس هذا المكان هو المكان المفضّل لقراءة تلك الاحتمالات السّياسيّة المختلفة، حيث تبقى الطّرائق التي تُعتَمَد من أجل ذلك مرهونة بظروفها العمليّة المكانيّة و الزّمانيّة؛
على أنّه من الممكن أن نختار منها خياراً "عامّاً"، فقط، و إطاراً نقديّاً يصلح لأن يكون تطبيقاً مناسباً في مختلف المواقف و الدّواعي التي تحتّم على "السّيادة" أن تعتبر هذا الخيار أو هذا الإطار ممّا قد يدخل في تجربتها السّياسيّة النّظريّة الخالصة.
من جانب آخر، فإنّه ليس من البعيد على الواقع السّياسيّ المركّب و المتطوّر لمجريات "الصّراع" في (سورية)، أن يكون قد لامسَ هذا"الإطار" الذي نتحدّث فيه؛ أو، ربّما، كان هذا "الخيار" من ضمن السّياقات السّياسيّة المتشعّبة التي وصلت إليها الحرب السّوريّة في مفرزاتها السّياسيّة، انطلاقاً من غزارة "الطّموحات" في القراءات العديدة لآفاق "الصّراع".
و إذ تدخل هذه "المشاريع"، على مختلف جدّيّتها أو توهّماتها، في المنظومات الثّقافيّة السّياسيّة لأطراف "الصّراع"، فإنّه من الثابت، في الموحي و العمليّ، أن يكون بحث طبيعة "النّظام الدّستوريّ" و السّياسيّ السّوريّ، هو واحد من أهم المباحث التي تشكّل "أساسيّات" مشاريع "الحلول"، المتعدّدة، و المطروحة في قلب الحدث السّوريّ، و لو لم تكن تمتلك، جميعها، تلك "المشروعيّات" أو "الأفضليّات" التي تؤهّلها لتكون في عداد المشاريع الجدّيّة أو المشاريع المقبولة، أصلاً، لتكون مادّة "سوريّة" من موادّ تلك "المنظومة" السّياسيّة التي هي في كثير من جوانبها و اتّجاهاتها، تبدو و كأنّها من قبيل "الأمر الواقع"؛
على رغم أنّ "الأمر الواقع"، نفسه، ذلك الذي جعلها "مشروعة"، هو، نفسه، الكفيل بتبديدها و إفنائها في مخرجات الحلول القادمة الدّاخلة في مبدأ "الشّرعيّة" الذي هو المبدأ السّياسيّ السّوريّ الخالص، الوطنيّ، و حسب.
و لأنّنا نتحدّث على "المنظومة" السّياسيّة الكاملة، و "النّظم" الدّستوريّة السّياسيّة؛ فما من مانع نظريّ، على الأكثر، من بحث ما يُثارُ من مقترحات سياسيّة "دوليّة" حول تحوّلات دستوريّة سوريّة، تمنح الفرصة التّجريبيّة العبثيّة، لقوى سياسيّة "افتراضيّة"، أن تدخل في فرضيّات سياسيّة تحاكي فيها واقع المجتمعات التي تعدّ مادّة حقيقيّة للسّوسيولوجيا السّياسيّة التي تفصلنا عنها، في مجتمعنا، حضارة كلّيّة و شاملة.
و تسهيلاً على القراءة، و فصلاً للتّشابكات، سنقسم حديثنا إلى أجزاء نتولّى فيها، على حلقات، القولُ على:
1 - "النّظام"، بعامة, السّياسيّ و الدّستوريّ؛
2 - ثمّ على "النّظام البرلمانيّ"؛ و
3 - "النّظام الرّئاسيّ" أو "الجمهوريّ"؛
4- مستكملين هذا و ذاك بالنّقد السّياسيّ، إلى حيث يأخذنا، بالضّرورة، الحديث إلى مقترحات و خلاصات نظريّة لا بدّ معها من موقف سياسيّ، إذ ليس في السّياسات حياد.
من الواضح أنّنا أمام دراسة موسّعة فرضتها علينا طبيعة الّلحظة السّياسيّة و تعقّد المواقف و التّصوّرات، و لهذا سيكون حديثنا على مراحل في حلقات متواليّة، نتناول في كلّ حلقة منها جزءاً واحداً من أجزاء هذا "البحث" المسؤول و الدّقيق؛
و لِنعتبر أنّنا قادرون على التّمرّن الجدليّ بواسطة مفارقات فلسفيّة و سياسيّة، و لِنعتبر أنفسنا مهيّئين لمثل تلك الجدليّات المستحيلة و المغالطات الاجتماعيّة التّاريخيّة، فنتبنّى موقفاً جدّيّاً ممّا هو مطروح هنا و هناك؛ لنكون من أصحاب المشاريع، أيضاً، المفتوحة أمام الجميع.
لقد تعوّدنا، هنا، على هذه الصّفحة، أن نتمثّل جميع الآراء على أنّها واقع، و لكنْ واقع نقديّ أيضاً كما قد جرت العادة؛ و يعرف أصدقاؤنا، و غيرهم، ما أهمّيّة ما نقول.
يُقدّم لنا "الغرب" اليوم مقترحات، بالعنف، على شكل "النّظام السّياسيّ"، أو "النّظام الدّستوريّ"، في (سورية) القادمة، بحيث يضمن حضوره الفعليّ في الدّاخل السّياسيّ، ليكون مطمئنّاً على مستقبل القسر السّياسيّ الذي يتحدّى به، اليوم، الدّولة السّوريّة، بكلام صريح في عباراته الواضحة في أنّ "القوّات الأميركيّة" الموجودة في (سورية) بصيغة "احتلال مباشر"، عسكريّ، لن تخرج ما لم تندرج (سورية) تحت السّيطرة "النّظاميّة" العالميّة، بأن تدخل في "النّظام الدّستوريّ البرلمانيّ" و تأليف "الحكومة" بالنّسب "الكُتليّة النّيابيّة"!
هذا كلامٌ منشور كشروط "أميركيّة" مباشرة لقبول "الواقع" السّياسيّ لوجود "الدّولة" السّوريّة، و لوجود المجتمع "الحرّ" و لوجود "الحرّيّة السّياسيّة" من "الاحتلال"، و كذلك لوجود "رئيس الجمهورية" نفسه!
