كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: هل هنالك "نظام عالميّ" فعلي؟

[الحلقة الإحدى والستون «61» من «سلسلة الفكر الإستراتيجي»] عن:

{فلسفة الفوضى و فلسفة النّظام}


{هل هنالك "نظام عالميّ" فعلي؟}

• د. بهجت سليمان

تَشْغَلُ المصطلحات أهمّيّة أوليّة و خاصّة لا يدركها التّفكير الاعتياديّ، فيستعمل أدواته استعمالاً خلطيّاً متضارباً، و لو بصمت، لتنتج، عن ذلك، أفكارٌ غير عقلانيّة، و هذا بدلاً من أن نقول أفكاراً خاطئة لصعوبة الاتّفاق في المفاهيم على الصّواب و الخطأ، بين البعض المتخصّصين في نقد الفكر و في فلسفة الفكر و فلسفة السّياسة، لغياب النّموذج الدّلاليّ، المرجعيّ، الذي تنتسب إليه مدلولات الممارسة الكلاميّة في النّصّ (بما فيه الكلام) و في "الخطاب".

و من المصطلحات السّائرة بين جماعة المفكّرين السّياسيين و السّاسة و أصحاب الشّأن، كلمات اصطلاحيّة مفهوميّة مثل "النّظام" و "الفوضى" أو "النّظام السّياسيّ"، و "النّظام العالميّ" و "النّظام الدّوليّ".

من المؤكّد أنّه، حتّى بين الفلاسفة، لا يوجد نسقٌ واحدٌ من المفاهيم يستعمله جميع هؤلاء استعمالاً واحداً أو متطابقاً؛

و لا أعني هنا تلك المفاهيم التّوليديّة الخاصّة بالأسلوب الشّخصيّ للفيلسوف و مدى و مساحة ما يريد من أفكار و مسافات و أبعاد تحتّمها طريقة "الفيلسوف" أو طبيعة الشّخصّيّة و الأسلوب و المكانيّة الحيازيّة للرؤية؛

بل إنّني أذهب، حصراً، إلى "الكلمات" التي تسمّى مفتاحيّة، عند الفلاسفة و المفكّرين جميعهم، و التي تبدو كتواضعات ناجزة في القضايا و الحدود المختلفة؛
و التي لا يُشير أداؤها النّظريّ، في استعمالات القول و الكتابة، إلى أيّ اختلاف فيما بينها؛
و لكنّها تغدو غير ذلك في أفق "الخطاب" بحيث تصبح ، بذاتها، أوضاعاً "إشكاليّة" تنبو عن "البداهة الإكسيوميّة" (Axiomatique)(بداهة القيم) التي تدّعيها أو التي حاولت أن تمثّلها في الفهوم.

ما أطرحه يفوق نطاقه، إذاً، واقع الدّلالة العامّة التي يتقبّلها الفكر كاعتراف منه بأنّ ثمّة نظاماً مفهوميّاً في استعمال المصطلحات استعمالاً مشتركاً، عند جميع المعنيين و المهتمّين؛

و سيتبيّن الغرض من ذلك، الغرض الذي نرمي إليه، في مسألة أنّ ثمّة قوى محليّة و طنيّة، في كلّ دول العالم، تنصاع انصياعاً أعمى تلبّي فيه متطّلبات و حاجات "النّظام"(!) فيما هي تُسَخَّرُ لتنفيذ أغراض "الآخر" في "الفوضى"؛

و الذي لا يجمعها معه شيئٌ سوى الوهم السّياسيّ المباشر الذي يصدّره هو و تعتنقه هي، و الذي يوحي بأنّ ذلك "الآخر" يتضامن مع الحاجات "الوطنيّة" و التّاريخيّة لتلك القوى التي هي، في الواقع، قد دخلت طور الاغتراب و الاستلاب؛

و ذلك كما هي القصّة التي يرويها التّاريخ لنا، اليوم، مثلاً، مع "المعارضات السّوريّة" بالتحاقها ب مشروع الإمبرياليّة المعاصر، بوصفه مشروعاً خارقاً حتّى للحدود المفهوميّة الذّاتيّة للفرد الواحد في العالم ، ناهيك عن اختراقه للجماعات و الحركات و "العامّيّات" (أو ما يُسمّى بالثّورات)؛ و أيضاً للمكان و الزّمان العالميين.

- في "الفوضى" و "النّظام":

تحديداً، دعونا نقرأ، معاً، تلك "المضامين العمليّة" للمفاعيل المفترضة في التّعبير و الأداء، لبعض المصطلحات المستعملة في غوغائيّات الثّقافة السّياسيّة العالميّة، و التي يبدو عليها أنّها تعبّر عن أصليّات في المفاهيم التي أخذت على عاتقها تولّي أمر "التّحريض" السّياسيّ و الإثارة "الاجتماعيّة" و "التّهييج" الفرديّ و الجماعيّ، للقوى التي تستخدمها "الإمبرياليّة" العالميّة في حربها المباشرة على العالم بدوله و شعوبه و مجتمعاته و جماعاته المختلفة، و الأفراد.

إنّ القراءة النّقديّة للمفهوم، كما كنّا قلنا، غير مرّة، تجعله أكثر عمليّة، سواءٌ في تبدّيه و فاعليّته على نحو مرفوض أو مقبول، أو على نحو يحتاج إلى إعادة النّظر فيه من أجل استخدامه استخداماً عقلانيّاً، واقعيّاً، يلبّي حاجة حقيقيّة و ملحّة في مرحلة من المراحل السّياسيّة للتّاريخ و التي تعكس "ضرورة" تاريخيّة في الواقع المباشر و غير المباشر، طالما هو يمثّل حاجة للمجتمعات و الدّول و القوى و الأفراد.

و مثلما تبيّن لنا في وقت سابق من الحديث، أنّه لا جدوى وراء "المحدّدات" الاصطلاحيّة التي تجعل من "السّياسة" علماً أو فنّاً..، إلخ؛ بقدر ما هو الأمر يكمن في عمليّة "التّحديد" بآليّاتها الخاصّة، التي تجعل من الوقائع و الظّواهر أمراً معقولاً و مفهوماً في العمليّة السّياسيّة، نفسها؛
فإنّ ما نقوم به، هو، أيضاً، الآن، ضربٌ من ضروب الجدل الخاصّ للمفهوم في الاستخدام؛
و هو لا يطمح طموحاً واهماً إلى "علميّة اصطلاحيّة" مزعومة في إطار "علم" للتّاريخ السّياسيّ للمصطلحات؛ إذ لا يمثّل هذا الطّموح سوى محاولة مدرسيّة تتجشّم عناءاتها الفارغة ما يُسمّى بِ"علوم السّياسة" أو "علم السّياسة" أو، كذلك، "علم التّاريخ"؛
حيث ليس ثمّة علم أو علوم، في رأينا، يمكن تعلّمها أو تعليمها لأصحاب الحاجة، في "السّياسة" و "التّاريخ"؛
وهكذا الأمر بالنّسبة إلى "علم المصطلح" للأسباب نفسها، و للأسباب التي سقناها في بواكير هذا الحديث.

ما تعمل عليه "النّظريّة النّقديّة العقلانيّة"، في الأصل، هو أن تخرج باستنتاجات وراء جدليّة الأفكار و تعبيرها و توظيفها، على العالم، و كذلك وراء عقلنة المفاهيم و لجمها إلى أصولها في "المقولات"، و إلى تجريبيّتها الواقعيّة و مدى انطباقها على مضامينها في التّطبيق، في وقت متساوق.

ينطبق، في رأينا، هذا الأمر حتّى على "العلوم" التّطبيقيّة و التّجريبيّة، كالفيزياء و الكيمياء و البيولوجيا و الفيزيولوجيا و السّيكولوجيا، بوصفها "محاولات" على الأشياء، متطوّرة دوماً و خاضعة للتّغيّر و النّقض و التّبديل و التّعديل.

بالنّسبة إلينا، في هذا العصر؛ و ربّما كان عليه هذا الأمر في كلّ عصر؛ فقد دخل العالم سياقاً حرجاً من الاستقطابات و المواجهات والتّحدّيات بين الكتل المختلفة؛ و هذا ما يدعونا إلى المحاولة النّقديّة المعاصرة التي ندعو إليها، دوماً، و التي ينبغي أن تتطوّر متوازية، أو متلاحقة، مع الحدث السّياسيّ "العالميّ"، أو سابقة له أو تابعة إليه، أو في كلّ ذلك، أيضاً؛

فهي إن لم تساهم في صناعته – و هذا من طموحاتها - فهي، على الأقلّ، تستطيع فهمه و تحليله و البناء عليه في السّياسات العمليّة و االنّظريّة التي تدخل في أسس الموقف من العالم، فتنشأ، بالتّالي ،كمرجعيّة من مرجعيّات "الدّولة" و "النّظام السّياسيّ"، و منطلقاً تكوينيّاً للثقافة العامّة، العموميّة، التي تُعنى بشؤون السّياسة و الشّأن العامّ.

يصل التّفكير التّأمّليّ التاريخيّ إلى اكتشاف قاعدة بسيطة تنطبق على مختلف المظاهر و الحقائق التي قيّضَ للوعي إدراكها، و هي أنّ "الفوضى" و "النّظام" يدخلان في علاقة معقّدة، و لا ينفصلان.

- فمن وجهة نظرنا، نحن، في قراءتنا في "الأونتولوجيا"؛ أوّلاً؛ فإنّ "النّظام" سابقٌ على كلّ ما عداه. و تظهر الفوضى الوجوديّة كإحدى مظاهر هذا "النّظام" و في جزئيّة منه على قدر "المُعطَى"للإدراك؛

إذ لا يُعطى الإدراكُ "المُطْلَقَاتِ"، و إنّما يتاح له من "المعطيات" ما هو على قدر "المتناوَل" الذي يدخل في حيازة الوعي الّلازم لخطّة الفكرة في الوجود.

في هذه "الأصليّة"، فإنّ كلّ شيءٍ خاضعٌ للنّظام على اعتبار أنّ "النّظام" هو الأصل في "الغاية"، غاية "الفكرة" الكونيّة، و غاية هذا الوجود؛

و بالتّالي، نحن علينا أنّ نبحث في كلّ مظهر أو في كلّ ظاهرة، على القوانين الحاكمة فيهما و التي لا يمكن لنا، على كلّ حال، أن ندركها في – ذاتها، أو لأجل – ذاتها، و إنّما ندركها من حيثنا، نحن، أي من أجلنا و حسب.

و أمّا أنّ "الفوضى" تابعة للنّظام، بحسب هذه الرّؤية، فهو ما يعني أن "النّظام" يخلق "الفوضى" أو يُتيحها، على الأقلّ؛ و هذا ما هو من حيثنا ، أيضاً، "نحن"، كأفراد و مجتمعات لا يسير "العالم" على الوجهة التي نتوقّع أو نريد.
بالتّأكيد هذا مقياسٌ "ذاتيّ" ضيّق، بل و أنانيّ، و غير واقعيّ و غير عمليّ، و بالتّالي غير عقلانيّ.

و من أجل حلّ هذه "المعضلة" الفكريّة، فما علينا إلّا أننظرَ إلى ما نسميه بالفوضى على أنّه محضُ "نظامٍ" و لو من نوع آخر ليس مقدّراً لنا، نحن، إدراكه، إلّا في "الفلسفة" أو بحرّيّةٍ أكبرَ بواسطة مَنطَقَةِ التّفكير في إطار "أونتولوجيا" المعرفة و التي تحتّم علينا أن نأخذ "العالم" على ما هو عليه لعلّته الخاصّة فيه أو للعلّة التي وجد لأجلها هذا العالم.
و هذه مسائل كبرى لا تدخل في بحثنا، هنا، باعتبارنا نتحدّث، في الحدّ الأقصى المناسب، في "فلسفة السّياسة"؛

و من الطّبيعيّ أنّ هذا الضّرب من الفلسفة لا يُحيط بالأونطولوجيا – و لعلّها، هي، تحيط به - إلّا بما هي "الأونطولوجيا" ذريعة من ذرائع الوعي السّياسيّ "الفائق" (السّوبَر) الذي يختصّ به مفكرون و فلاىسفة قليلون ومعدودون؛

و هو على كلّ حال لا يؤثّر نقصه أو توفّره في عمليّة "التّفكير السّياسيّ" التي تعني "القرار" السّياديّ في "الدّولة"، بالقدر الذي يحتاجه إليها "السّاسة" أو "السّياسيّون"؛

و فيما يتجاوز ذلك فإنّه ليس للسّائس أو للسّياسيّ الانصراف إليه، تحت طائلة الممارسة العمليّة السّياسيّة، تأمّليّاً، و هو ما يشكّل خطراً مباشراً على "الأهداف" السّياسيّة العمليّة التي تعبّر عن حاجات واقعيّة و ملحّة تبقى في إطار القانون الاجتماعيّ و االسّياسيّ العمليّ الذي يُمارَس، عادة، في السّياسة المباشرة و في الشّؤون الضّروريّة للواقع العمليّ.

- و أمّا من وجهة نظر "السّياسة" و "الاجتماع"؛ ثانياً؛ فمن البادي أنّ "الفوضى" تسبق "النّظام"، و هو يوجد لضبطها و تقنينها و تقعيدها و للحدّ من تفاقماتها السّرطانيّة المدّمرة للأصول و المستهترة بالعناصر و المعطّلة للوجهة "الطّبيعيّة" في مسيرة العالم و التّاريخ و المُصَادِرة للمعقوليّات؛

و هكذا فإنّ التّنظيم و "النّظام" لاحقٌ و تابعٌ للفوضى، و هو ما يجعل النّظر إلى طبيعة كلّ من الفوضى و النّظام، مختلفاً اختلافاً شديداً، من جهة أنّ "الفوضى" هي الأصل، و ما "النّظامُ" إلّا عَرَضَاً من أعراض "الّلانظام" الذي "ينتظم"، بطبعه و طبيعته، الوجود و التّاريخ.

تكتسب هذه "النّظرة" معقوليّتها من جزئيّتها العقلانيّة بما هي نظرة "وضعيّة منطقيّة" تستطيع أن تدافع عن حسّيّتها التّجريبيّة، و عن قناعاتها المتّصلة بتعليم "وضعيّ"، قريب من "الوضعيّة الفلسفيّة السّفسطائيّة"، إذا صحّ التّعبير؛ و هو تعبير نرى أنّ له شرعيّة كبيرة و كافية في الفهوم و الممارسات السّياسيّة "التّقنيّة"؛

كما أنّه من غير "الفكرانيّ" أن نقوم برفض صواب نظرة، رفضاً غير معلَّل، و بخاصّة أنّها تعتمد في "واقعيّتها" على مشاهدات حقيقيّة و تجارب مباشرة توحي بدلاليّاتها الخاصّة و الكافية و المعمّمة على الجميع؛

و سوف نرجئ، الآن، التّحليل النّقديّ لهذه "النّبذة"، السّابقة، لنبيّن كيف تنظر "النّقديّة العقلانيّة"، التي نعمل عليها، نحن، إلى مفهوميّ "الفوضى" و "النّظام" بوصفهما مفهومين عميقين أكثر ممّا تظنّه المتداولات الفكريّة العالميّة و التّاريخيّة، في الفلسفة و السّياسة على حدّ سواء؛ ليكون بحثنا متكامل النّهايات، فيما سنضمّ إلى "التّحليل" بقيّة عناصر هذا الحديث من "مصطلحات" أخرى لا تقلّ أهميّة عن سابقتها، و ذلك وفق هذا السّياق.

- في "النّظام الدّوليّ" و "النّظام العالميّ":

كان مصطلح "النّظام الدّوليّ" قد نشأ نشأة "تطوّريّة"، تدريجيّة، في تراكم المصطلحات المفهوميّة الدّالّة على ممارسات سياسيّة خاضعة لتصوّرات سياسيّة نِدّيّة متبادلة بين الدّول الحديثة في القارّة الأوربيّة و التي قامت إثر السّنوات الثّلاثين التي استغرقتها "حرب الدّين"، الكثوليكيّة – البروتستانتيّة في (ألمانيا) و عموم (أوربّا) (1618- 1648م)؛
و ذلك في ما عرف بِ"صلح وستفاليا" (1648م) ؛ في (ألمانيا)؛
و هي "المعاهدة" التي أقرّ فيها، ساعتذاك، كبار "قادة القارّة"، جملة من "المبادئ" الاتّفاقيّة التي يجب أن تحكم "العلاقات الدّوليّة" من أجل استقرار تلك العلاقات و الحيلولة دون اندلاع "الحروب الدّينيّة" من جديد، تجنّباً لويلات الحروب و صراعاتها الدّمويّة المولّدة للأحقاد الإنسانيّة.

و كانت هذه "الاتّفاقيّة" صريحة في النّصّ على "مبادئ" ثلاثة، هي:

مبدأ الولاء القوميّ؛
و مبدأ السّيادة؛
و مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول.

لقد أضفَتْ هذه المبادئ "واقعاً نظريّاً" على "العلاقات الدولية"استمرّ من حيث "المبدأ" لحقبة من الزّمن طويلة، نسبيّاً؛ إلى أن نصّ عليها "ميثاق" أوّل "منظّمة دوليّة" في العالم المسمّاة "عصبة الأمم"، و التي تأسّست عقب "مؤتمر باريس للسّلام" عام (1919م) (معاهدة فرساي)، الذي رسم خرائط نهاية "الحرب العالمية الأولى" (1914- 1918م)؛
و هو "الميثاق" نفسه الذي قامت عليه "المنظّمة الدّوليّة" المعروفة بِ"الأمم المتّحدة"، عام (1945م)، بعد نهاية "الحرب العالميّة الثّانية" (1939- 1945م).

تمثّل "النّظام الدّوليّ"، إذاً، بمجموعة من "القوانين" التي ينظّمها "القانون الدّوليّ"، بالإضافة إلى جملة من الاتّفاقات الدّوليّة و "المعاهدات" و "الأعراف" التي تزعم أنّها وجدت لتنظيم العلاقات بين الدّول المختلفة، بما في ذلك حقوق الشّعوب و المجتمعات في هذه الدّول.

و "النّظام الدّوليّ" يختلف عن "العلاقات الدّوليّة" الدّاخلة تحت ما يُسمّى "العلاقات الدّبلوماسيّة"، و التي لا تخضع إلى قانون مكتوب، و لو أنّ ثمّة من الأعراف التي تحدّها ما يجعلها تدخل في إطار "العرف" القويّ الذي ينوب مناب "القانون"، عند الحاجة إلى الّلجوء إليه.

لقد كان يمكن لنا أن نعتبر بأنّ "الإتّفاق بين الدّول" جاء كمقدّمة لظهور "النّظام الدّولي"، وحسب؛ لولا أنّ هذا "النّظام" قام ، أصلاً –كما بيّنت الممارسات السّياسيّة الدّوليّة، في الواقع التّاريخيّ - من أجلرسم الخطوط العامّة لسياسات المصالح و الأفكارالمتضاربة بين "الدّول"، و الحدّ من مظاهرهذه التناقضات و نتائجها، من دون الاهتمام بمعالجة أسبابها؛


و هذا ما أدّى بمفهوم "النّظام الدّوليّ" إلى أن يبقى مجرّد خادم للفوضى "الدّوليّة" في "القوى"، و اتّخاذ ذلك مظاهر "العنف" المباشر، في الحروب، و العنف غير المباشر في المنافسة الّلاإنسانيّة بين الأفكار المختلفة المرتبطة بالنّظرة إلى الحياة البشريّة و توزيع الواجبات و الحقوق؛

و من ثمّ تحوّل ذلك إلى عنف في منافسات اقتصادات الدّول و أفكارها على القوّة و السّيطرة و التي ارتبطت بالعصر الرّأسماليّ و ما نجم عنه من تمييز طبقيّ عالميّ عن طريق ما اسميناه، مرّة، هنا، بالتّقاسم الدّوليّ للعمل، هذا التّقاسم الذي فرضته طبيعة الإمبرياليّة في الرّأسماليّة المتقدّمة و ضرورات "تطوّرها" و توسّعها و امتدادها الاقتصاديّ.

غير أنّه و في جميع الأحوال، فإنّ ما هو متّفق عليه هو أنّ فكرة "النّظام الدّوليّ" بقيت حاجة إنسانيّة عامّة تجتذب أفكار العدالة الفلسفيّة و السّياسيّة و الاقتصاديّة، على حدّ سواء، هذا مع أنّها تحوّلت شيئاً فشيئاً إلى "حلم" طوباويّ لا ينتمي إلى هذا العالم.

في كثير من النّظريّات السّياسيّة، المعاصرة، بخاصّة، تبدأ الأفكار التي يتبنّاها أصحابها من الأسماء السّياسيّة من الدّرجة الثّانية من الكتّاب و "المحلّلين" و "الدّارسين"، بوصف "الواقع الدّوليّ السّياسيّ" في مظاهره العامّة، أو بالعكس، و أي بوصف "الواقع السّياسيّ الدّوليّ" في مظاهره الخاصّة، ثم ينتهي جميعهم إلى "الحزن" السّياسيّ(!) و كيل الاتّهامات "الأخلاقيّة" للنّظام الدّوليّ و نقده نقداً سلبيّاً من وجه واحد، إلى أن ينتهوا جميعاً كأخلاقيين بعد أن بدأوا كسياسيين!

لن نخوض في هذا الحيّز المحدّد نقداً تطبيقيّاً لهؤلاء، فالمجال ضيّق، و فكرتنا، هنا، مختلفة.

ما ينتمي إلى صلب حديثنا، هنا، أن نتساءل على واقعيّة فكرة أنّ "النّظام الدّوليّ" الافتراضيّ، هذا، قد جاء في أفكاره و تصوّراته "الاتّفاقيّة"، فعلاً، من أجل تقويض "الفوضى" في العلاقات السّياسيّة و الاقتصاديّة ما بين الدّول المختلفة؛

أم أنّه قد وجد أصلاً – و هذا ما نرجّحه – كتواطؤات بين الدّول الأقوى لاستعمال مفهوم "النّظام" من أجل إخضاع بقيّة العالم الذيلا صوت له، و إخضاع الشّعوب ، أيضاً، من قبل دولها القويّة، بالذات، لتطفو فوق هذا الإخضاع "طبقة سياسيّة" دوليّة تدخل في تفاهمات غير مكتوبة و تواطؤات ضمنيّة تسمح بتحقيق مصالحها التي تمايزت، حديثاً، عن مصالح شعوبها و باقي شعوب العالم؟!

و عندما نرجّح اختيار المفهوم التّعليليّ الثّاني، فإنّنا نلجأ إلى ذلك لنعود إلى جوهريّة حديثنا في فلسفة "الفوضى" و "النّظام" فنقول شيئاً خاصّاً بخصوص هذين المفهومين، قد يفاجئ الكثيرين.

خلقت قوّة "النّظام" الدّوليّ، حتّى عصر "الإمبرياليّة"، بوصفها "أعلى مراحل الرّأسماليّة" كما وصفها (لينين) و التي انطلقت، حسب "تحليله" منذ نهاية "الحرب العالميّة الأولى"، عندما قامت الدّول المنتصرة بأوّل "تقسيم دوليّ" للعمل، هدفت من ورائه إلى إحكام سيطرتها على دول العالم الضّعيفة لا ستنزاف مواردها و استثمارها كموارد حيوّيّة لمركز "النّظام".

بالنّسبة إلينا ، نحن ، فإنّنا نرى أنّ توازن "القوّة" الدّوليّ، في "النّظام"، قد منع التّمايز "العالميّ"؛ (مع التّشديد هنا)؛ من دخوله طور التّحدّيّات المتبادلة، حتّى نهاية "الحرب العالميّة الثّانية"، و ليس "الأولى"؛
حيث بقيت "الدّول" في "نظام دوليّ" اتّفاقيّ و فاعل ناجم في الأصل عن "مرونة" و "تخلّف" حاجات "النّظام الدّوليّ"، نفسه، و هو الأمر الذي امتد إلى بدايات "الحرب الباردة" منذ أوائل خمسينات القرن العشرين، الماضي.

أريد أن أقول إنّ مفهوم "النّظام الدّوليّ" بدأ قبل حلول عصر "الفوضى" المزعوم، و الذي لم يتبلور قبل نهاية "الحرب العالميّة الثّانيّة"، حيث كان من نتائجه الأساسيّة ظهور "الولايات المتّحدة الأميركيّة" كقوّة شابّة على المسرح السّياسيّ "الدّوليّ"، بمشاريع فلسفيّة سياسيّة و اقتصاديّة و تحكّميّة، تنتمي، مباشرة، إلى التّطوّرات الواقعيّة، و الشّديدة و الحادّة، التي لاقتها "البينتاميّة" (من - جيرمي بينثام - صاحب مبدأ المنفعة) البريطانيّة في أحضان "البرغماتيّة" (العملانيّة النّفعيّة) الأميركيّة "شديدة الواقعيّة" و شديدة الوضوح.

الآن، فقط، و مع هذه الانعطافة التّاريخيّة النّوعيّة الحادّة، يمكنّنا أن نتحدّث على "نظام عالميّ"، بدلاً من "نظام دوليّ".

لنثبّت، أوّلاً، أنّنا كنّا قد وجدنا أن "النّظام الدّوليّ"، لم يكن قد نشأ، كما يتحدّث المفكّرون السّياسيّون و القانونيّون و معهم السّاسة و السّياسيّون، كنتيجة لمواجهة الفوضى النّاجمة عن "الحروب" و "الأهوال" التي لاقتها البشريّة قديماً كما يصوّر هؤلاء؛

إذ لم تكن ، في رأينا ، تلك الأهوال و الكوارث "الدّوليّة" النّاجمة عن الحروب أو المسبّبة لها، على هذه الشّموليّة البشريّة التي تحرّض أفكار "العدالة" السّياسيّة الدّوليّة لتخترع "النّظام"؛
بل كانت تلك "الحروب" أو "الأهوال" محدودة في حدود مأهولة و أهليّة و "مقبولة"، في إطارها ذلك، أيضاً؛
بحيث لم تكن كافيّة لتشكّل نزعة "دوليّة" عامّة لمواجهة "فوضى" إنسانيّة و سياسيّة عارمة تحرّض "الضمير" المسمّى "ضمير الإنسانيّة"، هذا الذي لن يوجدَ على كلّ حال في "الأرض"، على اتّخاذ موقف "إنسانيّ" عطوف و "نبيل" للحدّ من الظّلم السّياسيّ الإنسانيّ، العام؛
و إنّما كان "كلّ شيء" يجري في إطار "النّظام الدّوليّ" الذي لم تعتوره أيّة "فوضى" قاسية(!) تستدعي "المواجهة".

لقد استمرّ، إذاً، ما نُسمّيه بِ"النّظام الدّوليّ"، نظاماً لا فوضى، حتّى دخل مرحلته الثّانيّة و التي سنسمّيه، فيها، بِ"النّظام العالميّ"، تبعاً للاتّساع و العمق و الشّمول في التّأثير و تعميم "الصّفات" و "الأدوات" و "وسائل" إنتاجه و إعادة إنتاجه الدّائمين؛

و نحن، على هذا، نميّز ما بين "النّظام الدّوليّ" و "النّظام العالميّ"، كمصطلحين عملنا على التّفريق بينهما، كما لم يميّز أحدٌ من قبل، وفق ما تقدّم، و كذلك وفق ما سوف نتابع، الآن، من حديث؛

و طبعاً من دون أن ننسى أنّنا نتحدّث في إطار و دلالة كلّ من "الفوضى" و "النّظام".

استعملنا هذا "التّفريق" ما بين "النّظام الدّوليّ" و "النّظام العالميّ" في "المصطلح"، من أجل نقد تكريس "واقعين" تاريخيين دخلا "العلوم السّياسيّة" على نحو من الأنحاء، كانا يتأطّران على نحو عشوائيّ و بلا مغزى أو حدود، و من دون ملاحظة الفروق ما بينهما؛
لنعود و ندمج ما بينهما في "فلسفة السّياسة"؛ و ليس في "التّاريخ السّياسيّ"؛ في خواتيم هذا الحديث.

دخل تاريخ البشر، السّياسيّ، في إطار "النّظام العالميّ"، بعيد نهاية "الحرب العالميّة الثّانية"، و بداية "الحرب الباردة" بين الكتلتين العالميّتين، "الرّأسماليّة" و "الاشتراكيّة"، و انقسام العالم، "أيديولوجيّاً"، إلى منظومتين حصريّتين، تقريباً، مع بعض تفاصيل الاختلاف في "أطراف النّظام"، و ذلك من دون أن نولي، هنا، وجود ما يُسمّى "الّلاانحياز"، أيّة أهمّيّة سياسيّة، و ذلك لأنّه كان مثل عدمه، لا يُقدّم و لا يُؤخّر في حقيقة الاستقطاب العالميّ الثّنائيّ.

معروفٌ كيف كان يبدو مشهد "العالم" في ما يقارب امتداد النّصف الثّاني للقرن الماضي، العشرين.

ربّما يكون ذلك بسبب ما يمكن أن نسمّيه الوقاية من اختلال "النّظام"، عندما، بالفعل، ظهر "النّظام" على أنّه، و لأوّل مرّة في تاريخنا المعروف، قد اتّخذ له "واقع" ما أسميناه "النّظام العالميّ". و لقد صار بإمكاننا، الآن، أن نوضّح كيف أنّنا نعني بِ"النّظام العالميّ" شيئاً مغايراً عما نعنيه بِ"النّظام الدّوليّ".

كانت ما تزال مع "النّظام الدّوليّ" تعنينا أمورٌ محدّدة صنعت هذه التّسميّة، و هي أمور كانت واقعيّة إلى حدّ بعيد. فقد كان شيئاً من قبيل "نظام الدّولة" و "سيادة الدّولة" و "شخصيّة الدّولة" و "استقلاليّة الدّولة" و "حدود الدّولة" و "العلاقات" المتبادلة بين دولة و أخرى، و "القيود الاختياريّة" التي تختارها الدّولة في علاقاتها مع الدّول الأخرى، و تلك التي، عبر ذلك، تستطيع أن تفرضها في العلاقة المتبادلة مع غيرها من الدّول، و وجود الحدّ الأدنى، على الأقلّ، من واقعيّة توجّه "السّياسات" المتعدّدة للدّول نحو إقامة جسور سياسيّة و دبلوماسيّة و اقتصاديّة ندّيّة، تشكّل قنوات تعاون وتبادل للتّعاون في إطار الحدّ الأدنى من فهم "أخلاقيّ" لعلاقات التّكافؤ و التّماثل، و التّعاون على حلّ "المشكلات" و التّحدّيات التي تعترض واقع "الوفاق" الذي كان يُشكّل، على العموم، نظاماً مرغوباً؛

هذا و لو أنّ "البعض" من "الدّول" الذي كان يعتمد في السّياسة العميقة على تطوير قوّته لتكون ملتهمة للآخرين، قد خرق تلك "القواعد" المستقرّة، ما أدّى إلى "حروب" و "أزمات" كانت تنتهي في حدودها التّقليديّة، أو في نهايات اتّفاقيّة بين المجموع أو بين "الغالبيّة" الأقوى؛

و كان كلّ ذلك قادراً على ترسيخ "النّظام" بين الحقوق و الواجبات التي على "الدّولة" أن ترعاها لتكون "مقبولة" في إطارها القارّيّ أو في واقعها "الدّوليّ" الأبعد، كعنوان على "حسن النّوايا" التي كانت شيئاً معتبراً في إطار "النّظام".

كان يمكن أن نلاحظ آثار بقايا هذا "النّظام الدّوليّ"، حتّى نهاية "الحرب العالميّة الأولى"، التي قامت في الأصل نتيجة سّعي النّظام الرّأسماليّ العالميّ، ممثّلاً بالدّول الأوربيّة، للتّوسّع العالميّ التي بدأت معها اختراقات "العالم" للنّظام، عندما ترسّخت الأطماع السّياسيّة المباشرة للدّول في ما بينها ، فكانت أن بدأت الأقوى بالتّفوّق و فرض الإرادة السّياسيّة، في إطار منظومة الاستعمار الحديث الذي بدأ العالم يضيق به، في الأفكار الامتيازيّة للمجتمعات و الشّعوب التي كانت تغذّيها أفكار "الفلاسفة" و "السّاسة" المندمجة مع مفاهيم التّفوّق العرقيّ و النّوعيّ..
كما في الأفكار و الممارسات في الإنتاج و السّوق و الاستهلاك، وصولاً إلى "المشاريع" الاستعماريّة ذات الصّبغة "الاحتلاليّة" و "الاستيطانيّة" و "الاستثماريّة" الحادّة، مع وصول المفاهيم الاستعماريّة إلى شدّتها "الحديثة" التي كانت قد بدأت بالاختلاف و الكثافة، منذ بدايات القرن التّاسع عشر.

لقد كان "النّظام الدّوليّ"، نفسه، هو الاعتراف الضّمنيّ بين الدّول المختلفة؛
( سليلة الامبراطوريّات "الاستعماريّة" من النّوع المتخلّف التّقليديّ القديم و الفاشل، و الذي لم يتمكّن من الحياكة على نموذج "روما"، مع رفض "الإقطاعيّات" الأوربيّة النّاشئة، بعد نهاية الإمبراطوريّة الرّومانيّة الغربيّة (476م)، رفضاً نهائيّاً، للخطاب الإمبراطوريّ الرّومانيّ البائد، و ظهور الدّول الإقطاعيّة الأوربيّة )؛
بأنّها، مجتمعةً، تشكّل حدّاً لأطماعها المتبادلة ، بعضها ببعضها الآخر، و تقيم "نظاماً دوليّاً" من "التّوازن" على هذا الأساس؛ و كانت "الحروب" المتبادلة بين "الإقطاعات" و "النّبلاء"، نفسها، كانت تشدّ من أزر "النّظام" بدلاً من أن تفتّته.

بين "الحرب العالميّة الأولى" و "الحرب العالميّة الثّانية"، كانت ثمّة فترة زمنيّة وجيزة بالمقاييس التّاريخيّة، نضجت فيها أفكار سريعة مع السباق مع الزّمن بدعوى "الانتقامات" الدّوليّة للآثار التي رتّبتها "الحرب الأولى"، و بخاصّة للثّأر من تلك الشّروط التي وضعتها "الدّول المنتصرة" (دول الحلفاء)، على "الدّول المهزومة" (دول المحور)، سواءٌ في الحصار المرهق على (ألمانيا) أو في الشّروط المذلّة التي وقّعت فيها (ألمانيا) الهدنة مع الدّول المنتصرة، في (باريس) تحت مسمّى "معاهدة فرساي" (1919م)، و طبعاً بالإضافة إلى أسباب أخرى للحرب العالميّة الثّانية.

كان عقدان من الزّمان فصَلا بين "الحربين"، كافيين لتغيير وجه التّاريخ. لقد دخل "النّظام الدّوليّ"، بعد الحرب العالميّة الثّانية، في ما نسمّيه، اليوم، "النّظام العالميّ".
علاوة على المعالم الأساسيّة للنّظام الدّوليّ، و التي عدّدنا بعضها الأهمّ، أعلاه، فإنّ "النّظام الدّوليّ"، هو نفسه، ما أجهز على نفسه، في نتائج "الحرب الثّانية" و في ما تلا "الحرب"، بعد ذلك، من تغيّرات عميقة ونهائيّة في عالمنا المعاصر.

جاء "النّظام العالميّ" مميَّزاً في تقنيّاته السّياسيّة التي اختزلت خبرة تاريخ طويل من كيفيّات معالجة أفكار السّيطرة و الحكم و ما يدور بينهما من إخضاع اقتصاديّ و ثقافيّ للعالم، و من إخضاع "نموذج العصر"، كلّه، إلى مقتضيات "النّظام"، في نمطيّة واحدة هي أبعد ما تكون عن أيّ "نموذج" تاريخيّ فكريّ أو حقوقيّ أو جماليّ أو أخلاقيّ، معروف.

شكّل "اختراق النّظام الدّوليّ" بواسطة "النّظام العالميّ"، في رأينا، أيضاً، قفزة شاسعة في "النّظام"، و هذا، أيضاً، على عكس ما يراه الكثيرون من مفكّرين و فلاسفة و ساسة و سياسيين.

لم يبدأ "النّظام العالميّ" بفوضى، تماماً كما كان الأمر بالنّسبة إلى "النّظام الدّوليّ"؛ و لم يأتِ كحدّ لمظاهر أو ظواهر فوضى عالميّة أو كبح لصراعات "دامية" و تأطير لمخاطر بلا ضفاف؛
و قد يرى فيه البعض، على العكس، إثارة للفوضى و إطلاقاً للصّراعات الدّامية و تحريضاً على الحروب الكونيّة الشّاملة؛

أمّا نحن فلا نرى الأمر لا على هذا النّحو و لا على ذاك.

في تأمُّلِ السّياسة العالميّة، تأمّلاً كافياً، أو مستعاداً و طويلاً، يصل "العقل" الإنسانيّ، بعيداً عن "الحدس"، إلى نتائج قد تُضطرّه إلى التّخلّي عن نظرة إلى نظرة أخرى، أو إلى مكتشفات عقليّة و فكريّة (على غرار تلك المكتشفات الأركيولوجيّة النّاجمة عن عمليّات الحفر في طبقات الجيولوجيا) في طبقات "الواقع" العالميّ و السّياسيّ ، نفسه، و الذي ينطوي طيّاتٍ متعدّدة في مادّة المشهد الواحد أو الصّورة المستعادة.

و إذا كنّا قد قلنا إنّ "النّظام العالميّ" قد اخترق "النّظام الدّوليّ"، فهذا لا يعني أنّ أيّ "اختراق" لأيّ "نظام" يعني "الفوضى" على الحصر و التّحديد؛

بل إنّ بعض "الاختراقات" الدّقيقة و المخطّطة و الواقعيّة و الممكنة و "التّقدّميّة" تاريخيّاً (التّطوّريّة)، بغضّ النّظر عن وجهتها "الأخلاقيّة"، ربّما كانت تشكّل تعميقاً للنّظام أو تحريضاً له نحو المزيد من "النّظام" و "الضّبط" و "التّحكّم"؛

مع العلم أنّنا لا نستطيع أن نقوّم كلّ "نظام" تقويماً "أخلاقيّاً"، سلباً أم إيجاباً، تماماً مثلما أنّنا لا نستطيع، مثلاً، أن ننعت "نظام الكهرطيسيّة" بالنّظام الأخلاقيّ الجيّد أو بالنّظام الأخلاقيّ السّيء؛
و ربّما كان ما يكرهه الإنسان، أو ما يكرهه بعضنا في "الأشياء"، هو، بالضّبط، مكمن تميّزها و اختلافها و تطوّرها، حتّى.

عندما لا يوافق "الشّيء" رغبتي أو حاجتي، فهذا، أيضاً، ليس لأنّه سيّء أو جيّد، و إنّما بسبب أنّ للشّيء قوانينه الخاصّة الواضحة أو غير ذلك، و التي تجعل منه على هذه الحالة أو على تلك، و التي قد توافق أوضاعي الخاصّة أو لا توافقها، سِيّان.

كذلك هو الأمر في مسألة "الفوضى" و "النّظام"، عندما نكون في الحديث على وضع "العالم" أو "النّظام العالميّ" المعاصر و كيفيّات تقويمه أو الحكم عليه.

و على كلّ ما توحي به الأحداث، فإنّ ما يجري في "العالم"، اليومَ، ليس شأناً شخصيّاً أو "سوريّاً" خاصّاً، مثلاً، ليكون بإمكاننا الحكم عليه حكماً وطنيّاً يدخل فيه عوامل من منظومة القيم الأخلاقيّة السّياسيّة الوطنيّة أو القوميّة؛
بقدر ما أنّ مفهوم "الاستمرار" العالميّ، و ربّما، أيضاً، مفهوم "التّقدّم" و "التّطوّر" العالميّين، بعيداً عن المصادرات الأخلاقيّة، يحتاج كلّ منهم إلى أن يتعرّى العالم على هذا القِوام.

في هذا الإطار يصبح الحديث، نفسه، على "الفوضى"، حديثاً بلا أدنى قيمة أو معنى، لنكون قد دخلنا مفهوم "الأخلاق" العالميّة، خطأً، من دون أن ندري أو نشعر بذلك؛

كما يُصبح الحديث على "الفوضى" و "النّظام" حديثاً اصطلاحيّاً، و حسب، و ليس له أيّة قيمة عمليّة واقعيّة أو مناسِبة أو مفيدة.

- "النّظام العالميّ" في "فلسفة السّياسة":

يمكن أن نتصوّر "النّظام العالميّ" و كأنّه ممارسة للأفكار الخالصة في عمليّةِ "مُطَابَقَةٍ" تدريجيّةٍ لفكرةِ "القوّةِ" مع مُعطياتِ "الفكرةِ"، نفسِها، من اتّجاهاتِ تَحَقُقِ هذه "الفكرة" في تعبيراتِها المتفاوتةِ في "الواقع" العمليّ للعالم؛ بواسطة إعادةِ "مُزَامَنَةِ" الأحداث العالميّة مع "ذاكرة القوّة" التّاريخيّة التي احتوت على "صورةٍ" زمنيّة تأخّر نجوزها لعدم الكفاياتِ السّياسيّة التّاريخيّة من أجل "التّطبيق" الواضح أو العمليّ المباشر لعناصر "الفكرة" التّاريخيّة ، التي تَرَدّدَتْ في "المُطابقة" الزّمنيّة المتوالية للفكرةِ على مظاهرها غير المعبّرة تعبيراً "مفهوماً" عليها، بما هي "واجبةُ" التّعبير و الإفهام و "التَّحَقُّقِ" و "الإشارة" إلى جوهرها "العالميّ" (الكونيّ) بوضوح.

يتحقّقُ هذا "النّظام" الفريد بواسطة "أدوات" عامّة مُؤهِّلة للفهم الإنسانيّ تأهيلاً جديداً يتناسب مع ملامح "الفكرة" التي تبديها هي بما هي مصوغة جزئيّاً من مفردات شائعة و مُقْنِعة تستمدّها من مقتنيات البشر اليوميّة من مثل المصطلحات الكفيلة بجعلها (جعل "الفكرة") شاملة و معبّرة على مصالح للأفراد و الجماعات و المجموعات و "الدّول"، في الاقتصاد و السّياسة، كمفهومين "إنسانيّيَنِ" قابِلَينِ لأن يكونا من الأشياء التي تُلهِمُ "الإنسانيّة" بأهدافها و العمل على تحقيقها بكل ما يتوفّر لها من "إمكانيّات" و "طقوسيّات" و "حقائق" و "أوهام".

و لأوّل مرّة في تاريخ البشر، يُصبح "مشروع الفكرة" شيئاً داخلاً في ثقافة السّلوك المعمّم و الواسع، و في الانتماء إلى مكوّنات "الفكرة"، التي بقيت، طويلاً، على مفارقة مع "الأيديولوجيات" التّاريخيّة المختلفة، لتصبح "الأيديولوجيا"، نفسها، خاضعة للتَّقنيّة العالميّة (مختلف التَّكنولوجيّات) التي تطوّرت كثيراً، في "النّظام"، حتّى عادت جزءاً من عقيدة العالم، أو عقائد العالم، الأكثر غيبيّة و الأكثر إثارة للولع السّياسيّ.

لقد دخلت "الفكرة" العالميّة (الكونيّة)، إذاً، في إطار "المعقوليّة"، على رغم إبهامها، هي، عن نفسها، و أصبحت تعمل على وضوحها "الموضوعيّ" في "العقلانيّة" السّياسيّة العالميّة التي تحتّم "الخضوع" إلى شروطها على طريقتها التي لم تفهمها "الإنسانيّة"، بعد، كما يستجيب لها أفرادٌ بعينهم دون الجميع يعملون على جعلها روحاً جديداً للعالم الواقعيّ اليوميّ.

لا يظهر أو يتظاهر "النّظام العالميّ"، اليوم، بما هو "نظام سياسيّ" واحديّ القطبيّة أو ثنائيُّها أو غير ذلك؛ و هذا ما هو في عناية "الإعلام السّياسيّ" الخاصّ بالنّظام، و الذي ينضاف إلى "الاقتصاد" و "السّياسة"؛

و إنّما يتوضّح "النّظام العالميّ" بطريقة خاصّة جدّاً، و هي أن يجعل من منظومته العالميّة شيئاً مقبولاً في خضمّ "الصّراعات" الجانبيّة و "الثّانويّة" و ذلك حتّى لو كان منها "الحروب" الدّامية الموضوعة في إطار عام من السّيطرة الكاملة و الاستعمال.

يقود "النّظام العالميّ" قوّة خاصّة تُخضِع إليها جميع مخاطر انزلاق "الفكرة" خارج مقتضياتها الوجوديّة التي تعمل على إبرازها كنظيرة أرضيّة لجماليّات قوّة كونيّة ميتافيزيقيّة لا تنقطع عن إيحائها إلى هذا "العالم"؛

و ما الكثير من "الصّراعات" و "الحروب" و "التّناقضات" العالميّة، سوى مظاهر من جدليّة خاصّة تدخلها "القوّة"، عبر عناصرها، للتّجريب و التّفضيل و الانتقاء و الشّيوع.

هكذا يغدو الحديث على "الفوضى" كمقابل لِ"النّظام"، حديثاً لغواً بلا معنى أو دلالة أو مناسّبة؛
و تصبح أحداث و مفردات التّناقض و الصّراعات المتّجهة إلى غايتها في "الفكرة"، شيئاً من تفاصيل "الّلغة" التي يسلك نظامُها (نظام الّلغة) ألسُناً مختلفة و متباينة تصل إلى وعي "البعض" بوصفها "فوضى"، بينما يُدركها وعي "البعض الآخَر" على أنّها أحداث جانبيّة، و ربّما هي "أحاديث" جانبيّة أيضاً لتبادل منافع التّجربة العالميّة للفكرة في "النّظام".

حتّى ما يبدو على أنّه "فوضى مدمّرة".. لا يخرج على كونه استعادة لبرنامج النّظام الطّبيعيّ و "النّظام السّياسيّ" الذي لا يمكن لهما أن يتضمّنا عبثاً أو إسفافاً في هذا العالم؛

و عندما يبدو أنّ شيئاً من هذا يقع بين مقطعين تاريخيّينِ في لحظة سياسيّة معقّدة و غامضة، فإنّما علينا أن ندوّرها تدويراً "معقوليّاً" و واقعيّاً لتدخل في "العقلانيّة" الشّاملة التي يسطّرها "النّظام" و يرنو إليها، باستمرار، سواءٌ كانت غاية مباشرة من غايات هذا "النّظام"، أو كانت ممّا هو، في محصّلاته، كذلك.

إنّ السّؤال الذي ينطرح في مطارحات "فلسفة السّياسة"، هو هل يُدرك جميع "الفاعلين" أو "المنفعلين" في سياسة "النّظام العالميّ" هذه الحقيقة على واقع هذا "النّظام"، أم أنّه ليس من الشّارط لمكوّنات "النّظام"، ذلك؟

تقع "شرطيّة" و "تشارطيّة" الفكرة في أدواتها المستعملة، في الذّات؛
بحيث أنّ "الشّرطيّة"، هنا، أمرٌ موضوعيّ يقرّر أدوار الفاعلين المختلفين و وظائف غير الفاعلين ، بقدر ما تترتّب نتائج أهداف "النّظام"، في الضّبط و السّيطرة و التّوجيه، في نجاعة "الأدوار" و "الوظائف" المختلفة و المتعدّدة، بالنّسبة إلى كلّ "قوّة" أو "وسيلة" أو "أداة" أو "سلوك" ينصبّ في مجرى "العقلانيّة" الخاصّة التي تؤسّس جوهريّة "النّظام العالميّ" كنظامٍ مقصودٍ جرى التّاريخ كلّه نحو مصيره فيه؛ و ثمّة مصائر أخرى تنتظر "النّظام" في "الفكرة" الطّاغية على حاضر و مستقبل هذا "النّظام".

ننظر، نحن، إلى التّاريخ البشريّ ضمن رؤية "غائيّة" لنستطيع الخروج بهذه النّتائج "الإشكاليّة"(!) حول طبيعة "النّظام العالميّ"؛

و هكذا يصبح من "العبث" أن نقرأ أيّة ظاهرة "عامّة" أو "عالميّة"، على الأخصّ، قراءة من منظور غير غائيّ، إذا تختلط ، هنا، بالتّأكيد، "الفوضى" مع "لاغائيّة" العالم و التّاريخ؛

و عندما تخوننا قدرتنا على فهم "النّظام العالميّ" على هذا الأساس، فإنّ علينا أن نعيد النّظر بأدواتنا العقليّة التي نستخدمها في "القراءة"، أو أنّه يجب علينا أن نقوم بتوسيع إطار "العقلانيّة" عن طريق إدخال كلّ العناصر "الطّارئة" في "الحدث" العالميّ – و منه الحدث المحلّيّ بتأثيراته العالميّة – في بوتقة "المعقوليّة" التي توحي بموضوعيّة "الواقع" مهما كان لنا فيه من أدوار "بالذّات".

***

فعقّب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

وفي سلاسلك يخرج النظام من فوضاه و يبحث عن أبجديات جديدة حيث لا دم و لا عنف و لا ألم و لا نفاق و لا غش و لا اغتصاب و لا احتلال و لا استعمار.

يقول أمين معلوف لا ندري من رضي عنه و من غضب عليه : إن ما هو مقدس في النظام الديمقراطي هو القيم و ليس الآليات و ما يجب احترامه بالمطلق و دون أيّ تنازل كرامة البشر رجالاً و نساءً و أطفالاً بغض النظر عن معتقداتهم أو لون بشرتهم أو أهميتهم التعددية!

و يقول أنيس منصور ربما سيرضى عنه أو رضي عنه:
في الهند تعلّمت أن الدنيا من الممكن أن تعيش من غيري و أن الناس يعيشون حياتهم و يمشون على نظامٍ خاص و أنّ هذا النظام سواء أعجبني أو لم يعجبني فلن يغير هذا شيئاً فإما أن أسكت أو أخرج من البلاد.

و في أندونيسيا يضحك الناس دائماً و لا يعملون إلا القليل.
و في الصين يضحك الناس كثيراً و يعملون كثيراً.
و في اليابان مؤدبون ضاحكون و قدرتهم على العمل خارقة.
يعني من الممكن أن يكون الإنسان مؤدباً و باسماً و ناجحاً في عمله

كما يقول أنيس منصور:

النظام بلا حرية طغيان و الحرية بلا نظام فوضى!

لن نقف عند النظام و الفوضى كمصطلحات لتغيرات السياسية بتداخلاتها من حيث حقوق الإنسان و من حيث السيادة و الشرف و من حيث المواثيق الدولية التي خرجت من حرب اللاهوت الأوروبية لتولد في ويستفاليا عن طريق ساعتذاك أو بزعامته..
و كأننا لن نخرج من سيطرة الزعامات حتى في كنائسنا و مساجدنا و بيعنا و صلواتنا و صوامعنا ساعة ذاك عام ١٦٤٨ من حيث التركيبات و الخرائط الديموغرافية و الجيوسياسية بل سنبقى أولاً في مسار خلق التوازن في المصطلح و في استنباط ماهيته و تجاذباته و تنافراته..

لأن النظام هو فوضى اضطربت فأحالت وجودها إلى كينونة السكون الذي يمكن تعريفه بأنه نظام هرب من زوبعة العنف و لن يكمل التطور التاريخي دورة نظامه دون عنف فهذا ضرب من المحال و الخيال الذي لا مكان له و لن يكون على أرض الواقع المعيش أو المعاش..
و لأن الفوضى هي نظام تداعى بأكاذيب الخضوع لالتفاف الاتفاقيات و ما الاتفاقيات إلا حقن من التوازنات لن تشفي صدر الكون بأفعاله و ردود أفعاله!...

معاهدة فرساي ليست بداية توازنات دولية بعد سقوط إمبراطورية الرومان عام ٤٧٦ بل هي لعبة إقطاعية رأسمالية جددت حداثتها الكلامية النظرية بممارسة حروب عالمية و ساخنة و باردة..
و هاهي لعبة الأقطاب تعود من جديد في ميدان سورية التي تناطحت خصخصتها مع رأسماليتها في ضريح الاشتراكية البعثية فتلاقحت ديكتاتورية المعنى مع ديمقراطية البحث عن الإنسان في غمرة فتاوى ليس لها من والٍ و لا سلطان على العقل في جوهر التعقل و التحليل المنطقي المنهجي بحداثة تدرك من النظام فوضاه اليائسة و من الفوضى نظامها الميؤوس منه!

سقط في سورية تدبير التوازنات الواقفة على شفير الهاوية و بدأت حدود الفوضى تنتشر كالنار في الهشيم و بدأ هشيم الفوضى يبتلع أنظمة السقوط غير الحر..
لأن السقوط الحر فيزيائياً هو نظام شعبي بينما السقوط غير الحر هو نظام فوضى دولية تقذف بداية التغيير و لا تقدر عزم سقوطه و ارتطامه في تداعيات الفيزياء العالمية و الكونية..
و منها سيبدأ النظام تدبيره و عقلنته كي يدرك من التطور التاريخي جوهر العنف طويل المسار في تعابيره و قراءاته و تطبيقاته!

لنا بسلاسلك تدبير الفوضى و عقلنة النظام في ظل فوضاه دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود