كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: "الفوضى" بوصفها بديلاً للنّظام.. و الصّراع على "الشّرعيّة"

[الحلقة الثالثة والستون "63“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:

{"الفوضى" بوصفها بديلاً للنّظام.. و الصّراع على "الشّرعيّة"}

د. بهجت سليمان

يكادُ الباحث السّياسيّ في "التّاريخ" و "المجتمعات"، أن يقول باستحالة الرّكون إلى "علم اجتماع" سياسيّ، جامد القوانين، يضمن له تقلّبات الحدث و ظروف الاختبار..
غير أنّ الدّراسة الوضعيّة لمكوّنات الّلحظة "السوسيولوجيّة" كفيلة بتقديم أحدث و أفضل ما تطرحه الأحداث، في ديناميّتها، من أوضاع و حالات جديدة و مستجدّة.

و هذا ما ينطبق على تطوّرات الحرب السّوريّة: "إقْرَأْ: الحرب على سورية" بشكلٍ نموذجيّ. فالقانون الاجتماعيّ الذي يمكن أن يُطبّق على مجريات الأمور في واقعها المتبدّل، هو شيءٌ لا ينتمي إلى البحث السّوسيولوجيّ..
ذلك أن موضوع علم الاجتماع- كما يراه (ماكس فيبر)- "هو الفهم المتعلّق بتقديم تفسير سببيّ للفعل الاجتماعيّ".. ذلك "أنّنا نفهم لأنّنا ندرك الدّافع" كما يقول (فيبر)

[ماكس فيبر و مفارقات العقل الحديث- فيليب راينو- ترجمة و تقديم محمد جديدي- منشورات الاختلاف- الجزائر العاصمة- الطبعة الأولى- 2009م].

و في رأينا لا تُدارُ "الأزماتُ" كما يُشاعُ و يجري طرحه في "علم السّياسة" و "علم الإدارة" المعاصِرَين - المُلحَقَينِ بالأصول- اليومَ؛ و لكن تُعالج "الأزمة" وفق "مبيانٍ" واقعيّ، و لو كانت حلولها مركّبة أو متضايفة أو متراكمة أو متقطّعة على أجزاء أو متسلسلة، و ذلك في سياق "حُكمٍ" أو "برهانٍ" صحيح، على كلّ من الأزمة و العلاج و أدوات و وسائل و كوادر هذا العلاج.

سبق أن قلنا، في مناسبة سابقة من الحديث، إنّ قوّة الدّولة ليست بأخلاقيّاتها المتعارف عليها "اجتماعيّاً" أو عرفيّاً، و إنّ "الدّولة" كمؤسّسةٍ ليست " جمعية خيريّة أخلاقيّة" عليها أن تجعل "الجميع" سُعداء، على ما يحمله مفهوم السّعادة من متطلّبات أبديّة في الطّمع و الجموح و الجنوح.

و قلنا كذلك إنّ قوّة الدّولة هي الأخلاق السّياسيّة للدولة، و إنّ قوّة الدّولة - بكلّ عناصر هذه القوّة - هي نفسها أخلاق الدّولة؛ ذلك لأنّها تستطيع، و فقط عبر هذه القوّة "الأخلاقيّة"، و تتمكّن من تحقيق "عدالتها" التي تكمن في جذور أسباب وجودها كدولة ضامنةٍ للقيم و الاستقرار و "الحقوق". و حتّى أنّنا قلنا أيضاً إن "العنف" نفسه في معرض تطبيق الدّولة للقانون و ممارستها للسّيادة، هو عنف مشروع و مطلوب أيضاً.

و لكنّ ما لم نقله حتّى الآن هو ما يتعلّق بالحقل أو بالحقول الاجتماعيّة و السّياسيّة و الإداريّة و الاقتصاديّة التي تظهر فيها الدّولة مشخّصة بالأدوات و الوسائل الضّابطة و الرّادعة و المنظِّمة. أين و كيف تمارس الدولة "قوّتها" التي وجدت بها و لأجلها في آن واحد؟

لن نخوض هنا في مفهوم "السّلطة" و "النّظام" و "الضّابطة العدليّة" و "القمع" و "الكفّ" و "التّوجيه"؛ فهذا ممّا علينا أن نفرد له بحوثاً خاصّة- ربّما- في مناسبات أخرى. نحن هنا سنتحدّث- و باختصار- على "الفوضى" التي تهملها "الدّولة" و التي تشكّل أهمّ عوامل الخطر المهدّدة للدّول و الشّعوب في الاندثار و الانقراض.

ما هي "الفوضى"؟
و ما هي أنواع "الفوضى"؟
ما هي مظاهرها؟
و لماذا على الدّولة أن تواجهها باستمرار؟

و يبدو كما هو واضح أنّ "الملاحظات" إنّما تتعلّق بصيغة "الدّولة" كظاهرة اجتماعيّة على وجه الحصر، و لهذا فإنّ علم الاجتماع (أو في الحقيقة علوم الاجتماع المختلفة) هو المبيان العلميّ و غير المتحيّز قدر الإمكان، الكفيل بالإضاءة على ما نتحدّث عنه.
و قد يستغرب البعض من غير المطّلعين أنّ رائداً من روّاد "علم الاجتماع" مثل (ماكس فيبر) يرى أنّ الغرض من علم الاجتماع، كعلم، هو ليس دراسة الوقائع أو الظّواهر الاجتماعيّة، بل على التّحديد دراسة و تحليل سلوكات الأفراد.
من هنا اشتهر عنه أنّه أحد المؤسّسين الأوائل للفرديّة المنهجيّة في علم الاجتماع (Methodologique Individualisme).

و نحن نرى أنّ البحث في العلاقات الاجتماعيّة يتطلّب الدراسة و البحث في الأفراد كشخوصٍ اجتماعيين و ثقافيين و سياسيين، كما تتطلّب الدّراسات السّياسية البحث في البنيات و المؤسّسات.
و نحن عندما نشير إلى "الفوضى" على مختلف أشكالها نكون قد حقّقنا غرضنا في دراسة "الفرد" السّياسيّ في إطار البنية السّياسيّة لمؤسّسة الدّولة على الحصر.

خضعَ المجتمعُ السّوريّ لممارسات فرديّة و جماعيّة تمثّلت تاريخيّاً في "أسطرة" الأحكام المختلفة و رفعها إلى مستوى التّنزيه.
و قد اجتمعت في تلك الأسطرة مختلفُ الأفكار و التّمثّلات و الامتثالات و المعتقدات و الغيبيّات و الأحكام النّظريّة غير العمليّة و غير العلميّة، حتّى إذا ما شكّلت منظومة ثقافيّة كاملة دخلت في الأوهام التي هي إحدى مكوّنات "الأسطورة".. و كانت سبل التربية و الثقافة و التّعليم كافيةً لخلق هذه المنظومة و تشكّلها و تعضّيها بهدوء تاريخيّ.

نحن لطالما قرأنا و شاهدنا و عرفنا في "المناهج" التّربويّة و المقرّرات "الأكاديميّة" و "المكتبات" الخاصّة و العامّة التّجاريّة منها و المجّانيّة.. مصنّفاتٍ و مراجعَ و مؤلّفاتٍ و إنشائيّاتٍ، كرّست في الذّهنيّة الفرديّة الاجتماعيّة جميع أصناف "ثقافات" العزلة و الانعزاليّة الفكريّة القائمة على احتكار "الحقيقة" التاريخيّة و الدّينيّة و السّياسيّة.
و من الطّبيعيّ أن تنفردَ و تنعزل هذه "الحقائق" المزعومة و تتضاعف مرّةً أخرى في التّخييل الفرديّ للتّمثّل الإدراكيّ، ما ينتج عنه مفرداتٌ لا حصر لها من الشّخصانيّة الثّقافيّة التي يجمعها رابط واحد في المنظومة التّاريخانيّة و اللاتاريخيّة، و هو انتشار النّظريّ و "الشّفاهيّ" النّقليّ غير العقليّ و غير العمليّ في آن معاً..
مع اشتغال تلك المنظومة المغلقة تأسيس قواعد الفهم و الممارسة و السّلوك. هذه هي على الضّبط "جينالوجيا" (أصلويّة) التمزّق الاجتماعيّ- السّياسيّ السّوريّ.

عندما تنشب أسباب الفوضى التّألُّهيّة المعروفة جيّداً في المجتمع السّوريّ و المؤسِّسَةِ الأهمّ للنّرجسيّات الثّقافيّة و السّياسيّة، يكون علينا من الواجب أن نتابعها تلقائيّاً في المدرسة و الجامعة و الجامع و الوظيفة العامّة بل و حتّى في المؤسّسات السّياسيّة القائدة للمجتمع! و هذا شرح يطول.

أمّا الأهمّ، هنا، فهو أن ندركَ أنّه في هذا النّسيج المضطرب لمنظومة الأسطرة الإدراكيّة، ستنمو الكثير من "قواعد السّطوة" التي ستنافس قانون الدّولة في كلّ مفصلٍ من مفاصل القوّة و التّاثير، و سوف تتفوّق عليها، أيضاً، نظراً لخلفيّتها الاجتماعيّة "المقدّسة" بالتّديّن- و هذا في العموم- و الدّاعمة لها في استفرادها ثقافة الدّولة السّياسيّة التي تخلّت عن "قوّتها" في معرضِ الإهمال و الشّعور الفارغ بالتّفوّق في "السّلطة".

غالباً ما تنسى مؤسّسة الدّولة (و ما تستهتر مؤسّسات الدّولة التّنفيذيّة، لمصلحتها في المنظومة..) أنّ قواعد السّطوة الاجتماعيّة- السّايكولوجيّة، الفرديّة أو المتفرّدة، هي قادرة على أن تشكّل سلطاتٍ موازية لسلطة الدّولة و تفوقها في التأثير على المدى الذي خرج من قائمة احتمالات "الدّولة"، في كونه أساس المُعَانَدَةِ المدمِّرة في المواجهات الغزيرة و اللحظيّة القادرة عليها و التي لا تُعدّ و لا تُحصى، فإذا بها سيلٌ جارف من السّلطات المواجِهة و المقارِعةِ و الفاعلة إلى حدّ قدرتها على الإلغاء!

لقد أصبحنا، إذاً، في حالةٍ من حالات "الطّبيعة" المتوّحشّة و القائمة على "الاغتذاء" (بكلّ ما يعنيه من اغتصاب و سرقة و اعتداء و استهتار..)، منضافاً إليها "الثقّافة" التي تختزل كلّ جهدٍ زائدٍ في "قانون الضّيعان" الطّبيعيّ الذي يصفُ "الجهود المهدورة"!..

نحن الآنَ في مجتمع من الفوضى الطّبيعيّة "المثقّفة" و التي لا وجود فيها للهدر..، في مقابل مؤسّسة "الدّولة" التي أهدرت قوّتها الضّائعة في المشاهدات المجانيّة الخاسرة..!؟

لقد أظهرت "الفوضى" ذاتها باضطرادٍ مع عدم الاكتراث بقانونٍ وضعيّ أو مسلكيّ لا يمكن أن يُطبّق من قبل أهل الفوضى، القائمين أنفسهم على "القضاء"! و كانت أنواعها عديدة.

• لقد عاصَرْنا فوضى السّلوك الفرديّ في المرافق العامّة، و فوضى استخدام المشاعات الاجتماعيّة و الخدميّة، و فوضى نظام سير الرّاجلين في الشّوارع إلى جانب فوضى قانون السّير و القائمين على تطبيقه!
• و عاصرنا فوضى الإدارة العامّة و المؤسّسة الحكوميّة، هذه الفوضى التي اتّخذت لها مظاهر شهيرة من استباحة المال العام و كرامات المواطنين، كما عاصرنا فوضى التّقنين و التّقعيد المُفضيَيْنِ إلى تشريع "القانون"، كما عاصرنا فوضى إلغائه و إعدامه في الّلوائح و التّعليمات التّنفيذيّة المزعومة و الخرقاء..
• و أيضاً عاصرنا فوضى اتّخاذ القرار و تطبيق القرار و ضعف الأخلاق المسلكيّة في الوظيفة العامّة، ناهيك عن فوضى الإعلام و النّشرِ..
• و عاصرنا فوضى المناهج التّربويّة و التّعليميّة و حقنها بثقافة الجريمة المبكّرة و ثقافة الإرهاب التّمهيديّة التي ينتظرها مع "المستقبل" أدوات و وسائل التّنفيذ..!؟

إنّه على جسامة و صراحة و وضوح مخاطر كلّ ذلك، نحن لم نعاصر أيّ إدراك نظريّ أو تنظيريّ أو عمليّ في مواجهة تلك "الفوضى" أو تشخيصها أو معالجتها أو الحدّ من الفائض منها..أو إفراد الدّراسات المتفرّغة لرصدها كظاهرة أصبحت من ضمن "عَتَلَةِ" ( الكتلة الصّلبة الصّمّاء ) "المشروعيّة" و الإباحة الشّاملة.

من الطّبيعيّ أن تنظرَ السّياسة إلى "الفوضى" كمقابل (النّقيض المطلق) للنّظام. و من الطّبيعيّ أيضاً أن نفهم أنّ هذه "الحالة" العامّة من "الخطأ الجوهريّ".. لا يمكن أن تستمرّ أو تُطاقَ، و ذلك بمعنيين:

- الأول : من حيث أنّ "الحالة" (الفوضى) ستقوم طبيعيّاً و تلقائيّاً بتظيف و تعقيم "الأضداد" الذين على قلّتهم في مجتمع الفوضى المنسجم (الأفضل أن نسمّيهِ المُنقَسَم) سيتحرشّون نسبيّاً بحالة الفوضى هذه و بممثّليها (و هم "الجميع"!)، ممّا يعني إقصاءهم "المنظّم"، و هذا ما يؤدّي إلى انسحابهم الهادئ أو "الفوضويّ" أيضاً- كردة فعلٍ يتيمةٍ و عجماء!- من المجتمع و من الشّأن العامّ، و بالتّالي اختفاءهم نهائيّاً من قانون الفعل الاجتماعيّ و السّياسيّ، و خلّو "المسرح" لممثّلي "الفوضى" القاهرة.

- و الثّاني : و بحكم تضخّم "الفوضى" نفسها و تناقضاتها الدّاخليّة و تبايناتها على الطّرق الكفيلة بالإمعان المتزايد في ترسيخها، و بحكم توتّر "طاقاتها" المتزايدة، و اعتلاء فئاتها بتنظيمٍ كطبقات متناضدةٍ، و أخيراً بحكم الطّموح "المسوّغ" ذاتيّاً و داخليّاً في "المنظومة" نفسها.. للأشخاص و العصابات و الجماعات الأكثر نفوذاً فيها و الأكثر ثراءً و الأكثر دهاءً.. فإنّ قانون الضّغط التّركيبيّ و البنيويّ و الهيكليّ الدّاخليّ هذا، قد يؤدّي "تلقائيّاً" إلى ظهور "دولة الظّلّ" هذه التي تعلن عن نفسها، بأدواتها العنيفة.

من منافسة "الدّولة" إلى "احتلالها" الدّاخليّ في المجتمع و بعض المؤسّسات، إلى التّعبير "الضّروري" عن كلّ ذلك في "السّياسيّ"، يتحوّل الطّموحُ المستتِر إلى طموح معلن في تحدّي "المشروعيّة".

فالمشروعيّة التي هي "الدّولة"، هي في مواجهة مباشرة مع "المشروعيّة" الجديدة، و تُستعاد حكمة "القوّة" التي انقسمت.. مع "دولة الظّلّ"، فإذا بنا أمام اختبارٍ تاريخيّ لشرعيّة "الدولة" و فلسفتها في المواجهة التي انقادتْ إليها على الرّغم منها و دون خيار.

هكذا تحدثُ "العامّيّات" التّاريخيّة (أو العوامّيّات) المسّماة بالثّورات. و لقد انطلقت "الثّورة"(!!) في سورية، و نحن- جميعاً- لا نزال قيد الاختبار..!؟

باختصارٍ أخير.. لا شيءَ يدعو الدّولة إلى "المساومات" التّاريخيّة، و لا شيء يهدّد "الدّولة"، كما تفعل "الفوضى" كسبب لهذا و ذاك.

***

فعقب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

بسلاسلك تتعارك الفوضى مع أبجديات التحليل فتخرج نجمة باحثةً عن رفيقاتها في سماءٍ يريدونها خاوية كي تشعر بالوحشة و لكنها سرعان ما تصل سلسلة نجوم سلاسلك لتكمل بهاء الفكر في كل سماء للاستقرار...

يقول أينشتاين:  "انا لا أعرف السلاح الذي سيستخدمه الإنسان في الحرب العالمية الثالثة لكني أعرف انه سيستخدم العصا و الحجر في الحرب العالمية الرابعة!"

و لا نعرف هنا هل غلبت فوضى اللاهوت المنتظمة أم انتظامه الفوضوي على نسبية أينشتاين أم أن أينشتاين رفع النسبية إلى السماء السابعة لتسجد تحت عرش المصاحف مجردة البشرية من أقلامها و مجردة الصحف من كلماتها و كأنها تقول صراحة :
إن فوضى الحقيقة رفعت الأقلام و جعلت الصحف تجف و سترفع كذلك بالفوضى نفسها نزعة السلاح التدميرية و ماهيته بتحويل السلاح الفتاك القائم على أشد نزعات الفوضى و القتل و التدمير إلى خردة لا تغني و لا تسمن من جوع إلى هذه الفوضى و ذاك التدمير في الأرض!

و الفردية المنهجية التي تقضي على سطور النظام و الاستقرار الستاتيكي بشكل غير منظم لا بدّ من تحويلها إلى فعل جماعي منتظم أو دحض منهجيتها و ديناميتها كي تأخذ منهجية جديدة ترفع راية التنظيم الفرداني المتحرك و التحرك المنتظم الفرداني

و هنا لا نريد الستاتيكية المفرطة و لكننا في نفس الوقت لا نريد الدينامية التي تقتل السكون كي تخلق فوضى و بعثرة تعصف بكل نظام حقيقي للستاتيكية و الدينامية!
نعم سقطت لغة التنظيم عندما جعلوه كرؤى دينية تعصف بهوية الفكر الذي يعطي الدولة مفهوم التماهي المنتظم مع القوانين ببعثرتها و فوضاها قبل تنظيمها.
و هذا ما دعا الدولة إلى الانقلاب الدستوري كل فترة من ظنون الصواب المؤسساتي الأمر الذي أعاد كل جينات الارتباط الداخلي و الخارجي إلى بعثرتها الأولى كي تعيد ارتباطها الدستوري ما بين الأرض و الشعب و ما بين الشعب و الحكومة و ما بين الحكومة و تعاريف أو عناوين أنظمتها التي تتماهى مع الإسقاط الواقعي قبل المتخيّل و الداخلي قبل الخارجي و الفردي قبل الجماعي و الجماعي قبل الفردي و الأنثوي قبل الذكوري.
و كل هذا لم يغنِ الدولة عن مواجهة فوضاها قبل فوضى محاربيها و نظامها قبل نظام حلفائها و المؤيدين لها في الخارج و الداخل!

نعم إن الفوضى التي لا تخلق من نظام لن تكون بديلاً ناجعاً لمأسسة الدولة بفوضاها النابعة من سلسلة حركتها الداخلية.
و على ذلك بدأ الباحثون في تعريف الفوضى بوصفها أنها استقرار يستدعي استجلاب الهوية المبعثرة و يقتضي إعادة بعثرتها لجعل خانتها في مصب الوطنية التي لا يخنقها النظام و الاستقرار و لا تضنيها مفاهيم الدولة و المؤسسات و لا تهزها الفوضى مهما عصفت بكل أركان الوطن الذي أضاع ذات نظام تقلباته الدستورية و فقد ذات فوضى كل استقراره النسبي!

لنا بسلاسلك أن نعصف بالفوضى كل استقرار و أن نمسك الاستقرار كل فوضى تبعثر كيان الوطن دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

***

كما عقبت الشاعرة هيلانة عطا الله بالتالي:أ هيلانة عطا الله

بعد التحية لسعادة السفير المفكر الدكتور بهجت سليمان الذي نحب ونجلّ, سألامس بعض الجوانب التي وردت في دراسته المهمة لأقول:

بما أن السوسيولوجيا السياسية تُعنى بعلاقة السياسة بالمجتمع من خلال النظام السياسي والأحزاب والمنظمات الرسمية والأهلية، فإن المسؤولية تقع على هؤلاء في تحصين المجتمع من الوقوع في الفوضى خلال سيرورته الوجودية المحكومة بالحركية ـ لأن السكون موات ـ، وتأخذ هذه الحركية شكلين نقيضين:

إما رجعي، بمعنى جرّ التاريخ إلى الحاضر الراهن فيغدو مستحاثة نتوِّجها في معابدنا ونتحول إلى أمة منعزلة.

أو تقدمي، بمعنى الاستناد إلى ما يفيدنا من تاريخنا والانطلاق منه مواكبين العصر فنغدو أمة لها حضارة متجددة تسهم في الحضارة الإنسانية.

من خلال سيرورة الأمم فإنها تمرّ في محطات يمكن تسمية كل محطة منها باللحظة التاريخية.
يقول نيتشة: إن حديث الماضي هو حديث الفطنة، لا يمكنك فهمه إلا إذا صرتَ مؤولاً للحاضر ومخططاً للمستقبل، وإن الصيرورة ليس لا نهائية بل تتوقف عند لحظة زمنية لتعاود دورتها من جديد.. وهذه اللحظة قد تشهد تصادماً بين الماضي والمستقبل.

وهنا يمكنني مقاربة نظرية نيتشة مع ما يحدث في سورية لأقول:
إننا حالياً في خضم التصادم اللحظي الذي أخذ شكل الحرب، فما يحدث في سورية ليس فوضى حدثت بذاتها وإنما هي أحد أخطر تمظهرات الحروب، وهي من إسقاطات الفوضى الخلاقة التي ورَّثَتْها إدارة امبراطور شوارع الفوضى بوش الابن كفصل من فصول مشروع "الشرق الأوسط".
وبما أن هذا الفصل فشل في سورية فإنهم جاؤوا بمنفذ جديد إلى الإدارة الأمريكية وسموه "أبا حسين" زوراً وبهتاناً لينفذ فصلاً تكتيكياً يخدم الاستراتيجة ذاتها، عن طريق "ثورات الربيع العربي" على غرار ما حصل في تونس ومصر وليبيا..
وهذا الآخر فشل في سورية أيضاً، مما حدا بالصهيوـ أمريكية ـ الأطلسية ـ الإخوانية ـ الأعرابية إلى شن هذا النوع من الحروب غير التقليدية المصطلح عليها بالحرب البديلة أو الحرب بالوكالة.

إذاً نحن اليوم في لحظة الصراع بين مشروعين:

• الأول: رجعي يتمظهر بالتيارات ذات الثقافة الأحادية الانعزالية التي تدّعي بأنها خير أمة أخرجت للناس، متخذة من الجينالوجيا ذريعة للادّعاء بتحدُّرِها من نسب الرسول الأكرم، ومع احترامي لعلماء الأنساب إلا أنه لا يمكننا إغفال حقيقة اعتماده على الأحاديث والروايات المتناقلة بين الأجيال..
مع أن علم الجينات لو طبِّق عليها لاكتشفنا كم من الهجناء واللقطاء وأبناء الحرام بين ظهرانينا ..
كما لا يمكن إغفال تسيس الجينولوجيا وما ينجم عنه من تعصب عرقي وشوفونية كما لدى النازية واليهودية المتصهينة والوهابية بتفرعاتها كافةً، وهذه ارتضت أن تكون أداة للعدوان الغاشم على الوطن، وهي تمثل جزءاً من طيف واحد في المجتمع السوري.

• الثاني: تقدمي يتجلى في الدولة السورية ممثلة برئيسها الشرعي وجيشها ومؤسساتها ـ بغض النظر عن وجود الفساد فيها لأنه ليس من محاور بحثنا ـ، وأيضاً بالكتلة الشعبية التي تمثل أطياف معظم السوريين، هؤلاء الذين يتعاملون مع لحظتهم التاريخية ببسالة فكرية ونقاء روحي وتنوع ثقافي وجرأة ميدانية منقطعة النظير، وبالتالي هم المعول عليهم في التأسيس الجديد للقيم بما يتمتعون به من "إرادة الاقتدار" على حد تعبير نيتشة.

وأختم: إن الخارج من لحظة الصدام منتصراً هو الذي سيمسك بناصية الصيرورة وليس السيرورة لأنها من طبيعة الأشياء، في حين الصيرورة تصنعها الأمم الحية، ولوحة الانتصار السوري بدأت تأخذ معالمها النهائية لتصنع مستقبل الوطن، والمنطقة، ولتكون نقطة ارتكاز ينطلق منها النظام العالمي الجديد للقرن الحادي والعشرين.

ونحن على يقين أن الصراع لن ينتهي بل ربما سيأخذ أشكالاً جديدة، وبالتالي علينا أن نستفيد من تجاربنا الأليمة ومواطن الخلل التي سادت فينا، وأن نعمل على تدريب مهاراتنا للتعامل مع هذا الجديد.

***

كما كان للدكتورة رشا شعبان التعقيب الآتي:أ رشا شعبان

كل الشكر و الإجلال دكتورنا الغالي لتلك الموضوعات و القضايا التي تمنحنا إياها، لتحفيز عقولنا و إثارتها للبحث و التدقيق و التحليل.

نعم و بكل تأكيد أن من أخطر المقولات و النظم التي تمّ الإشتغال عليها هي مقولة "الفوضى الخلّاقة" و التي تمّ تقديمها أمريكياََ بدعوى إعادة إنتاج للدول بهدف التغيير و التطوير الوهمي و الإيهامي و التي كانت تهدف إلى التدمير الممنهج و المنظّم لتلك الدول سياسياََ و اجتماعياََ و فكرياََ و إنسانياََ و أخلاقياََ.

إن الفوضى ليست وليدة الصدفة، بل هي عمل مخطّط بمنهجية و برامج منظّمة، تخلق الفوضى في الواقع مدّعية التوجه نحو الأفضل، و أنها صيرورة واجبة للإنتقال إلى عالم التحضّر و التفوّق و الصلاح.

إنها تستهدف العقول و أنماط التفكير و التوجهات الاجتماعية و السياسية و الثقافية لتسود الفوضى بديلاََ عن النظام و الدولة و سيادة القانون في كل مكان و في كل ركن ذاتي وعام، و ليتم بعدها لملمة كل الخراب و الدمار الناتج، لإعلان الدولة و المجتمع الجديد الذي تمّ رسمه و فق مصالح و أهداف تنسجم مع العدو الأمريكي.
ا
لفوضى هي تعيين قانون القوة بوصفه بديلاََ عن قوة القانون.

نعم قانون القوة المدمّر و العبثي، و الذي يؤسس لمبدأ البقاء للأقوى و ليس للأصلح، و هنا يستحيل مفهوم "القوة" إلى مفهوم "العنف".

نعم الفوضى هي العنف الموجّه ضد النظام الأخلاقي و الإجتماعي و الإنساني و الاقتصادي.

إنها الإعتداء الممنهج و المنظّم على القانون و الحق و العدل.

إنها انتصار ل البعض اللا أخلاقي، على الكل الأخلاقي، عندما يستحيل الإنحراف قانوناََ، و القانون إنحرافاََ.

إنها تعيين للإضمحلال في التمايز و التفاضل بين "القوة" و "العنف"، حيث يصبح كل منهما رديفاََ للآخر، بل هو ذاته.

ف القوة قرينة الحق و العدل و السلطة، و لمّا لا تبقى كذلك تنتهي القوة مسلوبة من كل مشروعية، لأن صلتها بالتشريع العقلي هوَت، و علاقتها ب سلطة القانون انعدمت.

ف الفوضى هي أن يصير العنف مشروعاََ، و يستحيل ما لا صلة له بالعقل معقولاََ، و تنتهي الغايات تبريراََ لأسوأ الوسائل، إنها التبرير بما ليس له علاقة، بذريعة زوايا النظر، و اختلاف المواقف، و نسبية تقدير منزلة الحقيقة، و تعيين موقع الحق.

و الدولة مسؤولة في تحصيل "القوة" ضد الفوضى، وتلك المسؤولية نابعة من اكتمال المواطنة، و ذلك مشروط بتوفير الضمان الكافي لإقصاء العنف الصادر عن قصور المواطن في المواطنة و داء الفوضى الناتج.

إن الفوضى هي حرب الكل ضد الكل، و تشريع قانون البقاء ل الأقوى، و الخلط الإعتباطي بين الأقوى و الأصلح، و تعيين العنف بدل القوة.

و لا شك أن المصلحة العامة المتجسدة في الدولة تقتضي تحقيق الأمن و السلام و الحق و العدل..
و التهاون و التراخي في تحقيق ذلك، هو استهتار بوجود و كينونة الدولة من ذاتها لذاتها.

و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن عنف الأفراد في الفوضى يتراجع أمام قوة الدولة في قدرتها على إقامة هذا التماهي العجيب بين الإرادة العامة و الإرادات الفردية.

و من الأهمية بمكان التأكيد أيضاََ، أن أخطر عدو للحرية هو تلك المحاولة في زج مفهوم "الحرية" في "الفوضى"، و استعمال حقّانية الحرية في تجييش قطيعية "الفوضى".

وهذا ما هدف إلى تحويل حرية الفرد إلى طغيان غرائزي جامح و لا أخلاقي بل و مضاد للإنسانية بامتياز.

إن الحق لا يتأسس على الفوضى ، بل على قوة النظام، بوصفه القانون الضروري و الوضعي لمقاومة الأهواء و العواطف و الانفعالات. تلك القوة التي تتغلب على ماهو أناني فردي.

لقد نصّبت الفوضى ذاتها ، بوصفها الكابح و المُعيق، لاستحالة كل إلزام أخلاقي و اجتماعي و سياسي، إلى إلتزام، إنها الحرب المضادة للإلزام في صيرورته ليتعيّن إلتزاماََ.

و أخيراََ، لا بدّ لنا من التأكيد مرة أخرى، أن الفوضوية هي حرب معلنة على الحرية و الصيرورة الإنسانية بامتياز.

كل الشكر و المحبة و التقدير لك حكيمنا الرائع و دكتورنا الراقي.
و أتمنى أنني تمكنت من محاورة أفكار البحث الغنية، بما يتطلبه هدف البحث.

 

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود