في واقع النّموذج الموحي في "الثّقافة" العربيّة - الإسلاميّة.. في واقع النّموذج الموحي في "الثّقافة" العربيّة - الإسلاميّة
[الحلقة الثانية والسبعون “72“ - الجزء الثاني "2“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"]
{في واقع النّموذج الموحي في "الثّقافة" العربيّة - الإسلاميّة}
(سورية، نموذجاً تطبيقيّاً.. مختلفاً و خاصّاً)
● د . بهجت سليمان
في حديث سابق لنا على هذا، هنا، كنّا قد بحثنا في "دافعيّات" حضور و استمرار بعض الأمم و الشّعوب في منظومة المجتمعات الحيّة و الفاعلة في الإسهام الحضاريّ العالميّ المعاصر، تلك "الدّافعيّات" ذات الثّقافة المتّصلة تاريخيّاً في متوالية زمنيّة هندسيّة و تراكميّة من تعزيز "النّموذج" الموحي و الملهِم لديناميّات مجتمعات تللك الأمم، هذا "النّموذج" الذي يحتضن "ثقافة" الشّعوب في انتخابيّة كمّيّة كثيفة تتولّاها الأثنوغرافيا القوميّة (أو الوطنيّة) بالنّوعيّة الأنثروبولوجيّة الخاصّة ذات الصّفات الأثنولوجيّة العريقة المتوافقة مع حاضِرِ وعيٍ عميق بالهويّة و الانتماء المتمايزين نحو ذلك "النّموذج" المحرّك و المستحيل في النّزعة التّاريخيّة الخاصّة إلى "عادات" و "تقاليد" و "طقوس" ثقافيّة روحيّة، و خلفيّات "دافعيّة"حيّة و باعثة على العمل الهادف و التّجدّد و التّقدّم و النّماء.
و إذا كان لنا أن نعيد ما لاحظناه في "علامات" هذه الفكرة، من "إشارة"، فهو إلى أنّ وعي مقوّمات "النّموذج" البنيويّة يجب أن يدخل في "منظومة" فلسفيّة مسمّاة، أو غير ذلك، من جهة أنّها، هي، التي تجعل من النّموذج شيئاً مغايراً عن "خطاب الرّغبة" و التّمنّي؛
ذلك أنّ "الرّغبة" في المعاصرة الحضاريّة و "الشّوق" إلى "الدّور" التّاريخيّ، لا يصنعان - إذْ لا يستطيعان - بمفردهما، أسرار "الخلود" التّاريخيّ، التي تمنع الاضمحلال الشّامل و الانحدار في انزلاقاتٍ غيرِ مرتدّةٍ..، إلى الانقراض.
لقد تأكّدنا، من خلال بعض القراءات العلنيّة لحديثنا السّابق، من أنّ مجتمعنا العربيّ السّوريّ مجتمعٌ حيٌّ في أفرادٍ قادرين على وعي دور "النّموذج" الثّقافيّ الذي ساهمت "الحرب" في إدراك الحاجة إليه، إدراكاً نقديّاً؛
و لكنّنا، أيضاً، لاحظنا و تأكّدنا من أمر آخَر، ألا وهو ضعف البنية الفلسفيّة القوميّة (الوطنيّة)، و عدم تمكّن المخزون الثّقافيّ التّاريخيّ العربيّ – السّوريّ (كمثال على الثّقافة العربيّة –الإسلاميّة)، من خلق شروط و بيئة التّفكير النّقديّ العقلانيّ الكفيل بتجاوز "نزعات الأفراد الذّاتيّة" و "المزاج" و "الرّأي"، و ثقافة "مع" أو "ضدّ"..، إلخ؛
و العجز عن امتلاك الأسئلة "الإبستمولوجيّة" المناسبة التي لا تخلط بين "كيف؟" و "لماذا؟" و "ماذا؟"، و القادرة وحدها (الأسئلة المناسبة) على خلق الشّرط (الشّروط) النّقديّ المعرفيّ الذي يتضمّن "عِلِّيَّة" العقلانيّة في "المسؤوليّة" و "الإرادة".
إنّ التّدرّجيّة المعرفيّة العقلانيّة، عند "أفراد"، هي التي تمنح "المجتمعات" قيمتها الثّقافيّة العمليّة (و العمليّانيّة أو "البراغماتيّة")؛ على شرط أن تتحدّد بترتيب الأسئلة "الإبستمولوجيّة" (من: "علم المعرفة") ترتيباً "منظومويّاً" و "منطقيّاً" لازماً، على توالي أسئلة "نظريّة المعرفة" (الإبستمولوجيا) في:
(أوّلاً ) "ماذا؟"، ثم
(ثانياً) "لماذا؟"، ثمّ
(ثالثاً) "كيف؟"، ثمّ
(رابعاً) "ما الغرض؟"، ثمّ
(خامساً) "ما هي الوسيلة؟"..!
هذا ، في رأينا، هو "شرط" التّفكير النّقديّ العقلانيّ، الذي حتّمه علينا "موقعنا"، اليومَ، في "الحرب" و "السّلم"، سواءٌ بسواء، و في "حضارة" العالم، الحَادّة في أدواتها و الخارقة للطمأنينة السّياسيّة، عندما تحتّم السّياسة علينا أن نعيشها أو أن نتعلّمها أو أن نُساوِرَها بالمخيال ما قبل الحداثيّ.
إنّ تطوير "العالم" جهد إنسانيّ مشترك، و على كلّ "مجتمع"، و على كلّ "أمّة"، و على كلّ "دولة" و "شعب"، ينبغي أن يقع عبءٌ يتناسب مع الزّمان و المكان و "الموقع" و "الواجبات" و "الحقوق"؛
و قبل أن يكون لزاماً علينا - لأنّه حاجة لنا – أن نشارك "الآخرين" بناء هذه "الحضارة"، فإنّ علينا أن نتساءل "بماذا يمكن أن نشارك الآخرين؟".
