كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قطوف من كتاب "الحنظل والرحيق" للشاعر علي كنعان

أمس انتهيت من تدوين حديث الذكريات "الحنظل والرحيق: أطياف وهواجس في الشعر والحياة". وفاجأني الصديق المبدع محمد حسن الحربي بأن ما نشرته من تلك الذكريات لا يخلو من فائدة. ولأن الشاعر، مهما تقدم في دروب العمر، يظل مسكونا بالطفولة، فقد شجعني كلامه الودي العذب على اختيار مقاطع من مخطوطة الكتاب، لأن الكلمة تستقي قيمتها وأهميتها من القارئ، وبخاصة أن الكاتب يتحول إلى قارئ لما كتب. وهذا المقطع بعنوان:
نماذج رائدة
أود الاعتراف، بلا مبالغة دونكيشوتية ولا تواضع زائف، أني لست راضيا عن المستوى الفني في كتابة هذه الذكريات، ولكن لا مجال لإعادة النظر في صياغتها من جديد بشكل أجمل، وأنا أهم بإعدادها للنشر في كتاب على عجل، لأن معرض الكتاب بأبوظبي في نيسان/ أبريل القادم. وفكرة الصيغة الجديدة نابعة من طموح كان أكبر من همة الإنجاز. ولا ريب أن صورة الحلم تظل أكثر بهاء ونضرة. والتماس المثال الأسمى في كل عمل يظل في حدود الاحتمال، بعيدا عن الإمكان. فيوم انبثقت أوائل الرؤى للكتابة عن التجربة الشعرية ورفرفت أطيافها بإلحاح في مخيلتي، كنت أضع أمامي نماذج أدبية تشكل مثلا يحتذى في محاولة الانطلاق، وأعد كتَّابها قدوة عليا في أناقة العبارة ورهافة التعبير، ومقاربة النسيج الشعري في الأسلوب. ومن المبدعين الرواد الذين تمثلتهم في هذا الباب، رسول حمزاتوف في "داغستان بلدي"، هشام شرابي في "الجمر والرماد"، ألبير كامو في حديث الذكريات، ولا سيما كتابه "عشب الأيام"، ماركيز في "عشت لأروي"، طه حسين في "الأيام". ويمكن أن أضيف هنا رواية يابانية صغيرة عشت أحلم بترجمتها منذ عشرين عاما، دون أن يتيسر لي وقت مسعف لمباشرة العمل والاستغراق في النص، لكني أترك عنوانها ملفوفا في براعم الحلم حتى يطل أوان تفتحها.
حين نفكر في تسجيل حديث الذكريات، تنهمر الصور الحميمة ويتدفق تيار الأحداث عبر فضاءات ملونة ومراحل شتى في دروب الحياة. لكن الحنين الأول يدور حول معالم وأطياف وشخوص من تلك القرية الصغيرة المشلوحة على هامش بادية الشام: من البيت العتيق العابق بالدخان، والزوايا المسكونة ليلا بالجن والأشباح؛ من الساحة التي تداهمها السيول في مطلع كل خريف، ولا يسمح الأهل لنا بالخوض في مياهها الموحلة، لأننا لا نملك ملابس بديلة. ولن أنسى لوز الربيع وبيادر الصيف، ولا تين الخريف وثلج الشتاء. وكم كنت أحلم باستدعاء تلك الأطياف متلمسا شغف الأطفال باللعب والتفاعل مع أحوال الجو وكائنات الطبعية بجمادها ونباتها وأجناس حيوانها. وكم فكرت باستلهام حكايات الأمهات، وذكريات الآباء الهاربين من "سفر برلك"، وكانوا يسمون اليمن "مقبرة الأناضول" لأن عشرات من شباب الديرة دفنوا هناك.
ولعل فاتحة الانطلاق تبدأ من القرآن الكريم، ونحن نحمل المصاحف لنتلو ما تيسر من السور على رؤوس المحتضرين ليستبطنوا من آياته المباركة زوادة طيبة وهم على أهبة الرحيل الأبدي. ولم تكن صورة الموت مخيفة في طفولتنا. وفي حكايا الجدات أن ملاك الموت يأتي بشكل غراب في زي حمامة بيضاء، ليصحب الروح إلى بارئها. ولعل أشهى ما في مائدة الذكريات تتجلى في دواوين الشعر القليلة، والقصائد الجديدة التي يأتي بها الضيوف، كما كانت مواسم الفرح مقرونة بالمدرسة التي فتحت لأبنائها آفاق المستقبل المأمول، في بداية الاستقلال- خريف 1947. وتظل مقالع الحجارة والعمل في نقلها مفخرة الرجال والفتيان، تمهيدا لبناء غرف جديدة تستقبل العرائس، أو تنفرد بإيواء عائلة لاجئة. لكن أفراح الثلج والمطر وقطاف العنب، ورسائل المغتربين في أقاصي الأرض، وما من أمل بالرجوع، تنعم بمزايا خاصة. وربما كانت مداهمات الدرك بحثا عن مخزون الحبوب المخبوءة في المغاور، والإصرار على مصادرتها، أقسى ما في تلك البدايات من وقائع وصور.
هناك رؤى وأطياف وذكريات لا تحصى، لها تاريخها وأبطالها وضحاياها، ولها دروسها التي لا تنسى. ومن الطفولة حتى الشيخوخة، يطيب الحديث عنها وتزدهر الحكاية. إن حوار الفلاح مع الأرض، في المواسم المتعاقبة بين الحراثة والبذار وانتظار المطر، والاسستبشار بما تزجيه نعمة السماء من غيث، ثم تحويش ثمار التعب في الحصاد وجمعها ودرسها على البيدر، هذا التفاعل اليومي مع الحياة الريفية بكل ما فيها من أشغال وظروف وأحداث، يسهم في توفير مخزون الكتابة، ويضفي على فرادة التعبير صورا فنية- جمالية مبتكرة، أكثر مما يمنحه الإبحار في عالم الكتب، دون أن نغفل أهمية القراءة وإثراء المخزون اللغوي وتلوين النسيج الشعري بكل جديد.
وإذا كانت المرحلة الدراسية الأساسية، في الإعدادية، تشكل قاعدة راسخة غنية ومتنوعة في القراءة والاطلاع والتحصيل، فإن ارتياد المركز الثقافي خلال العطلة الأسبوعية، فضلا عن العطلة الصيفية، وكتابة ملخص للموضوع الذي قرأناه يشكل منطلقا مهما في اكتساب عادة القراءة بجد واهتمام، وإرواء شهوة الاطلاع واستكشاف المجهول، كما أن الكتابة تسهم في ترسيخ موضوع الكتاب. إن لفيفا، من رواد عصر النهضة الحديثة، كانوا من أوائل الكتاب الكبار الذين تيسرت لي قراءة نماذج من أعمالهم: الأيام، ودعاء الكروان لطه حسين؛ عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم؛ حصاد الهشيم، وقبض الريح لإبراهيم عبد القادر المازني؛ آلام ڤيرتر لغوته، ترجمة أحمد حسن الزيات؛ الكرنك وكفاح طيبة لنجيب محفوظ؛ الأجنحة المتكسرة، ودمعة وابتسامة لجبران؛ "عبقرية محمد" لعباس محمود العقاد، كما استهوتني قراءة العديد من روايات جرجي زيدان التاريخية.
الطالب الناشئ في بيئة فقيرة لا بد أن يشتغل ويعين أهله في شهور الصيف، وليس هناك من مجال غير العمل الزراعي في الريف، وهو جهد طويل شاق لا يقل الانهماك فيه عن عشر ساعات يوميا، في أقل تقدير. وكانت تلك الأعمال الشاقة حافزا إضافيا لبذل مزيد من الجد والسهر في الدراسة، على أمل الخلاص من بؤس القرية، وفداحة الشقاء فيها. ولقد تابعت المشاركة في العمل الصيفي، مع إخوتي الكبار، حتى انتهيت من السنة الثالثة في الجامعة، كما أن أخي الأصغر سعيد ظل يرافقني في سهر الليالي لسقاية حقل القطن حتى أنهى سنته الرابعة في كلية الطب، واقتضى منه التدريب في المشافي أن يرتاح من العمل الصيفي في الحقول. والغالي سعيد فارقنا قبل أحد عشر يوما، كما سبقه في الرحيل أخي ومعلمي محمود قبل ذلك بنحو مئة يوم، ولم أنعم بوداعهما لتزداد ذكراهما في حنوة الروح نضرة وبهاء ومحبة.
ومن وحي أيام الجامعة وأشغالنا في الأرض، أقول في قصيدة "شبح الغراب"، إثر تجربة حب خائب:
ليس وجهي هذه المخطوطةُ الصفراءُ في صدرِ المرايا/
كان وجهي حقلَ حنطة/ في عيونِ القرويَّات الصبايا/
من لِبانِ الشمسِ والغيمِ تروَّى/ أيُّ جنيٍّ رعاه؟/
أيُّ سربٍ من جراد؟/ ليس وجهي هذه الأرضُ الرماد...
وفي قصيدة "ظلال الغيوم"، والسارد هنا يرصد مجموعة من "الحواصيد"، عمال الزراعة (لعلهم يسمون "عمال التراحيل" في مصر) وهم يطوفون شوارع المدينة، أملا في لقاء مزارع يتفقون معه على حصاد مزروعاته، لكن نهاراتهم تمضي دون جدوى:
الصيفُ بابُ الرزقِ، مفتاحُ الخزينة/ حلمُ الألوفِ الهائمين على الليال/
لا شغلَ، لا مأوى، ولا حتى مؤونة...
(ولنا عودة)

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود