كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

آخر القطوف من كتاب الذكريات "الحنظل والرحيق"

علي كنعان

آخر القطوف من كتاب الذكريات قبل معرض أبوظبي الدولي للكتاب، وهو بعنوان "الحنظل والرحيق" من منشورات "دار التكوين" للشاعر سامي أحمد:
** أود هنا أن أقدم لمحات خاطفة من بعض سهراتنا وتنوع أسمارنا في دمشق. لفيف من الأصحاب الأصفياء، أذكر منهم على سبيل المثال: د. محمد محفل، فاتح المدرس، د. مازن علوش، علي الجندي، ممدوح عدوان، د. نزار العاني، حسيب كيالي، عبد الرحمن الحلبي، برهان بخاري، سامي عطفة، شوقي بغدادي، خيري الذهبي، هاني الحاج، محمد حذيفي، وفيق خنسة، هاني الراهب، د. نزار بريك هنيدي، عبد القادر الحصني، المهندس فايز فوق العادة، حسن بلال، حسين منصور، مرشد أحمد، دياب عيد، طارق حريب، وأحيانا الدكتور محمد الخطيب خلال زياراته قادما من عمله بالمنظمة الدولية في جنيف. كانت تضمنا مجالس مختلفة أو لقاءات في أوقات متباعدة في البيوت أو المكاتب، أو بحكم المصادفة في كثير من الأحيان. وهناك مجالس لا يزيد عددها عن خمسة، كانت تتكرر أكثر من غيرها، ومنها لقاءات عدد محدود من الأصدقاء في منزل ممدوح عدوان، أو منزل د. نزار العاني، ولقاءات مماثلة في منزل د. مازن علوش. ولقاء آخر، مع الصديق عبد الرحمن الحلبي في بيته، أو في مكتب الصديق سامي (أبو أحمد)، في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. وكانت أحاديثنا تدور في حقول شتى. كان سامي من رواد القصة القصيرة، وله دراسات في الفكر والرواية والمسرح. أما الناقد الحلبي (أبووائل) فهو من أنشط الأدباء في دمشق وأكثرهم حيوية، كما أنه يمتاز بإعداد برنامج أدبي جماهيري بعنوان "كاتب وموقف"، استمر أكثر من أربعين سنة وغطى إبداعات أكثر من جيل، لكن خرتيتا إعلاميا أوقفه قبل بضع سنوات.
كانت اللقاءات أحيانا لا تزيد عن زيارة قصيرة للسلام والاطمئنان وتأكيد المودة، ومن هؤلاء الأصدقاء: حسين منصور، عبد القادر الحصني، محمد حذيفي، حيث كانت تضمنا مكاتبهم فرادى أو بصحبة آخرين. أما زيارة الأصدقاء طارق حريب، ومرشد أحمد، ودياب عيد، فكانت بيوتهم أيكة دافئة للسهر والمؤانسة.
** لقاءات علي الجندي تميزت بنكهة خاصة، ولا سيما في سهراته الممتعة مع ممدوح عدوان، شعرا وخمرا وسياسة ومغامرات في العشق والمعارك الأدبية؛ وغالبا ما كانت السهرة ثلاثية، أو رباعية بحضور وديع اسمندر. وأبهى ما كان يمتاز به وديع أنه تحدى الشعراء، فكان يحفظ قصصه ليلقيها في أمسياتنا، كما كنا نحفظ قصائدنا. وكانت لقاءاتنا أحيانا بوجود ضيوف دمشق من الشعراء العرب. أما لقاء برهان بخاري ومشروعه في التراث المحمدي الأصيل (إسلام بلا مذاهب) فقد حال السفر دون استكماله. لكن ملتقى المهندس فوق العادة، رئيس الجمعية الكونية، فهو اللقاء العلمي الوحيد، وكان يدور حول شؤون الفضاء، خلافا للمجالس الأخرى التي تحتفي بالأدب وشجونه. وفي شرفة الشاعر شوقي بغدادي المطلة على ملعب الجلاء، كانت لنا أيضا سهرات أدبية عديدة، كما كان مسكن هاني الراهب في دمر يضم بعض الأصدقاء، في مواعيد متباعدة. وكانت تجمعنا أماكن مختلفة مع د. محفل وكيالي. لكني لا أذكر أي لقاء ضم أكثر من خمسة أصدقاء، باستثناء ندوة الجمعية الكونية. والشاعر نجيب سرور، خلال وجوده في دمشق، كان من محبي التجوال مع سعد الله ونوس، بين شوارع الروضة والصالحية وأبورمانة. وكم أتذكر بغبطة روحية بعض تلك الجولات المسائية، وبخاصة يوم قرأ مقاطع من قصيدته "التراجيديا الإنسانية"، بصوته المسرحي المؤثر:
حياتنا قصيرة قصيرة وواحدة/ وكم تكون حلوة لو أنها تعاشم
لكننا نموت مرتين/ لأننا نعيش أشقياء...
** المديرية العامة لهيئة الإذاعة والتلفزيون شهدت العديد من المسؤولين، لكن الصديق العزيز فؤاد بلاط ينفرد بمبادرة ثقافية متميزة لم تخطر لأحد غيره، إذ كان بين حين وآخر يستضيف علَماً كبيرا في الفكر أو الشعر، ومن هؤلاء الأعلام الكبار أذكر الشاعر عمر أبو ريشة، والمفكر الفرنسي روجيه غارودي. أبو ريشة أبدع في كل قصيدة عبقرية الختام المدهشة. ولقد شغلني طويلا ذلك التشابه الكبير بين قوله المبكر:
إن تهتكي سرَّ السراب وجدته حلمَ الرمالِ الهاجعاتِ على الظما
وقول بدوي الجبل بعد ذلك:
وألمح في السرابِ مُنى شهيدٍ تخيَّل في الوغى الماءَ القَراحا
ولما سألته عن ذلك، ولم يكن سؤالي بريئا، أكد لي الشاعر الجليل أن لكل مبدع رؤياه، نافيا عن زميله الراحل أي تأثر أو اقتباس. وفي تلك الأمسية الغالية، قال الشاعر: إن كلمة (الرحمان) في القرآن كانت ترعب الجاهلي لأنها تدل على وقت محدود، خلافا لكلمة (الرحيم). وروى ما جرى بينه وبين الشيخ كفتارو، فقد دخل الشيخ إلى المجلس والشاعر في مستهل حديثه، فلم يسمع كفتارو إلا عبارة "أن رحمة الله محدودة في كلمة الرحمان، فقال له من الباب: "قاتلك الله!"، فأجابه عمر فورا: "اسكت، واجلس في أدبك"، ثم تابع حديثه شارحا: لنتأمل "عطشان، نعسان، تعبان.. إلخ" نرى أن كل صفة في هذه الصيغة محدودة الوقت، فمن يشرب يزول عطشه، ومن ينام ويستريح، يتخلص من نعاسه وتعبه بعد حين. أما الرحيم فهي صفة سرمدية.. وعندئذ بادر الشيخ كفتارو إلى الاعتذار من الشاعر.
أما غارودي فأحفظ عنه موقفا مبدئيا لا ينسى، ذلك أن السبب الذي دعاه للانسحاب من الحزب الشيوعي الفرنسي أنه اكتشف أن الحزب ينوب ويغني عن الأمة الفرنسية، وأن اللجنة المركزية تغني عن الحزب، وأن المكتب السياسي يغني عن اللجنة المركزية، والأمين العام للحزب يغني عن المكتب السياسي، وفي خاتمة المطاف تبين له أن الأمين العام للحزب يغني عن الأمة الفرنسية وينوب عنها كلها!

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني