يحيى زيدو: الخبيئة الخالدة في الطين الزائل
دنان الخمر من الفخار.. جرار الماء من الفخار..
و أنت أيضاً من الفخار (أو قل من صلصال).
لم تسكر الدنان يوماً و لم تخالف ناموس الكون، و لم تتكبر أو تتجبر بسبب الخمرة المخبوءة فيها.
لم تعطش الجرار، و لم ترتوِ من الماء المخبوء فيها.. بقيت دائماً تروي الآخرين.
أما أنت.. ففي فخارك خبيئة إلهية تعطي لطينك الزائل معنى الحياة..
إنها روحك تلك المخطوطك الإلهية التي لا تعرف كنهها.. هي تلك الخبيئة الخالدة في طينك الزائل..
حين تكابر و تعاند. أو تتجبر و تقتل.. حين تحب و تشتهي.. أو تخاصم و تسالم يكون اهتمامك منصبَّاً على الطيني فيك.. فيما خبيئتك الإلهية مهملة منسية..
الدنُّ و الجرة، كلاهما، حين تنتهي خبيئته يبقى بانتظار خبيئةٍجديدةٍ من ماءٍ أو خمرٍ و نبيذ..
أما أنت فتزول و تتحلل لتصبح تراباً، حين يفرغ فخارك (أو طينك) من خبيئته الإلهية.
ما أتعسك و أشقاك أيها الإنسان و أنت تصنع الفخار ليبقى بعدك بخبيئة أو بدونها.. فيما أنت و فخارك إلى زوال.
ماذا لو وجهت اهتمامك إلى خبيئة الله في طينك الزائل.. إلى روحك و عقلك و نفسك، و عملت على ترجمة ذلك علماً و أدباً: شعراً و نثراً.. أو فنَّاً: رسماًو نحتاً و مسرحاً و موسيقا و أغانٍ.. أو عملاً منتجاً!
إن ذلك هو ما سيبقى منك بعد أن تصير تراباً، و هو ما سيقاوم الفناء فيك.. و يكفي أن تنظر إلى الرقم الفخارية لتعرف ماذا حفظت منك الحضارات بعد موتك..
انظر إلى القصائد و الفنون و الآداب كيف تخلد بعد موت أصحابها..
ألم يقل (درويش) في جداريته: «هزمتك يا موت الفنون جميعاً..»؟!
أيها الإنسان تذكر:
حين تحب و تكره، و تعاني و تفرح، حين تكابر و تتجبر، و تقاتل أو تقتل..
أنك من فخار.. و أنك زائل..
أيها الإنسان:
أنت أقل من دنٍّ.. و أتفه من جرَّةٍ حين لا تهتم بالخبيئة الخالدة في طينك الزائل.
«أنت مخطوطةٌ إلهيةٌ»، كما يقول الرومي.
أحسِنْ قراءة و حفظ و ترجمة المخطوط.