إذا عدنا إلى حديثنا، في المرّة السّابقة، يمكن أن نصنّف ما قمنا به في إطار "الإجابة" على "السّؤال" الإبستمولوجيّ الأوّل من التّراتبيّة التي حدّدناها، أعلاه، في "المسؤوليّة المعرفيّة" و التي تبدأ، أوّل ما تبدأ، في سؤال: "ماذا؟" جزئيّة لم تكتمل على اعتبارنا لم نكنْ نتحرّك في حدود هذه "المسألة" بتوجّه مباشر، بوعي و إدراك العالم و التّاريخ، في "المعقوليّة" التي هي الحدّ الأدنى (و الخارجيّ) للعقلانيّة.
إنّ "الوصفيّة" التي سادت في "الخطاب" الثّقافيّ للحرب، أكّدت أمراً واضحاً، و لا يقبل "الجدل"، و هو "أنّنا" لا ندرك، و لم ندرك، بعد، "ماذا" يدور حولنا في المحلّ و في المحيط و في العالم.
لقد أسْرَفْنا كثيراً في ممارسة ذاتيّاتنا الاستعراضيّة الألمعيّة و المستبدّة ، حتّى عادت "الحرب" مناسبة للشّهرة و الإشهار و البحث على "موقع" إعلاميّ أو دور "سياسيّ" أو دور إجراميّ أو الدّخول في لعبة الحكم، و ذلك من دون أن ندركَ أنّ في كلّ هذا إنّما تكمن أنفسُ جشعة تجد في قتل الآخرين و تبدّد العالم و الإنسانيّة مناسبات للوجاهات الفاجرة التي سبقتنا إليها هيئات غريبة في حكومات هذه الحرب ، المتوالية ، و مؤسّساتها الجشعة، على رئات الضّحايا و المحرومين من تنفّس الهواء.
تقع المسؤوليّة العقلانيّة، إذاً، في الأطراف القصيّة للظّاهرة "الثّقافيّة"، اليومَ؛ و هذا أوّل جواب على سؤالٍ "كيديّ" يتردّد في القراءات العلنيّة للواقع الممزّق، حول "ماذا؟" و "لماذا؟"، و كأنّ في الأمر "معجزة" لا يمكن اكتشافها مع كلّ ما هي عليه من الوضوح في الوقاحات التّاريخيّة و الرّذيلة الواقعيّة؛
و لهذا سينحصر حديثنا في محيط هذين السّؤالين، الآن؛ الّلهم إلّا في ما سنختاره من توجّه قصديّ لإرسال و استرسال الحديث في تعميق مطلوب و مقصود.
أوّلاً - "ماذا؟":
في إطار سؤال "ماذا؟"، و ليس في إطار "الجواب" عليه، يدخل الكثيرُ من التّفسير و الشّرح و التّفصيل و التّقسيم و التّبويب. هكذا تتطلّب الشّرطيّة "المعرفيّة" لأسئلة "الإبستمولوجيا" الأساسيّة و الكبرى، على الوقائع الكبرى و الظّاهرات.
ماذا في التّاريخ؟
و ماذا في الواقع؟
و ماذا في الدّوافع؟
و ماذا في الحوافز؟
و ماذا "هنا"؟
و ماذا "هناك"؟
و ماذا في العمل؟
و ماذا في القيم؟
و ماذا في "الذّاتيّات" المجرمة؟
و ماذا في "الموضوعيّات"؟
و ماذا في "الأخلاق"؟
و ماذا في الأغراض و الأهداف؟
و ماذا في "الغايات"؟...، إلخ؛ من كلّ ما ينتمي إلى هذا الجيل "المعرفيّ" الأوّل و المبكّر..
و هنا يكون أوّل "سؤال" يريد به، صاحبه - أدرك أم لم يُدركسِيّان.. - وصفاً "حقيقيّاً"، ينتمي إلى حقيقة العالم و ليس إلى "تمثيليّات" و ادّعاءات "الفهم" و "النّباهة" الكاذبة، و القفز "القِردانيّ" على "الحبال" و الجدران و الأغصان الهشّة، و مسرحيّات الكلام و التّفاهة و السّخافة و الخواء.
نستطيع اختزال أسئلة "لماذا"، الإبستمولوجيّة، إذاً، اختزالاً إجرائيّاً و لا بدّ منه، إذا قلنا: ماذا نريد لنكون أفضل؟
و لأنّ "المعرفة" في نظريّتها، أي "الإبستمولوجيا"، ليست اقتراناً بين مجموعات و "سيستامات"، فلذلك يمكننا أن نضيف، هذه المرّة، أيضاً، شأناً معرفيّاً إلى ضرورات "النّموذج الثّقافيّ" الملهِم، نفسه، عندما سنعمل على الدّخول في الإجابة على سؤاليّ: "ماذا؟" و "لماذا؟" تردّى بنا التّاريخ العربيّ الإسلاميّ حتّى أصبحنا، كعرب و مسلمين، "مهدَّدِين"، فعلاً، بالانقراض.
ثمّة قواعدُ للثّقافة لا يمكن تجاهلها، و هي تبدو عصيّةً على الفهم، بخاصّة عندما يُنظرُ إليها كحقائق ضروريّة أو "صحيحة" أو مقدّسة؛ و لا تدخل هذه القواعد في قطيعة تاريخيّة مع سرديّتها الخاصّة، عندما لا يكون الغازي الأجنبيّ للأمة غريباً غربة "قوميّة"أو "دينيّة" عن الأمّة المستعمرَة أو عن مواطني الدّولة المعتدى عليها بالتّواطؤ و الاتّفاق و الصّمت، أو على الأقلّ بواسطة الانسجام بين مشروع الاستعمار و بين مشروع "المقاومة" لهذا الاستعمار.
إنّ هذا التّواطؤ التّاريخيّ يُسَوَّغُ بشكل أساسيّ بالانتماء الأوليّ إلى "العقيدة" الجامعة، ثمّ في هيمنة أيديولوجيا المستعمِر عندما يكون هذا المستعمِر قد ضمنَ الظّروف الأساسيّة للصّمت التّاريخيّ الشّامل، نحوه، ناهيك عن كون أنّ جزءاً غالباً من الشّعب المعتدى عليه قد تحوّل إلى "إيّاداتٍ" تحمي الاحتلال بفتاوى شرعيّة – دينيّة تعزّز دور الاحتلال و الاستعمار ضدّ أبناء طينتها، حيث تتعامل مع الاحتلال أو الاستعمار أو المعتدي على أنّه من جلدتها في مشروع انتماءٍ زائفٍ ، سياسيّاً، و أعني به المشروع الدّينيّ.
و أمّا عن "الدّولة" التّاريخيّة في مجتمعنا العربيّ السّوريّ، فلقد استطاعت، بالفعل، أن تطوّر من هذا "الدّور" التّواطئيّ التّاريخيّلتجعل منه مركزاً للتّفكير السّياسيّ "الحديث"، بعد انهيار "العثملّليّة" السّياسيّة في "الحرب العالميّة الأولى"؛ فيما ورثت الأولى من الثّانية؛ فوق ما ورثته من تفتيتٍ للخرائط بالتّعاون مع "الإنكليزيّ" و "الفرنسيّ"؛ جميع الانتقامات الثّأريّة من "الأمّة" و التي كانت في خاطر "العثمانيين" و لم يحالفها الزّمن أو "الحظ" في إنجازها التّامّ.
هنا، نحن، اشتملت نظرتنا على أكثر من أربعمئة عامٍ ميلاديٍّ من التقهقر و التّراجع و التّردّد و المؤامرة على العروبة و على الإسلام، في ما كان قد شكّل ذلك انحداراً بميلٍ عموديّ، عندما بدأت "الشّعوبيّة" تحلّ محلّ العروبة و الإسلام، منذ نهايات "العصر العبّاسيّ" في تاريخ العرب و المسلمين في أوائل القرن الثّالث عشر الميلاديّ.
لم يعد العربيّ السّوريّ أو "المسلم" يستطيع أن ينظرَ إلى نفسه خارج كونه مولوداً أبديّاً في هذه الصّحراء التي خلقتها "الإمبراطوريّة العثمانيّة" في دماغه و في كلّ شيءٍ دخلت فيه؛ هذا و قد دخلت، هي، بالفعل، في كلّ شيء.
لقد امتنع، إذاً، امتلاكنا – نحن السوريين - "النّموذج الملهم الحيّ"، الموحي بالحضارة، امتناعاً أكثر من امتناع ثقافيّ، جرّاء ما وصلت إليه الثّقافة إلى جدران مغلقة بالخطاب العثّملّليّ، الاجتماعيّ و العقائديّ و الاقتصاديّ..
- ( الذي جعل من واقع تطوّر البورجوازيّة السّوريّة، كامتدادٍ لبورجوازيّة – أو إقطاعيّة - الخلافة العربيّة الإسلاميّة أمراً مستحيلاً حيث أدخلها في الهامشيّ و المسروق سرقة مباشرة من المزارع االسّوريّ البسيط، سواء ب"التّحصيل دار"، أو بغير ذلك؛ فيما تشاركت البورجوازيّات الخليعة مع دورة الإنتاج الاقتصاديّة العثملّليّة الهزيلة في مستعمراته العربيّة بخاصّة) -
.. معزّزاً بخطاب (إبن تيميّة) الإسلاميّ، و خطاب "قضاء الله"بعدم الخروج على "السّلطان".
بعد استقلال (سورية) الحديث، الشكلي، كانت التّركة الاستعماريّة العثمانيّة – الفرنسيّة، ضخمة بحيث شكّلت دولة "سوريّةً" كاملة بجميع ما يمكن أن تكون الدّولة؛
و لقد كان اغتصاب (لواء اسكندرون) آخرُ ما أبدعته الدّولة السّوريّة المدّعية، و التي لا يجمعها مع الشّعب أيّ جامع، و لا يربطها بالجغرافيا أو التّاريخ أيّ انتماءٍ أو هويّة.
و بين فقدان هويّة المواطنة و فقدان التّجذّر بالانتماء، حرمت (سورية) فرصة أن يكون لها ذلك "النّموذج" الرّوحيّ و الثّقافيّ الملهِم، بحيث ارتبطت آخر الانقطاعات العقلانيّة بأقدم تلك الانقطاعات المجانيّة، أو بالأحرى، بأقدم تلك الانقطاعات القهريّة في التّاريخ، و التي جعلت من ماضينا ماضياً بلا أصول و بلا فروع.
ربّما كان هذا الكلام كافياً في الإجابة على احتجاجات بعض أصدقائنا أو أصدقاء الصّفحة، حول "ماذا؟" و "لماذا؟"..؛ و لكنّنا نمتلك، أيضاً، إضافات لا تخرج عن جوهر الأمر.
لا يكون ثمّة نموذجٌ مُوحٍ للأمّة ما لم يكن لها هويّتها الحقيقيّة، بحيث تشكّل هذه "الهويّة" ضمانة لوحدة الشّخصيّة القوميّة في أقسى لحظات و ظروف النّزاع على الوجود.
و يفترض الأمر، على ما هو عليه كذلك، استمراريّاتٍ تاريخيّةً للنّخبة المرجعيّة المعرفيّة من بين جميع الأصول، و التي هي، بفضل ذلك، تكون قادرة بما هي جسر ثقافيٌّ حيٌّ، أن تتبنّى القطوع التّاريخيّة الحداثيّة، إذا فهمنا كيف أنّ القطع "الإبستميّ" هو ما يحكم ثقافة العالم في مضمون النّموذج الملهِمِ الحيّ.
و يبدو، للحقيقة و الواقع، أنّ السّرديّة الثّقافيّة للأمّة التي تريد أن تثبت جدارتها بين الأمم، هي عبارة عن مجموعة من "الحداثات" المتواليّة ممّا نُسمّيه القطوع المعرفيّة و ليس من ذلك النّوع المسمّى الانقطاعات التّاريخيّة مع الذّات و مع الأصول.
و المفارقة التّاريخيّة المعيبة، هنا، هو أنّنا دخلنا بثقافتنا في جملة من العيوب الذّليلة التي أحدثت انقطاعات تاريخيّة حادّة مع البنية التّاريخيّة المعرفيّة، في ما أسمت نفسها أو أسميناها، نحن، بالحداثات..
أكاذيب و أحابيل: الثّورة العربيّة الكبرى!
اليقظة العربيّة!
التّحديث في الإسلام!
اليقظة القوميّة!
المدّ القوميّ!
الوحدة القوميّة!
حركات التّحرّر!
حقّ الشّعوب في تقرير المصير!