و لكنّ ما يجهله "الأميركي"، بالنّسبة إلى الحرب السّوريّة، في الحرب على (سورية)، هو أنّنا في "الدّولة السّوريّة" و في "المجتمع السّوريّ"، لسنا، بعدُ، في عجلة من أمرنا، بعدما أصبحت "الحرب" قدراً مزمناً في حياة السّوريين اليوميّة، و بعد هذه "الانتصارات" المتواليّة التي يُحقّقها الجيش العربيّ السّوريّ على الأرض، و في كلّ بقاع (سورية)، و بعد أن خلقت الحرب السّوريّة مجالاً جديداً للصّراع العالميّ لا يتوقّف على رأي (أميركا) و طموحات "الغرب" الاستعماريّة، و لا كذلك ينشرط بشروط بسيطة و منفردة و تقريريّة كما يتصّورها العقل "العمليّ" (المسمّى براغماتيّاً) الأميركيّ السّاذج و المتعجّل بالّلهاث وراء "المال"، بأنواعه، باستمرار.
واضح للجميع أنّ تطوّرات "الصّراع" على سورية تأخذ لها في هذا الطّور اتّجاهات سافرة بعد أن قطعت زمناً كانت فيه مستترة وراء شعارات أيديولوجيّة حداثيّة و إنسانويّة حجزت لها أتباعها من مثقّفي الخيانة في المنطقة و في العالم، و ذلك بعد أن استعجلتها أسبابها المتعلّقة بالوهم أكثر ممّا هي قائمة على حقائق تكوّنت تكوّناً نهائيّاً في الواقع و في الأفكار.
إنّ الّلحظة السّياسيّة التي تأخذ لها اتّجاهات سياسيّة نوعيّة في تناهي الحلول العسكريّة في الحرب السّوريّة، يوماً بعد يوم، تفرض تحرّك العقل السّياسيّ النّظريّ ليتولّى الشّوط الثّاني من "الحرب" في انقباضِ الخطاب السّياسيّ الدّوليّ إلى صيغته الأخيرة بمضمونها الدّبلوماسيّ المزعوم، لكنْ و الذي لا بدّ من مجاراته بالّلغة النّظريّة السّياسيّة كأمر واقع مفروض على المجتمع الدّوليّ، بحكم تقاطعات اتّجاهات الصّراع السّياسيّ العالميّ، كما بحكم افتراقات اتّجاهات الصّراع في الدّاخل السّوريّ.
هكذا تلحّ الحاجة السّياسيّة الرّاهنة على المثاقفة السّياسيّة العالميّة المباشرة التي يضخّها الجميع فيما يطرحه مختلف الأطراف من تصوّرات على حلول، أو من حلول جاهزة، يُراد لسورية الأخذ بها، و كأنّ السوريين حديثو العهد على السّياسة في تاريخهم المعاصر الذي يُحاكي تاريخاً حيّاً يعود إلى آلاف السّنين.
لقد قدّم العربُ "السّوريّون"، أوّل "دستور" في التّاريخ عرفته البشريّة في (قرطاجنّة) الفينيقيّة (العربيّة) السّوريّة، منذ ثلاثة آلاف عام، و كان أن أشعّ سياسيّاً حتّى على فلاسفة الإغريق السّياسيين أمثال (أفلاطون) و (أرسطو)، و منه عرفت البشريّة ماذا يعني دستور "الدّولة"و نظامها الدّستوريّ السّياسيّ؛
حتّى أنّها شكّلت هذه الحضّارة السّياسيّة و العسكريّة المتجذّرة مع "الماضي" البعيد، إقلاقاً مزمناً لِ(روما) و خوفاً مخيّماً عليها، ما دفع (كاتون) من "مجلس الشّيوخ" في (روما) إلى "نصيحته" الشّهيرة لمجلس (روما): "يجب أن ندمّرَ قرطاج"! [مادلين هورس ميادان. تاريخ قرطاج].
في كلّ حال فإنّ مفهوم "النّظام السّياسيّ" كمنظّم للحياة الاجتماعيّة و السّياسيّة في المجتمع الواحد، لا ينفصل في عمقه عن مفهوم "النّظام الدّستوريّ" التّاريخيّ، من حيث اشتراكهما في علّة التّنظيم، و بالتّالي في ممكناته المرتبطة بطبيعة و درجة التّطور الأنثروبولوجيّ للمجتمع نفسه الذي يحتاج إلى التّنظيم.
و عليه فإنّ النّظم السّياسيّة (الدّستوريّة) ليست شيئاً أو أشياءً معلّقة في الفراغ، كما أنّها ليست أنطمة للفضاء السّياسيّ و البنية الفوقيّة للمجتمع و الدّولة، بقدر ما هي تنظيم للحقول التي تُمارس فيها الثّقافة الاجتماعيّة و السّياسيّة و درجة تطوّر البنية الاقتصاديّة، التّحتيّة، المساهمة في طرائق التّفكير االثّقافيّة للشّعب.
و هكذا، ففي "النّظم السّياسيّة" أو "النّظم الدّستوريّة"، نستطيع أن نرصد تطوّراً تاريخيّاً مرحليّاً يتناسب مع درجة نضوج المجتمعات و الأمم السّاعية، فعلاً، إلى التّنظيم، من داخلها، و ليس بوصفات قسريّة على طريقة "سرير (بروكوست)". [هو المجرم الأسطوريّ الإغريقيّ و قاطع الطّريق (بروكوست) الذي كان يملك سريراً فيصيد الأشخاص ويأمرهم بالنّوم على السّرير، فإذا كان الشخص طوله مناسباً لطول السّرير نجا، و إن كان أقصرَ من طول السرير يقوم (بروكوست) بتمديده و شدّ ساقيه و تمزيقه كي يتناسب مع طول السّرير، و إن كان أطول من السّرير يقوم (بروكوست) بقطع أطرافه ليلائم ما يتبقّى منه طولَ السرير].
عندما نتحدّث على "النّظم"، علينا، أوّلاً، أن ننظر إلى تاريخ هذه "النّظم"، إذ لا شيء خارج التّاريخ. و إن كان لأحدٍ أن يكون تاريخيّاً فهذا يعني أن يكون، أوّلاً، يقف في "واقع" هو على مسافة رمزيّة من "العالم" إذْ أنّ "الواقع"، في حقيقته، هو وَحدة تاريخيّة شاملة في هذا العالم.
و تاريخ النّظم هو تاريخ "الدّولة" التّاريخيّة بالذّات، حيث يجتمع في "النّظام" الأساسيّ للدّولة كلّ تاريخها و تاريخ الدّول العالميّة عندما تكون "الدّولة" جزءاً من عالم ليس لها أن تكون خارجة عنه.
يقضي هذا الواقع بأن نتفهّم خصوصيّات "الجزء" في إطار "العموم" الكلّيّ للتّاريخ السّياسيّ للدّولة الواحدة، عندما نريد أن نبحث في أيّ من الأنظمة تكون هذه "الدّولة" واقعيّة أو حقيقيّة في نادي السّياسة العالميّة؛
و عندما لا تستطيع "الدّولة" أن تكون هي، بهويّتها و عناصرها الواقعيّة الموصوفة، قدراً لذاتها، فمن الأفضل أن لا تكون؛
فالدّولة قدرٌ لمفاعيلها التي استقرّت في مضامينها و صفاتها التي لا تُملى عليها من خارج "الحدود"، و إنّما هي تظهر بها كواحدة من الدّول العالميّة في وظيفتها الخاصّة و العامّة و في انتمائها إلى ذاتها بالقوّة لتستطيع الانتماء إلى الآخرين بالمعرفة. و حيث أنّ القوّة و المعرفة شيءٌ واحد، كما كنّا قد قلنا هذا كثيراً، فإنّ الدّولة، إذاً، توجد في وجود من درجات أوّلها أن تكون لذاتها و آخرها أن تكون للآخرين؛
و في المسافة الفاصلة، فإنّ الدّولة هي قدر ذاتها التي تتوفّر من أجل شؤون عناصرها المكوّنة من البشر في علاقاتها الدّاخليّة و تبادل مضامين هذه العلاقات في الاجتماع و الاقتصاد و السّياسة و الأمن و الدّفاع و الوجود الملموس.
لقد تطوّر مفهوم "النّظام السّياسيّ" العالميّ، بحسب المراحل المسمّاة من تاريخ الإنسانيّة، في أنماط التّشكيلات السّياسيّة التي كانت تتبع درجة من درجات القوّة و العنف، إلى أن استطاع "النّظام" أن يوفّر لآليّاته و ديناميّاته استقراراً رمزيّاً دخل في مرحلة "الطقس" و التّكرار، حتّى أصبح شيئاً ملازماً لذاته في التّفسير.
أتقدّم بهذه الكلمات الحديث الذي أريد منه أن أقول إنّ "النّظام" السّياسيّ ليس تأليفاً كيفيّاً أو رغبويّاً، و ذلك على رغم جميع ما يجمعه بالقهر المعنويّ لعناصره، و لكن ليس بتجاهل هذه العناصر التي قد ألّفته، مسبقاً، ليقف هذا الموقف في الزّمان، هذا الموقف الذي يحتاج من "النّظام" المزيد من تنظيم المجتمع و هندسة العلاقات و لكن انطلاقاً من "المجتمع" و وضعه التّاريخيّ السّياسيّ، و ليس انطلاقاً من "الفضاء" السّياسيّ العالميّ، و لو أنّ عليه، أخيراً، أن يصبّ في هذا "الفضاء".
لقد قام "الفكر السّياسيّ" الحديث و المعاصر بعمليّة من عمليّات الخلط البنيويّ في "نظريّة النّظم السّياسيّة" و التي قامت أساساً على "فكرة" تنويريّة في زخم "الحداثة" و ازدهارها الأوّل، و أعني فكرة ما يُسمّى "فصل السّلطات".
و هذا أمرٌ معروف للجميع؛
إلّا أنّ الأمر غير المعروف، بعد، إلّا لخاصّة الخاصّة في "السّياسة"، إنّما هو "رمزيّة" هذا "المبدأ، مبدأ "فصل السّلطات" و "كيفيّته" التراتبيّة التي يجري التّحكّم فيها بقوى السّياسة إلى درجة من درجات إلغائها العمليّ في الوقت الذي تكرّس فيه بواسطة مجموعة رمزيّة من الكلمات المشدَّد عليه و الجمل المكرّرة باستمرار، بحيث تقوم هذه "الرّمزيّة" المجرّدة مقام "الواقعيّة" المحدّدة و الملموسة لمضمون "النّظام".
و أدرك هنا أنّني أجرّد الفكرة بمبالغة لفظيّة، و لكنّني عليّ أن أقدّمها، هكذا، لتكون متناسبة مع نظريّات النّظم التي تعتمد، هي، في الأصل، الإبهام و الغموض؛ على أن أكون أكثر وضوحاً مع القارئ اعتباراً من هذا الموصل من الحديث.
إنّ مسألة اختيار "نظام الحكم" السّياسيّ، في شكليّاته على الأقلّ، هي مسألة ثقافة سياسيّة و ظروف خطابيّة سياسيّة عالميّة، اليوم، بخاصّة، إلى جانب كونها تمثيليّة سياسيّة داخليّة غالباً ما يُراد بها احتقار الواقع و الالتفاف عليه بواسطة عبارات "الدّستور". و كثيرة هي أمامنا، في العالم، تلك النّظم التي تكرّس في دساتيرها جملة من الخرافات على "الحريّات" السّياسيّة و الاقتصاديّة و العدالة و المساواة و الدّيموقراطيّة و التّمثيليّة البرلمانيّة و الحكومات المنتخبة و الرّئاسات المقيّدة،...، إلخ؛
فيما هي، في الواقع، تمارس على شعوبها، و على شعوب العالم، أكثر ما يمكن للعقل البشريّ التّوصّل إليه من ممارسات العنف التّاريخيّ، المزوّد ببضع تسويغات جماهيريّة مقنِعة في مجتمعات تم تدجينها تدجيناً مركّزاً كما جرى غسيل مشاعرها من كلّ انتماء إنسانيّ، في الوقت التي تمثّل فيه، إلى جانب حكوماتها، "نماذج" مكتوبة و إعلاميّة من نماذج البِرّ البشريّ، و بخاصّة في العطف على "الحيوان" و الرّفق بالنّباتات..
و ما يتبقّى، بعدئذٍ، من دساتير تلك البلاد، مجرّد أيقونات كتابيّة تصلح للعرض في كنائس و جوامع المتديّنين، و لا يمكن لها أن تغادر تلك الأروقة إلّا على حاملات الطّائرات و سفن الغوص التي تملأ بحار العالم و محيطاتها تلوّثاً و موتاً.
و في المقابل ثمّة من دساتير "نظم الحكم"، في الكثير من دول العالم، أيضاً، ما يوحي بالقوّة و التّمسّك بالحقوق و تنظيم المجتمعات تنظيماً مضبوطاً بعبارات الثّقة و الأمان، فيما هي مجرّد تزيينات سياسيّة لحكومات فرّطت و تفرّط، حتّى بطعام البشر و ملاجئ سكنهم التي تسمّى منازل للعيش، و بمقدّرات الأمن و الأمان.
عادة، تختار البشريّة اختياراتها السّياسيّة "الزّائفة"، في "دساتيرها" الرّنّانة، لتزداد بها قدرة على اضطهاد الآخرين؛ بينما تتواضع، و تصمت، أمام امتحانات التّاريخ الجدّيّة الموجّهة كأسئلة حول العاطفة الإنسانيّة المفقودة على هذا "الكوكب"، و مسائل "الجمال" التي تئنّ، فحسب، في "الموسيقى" و "الغناء"..!؟
الغريب في أمر المجتمعات المتخلّفة، والممتلئة جهلاً و غباءً، أنّهم لا يقرؤون و لا يتعلّمون، و فوق كلّ هذا، هم على استعداد مخجل و مؤكِّدٍ بأنّهم مجتمعات منكوبة بألف جائحة و جائحة، على أن تقبل "النّصيحة" الكاذبة من قبل أعدائها السّياسيين و التّاريخيين، الذين كانوا أعداءً لأنفسهم، أوّلاً، و لمفكّريهم، أنفسهم، قبل كلّ شيء؛
و نحن، على أيّة حال، لا نمارس ممارسات غير موصوفة فلسفيّاً، أو مجهولة فكرياً؛ إذ لقد تم توصيفنا، في الفكر الإنسانيّ، منذ أمد طويل، بواسطة نماذج للقول أصبحت جائزة للحدود و سائرة في التّاريخ؛ على أنّنا هؤلاء "العبيد" المعجبون بالأسياد و المتبنّون لكلّ ما يصدر عن هؤلاء "الأسياد" من سلوك و قول..، على نحو خاصّ؛ متمكّنين، بذلك، من ممارسة أحطّ أنواع الاضطهاد الذّاتيّ، تجاه أنفسنا، قبل أن يكون اضطهاداً من قبل الآخرين.
لقد خانت قوى "الغرب" الرّأسماليّ قيم مفكّريها، قبل أن تتحوّل، في غمار "السّوق"، إلى خيانة شعوبها و خيانة باقي شعوب و مجتمعات العالم؛ كما تجاهلت قيمها، قبل أن تتجاهل قيمنا، على اعتبار وحدة القيم البشريّة المعياريّة، و لو أنّ الخلاف ما بين المجتمعات و الأمم هو بمضامين و مفاهيم تلك القيم، بحسب المكان و الزّمان.
بالعودة إلى مسألة اختيار أو تقرير شكل "نظام الحكم" السّياسيّ؛ باستطاعتنا أن نقرأ عند واحد من أرباب "النّفعيّة" السّياسيّة من مفكّري العالم، ما يمكن أن يقوله "طالب جامعيّ" ختم مرحلة مراهقته العضويّة و بدأ، ربّما، مرحلته الثّانية في المراهقة الفكريّة؛ على أنّه يبدو، على رغم ذلك، أحكم و أنضج من سياسيينا، و من الكثير من ساستنا، و من الكثير، أيضاً، من "المفكّرين".
إنّني أعني بذلك "النّفعيّ السّياسيّ" الكبير، البريطانيّ (جون ستيوارت مِل) (1806- 1873م)، الاقتصاديّ و السّياسيّ و الفيلسوف، و الذي كان له أثر كبير على تطوّر "الفلسفة البراغماتيّة" الأميركيّة المعاصرة.
فعندما يتحدّث (جون ستيوارت مِل) على "أنظمة الحكم" و "إلى أيّ مدى هي مسألة اختيار"، يقول ما يلي:
"بعض النّاس يفهمون معنى الحكومة بأنّه فنّ عمليّ ليس من شأنه أن يثير من الأسئلة و المشاكل سوى ما يتعلّق منها بالوسيلة و الغاية؛ و يشبّهون أنظمة الحكم بسائر الوسائل العمليّة لتحقيق أغراض الإنسان، و يعتبرون مسائل نظام الحكم أمر استنباط و اختراع". [جون ستيوارت مِل. الحكومات البرلمانيّة].
و يتابع: "إنّهم ينظرون إلى الدّستور في نفس الضّوء الذي ينظرون فيه إلى محراث بخاريّ أو آلة للدّراس".
و لكنّه يواجه، في المقابل، هذا الرّأي برأي "نوع آخر من المجادلين و المفكّرين السّياسيين"، من الذين "يعتقدون أنّ المؤسّسات السّياسيّة الأساسيّة لأيّ شعب هي شكلٌ من النّموّ العضويّ من طبيعة ذلك الشّعب و حياته، و أنّها محصول نتيجة عاداته و رغباته و غرائزه و احتياجاته الّلاشعوريّة، و ليس نتيجة لأهدافهم الصّريحة"..
ذلك أنّ "إرادة النّاس ليس لها أيّ شأن في هذا الأمر و إنّ المسألة ليست سوى موضوع تلافي الضّرورات الآنيّة عن طريق استنباطات آنيّة"..؛
إلى أن يقول: "إنّه من الصّعب أن نقرّر أيّة من تينك النّظريّتين هي أكثر غباء من الأخرى، هذا إذا ما كان في استطاعتنا أن نتصوّر بأنّ كلّ واحدة منها تعتبر نظريّة مطلقة".
حرّيّة" و "الدّيموقراطيّة" و "البرلمانيّة" و "الدّستوريّة"، أو بصدد الاختلاف و الخلاف على صلاحيّة مادّة و احدة أو جميع موادّ "الدّستور"، أو بشأن أيّ شيء يرتبط بتلك الأحابيل و الأضاليل.
و لقد أصبح مفهوماً للقاصي و الدّاني، في العالم كلّه، أن اندلاع هذه "الحرب" إنّما كان بأغراض و أهداف خارجيّة، و لكنْ بوقود بشريّ سوريّ داخليّ، تبعاً لنظرة الاقتصاد الأميركيّة المعاصرة، في حروبها على الدّول و المجتمعات و الشّعوب في إطار تحقيق أهدافها في السّيطرة و المصلحة و التّفرّد و "الأبطرة".
و انطلاقاً من نظريّة "الاقتصاد" العسكريّ، الأميركيّة المعاصرة، نفسها، تنظر (أميركا) إلى ممارسة "القوّة" المعاصرة، قوّتها، في "الأطراف" الدّوليّة، عن طريق ما تؤلّفه من نظريّات، قديمة حديثة، و أعني ذلك الجزء النّظريّ المتعلّق بفكرة أنّ الكثير من مفردات "القوّة"، إنّما يكم في "إدارة" الإرادات، و إدارة "الموارد" المتاحة، و أنّ ما يتوفّر في "الإدارة" هو أكثر ممّا يشعر به الشر العاديّون، إذ لا يُدرك قيمة و قوّة "الإدارة"، أكثر من هؤلاء الذين تعلّموا إدارة الموارد الشّاملة في "المشروع" الرّأسماليّ، الماليّ، نفسه؛ فغدا من المناسب إجراء تجربة ممارسة "القوّة"، عن بعد، بواسطة "الإدارة" المحلّيّة الذّاتيّة للمجتمعات، و بواسطة هذه المجتمعات، بالذّات، عن طريق "التّحكّم" في أطر "نظم الحكم" فيها، و إخضاعها للسّيطرة "الإداريّة" عن طريق "النّظام"، هذا النّظام الذي يتوفّر، أكثر ما يتوفّر، بهدوء و مضاء و "استقرار"، في "الدّستور".
نحن لهذا يُمكننا أن نلاحظ استماتة "الغرب" و (أميركا) و "المجتمع الدّوليّ" المزعوم، باستشراسٍ في ما يمكن أن نسمّيه، اليومَ، في (سورية)، بالمعركة الثّانيّة المتمثّلة بالمعركة على "الدّستور".
لسنا نحن أوّل من بدأ هذا القول. قوّات "الولايات المتّحدة الأميركيّة"، المتواجدة، احتلالاً، في (سورية)، هي نفسها قد أُعدّت – كما تصرّح (أميركا)، نفسها – لهذا الغرض، و أعني من أجل "معركة الدّستور"، هذه المعركة التي قد تنشب فعلاً، في مواجهة عسكريّة سوريّة، من أجل فرض "الإرادات" الإداريّة الأميركيّة المناسبة لإخضاع السّوريين.
و مع تقديرنا المناسب و مع تفهّمنا لجميع من يذهب إلى أنّ "الاحتلال الأميركيّ" لأراضٍ سوريّة، (و قبله، الحرب) قد قام من أجل "أهداف" نفطيّة و أخرى "غازيّة"..، إلخ؛ فإنّنا لا نستطيع أن نوافق على جوهريّة هذا الأمر، السّبب، إذ من غير المعقول أن تُفردَ (أميركا) كلّ هذه الحرب من أجل أهداف النّفط و الغاز، و ذلك إلّا إذا كان البعض، هؤلاء، يصدّقون، أنّ ما قد تحقّق في (العراق) أو في (أفغانستان)، مثلاً، من أهدافٍ أميركيّة هو فقط ممّا يتعلّق بإنتاج و نقل و خطوط النّفط و الغاز..، إلخ، إلخ.
إنّ التّسلّل إلى "الأنظمة" إنّما يبدأ بالاحتلال المباشر، و لكنّه من الأجدى و الأجدر أن يكون ذلك االتّسلّل، إن أمكن، في قلب تلك "الأنظمة"، في "الدّستور"، بما هو الدّستور جوهر الإدارة و القانون، و بذلك فإنّ ضمان الاحتلال ينصرف، ليس فقط على الهيمنة على مقدّرات "الحاضر"، بل يمتدّ بالأثر إلى المستقبل كلّه بعنفاته الأساسيّة الموجودة في قلب الحاضر.
يمثّل، اليومَ، هذا التّحدّي في تحوّلات "الحرب"، برهاناً واقعيّاً مباشراً على أهداف الحرب و طبيعة هذه الحرب. و إنّه بمعزل عن سياقيّة هذه التّحوّلات و التّطوّرات، فإنّه لا يمكننا أن نتفهّم جميع أبعاد هذه الحرب، كما أنّه لن يكون بإمكاننا الوقوف في وجه أهدافها الدّاخليّة أو الخارجيّة، و الذي هو من مستلزمات النّصر المقبل و الأكيد.
كما في كلّ الحروب فإنّ الخاسرين كثر و الرّابحين، على قلّتهم، هم على أنواع.
و لربّ أنّ نوعاً ثالثاً يُبدي الخسارةَ فيما هو قد يُعدّ من الرّابحين، أو العكس، و أي أنّه ربّما يُبدي الرّبح فيما هو في عداد الخاسرين.
و المقصود من خلال هذه الصّورة ، هو أنّ علينا أن نحتاط، هنا، فيما نحن مطمئنون هناك؛ كما أن علينا أن نحتاط، هناك، فيما نحن مطمئنّون في أقرب ما هو تحت السّيطرة من عناصر و مقوّمات.
و الأهمّ في كلّ ما تقدّم من هذه الإشارات و الرّمزيّات، إنّما هو أن نقول إنّ على النّصر المقبل الأكيد ألّا يضيع في زواريب السّياسة و الدّبلوماسيّة، هذه التي يُراهَنُ، عادة، على ربحها في عامل الزّمن و بواسطة عامل هذا الزّمن.
إنّ ولادة "النّظام السّياسيّ" الوطنيّ الجديد، من رحم هذه الحرب، يجب ألّا يكون من الأمور الاتّفاقيّة التّواطئيّة التي هي أولى بنظام عالميّ يتوازعه "الأقوياء"، فيما هم مطمئنّون إلى قدرتهم، هم، أنفسهم، على صياغته، من جديد، في الوقت الذي يصبح فيه تغييره من الضّرورات المستجدّات.
و لنذكر، جميعاً، أنّ ما سوف ننجزه من "نظام سياسيّ" دستوريّ، سوريّ، بعد نهاية هذه الحرب، قد يُكلّفنا أمر تغييره حرباً أخرى كاملة جديدة، على طراز هذه الحرب، عندما لا ينبع هذا "النّظام" من نظرة طويلة و متأمّلة و متأنّية لحاجات مجتمعنا الأبقى؛
في الوقت الذي نحن قادرون فيه على تجنّب ذلك التّردّد المفضي إلى الإذعان، بالإصرار على الشّكل الدّستوريّ النّابع من حاجاتنا، أولاً، و الممكن عبر المعطيات المتوفّرة لدينا، اجتماعيّاً و ثقافيّاً و سياسيّاً، في الدّرجة الثّانية.
سوف نقف في المرّات المقبلة على بحث و نقد تعيينات النّظم الدّستوريّة السّياسيّة الأكثر شهرة، و بخاصّة النّظامين "الرّئاسيّ الجمهوريّ"، و "البرلمانيّ"، لعلّ صورة توجّساتنا تكون أظهرَ ممّا قد ينتظرنا من معركة سياسيّة، و قبل التّجربة، عندما يُمارس اجتماعيّاً و ثقافيّاً في حدود المعطيات المتوفّرة في ظروفنا الموصوفة وصفاً نقديّاً يمكن لأيّ منّا الإسهام فيه.
و إذا كنّا سنفصّل في الحلقات المقبلة حول هذا الأمر، بقدر ما هو متاح لنا في هذا الظّرف، فإنّه لا يمنع، منذ الآن، أن نعمل على استبعاد بعض التّصوّرات التي تلازم أفكار بعض الواهمين بصدد الحلول النّهائيّة في مسألة "الدّستور" السّوريّ المنتظر عرضه على الشّعب السّوريّ ليقرّر، نهائيّاً، فيه.
صار من المفروغ منه أنّ الحرب السّورية، الحرب على سورية، لم تكن بسبب أيّ من خزعبلات المحرّضين الدّاخليين و الخارجيين حول "الحرّيّة" و "الدّيموقراطيّة" و "البرلمانيّة" و "الدّستوريّة"، أو بصدد الاختلاف و الخلاف على صلاحيّة مادّة و احدة أو جميع موادّ "الدّستور"، أو بشأن أيّ شيء يرتبط بتلك الأحابيل و الأضاليل.
و لقد أصبح مفهوماً للقاصي و الدّاني، في العالم كلّه، أن اندلاع هذه "الحرب" إنّما كان بأغراض و أهداف خارجيّة، و لكنْ بوقود بشريّ سوريّ داخليّ بشكل رئيسي، تبعاً لنظرة الاقتصاد الأميركيّة المعاصرة، في حروبها على الدّول و المجتمعات و الشّعوب في إطار تحقيق أهدافها في السّيطرة و المصلحة و التّفرّد و "الأبطرة".
و انطلاقاً من نظريّة "الاقتصاد" العسكريّ الأميركيّة المعاصرة، نفسها، تنظر (أميركا) إلى ممارسة "القوّة" المعاصرة، قوّتها، في "الأطراف" الدّوليّة، عن طريق ما تؤلّفه من نظريّات، قديمة حديثة، و أعني ذلك الجزء النّظريّ المتعلّق بفكرة أنّ الكثير من مفردات "القوّة"، إنّما يكم في "إدارة" الإرادات، و إدارة "الموارد" المتاحة، و أنّ ما يتوفّر في "الإدارة" هو أكثر ممّا يشعر به الشر العاديّون..
إذ لا يُدرك قيمة و قوّة "الإدارة"، أكثر من هؤلاء الذين تعلّموا إدارة الموارد الشّاملة في "المشروع" الرّأسماليّ، الماليّ، نفسه؛ فغدا من المناسب إجراء تجربة ممارسة "القوّة"، عن بعد، بواسطة "الإدارة" المحلّيّة الذّاتيّة للمجتمعات، و بواسطة هذه المجتمعات، بالذّات، عن طريق "التّحكّم" في أطر "نظم الحكم" فيها، و إخضاعها للسّيطرة "الإداريّة" عن طريق "النّظام"، هذا النّظام الذي يتوفّر، أكثر ما يتوفّر، بهدوء و مضاء و "استقرار"، في "الدّستور".
نحن لهذا يُمكننا أن نلاحظ استماتة "الغرب" و (أميركا) و "المجتمع الدّوليّ" المزعوم، باستشراسٍ في ما يمكن أن نسمّيه، اليومَ، في (سورية)، بالمعركة الثّانيّة المتمثّلة بالمعركة على "الدّستور".
لسنا نحن أوّل من بدأ هذا القول.. فقوّات "الولايات المتّحدة الأميركيّة"، المتواجدة، احتلالاً، في (سورية)، هي نفسها قد أُعدّت – كما تصرّح (أميركا)، نفسها – لهذا الغرض، و أعني من أجل "معركة الدّستور"، هذه المعركة التي قد تنشب فعلاً، في مواجهة عسكريّة سوريّة، من أجل محاولة فرض "الإرادات" الإداريّة الأميركيّة المناسبة لإخضاع السّوريين.
و مع تقديرنا المناسب و مع تفهّمنا لجميع من يذهب إلى أنّ "الاحتلال الأميركيّ" لأراضٍ سوريّة، (و قبله، الحرب) قد قام من أجل "أهداف" نفطيّة و أخرى "غازيّة"..، إلخ؛ فإنّنا لا نستطيع أن نوافق على جوهريّة هذا الأمر، السّبب، إذ من غير المعقول أن تُفردَ (أميركا) كلّ هذه الحرب من أجل أهداف النّفط و الغاز، و ذلك إلّا إذا كان البعض، هؤلاء، يصدّقون، أنّ ما قد تحقّق في (العراق) أو في (أفغانستان)، مثلاً، من أهدافٍ أميركيّة هو فقط ممّا يتعلّق بإنتاج و نقل و خطوط النّفط و الغاز..، إلخ، إلخ.
إنّ التّسلّل إلى "الأنظمة" إنّما يبدأ بالاحتلال المباشر، و لكنّه من الأجدى و الأجدر أن يكون ذلك االتّسلّل، إن أمكن، في قلب تلك "الأنظمة"، في "الدّستور"، بما هو الدّستور جوهر الإدارة و القانون، و بذلك فإنّ ضمان الاحتلال ينصرف، ليس فقط على الهيمنة على مقدّرات "الحاضر"، بل يمتدّ بالأثر إلى المستقبل كلّه بعنفاته الأساسيّة الموجودة في قلب الحاضر.
يمثّل، اليومَ، هذا التّحدّي في تحوّلات "الحرب"، برهاناً واقعيّاً مباشراً على أهداف الحرب و طبيعة هذه الحرب. و إنّه بمعزل عن سياقيّة هذه التّحوّلات و التّطوّرات، فإنّه لا يمكننا أن نتفهّم جميع أبعاد هذه الحرب، كما أنّه لن يكون بإمكاننا الوقوف في وجه أهدافها الدّاخليّة أو الخارجيّة، و الذي هو من مستلزمات النّصر المقبل و الأكيد.
كما في كلّ الحروب فإنّ الخاسرين كثر و الرّابحين، على قلّتهم، هم على أنواع.
و لربّ أنّ نوعاً ثالثاً يُبدي الخسارةَ فيما هو قد يُعدّ من الرّابحين، أو العكس، و أي أنّه ربّما يُبدي الرّبح فيما هو في عداد الخاسرين.
و المقصود من خلال هذه الصّورة، هو أنّ علينا أن نحتاط، هنا، فيما نحن مطمئنون هناك؛ كما أن علينا أن نحتاط، هناك، فيما نحن مطمئنّون في أقرب ما هو تحت السّيطرة من عناصر و مقوّمات.
و الأهمّ في كلّ ما تقدّم من هذه الإشارات و الرّمزيّات، إنّما هو أن نقول إنّ على النّصر المقبل الأكيد ألّا يضيع في زواريب السّياسة و الدّبلوماسيّة، هذه التي يُراهَنُ، عادة، على ربحها في عامل الزّمن و بواسطة عامل هذا الزّمن.
إنّ ولادة "النّظام السّياسيّ" الوطنيّ الجديد، من رحم هذه الحرب، يجب ألّا يكون من الأمور الاتّفاقيّة التّواطئيّة التي هي أولى بنظام عالميّ يتوازعه "الأقوياء"، فيما هم مطمئنّون إلى قدرتهم، هم، أنفسهم، على صياغته، من جديد، في الوقت الذي يصبح فيه تغييره من الضّرورات المستجدّات.
و لنذكر، جميعاً، أنّ ما سوف ننجزه من "نظام سياسيّ" دستوريّ، سوريّ، بعد نهاية هذه الحرب، قد يُكلّفنا أمر تغييره حرباً أخرى كاملة جديدة، على طراز هذه الحرب، عندما لا ينبع هذا "النّظام" من نظرة طويلة و متأمّلة و متأنّية لحاجات مجتمعنا الأبقى؛
في الوقت الذي نحن قادرون فيه على تجنّب ذلك التّردّد المفضي إلى الإذعان، بالإصرار على الشّكل الدّستوريّ النّابع من حاجاتنا، أولاً، و الممكن عبر المعطيات المتوفّرة لدينا، اجتماعيّاً و ثقافيّاً و سياسيّاً، في الدّرجة الثّانية.
سوف نقف في المرّات المقبلة على بحث و نقد تعيينات النّظم الدّستوريّة السّياسيّة الأكثر شهرة، و بخاصّة النّظامين "الرّئاسيّ الجمهوريّ"، و "البرلمانيّ"، لعلّ صورة توجّساتنا تكون أظهرَ ممّا قد ينتظرنا من معركة سياسيّة و دبلوماسيّة صعبة ، في واقع الأمر.
***
عقب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:
مع سلاسلك نخرج من كل تعريف قديم للنظم القائمة على العشوائيات غير الممنهجة فكراً و تنظيماً و على التهويمات غير المقبولة في كل نظام حي فكرياً و إنسانيا و اجتماعيا و نهضويا و تربوياً و ثقافياً..
لن تأتي الولايات المتحدة الأميركية بالوحدة الإنسانية و هي المجمعة بفيدراليات متناثرة في مركز لا إنساني لاهوتي يعبث بأمن العالم كي ينتج استقراره الداخلي اللإنساني و بإقطاعية و رأسمالية و صعلكة و سرقة مفضوحة و استعمار مكشوف على حساب أمن الشعوب و استقرارها الداخلي و على أساس العبث بمقدراتها و كياناتها الفكرية و خزاناتها البشرية .
ما يدلّ على أن أميركا القوة العظمى في الترتيب النظمي الدستوري العالمي و في الهرم الاقتصادي العسكري و هي المصدر الأول للعشوائيات المتناثرة و لكن بشدها إلى جاذبية واحدة هي جاذبية المصلحة الشخصية لأفراد يقودون أميركا كي يغسلوا دماغ شعبها غير المتجانس أصلاً أكثر و أكثر بزرع بذور تفوق عرقي أو جنسي أو لاهوتي ..
و بزرع فائض القوة و الشوفينية و بزرع كل شيء يصرف أنظار هذا الشعب أو هذه الشعوب المركبة بتركيبة غير متجانسة في سبيل قيام كيان أميركي يغزو العالم باسم التجانس و التوحد و وحدة الشعب و المصير ..
و تسخير كل المقدرات له بينما هي تسير في اتجاه غامض بهيكل لاهوتي لا يدريه إلا من أحسن الخضوع و أتقن زرع الفوضى الدستورية و لو بنظم غير دستورية و غير واقعية و غير منهجية كما تراها العين و كما لن يدركها العقل !.....
نعم سورية أم الدساتير و السلوقيون لم يكونوا نقاطاً صفرية هامشية بل أنتجوا ارقى الدساتير على مستوى العالم ربما سبقوا شريعة حامورابي و طووا أمجاد نبوخذ نصر الركنين البابليين و لم تكن زنوبيا عابرة سبيل في طريق الحرير بل كانت من أخطر الأخطار التي أسقطت أكذوبة الرومان فما كان من أورليان إلا أن لحقها بجيشه الجرار كي يسقط بعشوائية السلطة تنظيم الكيانات التي تؤسس لمركز سلطة جديد ..
و هو الذي ما زالت تعمل عليه دول العبثية في مجالس الفوضى و اللا أمن باسم القرارات و الشرعية الدولية التي لا تمت للشرعية بصلة و لا للتنظيم بمعنى!...
نعم النظام السياسي الدستوري في سورية ما زال غارقاً بفوضى الداخل و الخارج بتعريف الغرائز و تبنيها بانسياقات المجتمعات و عدم الخروج من أعرافها البالية ..
و لكن رغم البطش المشرقي ليس لدينا في دساتيرنا نزعات بروكوستية على أسِرّة الدساتير التي كان آخرها في ٢٠١٢ و لا مقاصد وهابية رغم استشرائها و رغم مهادنتها و محاولات التحبب مع مطلقيها ..
و لن نغرق بتفاصيل جون ستيوارت ميل الذي حدد نظرة المجتمعات بالغاية و الوسيلة للدولة و الدستور و كأن الدساتير هي مقود التغيير و آلة الحرث .
و هنا لن نقول لا بل سنقول بأن الدساتير هي إضافة إلى نزعة المرئي المعتقد اللامرئي و اللا معتقد و اللا محبوك في حياكة الزمن العبثي بل أحياناً عبثية الدساتير و عدم وصول روادها أو صناعها إلى معرفتها يساهم في تنظيمها أكثر برفع المجتمعات إلى فهمها و محاولات تنظيمها أكثر ..
لكن ليس بمراد الخبث الدستوري الذي يخلق العمالة في متاهات النصوص و يرفع التبعية في سماوات التآويل لتغدو راية أممٍ لا تعرف ما تفعل في ظل ما يحاك لها و في ظل دور الدولة في جعل الشعوب تمضي إلى ما تريد بالعقلنة و بالإقناع اللا مرئي ..
دون أن يدري المواطن أنه سار عكس ما يريد و هذا فن دستوري يخلق التماهي الحقيقي ما بين الدولة و الدستور في فهم المواطن و القدرة على تغيير مزاجه دون أن يدري!...
نعم رغم كل ما يحيطنا من حروب باسم دساتير الرب و باسم هياكل نبوته الدستورية ما زلنا نعاني من فراغات لا حصر لها على صعيد النفس و الروح و العقل و الجسد و هذه الفراغات لا تُملأ بانزياحات دستورية جريئة فحسب بل بأبنية هرمية تدرك رأسها قبل قدميها و تدرك وجودها قبل ضياعها و تدرك عقلها قبل أوهامها في ظل كل هذا السراب الذي يلم الحقائق الدامية!
لك النور و لنا بسلاسلك كل بقاء إنساني دكتورنا الغالي بهجت سليمان.
***
كما كتبت الدكتورة رشا شعبان التعقيب التالي:
كل الشكر و الامتنان دكتورنا الغالي، ل ما تدعونا إليه دائماََ من إعادة النظر و التحليل و التمحيص في كثير من الإشكاليات المعقدة التي تحمل بين طياتها احتمالات جمّة تنوس بين المعقول و اللامعقول.
و لا شك أن مسألة النظام السياسيّ الدستوريّ من أهم القضايا الإشكالية التي تدعونا للحذر في التعامل معها، و طبعاََ ليس الحذر الذي تفرضه الأهمية و قوة الفعل في صياغة العقل السياسي في الدولة فحسب..
و إنما الخطورة تتضاعف اليوم في الرغبويّة الواهمة للبعض في استمرار الحرب عبر السياسة، و محاولة تصريف ما عجز عنه المشروع العدواني الصهيوني الأمريكي و أذنابه، في السياسة و عبر مداخل صياغة دستورية تحمل ألغاماََ و سموماََ.
نعم، تحتاج كل ممارسة قمعية إلى نسيج لغوي يُغطي عيوبها و يحجب بشاعتها، و يظهرها بمظهر مقبول و مستساغ، لتغدو اللغة سلاحاََ سياسياََ إيديولوجياََ بامتياز.
و هذا ما علينا الحذر منه عندما تستخدم أمريكا تحديداََ ألفاظاََ على شاكلة "الحرية" و "المساواة" و "الديمقراطية"، نعم، ذلك يستدعي تحليلاََ لإعادة النظر ليس في صفّ الكلمات، بل في ذلك المغزى النوعي للصفات التي تعلن ظهورها مستعملة تلك الكلمات.
إن البنية التحليلية تعزل الكلمة الرئيسية عن مضامينها التي تهدد بنقضها، أو على الأقل بوضع العراقيل أمام المعنى الذي تستخدم به في التصريحات السياسية و الرأي العام.
و هكذا تتعيّن الحرية في ما هو سائد أمريكياََ ب العبودية، و تستحيل المساواة إلى اللامساواة المفروضة فرضاََ.
علينا أن ندرك أن ما تتقوّل به أمريكا حول إعادة صياغة دستور ديمقراطي سوري، هو استمرار الحرب في السلم، و احتضان السلم لمتضيات و كمونات حرب مستترة.
و كذلك علينا التأكيد أن العنف و المكر هما "الفضيلتان" الأساسيتان في عقل العدو، و أمريكا و بكل وقاحتها تعلن عن سلميتها عبر الحرب، و تعلن عن ديمقراطيتها بالعنف و الاستبداد.
و السؤال في اهتمام أمريكا ب نظامنا السياسي، و أي دستور يجب أن نكون عليه، هو السؤال في استمرار الحرب السياسية على سورية، و أي استعباد و استبداد تتوهم أمريكا أننا سوف نكون عليه؟
نعم الدستور هو مجموعة القواعد الأساسية التي تبيّن نظام الحق و تحدّد دور السلطات و تقرّر ما للأفراد من حريات و حقوق و واجبات، و كل الدول القائمة لها دستور يحدّد هويتها و يمثّل المرجع الأساسي لسائر الأوامر التي تشرّعها السلطة التشريعيّة في مختلف المجالات.
لكن الدستور هو منتج وطني بامتياز، وهو خلاصة لحضارة و ثقافة و تاريخ و خبرات و مراسات أمة، و ليس قوالب ملغومة و أداة استلاب و اغتراب المجتمع عن دولته.
و بقدر ما ينتج الأفراد ديمقراطيتهم و يناضلون ذاتياََ و موضوعياََ لتحقيقها و تعيّنها، بقدر ما تعود الديمقرطية بذاتها على إنتاجهم و صياغتهم في تعيّنات المواطنة الحقة و الحقيقية.
نعم علينا قراءة كل الاحتمالات الممكنة، و الأهم هو قدرتنا على استقراء النتائج لتلك الاحتمالات، و ربط الأسباب بالنتائج.
و الدستور ليس وضعية وصفية للدولة، إنه الدولة في ما يجب أن يكون، و هو المعيارية التي تحدّد وجودنا المستقبلي، و هذا ما يفسّر استماتة أمريكا لزج أصابعها الشيطانية في ما بين سطوره، و في حوامله من المبادئ و المفاهيم.
أود أو أؤكد أن الحقيقة السياسية الأساسية ليست الدولة، و إنما النظام السياسي بؤسساته المتعددة و المجتمعات المحلية الداخلة فيه، و المجتمع الأخلاقي الذي ينبثق منه. فالنظام السياسي هو الشعب منظماََ بالقوانين العادلة.
أما الدولة فهي هيئة خاصة تتخصص في أمور تتعلق بالمصلحة العامة للنظام السياسي، و لذلك فهي الهيئة السياسية العليا و لكنها جزء لا كل، و وظائفها أداتية فقط.
و الدولة هنا ترعى النظام العام و تفرض القوانين و تمتلك السلطات من أجل النظام السياسي و الشعب.
لقد أشرنا إلى كل ذلك لنقول، أن هوية الدستور هي هوية النظام السياسي.
إذ ذاك تغدو محاولة التدخل الأمريكي في زج أنفها في صياغة دستورنا الوطني، ليست إلا محاولة لاغتصاب الوجود السياسي لسورية و اختطاف دورها و التحكم في مفاصل القرار فيها، عبر توهمات الحرية و الديمقراطية.
كل المحبة و الامتنان لك حكيمنا و أستاذي الدكتور بهجت سليمان الرائع، و آمل أني استطعت التقاط بعض من أفكارك الكثيفة.