د. بهجت سليمان: "النّظام السّياسيّ" الدستوريّ الرّئاسيّ الجمهوريّ -الجزء الثاني "2“
(في المقدّمات، و في "الشّكل" و "المضمون"، و التّطبيق)
• د. بهجت سليمان
تُعيد سيرة العالم المعاصر المؤلّفة من الحروب و التّعدّيات على الكينونات السّياسيّة للمجتمعات و الأفراد و الدّول، تُعيد مفهوم السّيادة السّياسيّة للدّولة على إقليمها، إلى النّقطة السّياسيّة النّوعيّة التي شكّلت بدء تاريخ الحيازة السّياديّة للدّولة على الإقليم، و لو بصورة غير متطابقة مع صورة التّأسيس، و لكنْ تلك التي تحمل معها جميع ذكريات التّأسيس المتراكمة بواسطة أهمّ معالم البدايات، في لا تحديد زمنيّ على مكان "شبه ثابت" تعرّض في أجزاء هامّة منه إلى التّحوير و التّبديل و ربّما إلى إعادة التّشكيل تحت وقع ضربات الأيديولوجيا المسلّحة لعصر الإمبرياليّة المتقدّم الذي كان له "رأي مختلف".. حول "الحداثة" و "ما بعد الحداثة" العالميّتين.
نعيش، اليومَ، عصراً متطوّراً للإمبرياليّة العالميّة، تطوّراً عنيفاً، يجعل النّظريّة السّياديّة للدّولة تُعيد تمحوراتها في نسقيّة تقليديّة حول الحقوق و الدّفاع و الهويّة و الوطنيّة و الأمّة و القوميّة و حقّ تقرير المصير.
لقد خسئَ، شيئاً فشَيئاً، جميعُ من رغبوا و توقّعوا زوال رابطة الهويّة القوميّة في المجتمعات، بما في ذلك دعوتهم المشبوهة إلى روابط مزيّفة من نوع آخر تتعلّق بالأيديولوجيا أو بالدّين أو بالنّظريّات العابرة للوطنيّات و القوميّات و الهويّة التّاريخيّة، لصالح انتشارات فارغة لأفكار ملغومة و معتقدات سياسيّة مستحدثة و حديثة و متآمرة في "الفيدراليّات" و "الكونفيدراليّات" المسمومات.
في إطار هذا المناخ العالميّ الحادّ، من التّآمر السّرّيّ و العنف الصّريح، في البؤر الملتهبة بالصّراعات العالميّة ذات المنشأ الإمبرياليّ ؛كما كانت، دوماً، هكذا، هي، عليه؛ و بخاصّة كما هو الأمر عليه جليّاً في العمل على خلخلة الجغرافيا و تفكيك التّاريخ و محاولات هيمنة قاطعي الطّرق و قراصنة السّياسة و البراري و البحار على صياغة العالم من جديد؛
في هذه الظّروف، على الحصر، تعود أهمّيّات اكتشاف قيم الذّات القوميّة و الوطنيّة إلى الظّهور من جديد على أنّها الأهمّيّات الوحيدة القادرة على احتلال مناحي القيم السّياسيّة التي ما تزال قادرة على صنع واقع جدّيّ يكون باستطاعته التّصدّي لتحدّيات معطيات و مفاهيم "النّظام العالميّ" الجديد بكلّ ما فيه من تهتّك و انحلال و مؤامرات موجّهة إلى بقايا الشّعوب الضّعيفة التي يكاد يخنقها الانتماء إلى عالم فظّ و ساطع الجريمة كما سطوع شمسِ وقت قبيل الزّوال بقليل..
يمكن أن نفهم ما يواجهه العالم الضّعيف من تحدّيات عند معاصرتنا باهتمام و متابعة دائمة لظروف الحرب على (سورية) بوصفها الحرب النّموذجيّة العالميّة، اليومَ، التي يختزل فيها مشروع العالم الجديد أهدافه جميعها، و ذلك بما هي أهداف من أجل السّيطرة البنيويّة لِ"مراكز" النّظام على دول و مجتمعات الأطراف العالميّة التي تشكّل بالنّسبة إلى "العالم المعاصر"، في نظامه "الجديد"، المجالَ الحيويّ الأوسع و الأكثر مضمونيّة لسوق الموت و لتجربة السّلاح و الأفكار و اختبار التّصوّرات المستحدثّة على هذا "العالم" من خلال جعل شعوب و دول هذه "الأطراف" حقولاً للتّجارب المتقدّمة على صلاحيّات التّصوّرات و القناعات و المشاريع الإمبرياليّة و المفاهيم و المصالح و الخيالات و الأيديولوجيّات الحديثة و المعتقدات الدّينيّة الخرافيّة التي تجوب "عقل العالم"، اليوم..
و في مواجهة هذه "الأنتروبيا" السّياسيّة الصّنعيّة و المدبّرة، يبرز مفهوم "السّيادة" من جديد، كمعامل تعويضيّ لتكامل مفهوم "الدّولة" في مناطق الصّراع على "النّفوذ"، بديلاً من القدرة المباشرة على استعمال "القوّة" التي احتكرها "مركز" النّظام العالميّ بإدارته المشتركة من قبل "حكومة العالم" الواحدة التي يجمعها جملة من "الأفكار" و "المشاريع" و "الأحلام"؛
هذا و لو أنّنا نشهد فيها، داخليّاً، تمرّدات و خلافات و محاولة لتحطيم جدران "النّسق" السّياسيّ السّرّيّ، و اقتناص فرص التّفرّد و الانفراد فيما بين مختلف القوى التي تتشارك في هذه "الحكومة العالميّة"؛
فيما يبقى لدول العالم الضّعيفة "فرصٌ " استثنائيّة في الّلعب على "خلافات" و "مفارقات" النّظام العالميّ "المركزيّ"، و استثمار "كمون" عوامل "الاختلاف" البنيويّ في قلب "نظام العالم"؛
و هذا ما يتطلّب تلك "الاحترافيّة السّياسيّة العبقريّة" التي تستطيع أن تثني خلافات "العالم" القويّ في طاقة "فرق الكمون السّياسيّ" المتبادل في ما بين الأقوياء، و استثمارها كلغة فريدة في التّعاطي السّياسيّ مع القوى التّقليديّة العالميّة ذات الاستقطاب النّاجز و الموضوعيّ، بحثاً عن "مخارج" سياسيّة من أوضاع صيغت على أنّها قدرٌ للمكان..!
