كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: "النّظام الدّستوريّ" السّياسيّ البرلمانيّ و قانون الانتخاب • الجزء الثالث "3“

[الحلقة الخامسة والخمسون “55" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:


{"النّظام الدّستوريّ" السّياسيّ، البرلمانيّ؛ و قانون الانتخاب • الجزء الثالث "3“}

[عرضٌ و نقد و تطبيق]


{نحن، السّوريّين، نُعَلِّم العالمَ "الدّستورَ" و "النّظام"..}

• د. بهجت سليمان

تندمج في "النّظامَ السّياسيّ"، إرادةٌ سياسيّة تتبع وزن القوّة في "الدّولة"، بحيث تكون عناصرها، المباشرة و غير المباشرة، طاغية، في الحقيقة الكلّيّة للدّولة، على "النّظام السّياسيّ"، أو أنّها تتمثّله و تقدّم نفسها على أنّها تمثّله فيما هي بديل حقيقيّ منه؛ مع أخذها (الدّولة) بعين الاعتبار أنّ "النّظام العامّ".. هو شيءٌ فوق "الدّولة" و يتجاوز "الدّولة" إلى "العالم".

هذه هي الفكرة التي أريد أن أثبّتها، أوّلاً، في الحديث، ليكون من بعدها الحديث ضامناً لها في مضمونه الأخير.

لقد عبّأت الحرب جميع أفراد الجماعات و الفئات و الطّبقات في منظومة المجتمع السّوريّ؛ هذا و لم يبق أحد خارج دائرة الصّراع في "منطقة الحياد" إلّا أولئك الذين يدّعون "الحياد" في صيغة نافرة من النّفاق و الجبن و الكذب الصّريح؛ و لهذا نحن علينا أن ننظرَ إلى كلّ موقف ثقافيّ أو فكريّ على أنّه موقف سياسيّ مبطّنٌ بالاستقطاب العمليّ إلى جبهة أو إلى أخرى من جبهات هذا الصّراع التّاريخيّ؛

و تصبح المقارنات، بالتّالي، بين أفضليّات "نظم الحكم"، مقارناتٍ كاذبة، و أي أنّها لا تبحث من داخل "النّظام" نفسه على ميزاته و خصاله و خصائصه و إيجابيّاته و سلبيّاته..، إلخ؛ و إنّما تكون عبارة عن موقف ذاتيّ يستبطن "موضوعيّاته" التّلقائيّة و يعكس في الوقت نفسه موقفاً سياسيّاً مباشراً و لو أنّه غير مقول.

إنّ الانحياز التّاريخيّ في مجريات الحرب، هو أمر متوقّع و مشروع، تبعاً للتّخوم و الجبهات التي أظهرتها الحرب على حقيقتها، بعد أن كانت نائمة في "التّقيّة" السّياسيّة و لعبة المصالح الزّمنيّة الطّويلة.

و هكذا، نحن لا يمكننا أن نجري المقارنات بين "النّظم"، لأنّنا نحن، أيضاً، متحيّزون، كما جميع الأطراف؛

و إنّه من الأفضل أن نبحث في خصائص "النّظام" بنيويّاً، و بمعزل عن إيجابيّاته و سلبيّاته المقارَنَة، مع الاحتفاظ بالمبدأ الفكريّ الذي يُفضي بالطّبيعة على موقف نقديّ يعبّر عن وجهة نظر "مشروعة"، في "المشروعيّة"، كما جميع المواقف و الآراء و وجهات النّظر الأخرى؛ و هذا ما كنّا قد بدأناه في أحاديثنا السّابقة، و علينا أن نتابعه، الآن.

في البدايات علينا أن نعود إلى العموميّات التي صارت مفهومة في تاريخ الاجتماع و السّياسة و الحكم و في تاريخ الأفكار و الفلسفات، أيضاً.
إنّ مقولات مثل "حكم الشّعب" نفسه بنفسه، مباشرة أو عن طريق "التّمثيل"، أو من مثل "الدّيموقراطيّة" المباشرة أو "النّيابيّة"، أو مثل أنّ "الشّعب" هو "مصدر السّلطات"..، إلخ؛ يجب أن تكون قد أصبحت بحكم المفهوميّات البديهيّة و المفروغ منها، على أنّها، كذلك، و أعني على أنّها مجرّد "رغبات" اجتماعيّة سياسيّة تاريخيّة، تمّ ابتكارها للتّنويع الثّقافيّ على الخرافات الثّقافيّة التي تقوم عليها رغبات "الإنسانيّة" في حالة من حالات السّهو و الوهم في أوقات القيلولة التي نعرفها جميعاً في أوقات الظّهيرة الحارقة في الصّيوف الّلاهبة.

لقد تجاوز الفهم الإنسانيّ، في أبسط تمثّلاته المفهوميّة و في أعقد هذه التّمثّلات، هذه الأفكار التي اخترعت من قبل السّلطات السّياسيّة في تاريخ "الدّولة"، لكسب ثقة الشّعوب و إلهاء المجتمعات عن وظائفها الأساسيّة في المشاركة الفعليّة في الحكم السّياسيّ لها، و استبعاد الإنسان من دائرة المساهمة في اختيار شكل الحاكميّة الطّبيعيّة له..

إذ أنّ القبول و الإذعان بحكومة الدّولة، إنّما هو قدرٌ، و هو ثمنٌ بمثابة المقابل لقاء أمانه و ضمان تجنّبه للافتراس الإنسانيّ المتبادل، في أوقات الذّروة من الطّمع البشريّ و الاستكلاب الاجتماعيّ و الاستذئاب الاستغلاليّ، في الحالات المعروفة من توحّش الإنسان و ارتداده إلى ما تحت الغرائزيّة في أوقات متباينة في الحرب و السّلم و الصّراع الدّائم، الذي يخوضه و يعيشه الإنسان مع أقرانه الشّبيهين به و المتساوين في فرص الاستغلال و الاستئثار و الأنانيّات البشريّة، الدّافعة إلى الجرائم المختلفة و المعروفة في الاجتماع و السّياسة و الاقتصاد و التّطرّف في الوجدانيّات البدائيّة، التي عاشها الإنسان كمرحلة يجب أن تكون قد زالت..
و لكنّها لا تزال مختبئة فيطيّاته النّفسيّة التي تنفرد، لتنداح كالسّيل الجارف عند الحاجة أو عند ما يتصوّره الإنسان على أنّه حاجة، في أوقات هبوب رياح النّفس البدائيّة التي ترافق مسيرة تركيبة و تركّب و مضاعفة الصفات الأولى للإنسان، هذا الكائن "الضّامر".. باستمرار.

و نحن عندما نتخلّص من تلك الأوهام التي تقرّرها "الثّقافة" التّاريخيّة التي تعيش معنا، و فينا؛

و عندما نستطيع أن نتجاوز، عقلانيّاً، تلك "الخرافات"، فقط ..

حبنئذٍ نستطيع أن نبدأ التّفكير بجدّيّة في ظروفنا الاجتماعيّة و حاجاتنا السّياسيّة في "النّظام"، لنبلغ الدّرجة الواقعيّة من تحرّرنا الوجدانيّ الذي نستطيع معه أن نساهم في مفهوم "السّيادة" لنكون جزءاً منه في الصّناعة و الممارسة، على اعتباره أمراً موضوعيّاً و ضروريّاً لوجود "الدّولة" و وجود "المجتمع".

هكذا، إذاً، فإنّ علينا أن ندخل في الحديث على شكل "النّظام" السّياسيّ الدّستوريّ "المعدّ لنا" وفق تسبيحات "المعارضة السّياسيّة الإرهابيّة" السّوريّة لآلهتها في "الغرب" الأميركيّ الأوربّيّ الإمبرياليّ –الصّهيونيّ، و المموّل السّعوديّ و الخليجيّ، و المتدخّل التّركيّ بوقاحة و استهتار؛ لعلّنا نستطيع أن نخترق هذه "الصّلاة" الجائرة، الكاذبة، بحقّ مجتمعنا، و نجعل منها ما هي قائمة عليه، بوضوح، من إسفاف و أوهام و تهيّؤات و تخيّلات؛

إنّه، و فيما نحن نأخذ، جدليّاً، هذه "الواقعة" الاحتماليّة، بعين الاعتبار، على حالٍ ما..؛ فإنّ فحص "النّظام البرلمانيّ"، عن قرب، يُتيح لنا صورة ضروريّة لمعرفة الأبعاد التي تخفيها النّصيحة الأميركيّة "الآمرة"، لتبنّي هذا النّظام الدّستوريّ، في (سورية)، دون غيره من "النّظم" الدّستوريّة المتاحة.

يقوم "النّظام الدّستوريّ" السّياسيّ، البرلمانيّ، على فكرة أساسيّة و هي تقليص صلاحيات "رئيس الجمهوريّة" لصالح "رئيس الحكومة" و "البرلمان"، و إطلاق مختلف "القوى" و "السّلطات" الاجتماعيّة "الفاعلة" (و المنفعلة!)، نحو "التّقرير"، و المساهمة في تقرير، في مصير القرار السّياديّ السّياسيّ الأخير.

و يقضي هذا الأمر بانتخابات "مباشرة" للبرلمان (السّلطة التّشريّعيّة)، و انتخابات "غير مباشرة" لرئيس الجمهوريّة في أشكال تختلف من "دستور" إلى آخر بحسب القواعد العمليّة و التّفصيليّة المثبّتة في "الدّستور" و في "قانون الانتخاب"؛

يتمّ في "النّظام البرلمانيّ" انتخاب أعضاء "البرلمان" بالانتخاب الشّعبيّ المباشر لممثّلي "القوى" و "الأحزاب السّياسيّة" و "الكتل الأخرى"، بحيث تظهر "الكتل النيّابيّة" السّياسيّة (البرلمانيّة) التي ترشّح فيها الكتلة الأكثر عدداً "رئيس الجمهوريّة" من بين أعضائها الحزبيين أو السّياسيين، في حال كانت النّسبة الغالبة للكتلة "السّياسيّة" أو للحزب "السّياسيّ"، بالأغلبيّة النّسبيّة الضّعيفة أو "البسيطة" (أكثر الكتل النّيابيّة، عدداً)؛

على أن تقوم "السّلطة التّشريعيّة" بانتخاب "رئيس الجمهوريّة"، انتخاباً غير مباشر، وفق آليّات مرحليّة متعدّدة و متباينة في دساتير الدّول التي تأخذ بالنّظام الدّستوريّ "البرلمانيّ"؛

أو أنّ "رئيس الجمهوريّة" يكون ممثّلاً للكتلة النّيابيّة الأكثر عدداً ،بالأغلبيّة المطلقة، في حال كان تفوّق "حزب الرّئيس" في الكتلة البرلمانيّة، بالنّسبة العدديّة المطلقة (خمسون بالمئة زائداً واحداً فما فوق من عدد أعضاء البرلمان) "البرلمان"؛
على أن يقوم "رئيس الجمهوريّة" بتعيين "رئيس الحكومة" الذي يخضع في تعيينه، مع الوزراء، لتصديق "البرلمان" و موافقته على هذا التّعيين؛
و على أن يكون "رئيس الحكومة"، و "الحكومة"، فيما بعد، مسؤولين أمام "رئيس الجمهوريّة" و "البرلمان"، في وقت واحد؛
فيما يظلّ "رئيس الجمهوريّة" مسؤولاً أمام "البرلمان"، تحت طائلة"حجب الثّقة" الدّستوريّة عن "الرّئيس"، و العمل على "انتخابات تشريعيّة" (برلمانيّة) جديدة، و انتخاب رئيس جديد؛

هذا في ما تبقى "المحكمة الدّستوريّة" المعيّنة مناصفة من قبل "البرلمان"، و "رئيس الجمهوريّة"، صاحبة "السّلطة العليا" في حجب الثّقة عن "رئيس الجمهوريّة" و إقالته، كما هو الأمر بالنّسبة إلى "الحكومة" و "رئيس الحكومة"، أيضاً.

تختلف، في ما سبق، مسؤوليّات "الرّئيس" من "دستور" إلى آخر، كما تختلف صلاحيّاته تبعاً لذلك؛

إلّا أنّ معظم القرارات السّياديّة الأهمّ في "الدّولة"، تكون موقوفة على موافقة و تصديق "البرلمان"، مع توزّع "السّلطة التّنفيذيّة" ما بين "رئيس الجمهوريّة" و "رئيس الحكومة" من حيث المبدأ السّياسيّ المعمول به في "الدّول" و التّوافقات "البرلمانيّة" على هذا التّوزيع؛

و أمّا بالنّسبة إلى سنّ التّشريعات و القوانين و المراسيم التّشريعيّة، فتتحوّل في "النّظام البرلمانيّ" إلى صلاحيّات "البرلمان" بالمطلق، فيما تخضع "التّشريعات التّنفيذيّة" (التنظيميّة) التي يُصدرها "الرّئيس" إلى موافقة و تصديق "البرلمان".

و هناك استثناءات بهذا الخصوص، كما هو الأمر في النّظام "الرّئاسيّ البرلمانيّ" المعمول به في "الولايات المتّحدة الأميركيّة"، بحيث يتمتّع "الرّئيس" بصلاحيّات سياديّة خاصّة بالنّسبة إلى الأمور السّياسيّة الكبرى و الخارجيّة على نحو خاصّ.

و من الطّبيعيّ أن "الدّساتير" تتضمّن الآليّة التي تتمّ بها "الانتخابات" العامّة "التّشريعيّة" و تحديد الكتل "البرلمانيّة" و الانتخابات "الرّئاسيّة"، في كلّ "نظام" دستوريّ "برلمانيّ"، بحيث يتناسب "قانون الانتخاب" مع "النّظام السّياسيّ" المتمخّض عنه، من جهة ارتباط "قانون الانتخاب" بالنّظام "الدّستوريّ" ارتباطاً آليّاً و مباشراً.

في رأينا، و كما سنوضّح، يعكس نظام الحكم "البرلمانيّ" تدنّياً في المشاركة الشّعبيّة، و ذلك على عكس ما هو شائع في الأوساط الدّستوريّة الأكاديميّة و فقه القانون الدّستوريّ التّقليديّ.

يشعر أفراد المجتمع أثناء عمليّات "الانتخابات" المختلفة و المتعدّدة، في "مواسمها" و "مناسباتها"، في "النّظام البرلمانيّ"، يشعر أنّه أنجز جميع ما هو مترتّب عليه، و أنّه قد أدّى دوره السّياسيّ على الوجه الكامل، ليتركَ، من بعدها، جميع شؤون "الحكم" و "الحاكميّة" إلى "المؤسّسات" التي "انتخبها"(!)..
لتقوم هذه "المؤسّسات" بجميع أعمالها و وظائفها بحرّيّة لا يُحدّها، بالمطلق، أيّ حدّ "شعبيّ"، و هو الأمر الذي يفتح الباب، عريضاً و عالياً، أمام تحكم نخبة القوى الاقتصاديّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة، المنتخبة، أصلاً، في ظروف اجتماعيّة يفهمها جميع القرّاء من حيث أنّها ظروف تخضع لأليّات متقنة من الاحتيال و النّفوذ و السّيطرة الواقعيّة التي لا تحدّها "أخلاق سياسيّة"، و من القدرة على شراء الأصوات و اختراع التّكتّلات الاجتماعيّة السّياسيّة للأغراض الانتخابيّة الظّرفيّة الزّائلة مع نتائجها في أرقام الكتل النّيابيّة المنتخبة.

و عندما تصل الكتل الحزبيّة و السّياسيّة المنفردة سياسيّاً أو المتشاركة كتلويّاً مع غيرها من القوى و الأحزاب السّياسيّة الأخرى، إلى "الحكم", تكون قد قطعت الشّوط الاجتماعيّ الوحيد الضّروريّ لها، و هذا ما يجعلها تتفرّد لأعراضها السّياسيّة و النّفعيّة و الخاصّة و الشّخصيّة و المباشرة..
بحيث تتجاهل، بكلّ ذلك، و بشكلّ تلقائيّ و طبيعيّ و بديهيّ، الأهداف الاجتماعيّة العامّة التي لا تتحدّد بالوظائف السّياسيّة الحزبيّة أو الشّخصيّة، فتنعزل عن ناخبيها الاجتماعيين لتضحّي بحاجاتهم و طموحاتهم و رغباتهم، التي ارتفعوا على أساس الوعود بتحقيقها، لمجتمع يتجاوز في حاجاته المصالح الحزبيّة و الشّخصيّة للنّواب و المنتَخَبين؛

و هو ما يحصل أمامنا في العالم الذي تأخذ دُوَلُهُ بهذا "النّظام"، من جهة العزلة و الانعزاليّة السّياسيّة، و بخاصّة في الغرب، ما بين المجتمعات و الحاكمين؛ ليتحوّل المجتمع، بقواه، و الشّعب، بأفراده، إلى أداة، و حسب، رافعة للسّاسة و المتنفّذين.

من جانب آخر، يتطلّب "النّظام البرلمانيّ" مستوى ثقافيّاً اجتماعيّاً كافياً ليتورّط (!) بنخبته الحاكمة، فيما يظن نفسه أنّه يُشارك في صنع القرار السّياسيّ؛

و ينطبق هذا الأمر بوضوح على "المجتمعات الغربيّة" التي تظنّ في نفسها ثقافة "كافية" لصناعة و إنجاز عمليّة "الانتخاب"، بينما هي تُجرّ جرّاً إلى النّتائج التي تكون قد تحدّدت، سلفاً، بموجب نفوذ نخبة القوى الاقتصاديّة و السّياسيّة في المجتمع و قدرتها على رسم مجريات الانتخاب.

فإذا كان هذا هو الحال في "المجتمعات الغربيّة" التي تصنّف على أنّها "مجتمعات انتخابيّة" واعية و قادرة على ممارسة هذا "الحقّ" السّياسيّ الدّستوريّ؛ فإنّه لنا أن نسأل و نتساءل، مديداً، على الظّروف البنيويّة و التّكوينيّة الاجتماعيّة و الثّقافيّة التي تكمن في خلفيّات الوعي الاجتماعيّ لدى شعوبنا المتخلّفة المنقسمة على الجهل و الثّأر و الموتوريّة و الحاجة إلى أثمان الأصوات..؛ و أن نتساءل، أيضاً، بالتّالي، على مدى "حرّيّتها" الحقيقيّة في ممارسة ما يُسمّى "حقّ الانتخاب"..!؟

هذا هو الشّكل العامّ، بالخطوط العريضة، لآليّات "النّظام البرلمانيّ" المطبّق قسراً على بعض الدّول و المطبّق باستهتار لا يؤخذ فيه بمضامينه الفعليّة، في دول غربيّة أخرى تجاوز فيها "العنف المدنيّ" الحضاريّ القادر على اختراق كلّ "النّظم"، كلّ الحدود.

تعجّ المجتمعات "بطيئة النّموّ"، و التي بقيت في مؤخّرة شعوب العالم، لأسباب كثيرة لا نبحثها الآن، بالكثير من المحدّدات التي تجعلها قابلة للدّخول في "الانقسام" مع أيّة "ليبيراليّة" تتاح للجماعات الدّاخلة في تكوين هذه "المجتمعات"، و التي حافظت فيها على أجسامها المستقلّة التي اكتسبت صفات حدّيّة انميازيّة اجتماعيّاً و ثقافيّاً، إلى درجة تجعل من "حريّاتها الّليبيراليّة" سبباً مباشراً للاستقطاب السّياسيّ المبنيّ على ثقافات حدّيّة، و حدوديّة، يتمثّل، مباشرة، باختلاف مكتمل المعالم و متحوّل بطبيعته إلى "فصل عنصريّ" اجتماعيّ معادٍ للاندماج و باحثٍ له عن سرديّة انفصاليّة عن "المتّحد" الاجتماعيّ..
و ذلك بسبب الثّقافة الانفصاليّة التي تغذّي تلك الجماعات و تجعل منها مشاريع "مكوّنات" اغترابيّة، نظريّة و عمليّة، تؤدّي، في البداية، إلى اكتساب "الفرادات" التّكوينيّة، و في النّهاية، إلى صراع يتمثّل بحربٍ باطنيّة، يتطوّر من "الاجتماعيّ" و "الثّقافيّ"، إلى "السّياسيّ" الذي يدخل في التّكتّل "النّيابيّ"، و في ما بعد في الصّراع المفتوح على السّلطة التّنفيذيّة؛

و في ظروف مشابهة، في "النّظام البرلمانيّ"، تأخذ "رئاسة الجمهوريّة" دورها كشاهد زورٍ على هذا "الصّراع"، مكتفية بتقديم النّصح المستحيل للأطراف المتصارعة في الحكومة و البرلمان، بما في ذلك عدم القدرة "الدّستوريّة" لرئاسة الجمهوريّة من أن توجّه هذه الصّراعات إلى أيّة وجهة تراها أنسب و أكثر تعبيراً عن الواقع و الحقيقة السّياسيّة و الضّرورات السّياسيّة الوطنيّة.

و هذه صورة سياسيّة مظهِّرة للصّراع النّاجم عن اتّباع "النّظام الدّستوريّ البرلمانيّ" التي تشترطه (أميركا) على السّوريين؛

من الأفضل أن نكون "هرطوقيين" (هراطقة)، في مقابل "دين" الغرب "الصّحيح" (المستقيم)(!) و نظامه العالميّ النّمطيّ الوضيع، من أن نكون مذعنين، و "تحتَ السّيطرة"..!

و إذ نحن ما نزال في طور الفرضيّات الجدليّة، بالنّسبة إلى "النّظام البرلمانيّ"، فإنّ علينا، إذاً، أن نكمل مقدّمات هذه "القضيّة"، حتّى نهايتها؛

و أعني أنّه لا يستقيم حديثنا، الذي سبق في الحلقات السّابقة، إلى نهاياته "المنطقيّة"، حتى في ظروفه الافتراضيّة و االفرضيّة الجدليّة، ما لم نتحدّث على بعض معالم "قانون الانتخاب" و خصائصه السّياسيّة.

إذا كان هذا هو، إذاً، "النّظام"، فإنّ مواجهته "النّظاميّة" أو "الهرطوقيّة" توضّح لنا الصّورة على نحو أعمق في ما يُراد لدولتنا السّوريّة و مجتمعنا السّوريّ.

حسناً! و لكن ما هو المقابل لتخريب المجتمع و الحياة السّياسيّة في دخول "الدّولة"، كدولة "شرقيّة"، بخصائصها المعروفة.. في النّظام "الدّستوريّ" الغربيّ من دون أيّة مقدّمات سياسيّة و ثقافيّة و دستوريّة و قانونيّة؟

واضح أنّ المطلوب هو "عرقنة" (سورية)، أو بالأحرى "لبننة" (سورية)، و إدراجها في عداد "الدّول" النّظاميّة الفاشلة و التي يقتضي فيها "النّظام" التّخلّي عن آخر عنصر له من عناصر "هويّته" و الالتحاق بالغرب كتابع و أجير..!؟

أمام هذه المطالب الأميركيّة الواهمة و التي تنسج على منوالٍ مهترئ، و قد "جُرّب" قبل "الحرب" و أبدى فشله أمام حكمة "السّيادة السّوريّة"، بل و أمام "صلابة" هذه السّيادة صلابةً وطنيّاةً لا تشوبها شائبة من شوائب الانحدار العالميّ نحو "الغرب"؛ فإنّه من حقّنا، نحن، أيضاً التّشبّث بحقائقنا و الانضمام إلى "نادي العالم" بصفاتنا، على التّحديد.

عندما كانت الكلمة العليا، للغرب، فشل "الغرب"، ممثّلاً بأميركا، في إخضاع (سورية)، فكيف يظنّ، الآن، بعدما دخل في طور انحساره التّاريخيّ، أنّه قادرٌ على التهام "السّوريين"؟

و في أيّة حال يحقّ لنا أن نتساءل لماذا يسكت "الشّرط الأميركيّ" عن المقدّمات السّياسيّة الّلازمة للنّظام الدّستوريّ "البرلمانيّ"، و أعني بأهمّ تلك "المقدّمات"، "قانون الانتخاب" الذي على أساسه تجري تكوّن "الكتل النّيابيّة" في "البرلمان" تمهيداً لبناء السّلطة التّنفيذيّة..

من حيث "المبدأ" الأشهر في السّياسة العالميّة، و المتّبع على أساس الفقه الدّستوريّ و القانونيّ "النّفعيّ" (و البراغماتيّ)، بالذّات، فإنّ "النّظام البرلمانيّ" أو "نظام الحكم النّيابيّ".. "يُصبح مسألة عمليّة [و ضروريّة] عندما يكون حاكم متنوّر (أو أمّة أو أمم أجنبيّة) قد سيطر على البلاد بالقوّة و كان على استعدادٍ لمباركة ذلك النّظام و منحه".

[جون ستيوارت مِل. الحكومات البرلمانيّة].

و لكنْ، هل أنّ (أميركا) تتعامل معنا في (سورية) على أساس أنّ "الحكم" مغتصبٌ من قبل "الدّولة الشّرعيّة النّظاميّة"..، أو أنّ (سورية) قد أصبحت في عداد "الدّول فاقدة السّيادة" لأنّها "محتلّة" من قبل "أمّة أو أمم أجنبيّة" (مِل)، فكان بالتّالي علينا في (سورية) أن نكون مرغمين على قبول "نظام الحكم البرلمانيّ"...؟!
هذا هو ما يُفهم من "قرارات" (أميركا) "المنفردة" حتّى الآن.. (!!؟)، و ها هنا لنا، و علينا، أن نقفَ طويلاً متأمّلين!

و على رغم هذا، فإنّ البريطانيّ (جون ستيوارت مِل)، ربّ "النّفعيّة" في التّاريخ، يحسم الأمر، نظريّاً، بوضوح صريح، فيقول:

"إنّ ملاءمة أيّ قسم من بني الإنسان لذلك النّظام [و يعني "النّظام البرلمانيّ"] تكون بنسبة ما بلغوه من درجة في التّحسين العامّ. و كلّما كان النّاس أقلّ تطوّراً في المدنيّة كلّما كان هذا النّظام أقلّ ملاءمة لهم؛ ذلك أنّ أهليّة أيّ شعب للحكم النّيابيّ لا تعتمد على ما يحتلّه من مكانة في ميزان الإنسانيّة العامّ، بقدر ما تعتمد على مدى ما يمتلكونه من الضّروريّات الخاصّة، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بدرجة تقدّمهم العامّ".

[المصدر نفسه].

من غير المحبّذ أن نجري المقارنات على هذه الطّريقة، و لكنّ هذا "العالم الفاجر" و نظامه "العولميّ" الأحمق، قد فرض علينا حتّى طرائق تفكيرنا للدّفاع عن أنفسنا، إزاءه.

في كتابه ["الخوف من البرابرة" – "ما وراء صدام الحضارات"] يقول الفرنسيّ (تزفيتان تودوروف)، متحدّثاً على "العولمة" هذه الظّاهرة الجارفة و التي ركب موجتها "الجميع" ممّن يستطيع، بعد أن يُميّز دولاً قادرة على ذلك و أخرى لها صفات مختلفة سنقرأها بعد قليل؛ يقول، في اقتباس طويل، نسبيّاً، سنقوم به، للضّرورة و التّعبير..، ما يلي:

["سوف أسمّي الشّعور الجامح لدى المجموعة الأولى من البلدان "الشّهيّة". فلقد انتاب شعوب هذه البلدان في أغلب الأحيان، و لأسباب متنوّعة، شعورٌ بأنّها نُحّيَتْ عن تقاسم الثّروات؛ و ها قد حان دورها اليوم. لذا نرى السّكان يريدون الإفادة من العولمة، و من الاستهلاك، و من وسائل التّرفيه، و هم لا يوفّرون أيّة وسيلة من أجل بلوغ هذا الهدف.
إنّ اليابان هي التي فتحت هذا الطّريق منذ عدّة عقود، و تبعتها بالسّير عليه عدّة بلدان في جنوب شرق آسيا، و منذ فترة قصيرة الصّين و الهند. هناك بلدان أخرى و مناطق أخرى من العالم تسير في نفس الاتّجاه، كالبرازيل، و سوف تليها من دون شكّ المكسيك و جنوب أفريقيا. منذ عدّة سنوات يبدو أنّ روسيا تسلك الدّرب نفسها محوّلة هزيمتها في الحرب الباردة إلى مكاسب، ذاك أنّ نموّها لم تعد تعترضه أيّة كوابح إيديولوجيّة، و الأمر كذلك بالنّسبة لازدهار أحوال مواطنيها، و لم يعد البلد بحاجة
لمواصلة المنافسة من أجل الهيمنة العالميّة.

"إنّ المجموعة الثّانية من البلدان هي تلك التي يلعب فيها "الحقد" دوراً أساسيّاً. و قد نجم هذا الموقف عن إذلالٍ حقيقيّ أو مُتَخَيَّل فُرِضَ عليها من قبل البلدان الأكثر ثراءً و الأكثر نفوذاً. و ينتشر هذا الموقف بنسب متفاوتة في قسم كبير من البلدان ذات الغالبيّة المسلمة، من المغرب إلى الباكستان. و منذ وقت قصير نجده كذلك في بلدان أخرى أسيويّة أو في بعض بلدان أميركا الّلاتينيّة. أمّا سهام هذا الحقد فتتوجّه إلى البلدان الأوروبّيّة المستعمِرة سابقاً، و بشكل متزايد إلى "الولايات المتّحدة" التي تُحمَّلُ مسؤوليّة فقر الأفراد و عجز الدّول.

"أمّا المجموعة الثّالثة من البلدان فتتميّز بالموقع الذي يحتلّه فيها "الخوف". إنّها البلدان التي يتشكّل منها الغرب و التي سيطرت على العالم منذ عدّة قرون. إنّ خوفها يأتي من المجموعتين السّابقتين، و لكنّه ليس خوفاً من طبيعة واحدة.. (...).

"أخيراً، هناك مجموعة رابعة من البلدان الموزّعة على عدّة قارّات، و يمكن أن نطلق عليها إسم "التّردّد": إنّها المجموعة التي يُخشى أن يُهيمن على أعضائها يوماً إمّا "الشّهيّة" و إمّا "الحقد"..."]

من الواضح، و لو لم يُصرّح (تودوروف) بموقع "الولايات المتّحدة" أو ("إسرائيل")، في "التّصنيف الدّوليّ الرّباعيّ" الذي يُقرّره، فإنّ موقعهما، بشكل طبيعيّ قد تحدّد في "المجموعة الثّالثة" أي في "دول الخوف"

إنّهم، إذاً، يصنعون "الخوفَ" و يصدّرونه، لأنّهم خائفون!

لعلّ هذا "الاقتباس" يُلقي الضّوء على بعض تصرّفات دول العالم نحو (سورية)، و هو أمر يجب الأخذ به عندما نفكّر في طبيعة "النّظام" السّياسيّ في (سورية)، و موقف الدّول العالميّة "التّقديريّ" من "التّدخّل" المباشَر و السّافر في شؤوننا الدّاخليّة.

قد تساعدنا، و هي كذلك بالفعل، هذه "النّظرة" الخاصّة إلى دول العالم، لتحريك و تطوير طريقتنا في التّفكير و استنتاج الكثير من الحاجات السّياسيّة المفهوميّة و العمليّة مع غياب "الوثيقة" عند الجميع..

و ثمّة هدفٌ آخرُ، في الحقيقة، لإيرادنا هذا "الاقتباس" المطوّل، لا يخفى على القرّاء "النّبهاء"..، و هو أنّنا أردنا إلقاء الضّوء على "ممكنات" احتماليّة أو "افتراضيّة"، في عالم عولميّ افتراضيّ، بالجملة، لعلّنا نكون في "صورة" أوفى على هذا "العالم".. الذي هو في تنسيقٍ خاصّ يتجاوز حاجاتنا و رغباتنا الأساسيّة في التّفكير!

بالعودة إلى سياق موضوعنا، الجوهريّ، فإنّ الدّول التي تأخذ بالنّظام الدّستوريّ البرلمانيّ، تعيش عادة صراع "قانون الانتخاب" في الحياة الاجتماعيّة السّياسيّة في الأمكنة المتوجّهة إلى هذا "النّظام"، حديثاً، أو في تلك الدّاخلة في بنية هذا "النّظام" بدوافع "ليبيراليّة" مصطنعة و لو كان لها عهد بعيد في هذا "النّظام".
و تتبع درجة هذا "النّظام" الوعي السّياسيّ للمجتمع و درجة تحضّرهو مدنيّته و انفتاحيّته.

بالتّالي، فمن حقّ شعبنا أن يُقرّر "قانون الانتخاب" و "شكل النّظام السّياسيّ" المناسب لمجتمعنا، في استفتاء جماهيريّ عامّ على هذا "القانون"، بحيث أنّ أيّة عمليّة انتخابيّة "برلمانيّة" نيابيّة، أو "رئاسيّة"، إنّما عليها أن تجري في ظلّ هذا "القانون" و بموجب مقتضياته، و في ظلّ "الدّستور" الملائم لهذا الواقع الجديد؛
فيجري تعليق انتخاب "رئيس الجمهوريّة" على "قانون الانتخاب" الذي يقرّره "الدّستور"، أوّلاً، بخطوطه العامّة، ليجري "وضعه"، بعد تكريس "الدّستور"، و وضعه حيّزَ التّنفيذ.

و نظراً للتّداخل الذي سيتحتّم، عمليّاً، بين "قانون الانتخاب" - حال تقرير شكل الحكم "البرلمانيّ" - و بين "قانون الإدارة المحليّة"، و "قانون الأحزاب"؛ و هذا أمر طبيعيّ؛
فإنّ على "قانون الانتخاب" أن يكون آخذاً بعين الاعتبار المتغيّرات الضّروريّة في مضمون "قانون الإدارة المحلّيّة"، و متشاركاً معه في "التّقنين"، و في تكامل مع "قانون الأحزاب" النّافذ، أو بعد التّعديل؛

إذ أنّ إحداث قانون للانتخاب يجب أن يترافق مع تعديلات في قانون الإدارة المحلّيّة، و ربّما "قانون الأحزاب"، أيضاً، بحيث تكون هذه القوانين منسجمَة و لا تناقضات فيما بينهما؛

ففي حال تقرّر في "الاستفتاء الجماهيريّ" شكل "الحكم البرلمانيّ"، فيجب أن يؤخذ بعين الأهمّيّة و الضّرورة أن يقوم "قانون الانتخاب" بِعَقْلِ "قانون الإدارة المحليّة" (و هذا وفق الصّياغات القانونيّة)، و "قانون الأحزاب"، و بحيث يكون "قانون الإدارة المحلّيّة" و "قانون الأحزاب" "معقولَين" من قبل "قانون الانتخاب"، و ذلك بسبب عموميّة "قانون الانتخاب" و خصوصيّة "قانون الإدارة المحليّة" و "قانون الأحزاب"..

إذ أنّه من المعمول به في قوانين العالم أن "يَعقِلَ" القانونُ العامَّ، القانون الخاصّ، على عكس ما هو متّبع في العلاقة ما بين "القانون المدنيّ" و "القانون الجزائيّ"، حيث يعقِل فيهما القانونُ "الجزائيّ"، القانونَ "المدنيّ".

و في تصوّر أوّليّ على انسجام أحكام "قانون الإدارة المحلّيّة" مع أحكام "قانون الانتخاب الرّئاسيّ"، يجري، بتعديلٍ لقانون "الإدارة المحلّيّة"، "المماثلة" بين مدّة ولاية "رئيس الجمهوريّة" مع فترة ولاية "مجالس المحافظات" المنتخب من كلّ منها نصف أعضائه مباشرة من قبل الشّعب في "المحافظة" (في كل محافظة من المحافظات السّوريّة الأربع عشرة)؛
و المعيّن نصفه الآخر تعييناً من قبل "رئيس المجلس الأعلى" للإدارة المحلّيّة، "رئيس الحكومة" و المعيّن أصلاً من قبل "رئيس الجمهوريّة" بموافقة البرلمان..

على أن يجري تعيين نصف أعضاء مجالس المحافظات، وفق المذكور أعلاه، باقتراح "وزير الإدارة المحلّيّة" كعضو في "المجلس الأعلى للإدارة المحلّيّة"، و موافقة "رئيس المجلس"؛
و ذلك بعد تعديل أحكام "المرسوم التّشريعيّ" رقم (107) لعام (2011م) المتضمّن "قانون الإدارة المحلّيّة" في (سورية)، كما ورد في بداية هذه "الفقرة".

و من النّافل أن نقول إن "التّرشّح" إلى منصب "رئيس الجمهوريّة"، من رؤساء أو من أعضاء الكتل الحزبيّة النّيابيّة، أو من "المستقلّين"، يجب أن يخضع إلى "شروط خاصّة" يُحدّدها "الدّستور" و "قانون الانتخاب"، بصراحة و وضوح، بحيث يتحقّق في "المرشّح" أوّليّات الهويّة و الأهليّة الشّخصيّة و الاعتباريّة و القانونيّة و المعنويّة، و الكفاءة الوطنيّة و القوميّة، و الإنسانيّة، و العلميّة و الثّقافيّة، إضافة إلى شرط "الخبرة" بالتّعاطي مع "الشّأن العامّ"، و شروط العدالة الاجتماعيّة، بحيث لا يُعرف عن "المرشّح" انتماؤه إلى أيّ من "الأحزاب" و "القوى" و السّلطات "العنصريّة"، بكل أنواعها و معانيها..

و يعود البتّ في هذه الصّفات، و الرّقابة على تلك "الأهليّات"، إلى "المحكمة الدّستوريّة العليا"، بالتّعاون مع "محكمة أمن الدّولة العليا"، لعلّة تداخل "الاختصاص".

و يُنَصُّ في "قانون الانتخاب" الجديد، على "هيئة انتخابيّة" سوريّة، تتشكّل، أساساً، من أعضاء "مجالس المحافظات" الأربع عشرة السّوريّة، بواقع عدد أعضاء هذه "المجالس"، و الذي لا يقلّ عدد كلّ منها عن (50) عضواً، و لا يزيد على (100) عضوٍ، وفق أحكام قانون "الإدارة المحلّيّة" النّافذ في (سورية)..

بحيث يكون عدد أعضاء "الهيئة الانتخابيّة" مساوياً لأعداد أعضاء "مجالس المحافظات" الأربع عشرة السّوريّة، فلا يقلّ عدد أعضائها عن (700) عضوٍ و لا يزيد على (1400) عضوٍ، وفق النّسب المقرّرة في "قانون الإدارة المحلّيّة" النّافذ..
أو وفق نسب أخرى بحيث تبقى هذه النّسب خاضعة للتّعديل بموجب مرسوم تنظيميّ (تنفيذيّ) يصدر عن "رئيس الجمهوريّة"، و لا حاجة لقانون أو لمرسوم تشريعيّ لتعديل هذه النّسب أو الأرقام.

تعاصر فترة ولاية "مجالس المحافظات" فترة ولاية "رئيس الجمهوريّة"، و تنحلّ هذه "الولاية" مع انتهاء ولاية "الرّئيس"، لتبعيّة الجانب التّنفيذيّ في هذه "المجالس" للصّلاحيّات التّنفيذيّة لرئيس الجمهوريّة..

و لذلك تجري انتخابات أعضاء مجالس المحافظات، المنتخبين، قبيل التّرشّح لرئاسة الجمهوريّة بوقت كاف؛
كما يُعيّن أعضاؤها المعيّنون في الفترة نفسها التي يُنتخب فيها الأعضاء المكمّلون؛
و بحيث يسبق هذا الانتخاب و التّعيين، للمجالس، انتخابات "مجلس الشّعب" (البرلمان)، لتشكّل المرحلة الأولى للهيئة الانتخابيّة من تلك المجالس؛ كما ورد أعلاه، لتشكيل ما أسميناه "الهيئة الانتخابيّة"..

و بعدها تجري انتخابات "مجلس الشّعب" (البرلمان) لتشكيل ما أسميناه "الّلجنة الانتخابيّة العليا"، بإضافة "أعضاء المجلس" (البرلمان) إلى "أعضاء الهيئة الانتخابيّة" الأولى..
و من ثمّ يتحدّد مصير انتخاب "الرّئيس".

و تبدو هذه الانتخابات انتخابات مباشرة بشكل جزئيّ أو نصف مباشرة، و بذلك تتحقّق الضّمانة الدّستوريّة للنّظام البرلمانيّ السّوريّ، حال كان اختيار الشّعب العربيّ السّوريّ في استفتاء جماهيريّ لهذا "النّظام"؛

و أمّا في حال اختيار الاستفتاء الشّعبيّ لشكل "النّظام الرّئاسيّ الجمهوريّ" فإنّه ينبغي أن يبقى ذلك "النّظام" نزولاً عند الجماهيريّة في الاستفتاء.

المهمّ أن تبقى في روح "قانون الانتخاب"، إذا وضع لنظام "برلمانيّ"، "جوهرة" المشاركة الشّعبيّة القصوى، و هذا ما يُراد لأكثر الحكومات العالميّة ديموقراطيّة و مشاركة، و ذلك بإدخال "المجتمع" في بوتقة "الحياة الانتخابيّة" و إكسابه هذه المهارات الثّقافيّة السّياسيّة المفضية إلى حياة ديموقراطيّة واعية و متحضّرة.

تُشَكَّلُ بموجب "قانون الانتخاب" الجديد "الهيئة الانتخابيّة العليا" التي تتألّف من "أعضاء الهيئة الانتخابيّة"، كما جرى عليها الحديث السّابق، بالإضافة إلى أعضاء "مجلس الشّعب" (البرلمان)، ليشكّلا معاً هذه "الهيئة الانتخابيّة العليا" أو "الهيئة العليا للانتخاب" التي تتولّى انتخاب "رئيس الجمهوريّة"، وفق حالتين منفصلتين و مستقلّتين: (أ) و (ب).

ففي حال فاز "حزب الرّئيس" أو "تكتّله النّيابيّ" بالأغلبيّة النّسبيّة البسيطة في "مجلس الشّعب" (البرلمان) (إذا كان عدد أعضاء حزب أو تكتّل الرّئيس أكبر من عدد أعضاء أيّ تكتّل أو تحالف آخر)، و لم يحز على "الأغلبيّة المطلقة" في عدد أعضاء "مجلس الشّعب" (البرلمان)، بواقع (النّصف زائداً واحداً أو أكثر من أعضاء البرلمان)..

فإنّه، في هذه الحالة، يجب ألّا تقل نسبة أصوات الأعضاء المقترعين بالموافقة على "رئيس الجمهوريّة"، عن (60%) (الحالة – ب) من عدد أعضاء "الهيئة الانتخابيّة العليا" المذكورة..

و أما في حال فوز "حزب رئيس الجمهوريّة" أو "تكتّله النّيابيّ"بالأغلبيّة "المطلقة" المفصّلة أعلاه، في "مجلس الشّعب" (البرلمان)، و استطاع تحقيق النّسبة (60% فما فوق) من عدد أصوات أعضاء "الهيئة الانتخابيّة العليا" (الحالة – أ)، و في هذه الحالة (أ) يجب أن يتمتّع "الرّئيس" بصلاحيّات شبه كاملة وفق المعمول به في "النّظام الدّستوريّ الرّئاسيّ"..

و في حال عدم حصول "الرّئيس" على هذه "النّسبة"، في هذه الحالة الأخيرة (أ)، من عدد أصوات أعضاء الهيئة الانتخابيّة العليا، يبقى "الرّئيس" محتفظاً بفوزه السّابق في "مجلس الشّعب" (البرلمان)، على أن يتعامل "الرّئيس"، دستوريّاً"، وفق الحالة العامّة من فوزه كمرشّح برلمانيّ (الحالة – ب)، من دون حصوله على "السّلطات" الغالبة، و ذلك كما لو أنّه قد فاز بأصوات "الأغلبيّة السيطة" في "مجلس الشّعب" (البرلمان).

يجب أن يتضمّن "قانون الانتخاب" صلاحيّات تقليديّة كاملة لرئيس الجمهوريّة، وفق ما هو معمول بغالبيّته في "النّظام الرّئاسيّ"، في حال فوز "الرّئيس" بالأغلبيّة "المطلقة" في "التّكتّل النّيابيّ" مع فوزه بغالبيّة (60% فما فوق) من أعضاء "الّلجنة الانتخابيّة العليا"، (الحالة - أ)؛

و أمّا في حال فوز "الرّئيس" بالأغلبيّة البسيطة في "مجلس الشّعب" (البرلمان) و فوزه بنسبة (60%) من أعضاء "الهيئة الانتخابيّة العليا" (الحالة – ب)، فإنّ على "قانون الانتخاب"، أيضاً، أن يتولّى رسم المهامّ الدّستوريّة للرّئيس و ذلك بمشاركته السّلطة التّنفيذيّة لرئيس الحكومة و للبرلمان، وفق أحكام (الفقرة – ب)..
و ذلك إلّا في حالة أخيرة و هي أن يفوز الرّئيس (مع حزبه أو تكتّله) بأغلبيّة بسيطة في "مجلس الشّعب" (البرلمان)، و استطاعت هذه الكتلة أن تحقق فوزاً في انتخابات "الهيئة الانتخابيّة العليا" بأصوات تبلغ (75% فما فوق)، فيعامل عندها، أيضاً، معاملة الفقرة(أ)، و أي بصلاحيّات دستوريّة موسّعة.

و يجري هذا و ذاك بموجب القواعد العامّة المقرّرة في "قانون الانتخاب" الموضوع حديثاً، و بموجب الأحكام الدّستوريّة المنصوص عليها بصراحة و وضوح في "الدّستور".

و في كلّ حال ينبغي أن يحتفظ "الدّستور" و "قانون الانتخاب" بالقرار السّياديّ السّياسيّ لرئيس الجمهوريّة، و الذي يكون خاضعاً فقط، لطعن "المحكمة الدّستوريّة العليا" المشكّلة مناصفة بين من يُعينهم "رئيس الجمهوريّة" و بين من يجري تعيينهم وفق الأصول المقرّرة، دستوريّاً، عن طريق "مجلس الشّعب" (البرلمان).

تبقى الحالة الوحيدة الشّاذّة (الاستثنائيّة) و التي هي فشل "الرّئيس" و حزب الرّئيس و التّكتّل التّابع لحزبه، في نيل ثقة "مجلس الشّعب" (البرلمان)، بالأغلبيّة النّيابيّة المطلقة، و ثقة "الهيئة الانتخابيّة العليا"، في الأحوال المقرّرة للانتخابات على مرحلتين؛

و يعني عندما يكون الفوز النّيابيّ للرّئيس بكتلة نيابيّة حقّقت "الأغلبيّة البسيطة" في انتخابات "مجلس الشّعب" (البرلمان)، و لم تحقّق "الأغلبيّة المطلقة" الأقلّيّة (60% فما فوق) من عدد أصوات أعضاء "الهيئة الانتخابيّة العليا"؛ و أي في حال عدم توفّر أيّ
من "الحالتين": (أ) أو (ب)؛

ففي هذه الحالة، يجري "الاقتراع" من قبل "الهيئة الانتخابيّة العليا" على "جميع" أسماء رؤساء "الكتل" النّيابيّة، بالتّساوي، أمام انتخابات مباشرة من قبل "الهيئة الانتخابيّة العليا" لتبتّ باسم "الرّئيس" الذي تنتخبه، مع شرط حجم الكتل النّيابيّة بالنّسبيّة الواقعيّة من عدد أصوات التّكتّلات؛

بحيث تجري الإجراءات المتمّمة بحيث يخضع التّصويت إلى شرطين في وقت واحد، كما تقدّم، أي الفوز في انتخابات "الهيئة الانتخابيّة العليا" مع الشّرط العدديّ بنسبة من الأصوات لا تقلّ عن (60%)، مع تمكّنه في تحقيق الكتلة النّيابيّة البسيطة في العدد الّلازم في "التّكتّل النّيابيّ"، و يعامل "الرّئيس" في هذه الحالة و فق أحكام الفقرة (ب) و أي بصلاحيّات رئاسيّة بالتّوازع مع "رئيس الحكومة" و "البرلمان"؛

و مع التّأكيد على هذه الحالة الخاصّة و أي عند فوز "الرّئيس" وفق أحكام هذه الحالة "الاستثنائيّة" المفصّلة أعلاه، يُعامل "الرّئيس" دستوريّاً، وفق أحوال (الحالة – ب) من الحالتين المذكورتين، أي بواقع توازع صلاحيّاته وفق الأحوال المقرّرة في "الدّستور"، مع "رئيس الحكومة" و "مجلس الشّعب" (البرلمان)..

على أن يتمكّن "الرّئيس" المنتخب في "الهيئة الانتخابيّة العليا" من تكوين تكتّل نيابيّ جديد، إن لم يكن قد شكّله، بعد؛ بشرط أن يحوز "الأغلبيّة المطلقة" في الكتل النّيابيّة؛
تحت طائلة فشل "الانتخابات الرّئاسيّة"، في حال عجزه عن تأمين هذا "التّكتّل" الأغلبيّ النّيا بيّ المطلق، و لو أنّه حاز على الثقة الأغلبيّة البسيطة في انتخابات "الهيئة العليا للانتخاب"..

و في هذه الحالة تعاد "الانتخابات البرلمانيّة" من جديد، لتتحقّق "النّسبة" الكفيلة برفع رئيس للجمهوريّة، من جديد، وفق أحد الأحوال التي أتينا عليها، أي بالخضوع التّالي لانتخابات "الهيئة الانتخابيّة العليا"، حسب الحال، وفق المقرّر أعلاه.

و هكذا فإن "انتخابات رئاسة الجمهوريّة" حِينَئِذٍ في (سورية) تتمّ على مرحلتين، في كلّ الأحوال، وفق ما هو مبيّن أعلاه، في حال اتباع شكل نظام "الحكومة البرلمانيّة".

هذه، بالتّأكيد، هي الخطوط الأوّليّة و العامّة التي يشترطها الواقع الاجتماعيّ و السّياسيّ، و إذا شئت، فالتي يشترطها "الأمر الواقع"، الذي يسمح بقيام نظام "حكم برلمانيّ سوريّ" عادل، و على وجهه الحقيقيّ بالتّحديد، عن طريق رسم "قانون انتخاب" جديد و تعديل "للدّستور" و تعديل لقانون "الإدارة المحلّيّة" النّافذ في (سورية)..

و تخضع هذه الصّياغة إلى تقنين خاصّ في موادّ "الدّستور"، و في "قانون انتخابيّ" حصيف و واضح و صريح، في حال تقرّر هذا الشّكل من "النّظام الدّستوريّ"، و ذلك وفق ما أوضحنا، و أعني بطريق الاستفتاء العامّ و الجماهيريّ، وفق الأصول الدّيموقراطيّة الأكثر تطوّراً و الأكثر عدالة اجتماعيّة و شعبيّة.

و إذا تحقّق لنا هذا "النّظام الانتخابيّ"، فيمكننا أن نعتبر أنّنا قد شرّعنا و لأوّل مرّة في تاريخ "النّظم الدّستوريّة"، أرقى نظام انتخابيّ دستوريّ في التّاريخ السّياسيّ العالميّ، و أرقى شكل، بحيث نُعيد سيرتنا التّاريخيّة العربيّة السّوريّة، كأوّل شعب، في تاريخ الأرض المعروف، مارس الحياة الدّستوريّة قبل الجميع؛
و السّوريّون يحقّ لهم هذا، و هو قمينٌ بهم دون غيرهم من شعوب الأرض.

لا يهمّنا، على كلّ حال، ما تقوله (أميركا)، و لا كذلك غيرها؛
و إنّما نحن نرسمُ، هنا، تصوّرات عن مستقبل قد نحتاج نحن فيه إلى "نظام حكوميّ برلمانيّ"، عندما تتأسّس و تستقرّ لدينا حياة حزبيّة شاملة يتمرّس فيها "أغلبيّة المواطنين" على الحرب في صناديق الاقتراع و الانتخاب، بدلاً من التّمرّس على الجريمة و الحرب و الإرهاب و الجهل و التّخلّف؛

إذ أنّ الحياة السّياسيّة الحزبيّة "المتطوّرة" هي التي تفرض نفسها، عندما تكون في طور النّضوج، على شكل قانون انتخاب و نظام انتخابيّ و حكوميّ و رئاسيّ برلمانيّ.

أخيراً علينا أن نعترف و نقرّ بأنّ العالم، اليومَ، هو أسوأ ممّا كان عليه في الأمس، و هو "يتطوّر" في انحدار، و لذلك علينا أن نبادله التّعامل بالمثل، بدلاً من احترامنا لقيمنا الخاصّة، و حسب، و التي لا يُقيم لها العالم، على ما يبدو، أي وزن..؛

و نحن في ذلك نبادل الأخلاق بمثلها و لا نتنازل عن أخلاقيّاتنا السّياسيّة الرّاسخة و الثّابتة، كما أنّنا قادرون على أن نعلّم الآخرين، جميعهم، قيم السّياسة و النّظام و العدالة و الدّستور، في الأخلاق السّياسيّة، و في السّياسة و في الأخلاق.

***

فيما يلي تعقيب الشاعر ياسين الرزوق زيوسأ ياسين الرزوق1

مع سلاسلك تسقط لعبة الأنظمة و تتلاشى ألاعيب الأمم و تنتهي تآويل المصالح الشخصانية و تزول آلهة المال السياسي و تختفي بعد أن تظهر بشكل فاقع أكاذيب العالم المتحضر أو العالم الحر كما يريدون تسميته في لاهوت نهاية الدول و ابتلاع الإنسان و الأوطان..

واهِمٌ من يظن أن تبديل أشكال النظام الدستوري في مجتمعات تغزوها الأحقاد سيحولها إلى منظومات ترفيهية أو إلى جنان إنسانية أو منابع فوق إنسانية أو حتى إلى منابع تحت إنسانية يطمرها المال السياسي أو البترودلار و المصالح النفعية التي لا تعود بالنفع إلا على فئة قليلة من أرباب المال و جنرالات القرار الذي لن يكون ديمقراطياً إلا بالشكل..

كما هو في الخارج مع فارق أن الخارج يقدر على تصوير الإنسان كإنسان رغم أنه في ذيل الإنسانية عكس الداخل الذي يصور الإنسان كحيوان رغم أنه في منتصف السلسلة الإنسانية..

و هنا لا ننطلق من رؤى النفعية لدى جون ستيوارت ميل بل من أدنى معاني الإنسانية في تعريف الإنسان ككيان و كقيمة و كرأي و كممارسة إذا ما استثنينا تعريف الحرية الأوسع أو المتوسع بالتصورات و الأكاذيب..

و إذا ما استثنينا مقولة أدونيس ان لا قيمة للإنسان في الوطن العربي أو لعله وطن قمع الحريات قبل قمع الكرامات..

و لا نريد لرابط مزور ان يربط بين الحرية و الكرامة فلا كرامة لمن يستبيحون كرامة الإنسان أينما كانوا و لا حرية لمن يستعبدون الناس أينما حلوا و لربما ل عمر بن الخطاب كلمة شهيرة في هذا الخصوص عندما تصرف ابن أحد الولاة و كسر أنف مواطن داس على ردائه أثناء الحج إلى الكعبة التي بقدر ما ترسم مواطنة تلغيها "متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!"

إن النظام البرلماني لم يجعل التمثيل واضحاً في زمنٍ خمسيني أيام فارس الخوري و سواه و لن يجعله واضحاً في ظل الألفيات التي تمر على شعوبنا الحاقدة دونما حداثة متغيرة ..

و ليست تلك التي يبدو جلها في تجدد الأحقاد مع كل هزة تحيط بعالمنا المعاصر الذي لا يعتمد مقولة الغنى في الغربة وطن و الفقر في الوطن غربة بل يتبجح بالتفلت من هذا الوطن و التآمر عليه لصالح من يدفع أكثر في المزادات السياسية و الدينية و الاجتماعية و الثقافية و التربوية و الإعلامية و الإنسانية.

و يمسك عصا الوطنية من منتصفها ليضرب بها على الغنم الذي لا يناسب مواقفه و تطلعاته الآنية أو ما بعدها من وعود في سلة السلطة التي يتناحر الوطن في قلوب رعاتها حتى يكاد يصرعهم من على سدة البرلمان و في قلب القصور الرئاسية التي لم تعتد من أنظمة العالم الثالث سوى التكوين المجبول على اللا تعريف الحقيقي أو على التعريف المشبوه لمعنى المواطنة و الإنسان..

و لعل مفهوم سورية الأسد ما زال في قلب التناحر البنيوي على تكوين الدولة و نظمها المجتمعية الدينية و الدنيوية!...

و لعل أيضاً تزفيتان تودوروف لم يكن ماكرونيا حينما أخلص للرغبة و الخوف و الشهية في صراع النفوذ أو برلمانات النفوذ لصالح شركات المال و القطاعات الكبرى قطاعات الثروات الاقتصادية كالنفط و الغاز و التي إذا ما خرجت من عباءتها الدول تزحف بنظام العولمة إلى الاقتراب من غلمانه المخلدين تكنولوجيا لا إنسانيا..

و إن بات الإنسان في سلسلة أبعد بكثير بتطوره عن دول العالم الثالث الذي يعشق برلمانات اللاهوت و يريد إخضاع المجتمع بها أكثر و أكثر بشكل لاهوتي ممنهج..

و المادة الثالثة من الدستور السوري الذي حدد دين رئيس الدولة كمسلم و جعل للإسلام سيادة التشريع و سن القوانين و على رأسها الاحوال الشخصية ستتكلم و ستجعل كل نظام برلماني يفنى بالاكثرية الدينية أو المنافقة إذا ما صح التعبير دينيا ..

كما ستجعل هراطقة البنيان الدستوري يوغلون في انهيار الدساتير و المجتمعات أكثر و اكثر و المجد للإنسان و الفناء للثروات !

لنا في برلمان صفحتك سدة الإنسان دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

***

كما عقبت الدكتورة رشا شعبان بما يلي:أ رشا شعبان

كل المحبة و الإجلال لك دكتورنا الغالي، و أنت تعمل على تحفيز العقول للبحث في القضايا الملحّة في واقعنا الراهن، الذي يوجب النظر في تلك الأسئلة الجوهرية الضرورية للبحث في نظامنا الدستوري السياسي البرلماني، و قانون الإنتخاب.

نعم نحن أمام عرض و نقد و تطبيق.

و لعلّ البحث في التطبيق يلزمنا في نقد النظرية و استخلاص النقائص الجوهرية التي أنتجت فساداََ في التطبيق.

وكل نقد هو نقد لممارستنا الذاتية، أي تطبيقنا للفكرة، و فهمنا لها بآن معاََ. و من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المبدأ أو الفكرة لا يملك نموذج تطبيقه الصحيح، و إنما سوء التطبيق أو الخلل فيه يكون ناجماََ عن فهمنا الميكانيكي و المحنّط للعلاقة بين المبدأ و تطبيقه.

و هذا ما يدعونا إلى مراجعة تلك الأسس التي طالما دأب تفكيرنا في البحث عن عوامل توطينها في السياسة مثل، العلمانية، و الديمقراطية.

و من المفيد لنا الإشارة إلى أن العلمانية لا توجب الديمقراطية، لكن الديمقراطية توجب العلمانية بالضرورة.
ف ليس كل مبدأ علماني يلزم الفصل بين الدين و الدولة سوف يعمل على إنتاج الديمقراطية، لكن الديمقراطية التي توجب حق الآخر و المختلف في المشاركة الاجتماعية و السياسية ، توجب العلمانية في الفصل بين الدين و المعتقد عن السياسة و المجتمع بآن معاََ.

و كذلك كل مبدأ أو نظرية تبدو قاصرة عن الفعل و التأثير، إذا ما لم تمتلك القدرة على الأخذ بالشروط المتغيرة و الواقع المتبدّل للمجتمعات.

إن دستورنا يحتاج إلى توطين العقل العلماني و الديمقراطي في المجتمع قبل توطينه في النظام السياسي.

إذ ذاك يغدو الإشتغال على العوامل المؤثرة في تكوين الوعي الفردي و الجمعي و الإنساني هو الأهم، حيث أنه الفاعل في بلورة الفكر و الإرادة.

و يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن المجتمعات التي تتعدّد فيها الأديان و الطوائف و الإثنيات، يكون من الخطورة بمكان تطبيق الديمقراطية و العلمانية على المستوى الشاقولي سياسياََ، دون النظر في حتمية توطينها في الوعي المجتمعي و الفردي على المستوى الأفقي..

و إلا سوف يكون من مخرجات ما هو ديمقراطي و علماني، تمظهر القوى الدينية و الطائفية و الإثنية في السياسة بصورة خفيّة و مستترة و غير مباشرة عبر إنتخابات ديمقراطية الصورة و الشكل، و تعصبيّة و تحيّزية على مستوى الجوهر و المضمون.

و هذا ما يعمل عليه العقل الامبريالي الصهيوني لزعزعة و خلخلة نظامنا السياسي بدعوى الديمقراطية و العلمانية و الدولة المدنية، وفق هندسة إعادة هندسة القوى السياسية بلبوس حضاري و إنساني و أخلاقي و حقوقي، و في الحقيقة هو أبعد ما يكون عن ذلك كله.

نعم ليست المسألة بسيطة و محسومة كما يمكن أن يعتقد البعض، ولا تستطيع النظرية العلمانية كما يعتقد البعض، أن تقدم الأجوبة، فلو تركنا النظام السياسي دون اعتراف بالتعددية الطائفية و الدينية، مع وجود العصبيات الدينية و الطائفية فاعلة في الواقع..
سوف نكون قد غامرنا بتغلغل النظام السياسي، حين يتحول ما هو طائفي أو ديني إلى أحزاب، تدخل عبر لعبة التعبئة الطائفية و الدينية عبر الانتخابات في النظام السياسي.

إذ ذاك سوف نكون أمام علمانية تخون ذاتها في اللعبة الإنتخابية و عبر الديمقراطية ذاتها، لتتمظهر في النظام السياسي، و تمتلك أدواتها في الدولة، لتقوم على هدم الدولة و النظام السياسي بآنِِ معاََ.

إن قانون الإنتخاب لن يؤتي ثماره في توطين العلمانية و الديمقراطية إذا ما كنا غافلين و عاطلين عن توطينه في الوعي المجتمعي و السياسي.

و حتى مفهوم الأكثرية و الأقلية الذي سوف يتمظهر في السياسة، سوف ينعكس أكثرية و أقلية على المستوى الديني و الطائفي، بدلاََ من أن يتعيّن أكثرية و أقلية على مستوى الفعل السياسي و المجتمعي و الثقافي الذي ينشد نهضة الوطن و بنائه.

ليست القضية إذاََ مجرد قرار رسمي، بقدر ما هي إعادة بناء للعقل الإجتماعي على كل الصعد، كي لا يجب ماهو جزئي و ثانوي في الإنتماء، ما هو عام و كلي في الإنتماء للدولة و النظام السياسي و الوطن.

و هنا يصبح من واجب الدولة أن تدفع بالعملية السياسية إلى التمسك بالوحدة الوطنية و الولاء العام.

و من غير المسموح به في وطننا سورية أن يتراجع الولاء السياسي أمام الولاءات الجزئية، بعد ما حققت سوريتنا من انتصارات.

و تاريخنا يشهد القدرة على التنظيم و الانتاج و الابداع الحضاري، و لم و لن ننتظر شروط و أدوات تحقيق ذاتنا من الآخر الذي يراهن على سقوطنا و انهيارنا الممنوع كموناََ و واقعاََ.
كل الشكر و الامتنان لك أستاذي الدكتور بهجت سليمان، عسى أنني استطعت المشاركة في بعض من أفكارك الثريّة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود