الإسلام وعلاقته بالعلمانية والديمقراطية
إن مبدأ عدم المزج بين الدين والدولة، يتعارض مع اعتبار الإسلام هو دين ودولة، كما أنه يعيق اعتماد الشريعة الإسلامية أساساً للتشريع.
عندما يَعتَمِدُ النظامُ العلماني على التشريع من قبل البشر فيتعارض بذلك مع الدين والحاكمية الإلهية. و أن رب العالمين قد أعطانا شريعة فيها كل ما يحتاج اليه الناس من القوانين والقواعد لمعالجة وتنظيم حياتهم الشخصية والعامة في أدق تفاصيلها.
هناك بعض المنظرين يزايدون على أن المسلمين ليسوا بحاجة للديموقراطية لأنها مؤسسة منشؤها الغرب الملحد وهي لذلك تتنافى مع الإسلام، كما أيضا لأن نظام الدولة الإسلامي هو نظام الشورى.
بناءً على كل هذه المقولات، فقد صُوِّرَ لنا الإسلام بشقه المتعلق بالدولة على أنه يقضي بضرورة وجود رأس لتلك الدولة، وهو الخليفة، يستمد سلطته من الدين، وحيث دستور تلك الدولة و قانونها الوضعي هو القرآن الكريم والشريعة الإسلامية. مهمة الخليفة فيها هي الحفاظ على الدولة وضمان فرض وإعلاءِ كلمةِ الله ونشرها، من خلال الجهاد في سبيل الله. بالتالي إنها دولة تحتجب فيها حقوق البشر الفردية لصالح المصلحة العامة، ألا وهي إعلاءُ كلمةِ الله وضمانُ مصالحِ المجموعة.
كل هذه السلبيات التي بدأنا بعرضها هي بنظرنا ليست من الإسلام.
أولاً: الإسلام والعلمانية
- وطالما أن الموضوع اليوم يتناول علاقة الإسلام بالعلمانية، أود أن أبدأ بالتشديد على أن العلمانية لا علاقة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بالإلحاد. لأن العلمانية تقوم على احترام معتقد كل فرد من أفراد المجموعة المدنية.
والدولة العلمانية غير معنيةٍ بنشر أي دين أو التحيّز لأي دين على آخر.
- العلمانية، هي مفردة ذات مفاهيم عديدة تختلف باختلاف منطلق من ينادي بها. وأبدأ بعرض مفهومي للعلمانية، على النحو التالي:
أولاً: ليس للدولة الحق كما لا يقع عليها أي واجب في أن تتدخل وتؤثّر في المعتقدات الدينية لمواطنيها.
ثانيا: إن حقوق وواجبات الأفراد تجاه الدولة وفيما بينهم، كمواطنين في تلك الدولة، تُستَمدُ حصراً من القوانين الوضعية التي تشرعها تلك الدولة دون أي تمييز في التطبيق بين الأفراد يكون مبنياً على الانتماء الديني أو الطائفي.
ثالثاً: إن الدولة تسهر على تطبيق القوانين من خلال المحاكم والقضاء على جميع المواطنين بالسواء دون أي تمييز مبني على المعتقد الديني.
رابعاً: إن الدولة تستمد شرعيتَها من مواطنيها ولا تُسأَلُ عن أعمالها إلا أَمامَهم وليس أمام أية سلطة دينية.
خامساً: مواطنو الدولة العلمانية ليسوا بِرَعايا يستجدون رحمة حاكمٍ يستمد سلطته من سلطة دينية أو إلهية؛ على العكس، هم مواطنون وشركاء في الدولة ولهم نفس الحقوق والواحبات.
سادساً: ليس للمؤسسات الدينية الحق بممارسة اي سلطة من سلطات الدولة أو التدخل في شؤون إدارتها؛ كما ليس للدولة أية سلطة للتدخل في شؤون السلطات الدينية سوى لضمان التزامها بالقوانين المرعية وضمان حرية الرأي والمعتقد والممارسة الدينية لجميع الأفراد والمؤسسات الدينية دون استثناء، كما لضمان احترامهم جميعهم حقوق الغير المماثلة.
هنا نسارع إلى القول بأن القرآن الكريم لم يلحظ مكاناً لمرجعية دينية منظمة ذات سلطات مشابهة للكنيسة في الديانة المسيحية؛ كما أن الإسلام لا يلحظ أو يسمح بوجود دور الوسيط بين الله والبشر، إذ أن علاقة الإنسان مع ربه علاقة مباشرة. انطلاقاً من هنا، وبما أن الإسلام لا يعترف بمرجعية دينية، وطالما أن العلمانية ليست من قبيل الإلحاد، فإن موضوع علاقة الإسلام بالعلمانية يصبح قابلاً للبحث إذا قلنا أن الإسلام ليس دين ودولة.
وبالفعل، فإنه لا وجود للدولة وشكلها ورئيسها في القرآن الكريم؛ إنما نظرية الإسلام بمثابة دين ودولة اتت إلى الوجود من خلال الفقه والتأويلات الفقهية لسيرة الرسول وصحابته من أقوال وأفعال.
من جهة ثانية، وبما أنه لا وجود للدولة في القرآن الكريم، كذلك أيضا لا نجد في القرآن الكريم أثراً للشريعة الإسلامية بمفهوم الإسلام السياسي، أي عبارة عن دستور وقوانين مدنية وتجارية وجزائية ودولية متكاملة مما قد يحتاج إليه إقامة وتسيير أمور الدولة.
من جهة ثالثة، ليس الجهاد ما يسمى بالحرب المقدّسة للحفاظ على الدولة الإسلامية وإعلاء كلمة الله. فإذا لم يكن الإسلام دين ودولة، إلا أنه أوسع من ذلك بكثير كونه دين ودنيا. هو دين من حيث أنه يرعى علاقة الإنسان بخالقه من صلاة وصوم وحج وما إلى ذلك من العبادات. وهو أيضا دنيا من حيث أنه أتى بشريعة هي عبارة عن مبادئ عامة ومفاهيم وأخلاق ترعى كافة نواحي حياة الإنسان في علاقات الناس فيما بينهم وبمجتمعاتهم. لذلك فإن الشريعة الإلهية قد أتتنا بالتالي مما يفيد في بناء الأوطان:
• أولا، كون المجتمع الإسلامي مجتمعاً تعدديّاً؛
• ثانياً، كون المجتمع الإسلامي التعددي مبنيّاً على احترام حقوق الإنسان وعلى رأسها حرية المعتقد حتى لا يكون الدين عائقاً في علاقات الناس بعضهم بالبعض، بل على العكس كي يكون الدين عامل تلاقي وتبادل على أساس مبادئ الشريعة الغرّاء؛
• ثالثاّ، كون السلام هو المبدأ الذي يرعى المجتمعات التعددية وعلاقة المجتمعات فيما بينها.
ثانياً: الإسلام و الديمقراطية لا يتضمّن الإسلام نظاما سياسياً محدداً لإقامة الدولة، أو شكلاً معيّناً للدولة قد يتنافى مع الديمقراطية.
إن الديموقراطية هي نظام حكم مبني على مشاركة الشعب في حيثيات الحكم إما مباشرة أو من خلال ممثليهم في البرلمان يتم اختيارهم بالانتخاب المباشر. كما يشارك الشعب في ظل نظام ديمقراطي في مختلف مجريات الحياة المدنية وذلك ضمن إطار من المساواة في الحقوق واحترام حقوق الإنسان واعتماد قوانين يخضع إليها الجميع بصورة متساوية.
إذن إن النظام الديمقراطي قاعدته الأساسية هي المساواة المطلقة بين المواطنين دون أي تمييز مبني على اختلاف العرق أو لون البشرة أو الجنس أو المعتقد. بناءً على هذا التعريف نسارع إلى القول أن نظام الشورى الذي يعتبره البعض بمثابة المثال الأعلى لنظام الحكم الإسلامي لم يأت ذكره في القرآن الكريم بمثابة نظام حكم. بمعنى آخر، إن نظام الشورى لم يكن الغرض منه أن يشكِّلَ نظام حكم بل كان دوره مختلفا جداً عن الشؤون السياسية.
توجد في القرآن الكريم آيتان حيث وردت عبارة "شورى" وهما: الآية 159 من سورة آل عمران (3:159): "فبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كنت فظّاً غليظَ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكِّلين". ثم الآية 38 من سورة الشورى (42:38): "والذين استجابوا لربِّهِم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون". ففي الآية الأولى (أي الآية 159 من سورة آل عمران)، الكلام موجه لرسول الله حول كيفية وجوب معاملة صحابته ممن يعتمد عليهم في نشر الرسالة ورد الهجمات المعادية التي ترمي إلى إثنائه عن مهمته. فكانت النصيحة الإلهية الموجهة إليه تقضي بأن يكون لطيفاً مع صحابته وأن يشركهم بالرأي حتى يشعروا بأهمية دورهم في مساعدته. ولكن بما أنه هو الرسول المكلف نشر الرسالة، لا بد له بعد سماع الرأي من أن يتوكل على الله بالرأي الذي يستنسبه ويتصرّف على أساسه.
إذن محور الحديث في هذه الآية لا علاقة له ببناء الدولة وإدارة شؤونها بل ينحصر الحديث بظروف قيام محمد عليه السلام بمهام الرسالة الموكلة إليه. أما الآية الثانية فإنها تعنى بوصف محيط المجتمع المدني الإسلامي وعلاقة الأفراد فيما بينهم من حيث اعتماد الشورى حفظاً على السلم المدني، ومن هذا المنطلق فإن اعتماد وممارسة النظام الديمقراطي يندرج ضمن نتائج ممارسة الشورى فيما بين المسلمين وغير المسلمين من المواطنين.
الخلاصة
إن للإسلام علاقة وطيدة جدّاً بالعلمانية والديمقراطية بحيث أن الهوية الوطنية شيء والإنتماء الديني شيئٌ آخر. ولا يجوز الخلط بينهما. فبينما الهوية الوطنية تجمع أبناء الوطن الواحد مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية وغيرها، فإن الهوية الدينية إن حلت محل الهوية الوطنية أصبحت عامل تفرقة وركود وتهميش.
من محاضرة د. ماهر محمصاني في ندوة "مركز الحوار العربي" بمنطقة العاصمة الأميركية - الأربعاء 14 آذار/مارس 2018