و نحن، في (سورية)، نحتاج إلى مثل هذه "المخارج"، بوصفنا "دولة" خارج المركز النّظاميّ العالميّ، و لكنْ، أيضاً، بوصفنا هذه "الدّولة" التي اخترقت "نظام العالم" من أضعف طبقاته الرّسوبيّة الكتيمة، بالاعتماد على استثمار "كوامن" ضعف النّظام في مركز قوّته..، حيث لكلّ "قوّة"، في الأرض، جانبها الضّعيف المعدّ و المهيّأ للاختراق..!؟ و في هذا "النّفق" السّياسيّ ، يجري، الآن، في هذه الّلحظات، صراعٌ من نوع آخر، و هو الصّراع على الممكن من تلك الاختراقات، و الصّراع على كيفيّات "ردمها" من قبل "المركز"، مع أنّها اتّسعت كثيراً، في توضّعات نتائج هذه الحرب، اتّساعاً لم يعد بالإمكان منعه من الظّهور في "أفق الحدث" العالميّ، و ذلك، بالضّبط ، كما تتمرّد أحداث تفاعلات القوى في "الثّقب الأسود" الكونيّ، و تصطفّ، على رغم جاذبيّة "لثقب" المطلقة..، في "أفق الحدث" الفيزيائيّ؛
و لا أقصد، و حسب، تمكّننا في (سورية) من الدّخول إلى قلب "الاستقطاب" العالميّ و احتلال مكانة فيه، و هذه حقيقة أصبحت واضحة، و لكنْ أقصد أيضاً ممكنات توسيع هذه "الظّاهرة" السّياسيّة السّوريّة، في العالم، و البناء عليها في سبيل تثبيت تقليد راسخ، على هذا الأساس، في مستقبل العلاقات الدّوليّة بالذّات، و هو ممكنٌ على كلّ حال. في المقابل تجري المحاولات العكسيّة لتبديد هذا "الحدث" التّاريخيّ، عن طريق إجهاض المكتسبات الدّاخليّة في "الحدث"، الاجتماعيّة و السّياسيّة، بواسطة فرض "صيغة" تقليديّة بأدوات الإخضاع العالميّ للضّعفاء، و أعني التّسلّل إلى قلب "الدّولة" بفرض نوع من أنواع "النّظام" المحلّيّ السّياسيّ الذي يُبقي باب "الدّولة" مفتوحاً أمام أقدام الغزاة السّياسيين؛
و قد كنّا في الحديث الماضي قد أوضحنا طبيعة "الحلم الأميركيّ" في (سورية) المنتصرة على "الإرهاب الدّوليّ" المنظّم، بحيث يُفرض على (سورية) شكلّ من أشكال "النّظم" الدّستوريّة، السّياسيّة، التي تعمل على تفريغ جميع المنجزات في السّياسة و الاجتماع؛
و التي كان آخر مخترعاتها تلك "الوثيقة الدّبلوماسيّة السّرّيّة"التي تتحدث عن "خطة استراتيجيّة أميركية".. لتقسيم (سورية)، بحيث تنضاف إلى ما أسميناه، سابقاً، بِ"معركة الدّستور"؛ و بحيث تقضي هذه "الخطّة" المزدوجة بالعمل على:
["إنشاء مؤسّسات وشروط لانتخابات لا يستطيع (بشار الأسد) الفوز فيها"]؛
[و لذلك "لا يوجد مبرّر بديهي لمنع الأسد من المشاركة في الانتخابات"]؛ كما تنصّ هذه "الخطّة" عليه من خطوات؛
و [على هذا الأساس يُصبح تقسيم (سورية) أمراً عمليّاً و ممكناً]؛ و ذلك بعد [تخريب "مؤتمر سوتشي" وإفشال نتائجه، و إعادة"استيعاب تركيا و خفض التوتر معها]؛
و العودة الى مفاوضات (جنيف) المتعثّرة؛
[و العمل و التّسويق للورقة الاميركية التي قدمتها واشنطن خلال "مؤتمر فيينا" الأخير (أواخر كانون الثّاني/يناير الماضي) بشأن الحل في سورية"]؛
و بخاصّة على أساس التّفسير الانتقائيّ لمضمون قرار "مجلس الأمن" الدّوليّ (2254) و تمسّك "المعارضة" بحرفيّاته المنعزلة عن روحه السّياسيّة الكاملة و أولويّاته المتداخلة.
هذا هو باختصار طموح "الولايات المتّحدة"، في (سورية)، لاستكمال الحرب في "نتائج سياسيّة" في "الواقع" المباشر في السّياسة و في المجتمع.
و من الواضح أنّ ما أسميناها "حرب الدّستور"، بوصفها الحرب على طبيعة "النّظام" السّياسيّ المقبل في (سورية)، يجب أن تُرصد مقدّماتها و ما يتمخّض عن ذلك من مستقبل للسّيادة، منذ هذه الّلحظة ، لأنّ المستقبل، هكذا، سيكون مدعاة للبحث و النّزاع فيما بين جميع قوى السّياسة، بما فيها "الدّولة"، نزاعاً يمكن أن يُعيدَ الواقع، من جديد، إلى حرب أخرى شبيهة أو متماثلة مع هذه الحرب..إنّ الأمر، في السّياسة، يفرضُ علينا العودة إلى "الأسس" في كلّ مرّة يكون فيها التّهديد المصيريّ صريحاً أمام "الهويّة" و "الثّقافة" التّاريخيّة و وحدة الشّعب و حقوق الأفراد الذين يأمنون بالدّولة و يأتمنونها على مصائرهم في الموت و في الحياة، سواء بسواء.
تتقوّى قوى "السّياسة" المناهضة للمجتمع و الدّولة، بحلفائها الغربيين، الأميركيين و الصّهاينة و قوى الرّجعيّة العربيّة - الإسلاميّة في المنطقة و في "العالم"، لكي تربح "حرب الدّستور"، بعد أن خسرت الحرب العسكريّة؛
فتدخل، بهذا، من أوسع أبواب السّياسة إلى مقدرات الشّهداء و المظلومين الذين كانوا وقود الانتصار في هذه الحرب، و تقاسمهم "الانتصار" بعد أن أجهزت على أمانيهم و أحلامهم في أتون الصّراع.
ليس من بدّ أمامنا من أن نضع قبالة أعيننا هذه "الصّورة" المأساويّة، لنتفهّم الكيفيّات التي تُجَنِّبُنَاهَا مفاعيلُها بسلام.
و على كلّ ما تقدّم ، يمكن أن نبني حديثنا على مستقبل "النّظام" الذي تُريد قوى العنف و الإرهاب في العالم أن تحشرنا فيه، ما لم يكن في جعبتنا ذلك التّصوّر القادر على قتل أحلام أعدائنا التّاريخيين ؛فنذهب إلى حيث نتوقّع "المعركة" المقبلة، الأخرى، قادمة فيما تلوح فيه من الأحداث الصّريحة و المشاريع التي تعلن، اليوم، بوضوح. كنّا، في المرّة السّابقة، قد تحدّثنا على "عموميّاتٍ في النّظام"، في مقاربة سياسيّة مهّدت لنا من أجل هذا الحديث.
على كلّ حال، هنالك نظريّتان سياسيّتان عالميّتان، اليومَ، من حيث "مفهوم" النّظام السّياسيّ ، تقرّران، محيط مضمون "النّظام السّياسيّ" الذي يصنعه "الدّستور".
الأولى، و هي ما يُعرف بـ(Regime Political)، و التي تُحيط "النّظام" السّياسيّ بجدار قانونيّ يضمن شرعيّة ممارسة السّلطات السّياسيّة المختلفة، كما يضمن إذعان "المجتمع" في إطار "الصّالح العامّ"، و من أجل مصلحته (المجتمع)، بالذّات، و خضوعه للسّلطات.
و االثّانية، و هي ما يُعرف بِـ(Political System)، و التي تتوسّع في فهم "الرّابطة السّياسيّة" ما بين "الدّولة" و "المجتمع"، على نحو يتدخّل في المفاصل الأساسيّة لسلطة "الدّولة"، و ضمان حقوقها و "حقوق" الأفراد في "المجتمع".
و من البيّن أنّ كلتا النّظريّتين تبحثان في "الحقّ" الوضعيّ في "التّنظيم"، و إن كانت واحدة منهما (الأولى) تبحث في شكليّات الإخضاع و الإذعان الاجتماعيّ، بينما تهتمّ واحدة أخرى (الثّانية) بحقوق "المجتمع"؛
بحيث أنّ كلتيهما تبحثان الموضوع نفسه، و لكنْ من زاويتين، للرّؤية، مختلفتين. الأهمّ الذي نريده، هنا، هو ما قد كرّرناه، سابقاً، و من المفروض التّذكير به، الآن؛ و هو أنّ "النّظريّة السّياسيّة" للدّستور، هي، في رأينا، قد اخترعت من جانب سياسيّ لحماية "السّياسة" و "الاجتماع"، معاً؛
و لكنّها (النّظريّة) قد انطوت على سرّ سياسيّ أحكم ضمانته "التّشريع الدّستوريّ"، و هو أنّ "الدّستور"، أوّلاً، هو "وثيقة" حماية للدّولة التي عليها، بدورها، ضمانة "المجتمع"؛
هذا و لا يمكن للنّظام السّياسيّ، أيّاً كان هذا "النّظام"، أن يُمارس ذاته في "الدّولة" إن لم يكن قد انطلق، أصلاً، من هذا المنطلق الأساس.
في "الإطار العامّ"، يمنح "لنّظام" السّياسيّ الحقّ للمجتمع بالمشاركة في "الحياة السّياسيّة" عن طريق "الأحزاب"، و هذا في "المجتمعات" التي تعبّأت سياسيّاً و نظريّاً (ثقافيّاً) لتمارس حياتها السّياسيّة في إطار "الأحزاب"؛
و يكاد هذا الأمر ينطبق على واقع المجتمعات "الغربيّة"، و بخاصّة تلك المجتمعات المنقسمة "أفقيّاً" و التي تمرّست في "الحزبيّة"، شكليّاً، كما هو الأمر في الغرب "الأوربّيّ"، و "الأميركيّ"؛
و لو أنّ المسألة المركزيّة في الحاكميّة هي غير خاضعة، في الحقيقة، لأهواء "الأحزاب"، و إنّما لحقائق تكمن في ممارسة القوى "الاقتصاديّة" السّياسيّة الرّئيسيّة، في تلك المجتمعات، للتّحكّم بالأصوات و الانتخابات، و بخاصّة عن طريق "نظام الانتخاب" المقرّر في "قانون الانتخاب" الضّامن لتلك القوى الفاعلة سيطرتها على الواقع السّياسيّ؛ و هذا أمر أظنّ أنّه من علم الجميع..
و أمّا في المجتمعات المنقسمة "عموديّاً"، و أعني تلك المجتمعات "المتخلّفة" (كما هو مجتمعنا، بالتّحديد) و التي تنقسم على "الثّقافة" انقساماتٍ احترافيّة(!) في المعتقد و الدّين و القيم و الأيديولوجيا، إلى درجة تصبح فيها "الحزبيّة" نفسها وسيلة سياسيّة و اجتماعيّة لممارسة "التّديّن" بتلك "المعتقدات الاحترافيّة" على شكل "أديانٍ" أعمق من "الدّين"، و كافية لخوض الصّراعات الاجتماعيّة الدّامية بدلاً من خوض معارك "الانتخاب"..
نحن نقوم برصد واقع تمّ اختباره، تاريخيّاً، في مختلف المناسبات، و كانت النّتيجة واحدة و لا تتغيّر؛
و ها هو "المجتمع" الذي نتحدثّ عليه، اليومَ ، يغرق في الانقسام على "الملّةِ" و "الثّأر"، و "الموتوريّات"..، أكثر ممّا يغرق في الانقسام على "قانون انتخاب"، مع العلم أنّه قادرٌ على تجيير كلّ هذا و ذاك في "السّياسة"، نظراً لزيف السّياسة و السّياسيين في "مجتمع أهليّ" هو فوق الجميع، بروابطه و تقاليده الآمرة و حاكميّاته. لن نخوض، هنا، في مستويات "القرار السّياسيّ" و كيفيّات تمخّضه الاجتماعيّة، و حالات إنفاذه المزيّفة، و تقريرات تجاهله المتعمّدة؛
فلقد كنّا قد قاربنا هذا الأمور في سلسلتنا هذه أكثر من مرّة؛ علاوة على أنّ مهمّتنا، هنا، هي البحث في صلب "النّظام" و هويّته الدّستورية، و لو أنّ الأمر، في مجتمعنا، يتجاوز هذه المسألة إلى تعقيدات البنية السّياسيّة للدّولة في (سورية)، و جهازها التّنفيذيّ الحكوميّ و الإداريّ، هذا الجهاز القادر على خلق "نظامٍ" موازٍ للنّظام الدّستوريّ، أيّا كان هذا "النّظام الدّستوريّ"، و جعل هذا "النّظام"، المخلوق الجديد، و كأنّه كونٌ موازٍ لكون الدّولة و النّظام الأساسيّ.
حديثنا، إذاً، على الشّكلين الأكثر أهمّيّة في عالم الدّساتير، اليوم، و الّلذين يكادان يكونان أصل كلّ شكلّ آخر لأشكال الدّساتير، بواسطة التّنويع عليهما، في الأساس؛ و لقد قلنا، سابقاً، ما نقوله الآن، من أنّ حديثنا سيتحدّد بالبحث في طبيعتيّ النّظامين الدّستوريين الأصليين في السّياسة المعاصرة، و على مرحلتين، و أعني بهما "النّظام الرّئاسيّ"، الجمهوريّ؛ و "النّظام البرلمانيّ".
ربّما أخذ سياق حديثنا طريقة مقارنة بين "النّظامين"، و هذا ما سنعمل على محاولة استبعاده في القصد، لغرض التّفصيل في كلّ "نظام" من "النّظامين"، على حدة؛ على أن نترك مسألة المقارنة التّطبيقيّة، الاجتماعيّة و السّياسيّة و الإداريّة، إلى حديث مستقل، آخر، نبدي فيه الرّأي صراحة بواقعنا الاجتماعيّ و السّياسيّ في (سورية)، من هذا المنطلق، بالإضافة إلى أشياء أخرى سنقولها في وقتها المناسب.
و لذلك، على الحصر، سيتناول حديثنا، هذه المرّة، شكل و مضمون "النّظام السّياسيّ" الدّستوريّ، الرّئاسيّ، الجمهوري، مع ملابساته التّاريخيّة، في (سورية)؛ على أن نؤجّل الحديث في "النّظام البرلمانيّ" و شروطه و إشكاليّاته، إلى وقت تال.
إذا عدنا إلى الأصل الّلاتينيّ لمصطلح "الدّولة" (Status)، نجد أنّ المصطلح يعني حرفيّاً "الاستقرار". و ينشأ عن ذلك ان تاريخيّة الدّولة هي جزء من كيانها، إذ لا يمكن تجزيء "المفهوم"، و لو أنّ "المفهوم" يتطوّر، و لكنْ بشرط ألّا يشكّل تطوّر "المفهوم"، السّياديّ، بخاصّة، إلى أن يكون عكسه في الحصيلة النّهائيّة؛ إذ في ذلك تدمير للمفهوم نفسه و البتّ في عدم الحاجة إليه؛ و هذا، كما هو واضح، يتنافى مع مفهوم كمفهوم "الدّولة" التي تعزّز أكثر فأكثر، في تاريخه، ليؤدّي دوراً سياديّاً على التّخصيص. قلنا أعلاه، أو نقول، الآن، إنّه و على رغم عدم الاتّفاق الفقهيّ السّياسيّ في التّاريخ على تعريف واحد للدّولة، إلّا أنّ الجميع ممّن اشتغلوا في فقه الدّولة الدّستوريّ و السّياسيّ، قد توافقوا على شيئين أساسيين:
الأوّل، و هو أنّ أصل كلمة "الدّولة" (Status) يعني "الاستقرار" السّياسيّ؛
و الثّاني، هو أنّ أمر تنظيم هذا "الاستقرار" إنّما يعود إلى "الشّعب" نفسه الذي يقطن هذه "الدّولة" التي هي، بدورها، تعمل على استقرار هذا "الشّعب"، و ذلك في صيغة "المجتمع" التي تناسب هذا "الشّعب" ثقافيّاً و أخلاقيّاً و تاريخيّاً و أنثروبولوجيّاً، و سياسياً، أيضاً.
و لقد تعدّدت، على هذا الأساس، في تاريخ مباحث "النّظم" السّياسيّة، تعريفات "الدّولة"، و لكنّها لم تخرج عن ذينك الشّرطين التّأسيسيين.
فالدّولة هي إمّا "مجموعة من الافراد تستقرّ على إقليم معيّن تحت تنظيم خاصّ، يعطي "جماعة" معينة فيه سلطة عليا تتمتع بالأمر و الإدارة"؛
أو هي "مؤسّسة سياسيّة يرتبط بها الأفراد من خلال تنظيمات متطورة"؛ أو هي "جماعة من الأفراد تقطن، على وجه الدّوام و الاستقرار، إقليماً جغرافيّاً معيّناً، و تخضع في تنظيم شؤونها لسلطة سياسيّة، تستقل في أساسها عن الأشخاص الذين يمارسونها"؛
أو هي "مجموع كبير من النّاس يقطن، على وجه الاستقرار، إقليماً معيّناً و يتمتع بالشخصيّة المعنويّة و النّظام و الاستقلال السّياسيّ"؛
أو هي "التّشخيص القانونيّ لشعب ما، يعيش على إقليم معيّن، و تقوم فيه سلطة سياسيّة ذات سيادة"؛...، إلخ، إلخ؛
و هذا مع إبراز عناصر ثلاثة، في كلّ هذه "المقاربات"، و االتييمكن أن نسمّيها "أركان الدّولة"، و التي هي: "الشّعب" و "الإقليم" و "السّيادة".
ما أريد قوله ممّا تقدّم، فإنّه و إن كان الخلاف قد يجري على مسألة "الإقليم" في عالم "إمبرياليّ"، استعماريّ رأسماليّ، لا يحترم أركان الدّولة المعاصرة وفق ما قد تقرّر في "القانون الدّوليّ" [المزيّف، طبعاً]؛
و على رغم ما يُمكن أن يجري المساس بالأرض و الجغرافيا و الذّاكرة و الثّقافة و التّاريخ، بل و حتّى بعنصر أو بركن "الشّعب"، و هذا، مثلاً، ما أظهرته هذه الحرب على (سورية)؛
فإنّ ركناً واحداً على الأقلّ، و هو "السّيادة"، إنّما يمكن الدّفاع عنه في كلّ لحظة، كما يمكن انتزاعه من براثن الحروب و حرّيّات السّلم العالميّ، بحيث لا يمكن مقايضته بأيّ ظرف أو تسويف أو اتّكال أو شراكة أو تحالفات..، إلخ؛ كما هو الأمر بالنّسبة إلى الرّكنين الآخرين؛
كما يمكن التّشبّث به في مختلف الأحوال و الظّروف، ذلك أنّه عنصر سياسيّ ذاتيّ، ينبغي المحافظة عليه في جميع أطوار "الوجود السّياسيّ"، مهما كانت الظّروف التي تُحيط بهذا "الوجود"، طالما أنّه وجود باقٍ يرتّب على بقائه هذه "الواجبات".
و من المفروغ منه أن نقول إنّ "السّيادة" ركن دائمٌ يبدأ و لا ينتهي، و هو موصوف و مقرّرٌ قبل كلّ شيء، في دستور "نظام الحكم" السّياسيّ، مهما كان ذلك "الدّستور"، و هو الذي يمنح "الدّولة" شخصيّتها "المعنويّة" أو "الاعتباريّة".
و من قبيل إلقاء الضّوء على مفهوم "النّظام السّياسيّ"، الدّستوريّ، الوضعيّ، أن نشير إلى أنّ المضامين الأساسيّة الحصريّة للنّظام هي إمّا أن تكون "محافظة" أو "ليبيراليّة" أو "بورجوازيّة" أو "اشتراكيّة" أو "ثوريّة".. و إمّا أن تكون "وسطاً" من بعض هذه المضامين، و بخاصّة منها ما يقبل الائتلاف كالّليبيراليّة و البورجوازيّة، أو كالمحافظة و الّليبيراليّة، أو كالاشتراكيّة و الثّوريّة.
و لكنّ شكليّات "النّظام" هي التي تشير إلى مبدئه الأساسيّ العمليّ في التّطبيق القانونيّ للسّلطات السّياسيّة في الدّولة، فيكون على أساسها "النّظام" إمّا "رئاسيّاً" و "جمهوريّاً"، و إمّا "برلمانيّاً" و إمّا "حكوميّاً" (وزاريّاً) و إمّا "ملكيّاً دستوريّاً"..، إلخ؛
ناهيك عن أنّ بعض "نظم الحكم" في العالم، إلى اليوم، لا تدخل تحتَ أيّ مسمًّى من هذه المسمّيات، لتنفرد في استثناءات عالميّة راكدة كما هو الأمر في بعض "النّظم" الملكيّة الرّجعيّة المعاصرة و المعروفة لدى الجميع.
و يهمّنا، هنا، وفق ما قلنا، سابقاً، أن نطّلع، ما أمكن، على طبيعة "النّظام" الدّستوريّ، الرّئاسيّ الجمهوريّ، على وجه الحصر، كأحد أعمّ و أشهر نظم الحكم في العالم، اليوم، إلى جانب "النّظام البرلمانيّ"، من باقي سائر "النّظم" السّياسيّة الأخرى.
ينفرد النّظام السّياسيّ الرّئاسيّ، الجمهوريّ، بمواصفات تتعلّق بالطبيعة الاجتماعيّة و السّياسيّة الوطنيّة، الوضعيّة، و تتوقّف على درجة حرّيّة "المجتمع" بين "مجتمعات" العالم، و درجة تقييد حرّيّة القرار السّياسيّ الوطنيّ المحلّيّ، بنظام عالميّ مزيّف من "الحرّيّات" السّياسيّة، و مصادرة الحقوق الوضعيّة للشّعوب؛
بحيث يكون هذا النّوع من "النّظام"، في الأصل، ردّاً سياسيّاً على ظروف دوليّة غير متكافئة و قادرة على أن تشكّل أخطاراً متباينة و جدّيّة على "المجتمع" و "النّظام" في "الدّول" التي تأخذ من هذا "النّظام" مبدأً سياسيّاً دستوريّاً و حكوميّاً.
و حيث يرتبط "النّظام" الرّئاسيّ بحقيقة "جمهوريّة" القرار السّياسيّ، فإنّ التّطبيق العمليّ لهذا الواقع المفهوميّ، يندرج في سياق أهمّيّة و خطورة القرارات السّياسيّة السّياديّة التي يتّخذها "النّظام" في هذا الإطار؛
بحيث تكون القرارات السّياديّة معبّرة، فعلاً، عن جماهيريّة المضامين الحيويّة للقرارات؛
و بحيث تستطيع "الدّولة"، التي تقوم على هذا "النّظام"، و بموجب "الدّستور"، أن تتجاهل المصالح السّياسيّة الضّيّقة و الخاصّة بِ"الفئات" و "لأحزاب" و "الطّبقات" الاجتماعيّة في هذه "الدّولة"، في كلّ ما يتعارض من هذه "الطّائفة" من "المصالح" مع "المصلحة الوطنيّة" العليا، هذه "المصلحة" العموميّة التي غالباً ما تكون، في دول هذه "النّظم"، مهدّدة أو مستباحة أو مغتصبة أو واقعة تحت مخاطر محدقة أو حالّة واقعيّاً و بشكل أكيد.
و حيث، أيضاً، يُنتخب "رئيس الجمهوريّة"، في "النّظام الرّئاسيّ الجمهوريّ"، انتخاباً مباشراً، من قبل "الشّعب"، نستطيع أن نفهم من خلال هذا العرض أنّ "القرار" السّياسيّ السّياديّ، في النّظام الدّستوريّ الرّئاسيّ، إنّما يكون، عادة، عائداً في النّهاية إلى "رئيس الجمهوريّة"..
و ذلك مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ "الرّئيس" لا يلجأ في حالات الحاجة "الطّبيعيّة" و "الاعتياديّة"، اجتماعيّاً و سياسيّاً، إلى اتّخاذ القرارات المفصليّة التّاريخيّة المتعلّقة بحياة "المجتمع" و بنيته المركّبة، قبل أن يقوم بعرض مضامين مثل تلك "القرارات" على "الشّعب" في "استفتاء جمهوريّ" (جماهيريّ)، لمعرفة وجهة ميل الإرادة الشّعبيّة العامّة، الغالبة، و تلبية تطلّعات الجماهير الشّعبيّة في كلّ ما يتعلّق بمصالحها التّاريخيّة الطّبيعيّة في أوقات السّلم.
غير أنّ ما يُميّز هذا "النّظام" الدّستوريّ، إنّما هو استقلال"الرّئيس" في القرارات الاستثنائيّة في الظّروف القاهرة المتعلّقة بحياة "المجتمع" و وجود "الدّولة"، في أوقات "الحرب" التي هي، غالباً، ما تتهدّد وجود "الأمّة" و "الهويّة" التّاريخيّة و السّياسيّة للدّولة و المجتمع؛
و ذلك، حصراً، في الأوقات العصيبة المفاجئة و الطّارئة، تلك التي لا تسمح ظروفها الابتساريّة بعرض مضمونها على "الشّعب" بالاستفتاء الجماهيريّ، نظراً لضيق "الخيار" و حرج "القرار".
و من الطّبيعيّ أن يَتْبَعَ مثل هذه "القرارات" جميع القرارات الأخرى المرتبطة، بطبيعتها و مضمونها و مفرداتها، بتلك القرارات السّياديّة الأصليّة و الأساسيّة في حياة "الأمّة".
من الطّبيعيّ و المفهوم أنّ ممارسة هذا الشّكل من "النّظم"، إنّما يتطلّب، كما قلنا، مجموعة أخرى من القرارات المرتبطة، مباشرة، به، كأن نتحدّث حول ضمان السّلطة التّنفيذيّة و الحكوميّة و الإداريّة، أخيراً، بيد "رئيس الجمهوريّة"، لأنّ ذلك من مكمّلات الظّرف الاستثنائيّ الطّارئ، حال وقوعه..
و لأنّ مسؤوليّة هذا "القرار" السّياديّ الاستثنائيّ مرتبطة بمسؤوليّة الاستعداد الدّائم له، عن طريق المسؤوليّة المباشرة لصاحب "القرار" عن مختلف بيئة و ظروف هذا "القرار" في مقدّماته الحيّة و الدّائمة، عن طريق تركّز المسؤوليّة الشّاملة التّنفيذيّة، عن ذلك في يد "رئيس الجمهوريّة".
و إذ تحتلّ "السّلطة التّنفيذيّة" مشتملات القرار السّياسيّ السّياديّ الاجتماعيّ و الحكوميّ و الإداريّ، جميع عناصر و مكوّنات و مستلزمات "القرار" العموميّ؛ فإنّه من البديهيّ أن نتصوّر أن "الرّئيس" في هذا "النّظام"، غالباً ما يلجأ إلى مبدأ "تفويض السّلطة" الحكوميّة و التّنفيذيّة إلى "الحكومة" و "الوزراء" و "المديرين"، و هذا في كلّ ما يمكن للمبدأ السّياديّ التّخلّي عنه في "التّفويض"، مع مسؤوليّة "المُفَوَّضِينَ" أمام "الرّئيس".
يقوم "البرلمان" في الدّول "الرّئاسيّة" المعاصرة، بدور "السّلطة التّشريعيّة"، منفردة و مستقلّة، أو بالمشاركة مع السّلطة التّنفيذيّة الممثّلة برئيس الجمهوريّة، لهذه السّلطة التّشريعيّة، و هذا، على الحصر، في خارج أوقات انعقاد الدّورة التّشريعيّة العاديّة للبرلمان؛
و يجوز للبرلمان الاجتماع الاستثنائيّ بطلب من أعضائه، أو "بعض" أعضائه..، أو رئيسه، أو بطلب من رئيس الجمهوريّة، نفسه، وفق المبادئ الدّستوريّة المقرّرة و المكتوبة في "الدّستور"، لاتّخاذ "القرارات التّشريعيّة" الحاسمة و الاستثنائيّة و التي تحتاج إلى مشاركة جماهيريّة و التي تسمح بها الظّروف، بصيغة "القانون" الصّادر عن البرلمان؛
و هذا في كلّ ما تراه "السّلطة التّنفيذيّة" بالاشتراك مع "السّلطة التّشريعيّة"، أنّه ينبغي أن يقع خارج سلطات الحكومة التّنفيذيّة من حيث "المبدأ" و "القرار"؛ كما في كلّ ما يخرج عن طبيعة سلطات "الرئيس" في اشتراع "المراسيم" "التّشريعيّة" منها و "التّنفيذيّة"، خارج أوقات سلطة التّشريع الأساسيّة في "البرلمان"، و لكنْ التي تخضع، أيضاً، عند انعقاد "الدّورة التّشريعيّة" للبرلمان، إلى التّصديق عليها أو مراجعتها عند الحاجة الوطنيّة و الصّالح العامّ.
و استكمالاً لضرورات استقرار "القرار" السّياديّ، فإنّ "البرلمان" مسؤول أمام رئيس الجمهوريّة، بوصفه "رئيساً جمهوريّاً" منتخباً انتخاباً عامّاً؛
مثلما أنّ "الحكومة" مسؤولة، أيضاً، أمام "رئيس الجمهوريّة"، و أمام "البرلمان"، في وقت واحد؛
و يقضي هذا "المبدأ" السّياديّ أن "رئيس الجمهوريّة" يقوم بتعيين "رئس الحكومة" الذي يكون مسؤولاً مباشرة أمام "الرّئيس"، و الذي بدوره يؤلّف "الوزارة" الخاضعة إلى مساءلة "رئيس الجمهوريّة" و "رئيس الحكومة" و "البرلمان".
في هذا "النّظام السّياسيّ"، يقوم "رئيس الجمهوريّة" بتعيين "المحكمة الدّستوريّة العليا"، رئيساً و أعضاء، و التي وظيفتها الأساسيّة، بخاصّة، هي الرقابة على دستوريّة القوانين و المراسيم التشريعية و اللوائح و الأنظمة؛ و إبداء الرّأي، بناء على طلب من "رئيس الجمهورية"، في دستورية مشروعات القوانين و المراسيم التشريعية وقانونية مشروعات "المراسيم"؛
بالإضافة إلى مجموعة من الوظائف الأخرى المعروفة لدى المختصّين.
و يمكن في تشكيل هذه "المحكمة" أن يجري انتخاب نصف الأعضاء فيها من قبل "البرلمان"، على أن يتمّ تعيين النّصف الآخر مع "رئيسها"من قبل "رئيس الجمهوريّة"، أو في صيغة أخرى تخضع للمبادئ الدّستوريّة المقرّرة.
هذه هي السّمات "العامّة"، و غير الحصريّة، للنّظام السّياسيّ، الدّستوريّ ، الرّئاسيّ الجمهوريّ، المعمول بها أو ببعضها في "دساتير" الدّول التي تأخذ بهذا، النّظام"، مع تعديلات غير جوهريّة على بعض مبادئه، و على أن تُقَرَّ، أصولاً، في "دستور" البلاد.
يتبع شكل "النّظام الرّئاسيّ"، عادةً، مواجهة لتحدّيات مصيريّة جغرافيّة و سياسيّة، تترتّب على الظّرف الوضعيّ للوجود الاجتماعيّ و الثّقافيّ و السّياسيّ للأمّة ممثّلة بالمجتمع و الدّولة؛
و يحمي هذا الشّكل "النّظاميّ" طبيعة القرار السّياسيّ السّياديّ المعرّض في كلّ لحظة للنّهب و السّرقة الدّوليّة عن طريق "التّحالفات" الباطنيّة و السّرّيّة التي تجري في ظروف التّكتّلات الحزبيّة و السّياسيّة المدعّمة بالسّلطات الاجتماعيّة الرّجعيّة، في ظلّ الأشكال الأخرى من "النّظم" السّياسيّة غير الحصينة وطنيّاً، بخاصّة في ظروف التّهديد و الاستباحة العالميّتين و المستهترتين بحقوق جميع الأمم الضّعيفة، كما هو الحال مع أمّتنا العربيّة و دولنا العربيّة؛
و هذا الأمر هو الذي يجعل من نظام الحكم الدّستوريّ الرّئاسيّ الجمهوريّ، ضرورة وطنيّة و قوميّة في (سورية)، أمام التّهديدات العالميّة للدّولة و المجتمع السّوريين، و التي تتناول حقوقنا الوطنيّة المغتصبة و حقوقنا القوميّة المستباحة، و حقّنا، أصلاً، في الوجود.
يعتبر كلّ خيار لأيّ نظام دستوريّ سياسيّ، آخر، في (سورية)، كالنّظام "البرلمانيّ" و مشتقّاته، خطراً جسيماً على مستقبل الوجود السّوريّ المفعم بالتّناقضات الاجتماعيّة و السّياسيّة، و الارتباطات العماليّة و الخيانيّة التي أبدتها هذه الحرب المصيريّة بجلاء و وضوح ليسا ممّا يحتاجان طول الحديث؛
ما لم يترافق هذا "النّظام" البرلمانيّ مع أنجازات أخرى، أوّليّة، مرتبطة عضوياً به، و بخاصّة "قانون انتخاب" مناسب؛
على أنّنا قادرون، في (سورية)، على التّعامل مع أيّ شكل آخر للنّظام السّياسيّ، عندما يُترك لنا، و يجب أن يُتركَ لنا، الاختيار التّاريخيّ لشكل "نظام الحكم" السّياسيّ الخاصّ بنا، حتّى و لو كان هو الشّكل "البرلمانيّ" المزعوم؛
و لكن بما يشترطه، هذا، كما قلنا، من مقدّمات متاحة لكلّ شعوب العالم و دولها، و أعني بذلك وضع "قانون انتخابيّ" يسبق الاستفتاء على شكل "النّظام السّياسيّ" و تقريره في "الدّستور".
و نظراً لضيق المقام هنا، الآن، سنترك الحديث على "النّظام السّياسيّ البرلمانيّ"، و على "قانون الانتخاب السّوريّ"، إلى حديث مقبل، ذلك لأنّه قمين بمثل ذلك الحديث أن يكون مستقلّاً نظراً لجدادته و أهمّيّته التّاريخيّة في السّرديّة الدّستوريّة السّياسيّة السّوريّة المعاصرة، التي عليها ان تواجه جميع نتائج هذه الحرب، في الوقائع و الاحتمالات و التّوقّعات..
***
في الآتي تعقيب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:
في لغة البناء الدستوري ما زلنا في أقصى مراحل الصراع على تعريف الإنسان التائه ما بين بدائيته و حداثته في زمن سبق فيه المجتمع الغربي إسقاطات "هيدجر" في الحداثة إلى ما بعدها و إلى ما بعد بعدها.
و نحن في مجتمعات الشرق المنقسمة شاقوليا و حتى أفقياً و حتى بنيوياً ما زلنا بهذه المجتمعات التي تغرق في بدائيتها أكثر و في انسياقها اللاهوتي و الغرائزي و القبلي و الطائفي و المناطقي و المذهبي و المصالحي نغرق أكثر.
و أكثر هذه المجتمعات التي تضيع هوياتها أول ما تضيعها بالنفاق و بالشيزوفرينيا المجتمعية الدينية قبل ممارسة الشيزوفيرينيا السياسية في درجات الهرم الأعلى.
مما يجعلنا نفقد بها أرقى لغة ترفع راية الإنسان فوق كل راية و تقدس هويته فوق كل تقديس و هذا ما يجعل مفهوم الدولة شائكاً أكثر من مفهوم الهوية لأن الدولة التي لا تغرس في المجتمع بنيانه المتوازن بل و تبقيه مخلخلاً و احياناً كثيرة بشكل مقصود متعمد من أشخاص هم عالة على الدولة في إسقاط المجتمع بها و إسقاطها بالمجتمع..
ليس عليها أن تستغرب بعد ذلك سقوط بناء المجتمع عليها سواء على شكل عصبة دينية أو على شكل عصبة عميلة أو على شكل عصبة من القطيع الذي لا يهش و لا ينش إلا بتوجيهات الخارج قبل الداخل!...
نعود دوماً لمقولة نيوتن "نحن نبني الكثير من الجدران و القليل من الجسور" و نتساءل في ظل هذه الشروخ المجتمعية و الدستورية الكبيرة : هل ستبقى الجدران فاصلة؟ و هل ستقدر الجسور على مد عقول أبنائها ؟ لتنقل الحضارة من جيل إلى جيل بعيداً عن الشوفينية و التعصب و بما لا يؤدي إلى انهيارات لا دستورية باسم الدستور نفسه..
أو دستورية بمطارق من جعلوا من الدستور ملاذاً آمناً لتدين المجتمع و عجزه و انسياقه وراء الآفات الوهابية و الغيبيات الأخوانية التي لا مناص من ضرورة تحييدها في ظل نظام سياسي دستوري جمهوري رئاسي يستفتي فيه الجمهور قلوب أبنائه و قلب رئيسه قبل عقولهم..
ما يجعل القرارات الكبرى بيد شخص متعقل من الضرورة بمكان للسرعة حيث لا تفيده تشعبات القرار البرلماني في ظروف مصيرية يغدو فيها الخطر كبيراً على الأمة و الدولة ككيان مفصلي متجانس في خلق الحركة المجتمعية الذكية لا الغبية و المتحركة لا العاجزة.
و لسنا هنا بصدد هد البنى العروبية القومية بل بصدد منع العبور بفيدراليات مسخرة كمستعمرات للخارج و بانزياحات دينية مسخرة لتنظيمات عالمية تعبر جغرافية المجتمع و الدولة و تهدد الكيان النظمي برمته و الهوية بمعناها الحقيقي.
و هنا لن نتوحد كما لن نختلف ما بين (Regime) و (System) فالريجيم نزعة في النظام خلقت من الخارج لتبشر بفصل كيان و رأس الرئاسة عن جسم المجتمع بينما السيستم هو نظام متكامل في الوظائف من الرأس إلى الجسد و لذلك نرى أميركا دوماً في هجومها على الرئيس الأسد و نظامه تردد مقولة الاسد ريجيم و كأنه في واد و الشعب و الدولة و المؤسات في واد آخر!
لم تألف مجتمعات الشرق المغزوة بالعقائد و الأعراف بل و المحتلة معنى الحياة الحزبية و ما زالت أبعد ما تكون عن ممارسة الديمقراطية الغربية بمعنى تنافس الأحزاب..
و هذا لا ينفي أن الديمقراطية الغربية هي نتاج دول عميقة أو كيانات في الظل و نتيجة صراع رؤوس الأموال على توجيه هذه الديمقراطية التي يختلف نتاجها لصالح رؤوس أموال و قوى اقتصادية بما يخدم مشاريع عميقة و ظليلة لصالح كيانات عالمية تتحكم في العالم..
لعل على رأسها الصهيونية و الماسونية التي لن تترك معاني الديمقراطية إلا ككذبة يحسن الغرب صناعتها..
بينما في الشرق فجة غليظة ما يجعل فجوة النظم الدستورية هي الثقب الاسود الكوني الذي يبتلع في الشرق كل حلم جميل يرميه الغرب بأبنائه المفخخين كي ينقلب على نفسه فهل ستناسبهم آية من القرآن: "قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون"؟!
لك النور و لسلاسلك النظمية كل إبداع دكتورنا الغالي بهجت سليمان.
***
في حين عقبّت الدكتورة رشا شعبان:
كل الشكر دكتورنا الغالي لإثارتك تلك الموضوعات الوجودية التي تنتصب أمامنا اليوم بوصفها من التحديات الوجودية، وهي: الهوية القومية و العروبة.
و لا شك أن السؤال في الهوية القومية يبرز اليوم بوصفه السؤال في: من نحن؟ و من هو الآخر؟ و العلاقة بين ال نحن و الآخر؟
ولعلّ السؤال في من نحن؟ و هويتنا القومية؟ يستحيل اليوم إلى السؤال في : لماذا يريد هذا الآخر أن ينال من هويتنا القومية و يدعو إلى نسف كل مقومات وجودنا القومي؟
في حين أننا نراه يتهافت على صنع هوية قومية له حتى و إن بدت إبتكاراََ يستقدم كل ما هو غير موجود و مُفتقَد ، ليجعل منه واقعاََ معقولاََ و يمتلك كل المبررات و المسوغات لوجوده.
و ليست الرغبوية للإمبريالية العالمية في تشويه الرابطة القومية للعروبة بدعوات الأفكار الدينية المزيّفة و الإيديولوجيات الهدّامة، إلا تعيّناََ للعلاقة بين أزمة الهوية، و هوية الأزمة.
و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن هوية الأزمة هي الحامل في كل مقوماتها، لأزمة الهوية.
نعم، إن هوية الأزمة اليوم والتي علينا تفكيكها و فحصها، تكمن في تلك الأفكار الملغومة التي تنتصب أمامنا في طروحات واهمة و واهية في إبتكار مفاهيم خبيثة ، تحمل عناوين "الفيدراليات" و "الكونفيدراليات"..
إنها البديل المزعوم و الخرافي عن دولة العروبة، أو الهوية القومية.
إذ ذاك تتعيّن الهوية القومية، أو المشروع العروبي الحضاري بوصفه النقيض المقاوم لدويلات الدين و الطائفة و المذهب.
و ليس صدفة تلك الحرب على العروبة و العلمانية بآن معاََ، لأنها النقيض ل الدولة الإسلامية المزعومة و المتشرذمة، التي تفتقد في عمقها للوحدة و عضوية العناصر و بنيوية المصالح..
ف الدولة الإسلامية أو "دولة الخلافة" هي الضامن الحصري لنزاعات و حروب مستمرة و دائمة، تقوم على إنهاء وجودنا من داخله و بأدواته الذاتية، و التي تتيح للمشروع الصهيوني الإمبريالي، التحكم و السيطرة و الإستغلال و الإستعباد و سرقة المقدرات و الثروات.
إن الهجوم على الهوية العربية، هو إعادة صياغة إستعمارية، تستهدف وجودنا بكل تعيّناته، الجغرافية، و الثقافية، و التاريخية، و الإقتصادية، و السياسية..
إنه الزوال بدعوى إعادة تنظيم و ترتيب الوجود.
نعم علينا إعادة اكتشاف هويتنا الوطنية و القومية، لأننا غير قادرين على النهوض و التقدم، إلا بحضور الأنا الفاعل أمام الآخر.
ومن الأهمية بمكان التأكيد أن الأنا القومي، ليس وجوداََ منعزلاََ عن "الهو" بوصفه الآخر، حيث أن داخل هذا الأنا القومي، هناك الكثير من الأنوات التي لا يتعيّن وجودها إلا عبر إعلانها عن وجود الآخر فيها، لكن تلك الأنوات جميعها تتحد لتكون هوية واحدة، تمتلك صيرورتها و ديناميكيتها و جدليتها، في تفاعل أنواتها الداخلية إيجاباََ في جوهر واحد، يحدد الوجود العام و الضروري في المواجهة على المستوى العالمي.
و الأكيد أننا لا يمكن لنا أن نتصور هوية أو وحدة إنسانية خارج الاعتراف بوحدة الإنسان القائم على تناغم و انسجام المختلف، و الهوية القومية ليست تعصبيّة تلغي الإختلاف، بل هي قائمة في جدلية المختلف و احتوائه، إلا أنها ليست قائمة في أماكن قبلية و دينية و مذهبية و طائفية.
من هنا بإمكاننا القول أن تلازم العروبة و العلمانية، هو شرط لابد منه لبناء نهضتنا المنشودة، و المضادة للمشروع الإسلاموي المتضمن زواله في جوهره التشرذمي و التفتيتي.
و الهوية ليست مجرّد مطلب شعائري، إنها موقف و التزام، و من يفتقد الموقف و الالتزام، سيكون عاجزاََ عن تعيين منزلة له داخل العالم.
نعم إن الهوية القومية العلمانية، هي الكيفية الأمثل لوجودي داخل العالم.
إن واقعنا المعاصر يثبت أننا نمتلك كموناََ وجودياََ خصباََ، قادراََ على التفاعل الحضاري، إن استطعنا امتلاك الأدوات العقلانية و الموضوعية و الذاتية ، لتحويله واقعاََ فعلياََ.
نعم إن الإرهاب كان ولا يزال و عبر التاريخ، يحمل لبوس الدين و يعمل على استعماله لاستنزاف كموننا القومي، في صراعات طائفية و مذهبية و عرقية، مستفيداََ من التجهيل الديني و العروبي في مجتمعنا، عبر وسائل الاشتغال على بناء العقل، و التي عملت على هدم و اغتيال العقل العربي و زجّه في صراعات الدين و التمذهب..
و الخطاب الديني و الإعلامي و السياسي كان قاصراََ عن إعداد العقل العربي العلماني، الذي يعمل من الإختلاف رقياََ و وعياََ متقدّماََ.
و اليوم نحن مدعوون لبناء نظامنا السياسي و دستورنا الضامن لعروبتنا و علمانيتنا، وفق مبادئ واضحة غير تمييعية.
وليست محاولة التدخل في صياغة دستورنا الوطني و الدعوة إلى التعددية الحزبية وعلى الرغم من أهميتها و ضرورتها، إلا محاولة لصياغة قوالب مأمورة و جاهزة للعبة انتخابية ، يتوجها انتخابات رئاسية، تكون ثمرتها رئيس جمهورية يمتلك الشروط الواجبة لانتهاك السيادة الوطنية و احتلال للوطن من رأس الهرم في الوطن.
إن التعددية السياسية و الحريات و الديقراطية هي صناعة وطنية، و الأحزاب ليست تجميعا لقوى مأجورة مغتربة و مستلبة من الخارج،
إنها الأحزاب الناتجة أساساََ عن ممارسة ديمقراطية وطنية داخل المجتمع، و هي مخرجات لوعي ديمقراطي و ليست المقدمة له..
نعم هي نتائج و ليست مقدمات لعمليات خارجية تم إعدادها و قولبتها لتخدم مصالح و تطلعات الخارج، ل تعمل على تقديم ذاتها بشكل و صورة ديمقراطية في قوالب مستعبدة وتابعة و مأجورة.
إن نظام الحكم الدستوري الرئاسي الجمهوري، هو نتيجة حتمية لعملية ديمقراطية و وعي ديمقراطي وطني بامتياز.
إن محاولة إعادة ترتيب القوى السياسية داخل الوطن وفق لبوس الديمقراطية المزيّف، ليس إلا لعبة في النتظيم السياسي لفرض النظام السياسي المنشود صهيونياََ و أمريكياََ.
و نكرّر ما قلناه سابقاََ، لن نسمح لتمرير ما عجز عن تحقيقه المشروع الأمريكي الصهيوني في الحرب، في السياسة.
كل الشكر و الامتنان لك حكيمنا الرائع، و نتمنى أن نكون قد استطعنا الحوار مع بعض أفكارك الثمينة.