د. بهجت سليمان: العلمانية... و الصوفيّة
(استجابةً لرغبة الصديق العزيز: الصحفي والمحامي السوري: "باسل ديوب" الذي وجه سؤالا في تعليق له على أحد منشورات صفحتي، جاء فيه):
{الكثيرون ينطلقون في علمانويتهم الرثة من خلفية عرفانية صوفية..
وسؤالي المشروع:
هل الصوفية في الإسلام تأخذ أسرارها من أقطابها، بالنقل؟
أم توصلت إلى تلك المعارف، بالعقل؟
هو سؤال ثقيل جدا.. ويفتح بابا كبيرا للنقاش العقلاني.. لإغناء الفكرة.. وهو تحد عقلي لا أكثر.}
وإليكم وإليه الجواب:
دعنا، أوّلاً، نعيد ترتيبَ "الأثاث"، علّنا نجد زاوية هادئة للتّفكير، تسمح لنا بإعادة الاعتبار إلى بعض ما هو في أفق "السّؤال" أو "التّساؤل" مضمون "التّمرين" العقليّ الذي أوحيتموه..!
تتداخل جملة من "المصطلحات" في ثقافة "العوامّ"، فيُحيل، بهذا، الرّاقدون وراءها، مضامينَها إلى فوضى القراءة و عبثيّة الفهم و استحالة الإدراك ، و عنف التّحليل المبنيّ على تعسّف الأهواء و المواقف المسبّقة.
فالتّصوّف يُخْلَطُ بالغنوصيّة و النّسك و الزّهد و العلوّ (الترانسندنتال)..
و جميع هذه المصطلحات هي على تباين و لو أنّ بعضها يدخل في "هيراركيّة" ميتافيزيقيّة (تراتبيّة لاهوتيّة، و فلسفيّة) لها بعدها الرّوحيّ و "القلبيّ"، من دون أن يكون لها و لأغلبها بعدٌ مباشر في التّفكير العمليّ، هذا التّفكير الذي ينتسب إلى مرجعيّة مختلفة و متمايزة، هي مرجعيّة اليوميّات الثّقافيّة التي تنفتح على أبواب مشبوهة، عند إسقاطها على محاور الأخلاق و القيم و الشّرف و الواجب و ما إلى ذلك من مقتنيات "الوجوب".
ثمّ، كلّا (!)، فإنّه ليس في الأمر الذي تطرحه أيُّ "تحدّ عقليّ"، بل قد يكون هناك تمرينٌ عقليٌ، ذلك لأنّ المسألة جليّةٌ في النّظر التّاريخيّ إلى هذه "الإشكاليّة" غير النّاضجة في حقيقة الواقع و مثاليّات القراءة و النّظر و التّفسير؛
كما أنّه سؤالٌ بسيطٌ، و بخاصّة، عندما نجعل "المصارحة" مبدأً من مبادئ "الحوار"، و دون التّعلّل بالمتشابهات الرّمزيّة.. في الوقت الذي يمكن لنا أن نستغني عنها بواسطة "أمّ الكتاب"!
و نحن علينا، قبل ذلك، و من جديد، أن نفحص أدوات تفكيرنا لننظر في صلاحيّتها لبحث هذا المأزق الاجتماعيّ و الثّقافيّ، على ما سوف نوصّفه، نحن، توصيفاً مختلفاً، من زاوية جادّة أكثر ممّا هي منطلقٌ للتّحيّز "الدّافعيّ" الغامض..
1 • لا علاقة "عضويّة"، أو فيزيائيّة، للتّصوّف.. بالعلمانيّة أو بالعلمانويّة لا من قريب و لا من بعيد؛ و هذا عندما نُعيد ضبط "المصطلحات" على الأصول!
2 • عن أيّة صوفيّة يجري الحديث: هل هي صوفيّة "الحلّاج" أم صوفيّة "البسطاميّ" أم صوفيّة "العطار" أم صوفيّة "الرّوميّ" أم صوفيّة "الطّرق" الإسلاميّة الأخرى (نقشبنديّة، جيلانيّة، رفاعيّة..، إلخ) الشّهيرة في "التّذوق" الجماعيّ المحدود و المبنيّ على "تحيّزات" واضحة هدفها "الانفراد" و تعظيم "الذّات" الفرديّة و "الجماعيّة" خروجاً من الاندماج الاجتماعيّ و الانسانيّ في طريق التّشتّت و التّشتيت؟!
و ذلك لولا أنّه من المفهوم أنّ "الإشارة"، في التّساؤل..، تحمل بعداً آخر..
و هي - أي الإشارة - نقدٌ ضمنيّ لمواقف سياسيّة و اجتماعيّة، يتّخذها "البعض"، مبنيّة على "عزلة" إيمانيّة ("اختياريّة"، أو قهريّة تاريخيّاً)، تعود لفرقة دينيّة محدّدة ("العلويّة"، مثلاً! - كطريقة صوفيّة - و ربّما في الإشارة الدّلائليّة الضمنيّة.. يكون القصد: "على الحصر"!؟) تحمل في ثناياها موقفاً نقديّاً مبطّناً لفرق دينيّة أخرى، أو هجوميّاً، بالاستنتاج..
و عندما يكون الأمر كذلك ، فإنّ علينا أن ننظرَ إلى "المقابل" ، "الآخر" ، أيضاً ، و نتحرّى مواقفه المبنيّة ، كذلك ، على معتقداته الدّينيّة "الخاصّة" و المختلفة و المناوئة؛
كما علينا ، أيضاً ، التّنبّه إلى أنّنا، في مثل هذه الحالة، نحن لا نتحدّث عن فرقة "صوفيّة" أو فرق صوفيّة و أخرى "عَقَديّة"، و إنّما نتحدّث عن فرقة ِعباديّة "إسلاميّة"، لها قراءتها التّأويليّة للقرآن و الإسلام كسائر الفرق "الإسلاميّة" الأخرى، التي انفردت كلّ منها بقراءة خاصّة و مغايرة لمضمون الإسلام و آيات "القرآن"؛
و أكثر من ذلك ، فإنّه قد يستبطن "العلويّين" (إذا كانوا هم المستهدفين في مضمون السّؤال!) خلافاً شديداً مع "الصّوفيّة"، و موقفاً مترفّعاً عنها يخالطه استغراب..!
و في هذه الحالة فإنّه يتحتّم علينا البحث في الجذور الاجتماعيّة و السّياسيّة و الثّقافيّة التّاريخيّة لمختلف الفرق الإسلاميّة و مواقفها التّأويليّة إزاء "العبادات" و الأركان الإسلاميّة، كما إزاء "التّفسير" و "التّأويل" و "أسباب النّزول" المتعلّقة بآيات القرآن الكريم؛
لننتقل بعدها إلى البحث في أثر ذلك على "التّاريخيّ" و "الاجتماعيّ" و "الثّقافيّ" و "السّياسيّ" في الماضي و الحاضر، و آثار الانقسامات التّاريخيّة الأيديولوجيّة التي تتعلّق بالمواقف السّياسيّة ذات البعد الاجتماعيّ، أو العكس، و نهاية بالاختلاف على المنظور النّقديّ المعاصر المفضي إلى "اختلافات" أو إلى "خلافات".
و في مجمل هذه الحالات فنحن أمام تناقضات و خلافات تتجاوز قرار الحكم بالصّحيح و الخاطئ على المضمون التّاريخيّ للإشكاليّة، حيث تعلّمنا من النّظريّة النّقديّة العقلانيّة أن لا نحكم على ماضٍ بالسّلب أو الإيجاب ، و إنّما علينا أن نحاصر حاضِرَهُ "نقديّاً" كي لا يتوسّع ذلك الماضي الخلافيّ باستمرار ، بعد أن قضى الماضي قضاءه الخالص و فرض علينا أن ننظر إليه بموضوعيّة، تُقارِبُ الحكمَ الإيجابيّ عليه ، كماضٍ و تاريخ، من حيث أنّه تاريخ "صحيح" بنظر "الحقيقة" لأنّه واقعيّ و مُبرم.
3 • يختلف "العرفان" عن "الصّوفيّة" و لا يجوز، إلّا في ما حصل، سابقاً، من خلط في "الثّقافة"، أن ندمج هذا بذاك؛
و في هذا السّياق لا يمثّل (إبن عربيّ) نموذجاً للتّصوّف - على عكس ما هو شائع -، بقدر ما يُمثل "قارئاً" خاصّاً للإسلام، انفرد بقراءته عن "النّقل" و عن "العقل"، و هو أهمّ من طرحَ مسألة "العرفان" الدّينيّ الذي يختلف بعمق منهجيّ عن أيّ مدرسة من مدارس و مناهج التّصوّف المعروفة في "الإسلام"؛
إذ أنّ "العرفان"، لغةً، هو المبالغة في "المعرفة"، و يعني تقصّي أبعد ممكناتها الإيحائيّة و الاستيحائيّة، و لكنْ بناءً على الاشتغال العقليّ و الجهد و الكدّ الإراديّ و المجاهدة "القلبيّة" التّأمّليّة بما يتجاوز في مفهومه (العرفان) العلم و التّعلّم المعروفَين؛
فيما تبقى "الصّوفيّة" و "التّصوّف" إيماناً تلقائيّاً و عفويّاً ذاتيّاً، و اعتقاداً لَدُنِيّاً تقديريّاً و تخمينيّاً و عُصَابيّاً "مُشوّهاً"، لا يحتاج، وفق أصحابه، إلى أيّة إسهامات أو اجتهادات و قياسات, و تنظيم "علم الكلام"، و مبتكرات "الّلاهوت" و قواعد العقيدة و العقود.
بعد هذه "المقدّمة" يمكننا أن ننتقل إلى السّؤال المركزيّ:
"هل الصوفية في الاسلام تأخذ اسرارها من أقطابها بالنقل ام توصلت الى تلك المعارف بالعقل؟"
من الواضح أنّ القناعة السّياسيّة و الثّقافيّة قد طغت ، على مضمون و صياغة هذا " السّؤال " حتّى أحالته إلى نصّ بِعَوَزٍ "معرفيّ" دقيق، فكان، و الحالة هذه، لا بدّ من "الخلط" و الارتجال في تنفيذ الأحكام على "الآخرين"؛
ما أفضى إلى تَبَدُّدِ مضمون أو "معنى" أو مدلول للسّؤال!
و علاوةً على ما قلنا في "المقدّمة"، فإنّ "الصّوفيّ" لا يعتني بالسّياسة إن لم يكن يحتقرها نتيجةً لتجاوزِه الموهومِ عالمَ البشر اليوميّ و شؤونه و مشكلاته الخاصّة .
إنّ للصّوفي شؤونه و مشكلاته التي تتعلّق بكميّة الطّريق التي قطعها إلى "الله"، أو بطريقة الجلوس مع "الله" إن كان قد سبق أقرانه و وصل..! أو بشعوره أو إحساسه برائحة الله الذي "حلّ" فيه..
فلا يعنيه إن كانت الأنظمة السّياسيّة و أنظمة الحكم في الدّول مدنيّة أو علمانيّة أو ملحدة أو مؤمنة؛ فكلّ ذلك، بالنّسبة إليه، هراءٌ هو و "العدم" سواء.
و في النّتيجة ندرك أنّ "الصّوفيّ" لا يأخذ لا بالنّقل و لا بالعقل، كما رأينا بخصوص أدواته الاندماجيّة مع موضوعه الأوحد الذي في إطاره يتكهّن بقربه من "الله" أو التّماهي فيه..
و يكون علينا العودة إلى منطلقات حديثنا الأولى من أنّ "الاعتقاد" الدّينيّ و الإيمانيّ، بما يختلط فيه بالثّقافة و الاجتماع، لا بدّ له من اختراق هذه الجدران الهشّة إلى "السّياسيّ" و ترتيب القناعات تبعاً للمنظور التّاريخيّ، الذي يرى وضعه "الخاصّ" فيه، في ما يقدّر أنّه أنسب إليه و أفضل و أكثر "عدالة" و "طمأنينة" و "أماناً"..
و هذا ما ينطبق على "جميع" المتديّنين (أو المؤمنين)، ليس لأحدٍ منهم، بهذا، أفضليّةٌ أو تفوّقٌ على "لآخرين".