وليد معماري: فشّة خلق
حين يتوقف المرء أمام قصيدة الشاعر أبي فراس الحمداني «أراك عصي الدمع»، يظن للوهلة الأولى أنه أمام قصيدة عتاب للحبيبة.. والأمر ليس كذلك.. بل هي قصيدة سياسية بامتياز.. وخطاب عتاب من الشاعر لابن عمه سيف الدولة الحمداني (أمير الدولة الحمدانية) ونداء استغاثة، وعتاب من فارس أُسِر مرتين في معارك مع الروم، واستطاع الفرار من أسره.. وفي أسره الثالث طال الأمر به.. وتلكأ سيف الدولة عن فك أسره بفدية مالية.. وطال الأسر.. وكانت هذه القصيدة التي حرضت الأمير على شن معركة على الروم، وتحرير مدينة حلب.. وهنا معارضة للقصيدة من باب (فشّة خلق.. لا أكثر، ولا أقل):
أراكَ عصيَّ الجَيبِ شيمتُكَ الفقرُ
أمَـا للغَلا نهيٌ عليـكَ ولا أمرُ
بلى.. أنا جوعانٌ وعندي غصّةٌ
ولكنَّ مثلي لا تباعُ له حُصْـرُ
إذا الدَّينُ أضناني لمَمْتُ يدَ العطا
وأمهلتُ سمّاناً وعرسـاً له مهرُ
تكادُ تموتُ النارُ تحت مواقدي
ويفطسُ من جوعٍ بداريَ الفأرُ
مُعلِّلتي بالرّخْصِ والسوقُ دونَهُ
أروحُ فلا أحظى ويحرقُني السِّعْرُ
تُسائلني من أنتَ؟ وهي غشيمةٌ
فدخليَ مفضوحٌ وليس له ستْرُ
مـوظّفُ ديـوانٍ بدائـرةٍ لها
حساباتُ آلافٍ ونيفٍ ولي الصفْرُ
فقلتُ: وهذي حالتي فاعلمي بها
وهل تقبلِ الحسناءُ من حالُهُ العسْرُ
فقالت: وهل قَدَرُ الرواتبِ عندكم
ضئيلٌ أمِ الأسـعار هي الســرُّ
فقلتُ كِلا الأمريـنِ نار جـهنّمٍ
فراتبنـا كُفْرٌ.. وأسواقنا كُفْـرُ
فلا تنكريني يا بنـة العـمِّ إنني
سأُسْكِنكِ داراً من قروضٍ لها جسرُ
فقالت: تنحَّ عـن طريقي فإنـما
مرادي عظيمٌ لستُ أبغي لـه قبْرُ
جريدة تشرين