كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مسرحية عطر.. سيمفونية الموت: الإغراق في الرمزية و المبالغة في الجرأة

كتب يحيى زيدو

تُعرض حالياً على خشبة المسرح القومي في طرطوس مسرحية (عطر سيمفونية الموت) من إعداد و إخراج: المخرج نضال حمود.
يتكئ العمل على أجواء مسرحية (جريمة في جزيرة الماعز) للكاتب الإيطالي (أوجو بيتي)، لينفتح منها على عوالم انسانية تعاني التهميش و العزلة.
المكان: جزيرة بحرية معزولة، فيها خمسة نساء يعشن حياتهن الرتيبة وفق نطام وضعته الأرملة (عطر) بعد وفاة زوجها. هؤلاء النسوة (ثلاثة شقيقات و زوجة و ابنة) ألفن حياتهن، و عزلتهن، و تهويماتهن التي وجدن أنفسهن فيها في حالة من الترك و الإهمال بعد وفاة الرجل الوحيد في العائلة. لم يعدن يرين شيئاً في الجزيرة سوى (الرياح و صوت الماعز). و في الجزيرة رجل وحيد عنين يقوم بأعمال الخدمة، و مع أنه (لا يصلح للخدمة) فهؤلاء النسوة جميعاً يعشقنه، و يتبعنه كظله.
فجأة يأتي شاب إلى الجزيرة، كان زميلاً للشاعر في السجن، و قد سمع منه عن (عطر) ما ألهب خياله، و جعله يتعلق بها، فيقرر الحصول عليها كحياةٍ تعوضه عن سنوات السجن. لذا يتوجه إلى الجزيرة فور خروجه من السجن ليحصل على (عطر).
و مع وصوله يتغير كل شيء في الجزيرة، و يتخرب النظام القديم الذي كانت النساء قد اعتدن عليه. تظهر (الأنا) عند كل امرأة منهن لتبحث عن عطرها الخاص، و عن معنى جديد للحب، و للضوء، و للحياة، و للراحة، و للموت، و للخلود.. معنى يقتل التهميش، و العزلة، و العتمة، و التهويمات التي كانت عصية على التحقق.
في بحث كلٍ منهن عن عطرها، يتعرضن جميعاً للاغتصاب، و المعاناة من قبل الشاب الوافد إليهن. كلّ منهنَّ تُغتصب بطريقة مختلفة.. لكنهن جميعاً يقعن في غواية الشاب و سطوته في ترجمة لمتلازمة (استوكهولم) حين تعشق الضحية جلادها. و يبلغ هذا العشق ذروته حين تقرر الابنة استعادة النظام القديم فيتحول العشق لها و لسطوتها، غير أنها تتعرض للوشاية من باقي النساء، فيقوم الشاب باغتصابها فوق قبر أبيها، ليتشابه مصيرها مع مصير باقي النساء الأخريات.
يبرر الشاب ساديته بالقول: «الرجل هو الرجل، فاسد بطبيعته، و هو مجبر على ذلك بحكم تكوينه، و مضطر للخيانة..»، إنها طبيعة حيوانية تقابلها طبيعة مماثلة عند المرأة التي تتبع شهوتها.
أن تخلق عطرك الخاص لأنك مختنق بعطر المكان، هذا ثمنه كبير.
لقد نجح المخرج في إبراز الصراع و التضاد بين الثنائيات المتقابلة:ضوء /عتمة، حب/كره، معرفة/جهل.. و عبَّر عن ذلك بأصوات عالية، و صرخات قوية، و موسيقى متواترة طيلة العرض، و حركات رتيبة بطيئة مقصودة للممثلات، و حوارات قصيرة بجملٍ مقتصبة مليئة بالبوح المقموع. كل ذلك أوجد مشهدية يصعب فيها تمييز معاني الصرخة، هل هي صرخة حب، فجيعة، رغبة، حياة، موت.. أم هي كل ذلك معاً؟!
الإضاءة و الديكور أعطياه العمل بعداً آخر، فقد استثمر المخرج كل هذه العناصر بشكل جيد.
وسط المسرح بدا خالٍ معظم الوقت ليتم التركيز على الهامش.. أليس المكان و الأشخاص هنا هامشيون؟ و بالتالي فإن فعاليتهم يجب أن تبقى في الهامش، و لا تقترب من المتن الذي يشهد صراع نظام قيمٍ يموت ليتخلق مكانه نظام قيمٍ جديد.
حين يمتلئ وسط المسرح و عمقه يكون مشهد الصراع قد بلغ ذروته.. فينهض الشاعر من قبره ليبشر بالخلود من خلال استمرار الصراع بين نظامي قيم كل منهما (مازال يتنفس.. مازال قلبه ينبض).
أداء الممثلين كان على درجة عالية من الإتقان، و إن شاب هذا الأداء بعض المبالغة في الأصوات العالية، و الصراخ، و حركات الجسد، غير أن ما يشفع لهم هو أن معظمهم يقف على خشبة المسرح للمرة الأولى.
لكن الإضافة الحقيقة للعمل كانت في أداء الممثل المخضرم (نصر مغامس) الذي أدى دور الشاعر بكثير من الاحترافية بعيداً عن المبالغة أو الاستعراض.
ربما كانت هناك بعض الملاحظات التي تبقى وجهة نطر لا تقلل من قيمة و أهمية العمل، مثل التكثيف و المبالغة في تحميل النص رموزاً ترهق المتلقي في تفكيك دلالاتها، و المبالغة بالصراخ، و الحوارات الحادة، أو الحركات الجسدية على الخشبة، و كذلك الاستخدام المتواصل للموسيقى طيلة مدة العرض فقد كانت غير ضرورية في بعض المشاهد، بالإضافة إلى مدة العرض الطويلة نسبياً و التي كان من الممكن اختصارها. لكن هذه كلها تبقى اقتراحات جمالية أرادها المخرج، و من حق الآخرين رؤية اقتراحات أخرى بديلة.
العمل، كما يشير الإعلان عنه، مخصص للكبار، و الواقع أن كثيراً من العائلات اصطحبت أطفالها إلى العرض. فهو عمل للنخبة و ليس للبالغين، النخبة التي لديها فهم لدور المسرح و رسالته التنويرية، و بالتالي هو ليس موجهاً للفئات الشعبية التي تعتبر المسرح نوعاً من الفرجة للتسلية و المتعة. و هذا ما يفسر بعض الاعتراضات بكلمات غير لائقة لبعض الذين حضروا العرض.
و السؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا العمل:
هل إن مثل هذه الأعمال النخبوية قادرة على التأثير لتكريس وعي فني و جمالي بالفن عموماً، و بالمسرح و رسالته خصوصاً، في زمن التوجه نحو ثقافة الاستهلاك الرخيصة التي تشيء الانسان و تتقيأه سلعة في السوق؟!
...........
*(عطر.. سيمفونية الموت) من تمثيل: نصر مغامس، إيفان نابلسي،مصطفى سليم، إيناس أحمد، ريم محفوض، مارلين خليل، شذا حسن، حنين خليل.
إعداد و إخراج: نضال حمود.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود