يحيى زيدو: كمقهى مهجورٍ على شاطئ البحر
قلبي.. مقهى قديمٌ مهجورٌ على شاطئ البحر
بشبابيك عتيقةٍ مخلَّعةٍ تعبث بها الريح صباح مساء
و ساعة معلَّقة سقطت منها عقارب الوقت
و شمعة ترسم بضوئها الشاحب على الحائط ظلالاً متحركةً لمخلوقاتٍ غريبة
لا أبواب.. و لا مقاعد أو طاولات.. و لا نُدلاء أو ندماء
و لا امراة تأتي لتقتل الوقت معي
و هي تنتظر ما تساقط من ملل المواعيد المُهْمَلَة.
ذاكرتي تفيض بوجوهٍ تحضر كظلٍّ كثيفٍ لمسافرٍ غريب
أستعيد حكاياتهم، ضحكاتهم،صخبهم،غضبهم،حزنهم ،
و هدوءهم الراني على صمت المكان.
أرقب الموج و هو يرشقني بما تناثر من الرذاذ على ما بقي من زجاجي
أحمل وجهي منديلاً،
أمسح به ما علق على جبين الموجة من زَبَدٍ
الدروب غدت مقفرةً إليَّ، و موحشةً
نبت العشب عليها.. فامّحت خطوط البدايات
و اختفت خطوات النهايات.
لكن الشروق ما زال يومئ لي كل صباح
و البحر ما زال يضحك لي قبل أن يحتضن الغروب، و ينعس لينام في سرير المساء.
قلبي مازال ينبض بوجوه مَن كانوا يوماً للمقهى حياة.
أتأملهم... أتأملني
ما زلت محافظاً على هشاشتي و بشاشتي كزهر الكرز
فأنا.. رغم بنفسجة الحزن التي تنمو بداخلي على مَهَلٍ
و رغم أنني صرتُ بعضاً من كل شيء
و ربما صرتُ شيئاً من أي شيء
مازلتُ قادراً على الرقص فوق مسرح الغروب تحت الغيم
مازلتُ أفرح بإيماءة الصباح
مازلتُ أنتشي بابتسامةٍ مبللةٍ بالندى
مازلت قادراً على الصراخ..
لكنني أخبئ صرختي في العتمة
و استبدلها بدندناتٍ ناعمةٍ بصوتٍ خافتٍ
مصغيأ بانتباه إلى ظل النداء
و هو-لا بدَّ- قادمٌ من بعيد.