طريق "التّحوّل الاشتراكيّ"!
التّطوّر الّلامتكافئ لشعوب الشّرق..، إلخ، إلخ..
و لقد كان جميع ذلك ينضاف عضويّاً إلى ما نحن فيه من نفاق و رعونة سياسيّة و ثقافيّة و تجيير جميع هذا و ذاك من أجل الظّلم الاجتماعيّ و نصب العداء بين أفراد الوطن و ظهور الأحزاب الدّينيّة و الأيديولوجيّة الفارغة، و طلاء جدران أبنية المؤسّسات بالشّعارات الفاقعة.
المشكلة هي، ببساطة، أنّ الظّروف المختلفة و المتعدّدة، و في إطار ما طرحناه، أعلاه، قد صنعت "نموذجاً" حقيقيّاً و مُوحيّاً، ثقافيّاً و روحيّاً، كان كفيلاً بأسر الأمّة مع شعوبها، و أسر المجتمعات و الدّول و الأفراد؛ حيث كان على العكس تماماً (النّقيض و المضادّ و المقابل)، يوحي بالعدوان و التّناحر و الغدر و الخيانة و التّخلّف و المحدوديّة، و لا يعنيه من هذا العالم و حضارته سوى طقوسٍ تقرأ كلماتها قبل "الخيانة" و "السّرقة" و التهام كلّ شيء، لعلّ الله يكون، في هذا، هو الموفّق إلى "سواء السّبيل"..!؟
إنّ الذين يحكمون على حداثة "الدّولة الوطنيّة" السّوريّة منذ جمهوريّتها الأولى، لا يفعلون سوى أنّهم يقارنون نصف قرن من الزّمان.. بسبعة أو ثمانية قرون من الزّمن الذي كان كافياً لخلق هذا المظهر الثّقافيّ السّوريّ (مثلاً) المتلجلج بين الحقد و الجريمة و ما يلزمهما من تخلّف شامل يطال جميع البنى و المؤسّسات الاجتماعيّة منها على وجه الخصوص؛
بحيث صار النّموذج المُلهِم المقترنُ مع إشكاليّات التّأسيس الأولى، لأوّل دولة خلافة عربيّة إسلاميّة، نموذجاً حجريّاً لم يعرف شيئاً عن الثّقافة الحضاريّة المقترنة بالمعرفة و العلوم.
ثانياً – "لماذا؟":
إنّ العلاقة "الإبستميّة" بين "ماذا؟" و "لماذا؟" لا تتعدّى أن تكون استشارة معرفيّة دالّة على الرّابط أو الرّوابط الخفيّة أو غير الظّاهرة أو غير المعطاة بتكافؤ القراءة و التّفسير مع التّعليل؛ يتمّ تبادلها من قبل السّؤال الواحد نفسه في طريقه إلى "الدّلالة" المنقسمة في التّقدّم و التّأخّر في ما هي تصوغ الواقع التّمهيديّ أو الأوّليّ الذي تبني عليه "الظّاهرة" حدودها في أوجه ظاهريّاتها الوجوديّة التي لم تؤهّلها، جميعها، إلى أن تشكّل عبارة الدّلالة باستقلال.
و هذا يعني أنّ السّؤال "ماذا؟" لا يمكن تصوّره، "إبستمولوجيّاً"، في انفصال تامّ عن السّؤال الذي يستدعيه، مباشرة، و أعني به "لماذا؟"، مع العلم أنّ السّؤال "لماذا؟" هو سؤالٌ أكثرُ تقدّماً و أعظم أثراً، من سابقه، في إطار "نظريّة المعرفة"التي تتوجّه دوماً إلى ما هو أبعد من مجرّد امتلاك "المفاهيم" أو الوقوف على "الحدود".
و عندما يتعلّق السّؤال "لماذا؟"، بموانع الثّقافة المنتجة للنّموذج الرّوحيّ الثّقافيّ المُوحي الحيّ الذي يشكّل دعوة أبديّة إلى التّفوّق ،كما هو الأمر مع الأمم الحيّة على مدار التّاريخ، فإنّه لا بدّ من تدخّل تاريخ الثّقافة و تاريخ الفكر و تاريخ الفلسفة و تاريخ الأدب..، إلخ؛ في الإجابة على "السّؤال"، بحيث أنّنا نتجاوز في، الحقيقة، مضمونيّة "السّؤال" نفسه، و لكنّنا لا نخرج، في كلّ حال، عليه، في إطار الحقول التي تتداخل و تتضافر و تتنافس لتقدّم لنا تلك الإجابة التّاريخيّة الضّافية مفصّلة في قوانين و قواعد و مفردات كان لها قيمة الدّلالة في سيطرة المجرّد المتراكم في الإيحاء لإنتاج واقع مشخّص لا يموت؛
إنّ مجرّد أنْ يدفعنا السّؤال إلى موقف مناسب، فهذا يعني أنّنا نستعيد الحقائق التي أوحت إلينا بالسّؤال أو بالأسئلة التي تمتلك مفتاحيّات التّعليل و ذلك مهما بدا لنا هذا التّعليل محرجاً؛ غير أنّه لا يشكّل لنا الإحراج الثّقافيّ إلّا ذلك التّاريخ المارق الذي أسهمنا، نحن، في إنتاجه الفظيع، في إطار حضارة مبهمة و نابذة..
لقد أجرى اتّجاه التّاريخ، بمكوّناته و عفنه السّياسيّ المتراكم منذ أكثر من ألف سنة، تحويراً صريحاً على الميل التّاريخيّ الذي كان يمكن له أن يُشكّل "النّموذج" الفاعل الموحي بالتّقدّم، عندما وجدت الرّوح الشّعوبيّة التّاريخانيّة لها مرتعاً ضامناً و مريحاً في جسد الثّقافة العربيّة ذات الأصول المتّصلة مع المكان و الزّمان الخاصّين بنا كأمّة تاريخيّة، و ذلك في البنيات الأكثر إنسانيّة في التّاريخ الإسلاميّ لدينٍ منفتح على كلّ العالم، فيما كان الآخرون، غير العرب، يُقبلون من ثقافات متوحّشة لا تُضاهى بالثّقافة العربيّة الإسلاميّة؛
و عندما لاحظ "هؤلاء" إمكانيّة استثمار المتاح من الإنسانيّات الثّقافيّة للعروبة و الإسلام، عملوا – بالعكس – على الولوج في بنية الرّوحيّة العربيّة الإسلاميّة التي كانت، ساعتها، قد ارتقت و حلّقت فوق هام الزّمان، و بخاصّة في صدر الإسلام
[راجع: موريس لومبار. الإسلام في فجر عظمته]؛
كان البديل التّاريخيّ حاضراً في استثمار الحرّيّة من أجل تدمير أسس و بنيان "حضارة العرب" بكلّ ما تعنيه هذه الأخيرة بالنّسبة إلى الإسلام من جذور لا تفنى و لا تزول.
و بلا دخول في التّفاصيل المؤلمة و الّلئيمة، فقد تضافرت مع تلك المرحلة التّاريخيّة المغتالة من الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، استنباتات جديدة من العزلة الثّقافيّة العربيّة و الإسلاميّة إلى درجة أنتجت معها ذاتاً موحيّة بالتّشرذم و التّفتّت و الجهل، فيما كان من المفترض إنتاج عكس ذلك كلّه، في بيئة لم تبخل بعبقريّات الرّجال و الأفكار منذ الدّعوة المحمّديّة حتى حينه؛ و هذا على الأقلّ.
في ما بعد، بدأ التّآكل الذّاتيّ الدّاخليّ للثّقافة العربيّة الإسلاميّة بفعل قوانين الحطام المتجذرة في سباكة واعية و صياغة مقصودة و تخريب منظّم اجتمعت إليه "التّارات" الزّمنيّة في هيئة دعاوى دينيّة مزيّفة، هنا و هناك، و انقضّت على مفاعيل ثقافة العرب، لتلتقي، سريعاً، بالمشاريع العسكريّة النّاقمة القادمة من أقاصي شرق العالم إلى بغداد و دمشق و أماكن أخرى شكّلت قبساً من نور السّماء في الأرض، إلّا أنّها سرعان ما انطفأت كشهاب ساطع يحمل موته في أقصى لحظات إضاءته للعالم المظلم و الموحش و الوحشيّ الذي كان و ما يزال.
ما إن يُدرك الوعي المشكلة، حتّى يكون قد قطع الكثير من الطّريق نحو استحداث معالم العالم؛
و ما إن يجري تشخيص المرض، حتّى يمكن لنا أن نعتبر أنفسنا قد دخلنا في حقول العلاج!
ثالثاً – توجّهات و توجيهات:
لقد تنازع العربَ المسلمين نزعتان في الاستيحاء التّاريخي الأخير في التّكوّن الثّقافيّ باتّجاه حضارة "الإسلام" التي أوقدت على الكرة الأرضيّة معالم نورها الذي لا ينطفئ.
حلّت النّزعة السّياسيّة الضّيّقة، مبكّراً، محل التّوجّه العالميّ الذي بشّر به دين النّبيّ محمّد و رسالته على الأرض.
ليس صحيحاً ما يقوله البعض الخائر تحت أحقاده السّياسيّة التّكوينيّة و "العضويّة"(!) من أنّ انقسام "الفكرة" في "الإسلام" قد جاء مؤخّراً جدّا، بحيث أُحيل هذا الانقسام بإسقاطات زمانيّة معاصرة أو حديثة، على ماضٍ نقيّ و شريف و عفيف؛
و هذا ما نعتبره، نحن، موقفاً إنشائيّاً و مُخادِعاً، بقدر ما يَصيغ التّاريخ المكرّس و "المتّفق عليه" صياغة اتّهاميّة معاصرة لأولئك الذين يخشون استعادة التّاريخ استعادة مشوّهة، و يفضّلون أن يتمسّكوا بالحقائق التّاريخيّة لفضح زيفها و تشريحها باستمرار بدلاً من التّستّر عليها و إنتاجها بالسّلوك و الاعتقاد و المبادئ ، في كل لحظة ، من جديد.
إنّ مفهوم "التّسنّن" و "التّشيّع" هو مفهوم و موقف قديمٌ جدّا و يعود إلى ما قبل "الدّولة الأمويّة" و "الدّولة العبّاسيّة" بزمن كثير.
يكمن هذا الموقف العدوانيّ في التّركيبة الأولى للإسلام الأوّل، منذ "الشّورى" الشكليّة، و التي أقيمت كحدٍّ "قرشيّ" ثابت، أوّلاً، ضدّ أنصار "المدينة"، ليستمرّ في تَفَرُّد "قريش" ثم في ثوابت كان لابدّ أن تُنجزَ من أجل الغلبة السّياسيّة "المتمدّنة" التي كان وراءها الصحابة الأجِلّاء (أبو بكر) و (عمر) و (عثمان)، و هلمّجرّاً.
تكشف لنا الأزمات الحضاريّة العامّة ضرورة الوقوف على شاطئ الخضمّ المباشر لمحيط "التّاريخ"، الذي تظهر في عبابه التّيارات المختلفة لمختلف الجذور الخفيّة التي كانت وراء قوّة و ضعف الأمّة التّاريخيّة، التي غدت اليومَ مصائر فاعلة خالصة تضيء على الصّوت المنبعث من أعماق التّاريخ، في أصداء ثابتة لا يمكن حذفها إلّا بصعوبات، أهمّها الانتقال من "إبستميّات" تاريخيّة إلى "إبستميّات" أخرى جديدة تمثّل تغييراً معرفيّاً كاسحاً لجميع "الثّوابت"، التي مثّلت و تمثّل "استقراراً" كذّاباً لصفات تطوّر الأمّة، التي تدّعي أنّها تمشي على جادّات الحضور العالميّ في حضارة إنسانيّة مشتركة في ثقافاتها المتعدّدة.
في تاريخنا المعروف كان علي بن أبي طالب "الخليفة الرّاشديّ"الوحيد [(656- 660م)] [(35- 40 هـ)] الذي كانت البيعة له، في "إجماع" تاريخيّ يتيم، تقريباً، عبّر عن جوهر "الدّيموقراطيّة"الخالصة في تاريخ الشّعوب على مرّ الأعلام و الأزمان؛
و لكنّه، و على رغم ذلك، لم يخلُ الأمر من عنجهيّة قرشيّة تمثّلت، آنذاك، في "أبطال" (وقيعة الجمل) التي كان ثالوثها الشّهير "أمّ المؤمنين عائشة" هي الضّلع الأوّل، أما الثّاني فهو "طلحة بن عبيد الله"، و ثالثهم "الزّبير بن العوّام"؛
"و من عجائب التّاريخ أنّ هذا الثّالوث، دأب على التّحريض على الخليفة الثّالث الأمويّ عثمان بن عفّان و التّحريض على قتله".
[خليل عبد الكريم. إلّا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب. مؤسّسة الانتشار العربيّ. بيروت – لبنان. الطّبعة الأولى – 2006م .ص(30)].
لقد بدأ النّموذج العربيّ الإسلاميّ بالتّفتّت مبكّراُ و التّهشّم تحت وطأة ثقل العنجهيّات القرشيّة، فكان أمر "التّسنّن" و "التّشيّع" أبكر، بكثير، ممّا يدّعيه بعض أصحاب القلوب الجائرة التي لا تستطيع الخروج من التّاريخ الفظّ – إن أرادت – إلّا بالتّحايُل و إعادة تأليف التّاريخ بروايات شخصّيّة تزعم أنّ ذلك من أجل التّوفيق المعاصر السّياسيّ بين "السّنّة" و "الشّيعة"، متجاهلة خطورة المواربة التي تقوم بهاو، إلى حدّ تجاهل الحقوق السّياسيّة التّاريخيّة و التي لا تُنسى أو تترك في الثّقافة بدوافع توفيقيّة أو تلفيقيّة أو مزيّفة أو بغير ذلك.
يقول "الأزهريّ" المعروف و الشّهير (خليل عبد الكريم):
إنّ "سرّ العداء نحو "الطّالبيين" في القديم و الحديث.. إنّما هو ما أرجّحه من أنّ جوهر السّموّ فيهم يستفزّ الآخرين – لا شعوريّاً – و يدفعهم إلى ردود الأفعال هذه.. لأنّ أصحابها يوقنون في قرارة صدورهم أنّ من المستحيل عليهم الوصول إلى القُلَّة (بضمّ القاف: و هي الذّروة أو السِّنام أو القِمّة) التي تفرّد بها "الطّالبيّون".".
[(المصدر . ص(29)].
و إذْ دخلنا هذا المُدخَل، فإنّ علينا أن نجلي حقيقة تاريخيّة كان السّكوت المفتعل عليها بمثابة الجريمة التّاريخيّة المستمرّة و العابرة للأزمان، و إلحاق الغبن بالبعض الكثير من "المسلمين" و إدخال الكثير من المجرمين في دين "الأسلام".
إنّ مجرّد تقسيم "المسلمين" إلى "سنّة" و "شيعة" هو تقسيم أخرق؛ من جهة؛ و هو تقسيمٌ موتور و مقصود و مُدرك الأبعاد و الأهداف في خلق تناحر سياسيّ تاريخيّ للمسلمين في انقسامهم على وهم خالص لا يصلح أن يكون سبباً للانقسام. كيف؟ سنوضّح مباشرة!
صار من المفهوم، حتّى الآن، كيف أنّ العرب المسلمين يمتلكون في تاريخهم السّويّ، نموذجاً من أعظم نماذج الثّقافة الرّوحيّة و الدّفع الحضاريّ الذي لا يبلى من السّنين.
و من هذا المنطلق – و هذا هو الأخطر في ما نريد توضيحه – دأبت المؤامرة مبكّرة، سياسيّاً، على خلق النّموذج العطاليّ العربيّ الإسلاميّ في قلب النّموذج العظيم، لخلق كائنٍ صِفريِّ المحصّلاتِ المؤدّيّة إلى خلق النّموذج الفاني من الإبستميّة المنتظرة، و فوقها ، لخلق "النّموذج" المشوّه المَسخ من الجوهر المُوحي بجميع أسباب و دوافع و محرّكات الهويّة الكفيلة بخلق مشاعر الثّقة التّاريخيّة بالقوّة الكامنة في الشّعوب، ليكون بديلاً مرتَهَناً و ذليلاً من النّماذج السلبية في تاريخنا..؛ و ما حاضرنا سوى المثال الأوضح على "العرب" و على "المسلمين".
كان لنشوء كلمة "التّسنّن" و "التّشيّع"، بذاتهما، ثمّ استخدامهما العَقَديّ الذي شابه المسلّمات، أسبابٌ سياسيّة بذيئة أخفت خلفها أو وراءها نوايا شيطانيّة و "طاغوتيّة" خالصة، من أجل افتعال "الاستقطاب" التّاريخيّ الذي كان كفيلاً بتدمير نواة الإجماع على "إسلام" دينيّ واحد، و إحداث الشّرخ الرّئيس في "الإسلام" ما بين مواجهتين أو قراءتين مسلّحتين.. انقسم عليها "المسلمون" منذها إلى يوم الدّين، بواسطة قطعان التّعصّب المدّمر و الذي يُراهن أوّل ما يُراهن عليه، عندما تلجأ السّياسات إلى خلق بيئتها الاجتماعيّة و النّفسيّة و الثّقافيّة الكاذبة و المشوّهة، التي تُعتمد كخطوة أوّليّة و نهائيّة، من أجل إحداث الفصل بين مكوّن الظّاهرة الواحدة و جعلها من وجهين يدخلان في سرديّة انتباذيّة و انقساميّة إلى الأبد.
نادرون من يعرفون، و قليلون من يُدركون، و كثيرون مَن كفروا بالحقيقة فعملوا على إخفائها؛ إذ كانت أوّل مرّة استعملت فيها كلمة "السّنّة" بتفصيل و غرض سياسيين و إيضاح و وضوح تاريخيّين – و قبل أن يكون لكلمة "الشّيعة" أو "الأشياع" أيّ وجود! - عندما عُرضت "الخلافة" على (عليّ بن أبي طالب) بعد (عمر بن الخطاب) بشورى العنجهيّة القرشيّة المزيّفة، على أن يحكم "بِسُنّةِ الشّيخين أبي بكر و عمر.."؛
و كان بديهياً ، أن يرفض (عليٌّ) عرضَ السّياسة المجافي للعقيدة و الدّين و الشّرع، هذا، ليقول: "كلّا! فإنّ بين يديّ كتابَ الله و أمامي سُنّة رسول الله، و إنّما أنا أحكم بهما و كفى بهما مأمناً من الشّرّ و الزّلل و الظّلم، و نِعِمَّا يحقّقان من العدل و العدالة و الإيمان".
و كان الرّفض متوقّعاً لموقف (عليّ) من قبل "هيئة شورى المسلمين"(!)؛ فجيئ عندها بِ(عثمان) خليفة في "المسلمين" (بعد أبي بكر و عمر) إلى أن قتلوه.
و على أثر هذا "الموقف" التّاريخيّ كان أن سُمّي أتباع (عليّ) السّياسيين بِ"الرّافضة"؛ فيما سمّي أنصار الشّورى الزّائفة بِ"السّنّة" تبعاً لسنّة الشّيخين (أبو بكر) و (عمر)؛
و أمّا "أشياع" (عليّ) فقد كانوا قد سُمّوا قبل هذا بكثير بِ"الطّالبيين"، ثمّ تداخلت تسمية "الرّوافض"، بعد هذه الحادثة المعروفة في تاريخ الإسلام المبكّر، بالطّالبيين و ظهرت مبكّراً تسمية "أشياع عليّ"، أي مُريدوه؛
كما استقرّت تسميّة "سنّة الشّيخين"، و أي من هو على وفاق مع حكميهما و سياستيهما، و اختصاراً اختزلت إلى "السّنّة"، في ما جرى بعد ذلك من الزّمان السّياسيّ، ما حمّل كلمة "السّنّة" مضموناً غير تاريخيّ، أي "السّنّة" المحمّديّة في مواجهة "شيعة عليّ" و كأنّ الأمر هو الإيحاء بأنّ "شيعة عليّ" يرفضون "سنّة النبيّ محمّد"؛
و واضح طبعاً تجيير الرّواية إلى ادّعاء السّياسة غير الواقعيّة، كما هو واضح تزوير الحقيقة التّاريخيّة، من جهة، و قبولها من قبل بعض "المتّهمين" فيها، قبولاً سياسيّاً كاذباً..، من جهة أخرى؛
و واضح و صريحٌ هذا التشويه التّاريخيّ المسنون، كما هو واضح "التزييف" في "المحمول"؛
و بخاصّة أنّ "السّنّة" (السّياسيّة) هم أتباع "سنّة محمّد"؛
و هذا زيف سياسيّ تاريخيّ كما رأينا في أصل التّسمية، كما أنّه حمولة مزيّفة للنّعت الزّمنيّ للقضيّة و حكمها، فيما كان أتباع سنّة "الشّيخين" قد ناصبوا "عليّاً" و "الطّالبيين" معه، و أشياعه (شيعته) و مريديه..، العداء..؛
و هذا هو الجزء الأكثر "واقعيّة" و سُخفاً في هذه الرّواية التّاريخيّة و في التّاريخ الذي حلّ نظريّاً محلّ حقائق الواقع و المقول.
ربّما من الحقّ و الحقيقة التّساؤل على مدى الزّيوف التي يدخلها "الخطاب" السّياسيّ التّاريخيّ، و على أيّ مدى يستطيع الخطاب الثّقافيّ – السّياسيّ (و الأيديولوجيّ) أن يشكّل البديل الأعمّ في السّياسة؛
و لكنّنا ما إن نذكر علاقة الثّقافيّ بالسّياسيّ حتّى نفهمَ كيف يُذعن كلّ من "الاجتماعيّ" و "الثّقافيّ" إلى "السّياسيّ"، و كيف يلتهم "السّياسيّ"، بوصفه "القويَّ" أو "العنيف"، سائر مظاهر الخطاب الأخرى، لكي يقوم هو بهذا الدّور الإشكاليّ و عدم الواضح، من إخفاقات عالميّة ثقافيّة و حضاريّة وجدانيّة، ترتكز كثيراً على ظاهريّات الأخلاق و الوجدان، و لو كانت لا تعبأ بهما مباشرة أو ترمي إليهما رماية مستقيمة.
الهامّ في الموضوع هو في إعادة احتراسنا، كما نعبّر دائماً، من المصطلحات و المفاهيم و المضامين و فحص مطابقة المفاعيل.
و بدلاً من أن ننقل ، معنا ، في مسيرة تاريخنا العربيّ الإسلاميّ، ِخلالَنَا الموحية و القويّة و الباقية، النّظريّة منها و العمليّة؛
صار من "التّقليد" النّظريّ الموحي في تاريخنا الحقيقيّ، أو الحقائقيّ، و النّموذج، هو تشبّثنا بخيبتنا الثّقافيّة التّاريخيّة، مع مثقّفينا، و نقل اتّهاماتنا الذّاتيّة الموجّهة ضدّنا، لنُدخِلَ في سايكولوجيا التّرتيب الزّمانيّ فينا و في الأجيال التي مهّدنا لها و ابتنيناها ثقافيّاً، من جديد، ضِعَتَنا و دونيّاتنا..
فيما راح البعضُ يتبع أقصى الوهم المعكوس في الشّعاع، لإدخال الأجيال الجديدة في درسٍ جديد تاريخيّاً من الوهم الأفدح، و الذي يُخزّن أوهام الدّين الإسلاميّ كبديل حضاريّ كاذب و عاجز و مزيّف، كما هو الأمر قد درج عليه في سياسة "المعارف الدّينيّة" في الصّفوف المدرسيّة الإبتدائيّة و الإعداديّة و المتوسّطة ، و في ما يمتد منها إلى خرافات معارف و تعاليم الأوقاف الدّينيّة و برنامجها المتهالك في سورية، و حتّى في الفتاوى الهزيلة التي سادت إلى حين سابق من هنا.. في دعاوى "الأوقاف" الفارغة الأخرى التي حجزت علينا، في المجتمع و الدّولة، الاتّجاهات الحرّة في طريقة التّفكير السّوريّ الآدميّ السّويّ و السّليم.
من مطلق الأشياء المناسبة، بل و الضّروريّة، اليومَ، أن يكون لنا، مع سائر الفكر التّحرّريّ العالميّ، تقاربات و قرابات علنيّة، غير سرّيّة، فلسفيّاً و سياسيّاً، في الوقوف على النّزعات الحيّة في النّماذج الثّقافيّة و الرّوحيّة العالميّة، في الأمم التي تغلّبت على عدوانات الزّمان و اختباراتها الكيديّة الغاشمة، و استمرّت في نماذجها المستحدثة الحيّة و المعاصرة، فاستطاعت عبرها مُكَاوَنَةَ (من كينونة التّزامن) النّماذج المتفوّقة من أساطير أو من حقائق العلم و العالم السّياسيّة في "كوسموبوليتيَا" (cosmopolite) تختصر على "التّحدّي" العالميّ الكاذب.. عناءَ عفافاتِ هذا العالم المُدبَّرِ الصّغير..!؟
إنّه، إذاً، ليس هنالك من "تحدٍّ"..، تماماً كما أنّه ليس هنالك من "عفاف"..! و هذا ما هو بعضُ "السّياسة" في عالمنا، اليوم!
ليس من المفترض، بعد اليومَ.. أن نبحث، في سورية – في ما لا يكون، و لا يمكن أن يكون – كأمّة وقوميّة و دولة، على موقعٍ هامشيٍّ يقينا "شرور" المواجهة و الحضور، في الحياد؛
هذا مع العلم أنّه ليس لسوريةالآن، أن تختبئ خلف الشّجرة، (كما يُقال)، في غابات هذا العالم الواسع الكثيف.
لقد أحرزنا في سورية، سياسيّاً و ثقافيّاً، نموذجنا المعاصر، على رغم مخاطر هذا الشّكل من الطّرح "المعرفيّ" العصيّ و الصّعب.
و الأفضل أن نقول إنّنا قد تفوّقنا على ذاتنا المتواضعة في سلّم الحضارة المعاصرة التي تختلط فيها الحقائق مع الوقائع مع الدّهشة و الإدهاش و العُجْبِ و العَجَبِ و الأعاجيب، و بفضل عمقنا التّاريخيّ كنموذج حضاريّ ليس له أن يُقفَلَ على نهاية أو خاتمة، و بفضل حنكةِ رجلٍ، قائدٍ، عملاق، و مختلف، هو أسد بلاد الشّام.
ليس ما نقوله، على الحصر، هنا، إنشاءً أو خطابة..، إلخ؛
بل إنّنا نقول ما يودّ الجميع - الجميع نعم - قوله، و لو بأساليب تتراوح ما بين الحقيقة و تزوير هذه الحقيقة، في وليمة تاريخيّة من ولائم الكرامة أو الخساسة ، تبعاً لمن يقول و تبعاً لما يقول.
***
فعقّب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:
كان الله في الشمال السوريّ يحاول بكلِّ ما أوتي من تأليه أن يعيد دورة العثمانيين إلى سيرة الأوطان وهو يعارك أكاذيب الإسلام و يقول لمن صعدوا على عرشه كي يصلوا إلى أكذوبة غفرانه و هم لا يملكون من أقاويل الغفران إلا نطقها بفجاجة في وجه من يرفع عصا إبيستيمولوجيته لا ليضرب موسى و لا ليخرج يده من جيب الثورات سوداء لا تعرف النصوع.
وهذا ما يعمل عليه الله في جلسات لن تنضب من ذاكرة التاريخ و لكن ليس ذاك التاريخ المقهور المتداعي بوهابية ابن تيمية أو بسلفية العرعور الذي مرَّ على اللعبة الكوسموبوليتية لبناء الدول لكن لا ليبنيها بل ليؤكِّد أن من يخونون الأوطان لن توقفهم هوية و لن تثنيهم قومية!
و عندما استدار الله ليعبر بالأوطان لم يكن رمضاني الانتساب و لم يكن صوفيّ اللغات بل كان ربانيَّ المعاني يرى في عيون العباد رهبانية و رهبة و يلمح بلمح البصر نفاقاً تاريخياً منقطع النظير حينما يرى من يقدِّس علياً يُذبح بأيادي من يجنحون لرواية أبي بكر و عمر..
و عندما يرى الخوارج يخرجون من إفكٍ إلى إفك لتغدو عائشة أغنية الباحثين عن الخلاف في زمنٍ تصعد به الأوطان إلى أفلاك الحداثة و التطور كي لا تبقى في شرعة الأبجديات المنقرضة تجتثُّ قيامات الأوطان حتَّى قبل أن تدرك بصيص خلاصها المتنازع عليه في كتب اللاهوت و في صحائف العلم..
رغم أن القرآنيين ينسبون للقرآن كلَّ إعجازٍ لغوي و علمي و رقمي دخل التاريخ كما يقولون و نسي أن يقوم من سقطات الساقطين الذين لا يوفرون و لا يدَّخرون جهداً في تحويله إلى صفحاتٍ تشرب دماء إنسانيتنا و أوطاننا!
يرفع الأسد البشَّار سيف سورية و مشاعلها مبشِّراً أنَّ الأوطان لا اعتناق لها سوى الإنسان بمواطنته لا بمذهبه و مذهبيته و من ما زالوا يقولون "نحنا الدولة ولاك" إذا ما كانوا يدركون رؤية القائد البشار الذي يسعى لبلوغ شمس الحداثة و ما بعدها و الاختصاص بعد عبور كواكب لا حصر لها في حروبٍ لم يشهد لها التاريخ مثيلاً يدرك أن النموذج الموحي في سورية ما كان ليبقى لولا حيوية الشعب السوري على الرغم من كلِّ ما يخالطه من تشوهات مصدَّرة أو مرسخة..
مما جعله دوماً يكرِّر بدينه المحمَّديّ أنَّ دين سورية الوطنيّ هو أرقى أشكال المحمدية و هذا هو الوحي الموحي لبناء سورية قادرة على الوصول إلى بر الأمان بعد أن عصف بها العالم و من خلالها كي يدرك وليده المفقود في يمِّ موسى تمشِّطه كلُّ مدمرات البقاء و الفناء عليهم أن يؤمنوا بسورية!
لنا بسلاسلك أن نوحي ونستوحي بعقولنا لا أن نتبع وحياً يوحى دكتورنا الغالي بهجت سليمان.